PDA

عرض كامل الموضوع : أرصفة


يوسف
26-01-2009, 12:48 AM
كُلما أدركت السماء سكن الليل، استيقظت الكلمات، فبدأت تتشكل في كل مرة غيمة جديدة، لتمطر مطراً مختلفاً لا تتشابه ألوانه. هُنا فقط، سأصنع وطناً .. بلا هويّة، سأدون الاقتباسات، القراءات، المطالعات، وكل ما قد يعتريني من كتابة وأنا أقلب الصفحات حولي، وكل ما قد يشغلني فأجد سداداً للثغرة التي تستوطن تفكيري فأجاهد الحرف حتى يخرج متساوياً في صفه، معتدلاً في هيئته، واضحاً في شكله.

* هنا (http://vb.eqla3.com/showthread.php?t=324285)أرصفة 2008

يوسف
26-01-2009, 12:49 AM
قصة الفلسفة - ويل ديورانت

http://abuwabdallh900.googlepages.com/StoryofPhilosophy.jpg

ويل ديورانت, صاحب الكتاب الكبير عن قصة الفلسفة, والذي أصبح الآن مرجعاً كلاسيكياً لكل المهتمين بالفلسفة, اشتهر بانزال الفلسفة من برجها العاجي ثم تسهيلها وتبسيطها لكي يفهمها الجمهور العام غير المتخصص. في كتابه قصة الفلسفة خصص عدة صفحات لتقديم واستعراض أهم أفكار وفلسفة كبار الفلاسفة من سقراط و أفلاطون وأرسطو إلى فُولتير وكانط و سبينوزا وشوبنهاور ونيتشه. سبب شهرة الكتاب هو هذا الجمع البسيط المميز بين السيرة الذاتية, وعرض الفلسفة وأهم الإصدارات والتغييرات, وتقديم نقد بسيط لكل فيلسوف. المدخل الرئيسي لقصة الفلسفة هو أن الفلسفة تبدأ عندما يبدأ الإنسان يتعلم الشك, وخصوصاً في المعتقدات التي يحبها والعقائد والحقائق المقررة التي يؤمن بها ويقدسها. من يعرف كيف أصبحت هذه المعتقدات العزيزة علينا حقائق يقينية بيننا, وفيما إذا كانت لم تلدها خلسة رغبة سرية ملبسة الرغبة ثوب الفكرة؟ لا وجود للسياسة الحقة ما لم يتجه العقل إلى فحص نفسه:" اعرف نفسك" كما قال سقراط.

أحد أجمل الفصول في الكتاب وأكثرها إثارة هو فصل فولتير. قد يستغرب البعض لماذا يخصص ديورانت فصل كامل و طويل لفولتير, وهو ليس فيلسوف بالمعنى العملي للفلسفة. قد لا يكون فولتير فيلسوفاً بمعنى أنه صاحب منهج فلسفي ونظرية في الوجود والإنسان والحياة. ولا تقارن فلسفته مثلاً بفلسفات كبيرة أحدثت زلزالاً معرفياً مثل مشروع كانط النقدي, ولكنه بالتأكيد فيلسوف حين يمارس النقد انطلاقا من العقل. و يعتبر من الرموز الفكرية الكبيرة التي أسست لحركة التنوير الفكري الأوروبي. رجل يصف اسمه القرن الثامن عشر كله. لست أنا من قال بهذا بل يقول به أحد رموز الأدب العالمي الفرنسي الكبير فيكتور هيجو. وهو الذي قال عنه لامارتين "إذا كنا سنحكم على الرجال بأفعالهم عندئذ يكون فُولتير أعظم كاتب في أوروبا الحديثة بلا منازع".

السبب الرئيسي لقراءة هذا الكتاب هو الإعداد لقراءة كتاب ضخم لدي عن كانط وفلسفته السياسية بعنوان" فلسفة كانط السياسية" للدكتور السيد المحمودي. لا أعتقد بأني سأقتحم عالم كانط النقدي, يقال بأن غوته لم يقدر على قراءة نقد العقل الخالص لأن الكتاب بأكمله عباره عن حريق فلسفي هائل. حتى أحد أصدقاء كانط" هرز" لم يقدر على قراءة نقد كانط. قال بعد أن قرأ نصف الكتاب:" إنه يخشى على نفسه من الجنون إذا واصل قراءة الكتاب". الصعوبة التي وجدها بعض القراء في فهم كانط هي النتيجة الطبيعية للحياة الصلبة النادرة التي عاشها الفيلسوف, ولأربعة عشر عاماً طويلة عاشها يوماً بعد يوم, بل ساعة بعد ساعة بين جدران عالمه النقدي, يصحو وينام ويسأل نفسه أسئلة كهذه:" كيف تصبح القضايا التركيبية القبلية ممكنة؟ كيف أستطيع أن أجمع بين عنصرين متنافرين, المحسوس و المعقول؟ كيف أوفق بين عالم الطبيعة الذي تسيطر عليه الضرورة وبين عالم الأخلاق الذي تسوده الحرية؟

هذه الصعوبة في فهم كانط هي التي أدت إلى التضارب في الأراء والتعليقات حول فلسفته النقدية: المتدينون أعلنوا أنها محاول شاك يحاول تقويض نظام المعرفة, وقال أصحاب الشك إن نقد كانط ادعاء وقح يحاول بناء صورة جديدة من اليقين في العقيدة على أنقاض الأنظمة الماضية, وقال المعتقدون بما وراء الطبيعة إنه حيلة مدبرة وخبيثة لمحو أسس الدين التاريخية وإقامة المذهب الطبيعي بلا جدال, وقال الطبيعيون إنه دعامة جديدة لفلسفة الإيمان التي تحتضر. وقال الماديون أنه مثالية تحاول نقض حقيقة المادة, وقال الروحانيون إنه تحديد لا مبرر له للحقيقة كلها وحصرها في العالم المادي. عظمة مشروع كانط النقدي ومجده تقع في تقديره لجميع وجهات النظر وذكاء كانط نفسه, ولعله قد وفق بينها جميعاً وصهرها جميعها في بوتقة من وحدة الحقيقة لم تشاهد الفلسفة له مثيلاً في تاريخ الماضي كله.

بقدر إعجابي الكبير بهذا الكتاب, بقدر سخطي على المؤلف بعد قراءة الكتاب. طرح هذا السؤال في ذهني بعد قراءة الكتاب مباشرة, الكتاب يتكلم عن الفلسفة, ف أين ديكارت, أبو الفلسفة الحديثة؟ لمن يريد القراءة بالفلسفة, هذا الكتاب يقدم لك بأسلوب سهل ممتنع قصة الفلسفة من بداية الفلسفة اليونانية إلى عصر الفلسفة الأوروبية. بالإضافة لرواية عالم صوفي لـ جوستاين غاردر التي تعتبر مدخل سهل جداً و ممتع في قالب روائي جذاب لتاريخ الفلسفة.

بطة
26-01-2009, 05:44 AM
أسعد الله أوقاتك / يوسف

و لأنني انتهيت قبل أيام من " عالم صوفي " مرافقةً ( أكاديمية الفلسفة ) pb189
ستكون ( قصة فلسفة لـ ويل ديورانت ) هي محطتي الثانية في هذا المشوار ..

لمِنَ العبقرية كتابة تاريخ الفلسفة بالشكل السهل الممتنع، ذاك يحسب لكل من جوستاين غاردر و ويل ديورانت ،،،
و منَ الجيد البدء بقاعدة صلبة تمكِّن من التفرع بعدها ..
الأمر أشبه بإهدائم إيانا أرضاً خصبة و لنا اختيار بذورها و زراعتها كيفما شئنا ..

سعيدةٌ جداً بعبوري من هنا .. bp039

و...
26-01-2009, 10:37 AM
الله يايوسف هذا الكتاب جنبني عناء إعادة الخطوط العريضة من عالم صوفي
نتيجة "فهاوتي".
أكثر ماشدني في الصفحات التي قرأتها أن أفلاطون ضد الديمقراطية
وأنها لن تكون حلّ في المشكلة السياسية بعكس ماكنت أعتقد
[إن مبدأها الأساسي هو مساواة الجميع في حق الحصول على المنصب,
وهو يبدو ساراً لدى النظرة الأولى ولكنه يتحول إلى كارثة ونكبة لأن الشعب
ينقصه الإعداد الكافي في التعليم لإختيار أفضل الحكام]

::
السبب الرئيسي لقراءة هذا الكتاب هو الإعداد لقراءة كتاب ضخم لدي عن كانط وفلسفته السياسية بعنوان" فلسفة كانط السياسية" للدكتور السيد المحمودي.

سترافقك المتعه ...قبل فتره عرضت قناة الجزيرة مباشر محاضرة عن فكر
كانط السياسي لاحظت أنه يشبه كثيراً أفلاطون بدايةً من إقحام الفلاسفة في
السياسة كبوصلة لتوجيه الرؤساء إلى الطريق الصحيح..كذلك دعوته إلى
تحقيق مجتمع آمن بعيد عن أي صراعات كل هذا يُقربه من مثالية أفلاطون..


أرصفة زاخرة bp039



.

أنـوثـة للحظـات
26-01-2009, 02:05 PM
مواضيع ذات علاقة :
- قصة الفلسفة/ ويل ديورانت (http://vb.eqla3.com/showthread.php?t=278808)
...bp039

بريساريو
29-01-2009, 11:37 AM
قصة الفلسفة - ويل ديورانت

http://abuwabdallh900.googlepages.com/StoryofPhilosophy.jpg

هذا الكتاب .. خرافة .<< بدأت :D
ويل ديورانت مخلوقي المفضل ... فقصة الفلسفة -و كذلك قصة الحضارة - تتميز بطريقة سرد ذكية .. صعب إنك تجدها عند كاتب أخر ...

الجميل في ويل .. انه لا يفصل في سرده بين الفلسفة و الفيلسوف .. فحين يتحدث عن سقراط مثلا.. تجد نفسك لا إراديا .. تعتقد أن فلسفة سقراط هي سقراط نفسه << بدات أتفلسف pb036
و الحال كذلك بالنسبة لسبينوزا ...وشوبنهور .. وكانط .. وغيرهم ...

ثم الأجمل أن ديورانت ..يحمل القارئ على تتبع تطور الفكر الفلسفي عند الفيلسوف الذي هو بصدد الحديث عنه ... يعني يكاد يجعل القارئ يعاين مولد الأفكار الفلسفية عند كل فيلسوف .. لأن ديورنت يظهر براعة في الإلمام بالناحية الإجتماعية و الفكرية و السياسية التي تحيط بكل فيلسوف .. فيصهرها في قالب واحد متماسك ..

ما يجعلني أحب هذا الكتاب أكثر ... هو تعليقات ديورانت نفسه في ثنايا عرضه لفلسفة ما ... تعليقاته أجدها ذكية ...بل وساخره أحيانا ... تدعو للعجب بالفعل ..:rolleyes: ..و تشي بأن الفلسفة ماهي إلا دورة أفكار أزلية .. تجسد مدى قصر الإدراك الإنساني ...

قصة الفلسفة ..من أجمل ما أقتنيت ..... bp039
.................................................. ......................................
أما عن كانط ... فهذا الفيلسوف إستطاع أن يبني الفلسفة من جديد ... طبعا غني عن الذكر بأنه يلقب بالمعلم الثاني ..
و الكثير من نظريات العلم الحديث - في شتى فروع العلم - تدين لفلسفة كانط .. بالكثير و الكثير ..
ما لفت إنتباهي حقا ... أن كانط تاثر بقطبين متناقضين .. هما ليبنز العقلي و ديفيد هيوم الحسي
و أستطاع أن يخرج بحل لهذا التناقض ...كفلسفة مثالية رائدة ..

الخلاصة ...pb036
لو كنت بصدد قراءة فلسفة كانط مثلك ... فأظن أني سوف أضطر للإطلاع على فكر ليبنز و فكر ديفيد هيوم أولا ..حتى أكون أرضية مشابهة- على الأقل - لمنطلقات كانط الفكرية ... لأستطيع أن أكون فكرة كاملة - نوعا ما -عن فلسفة كانط ... لأنها فلسفة جديرة بالإهتمام من وجهة نظري ..طبعا :) ... فلسفة محفزة على التفكير المنتج <<< عشم ابليس:D

اتمنى أن أطّلع على فلسفة كانط ....بصدق ... لكن المشكلة في الساعة << لحد يسأل كيف :D

يوسف
07-02-2009, 05:23 AM
شِعرية باسترناك : الدكتور زيفاجو



تسألون ..
لماذا لا يتحدث في شعره عن الأحلام
عن الأمل ..
عن الأوراق ..
عن البراكين العظيمة في وطنه الأصيل ؟

تعالوا لتروا :
الدم في الشوارع !
تعالوا لتروا :
الدم في الشوارع !
تعالوا لتروا :
الدم في الشوارع !

بابلوا نيرودا.



هذا المقطع الشعري البسيط من الشاعر التشيلي الكبير بابلوا نيرودا يلخص حكاية القديم والجديد, الحياة والموت, الثورة والحروب الإهلية, ومصير الإنسان المتعلق بأرض انقلب ما تحمله في طياتها من الأعلى إلى الأسفل. لن يكون هناك قداسة لأي شيء. كأن الإنسان المولود على هذه الأرض قد عاش حياته مسلماً أمره لمن يأخذ بيديه كالطفل, ثم إذ به يصبح وحيداً ويتعين عليه أن يتعلم كيف يسير وحيداً غير معتمداً على أحد.

أتذكر ذلك الإحساس الجارف بالقوة بعدما فرغت من قراءة رواية الأم للروائي الروسي مكسيم غوركي. لم أرى العمال ضعفاء يتعرضون للركل والضرب وسوء المعاملة والإستغلال من قبل الطبقات العليا. بل وجدت عمال ثائرين مستعدين لقلب هذه الأرض بأيديهم حتى يحصلوا على كافة حقوقهم .. كافة حقوقهم, وبالقوة. يسيرون في الشوارع والطرقات, ويهيئون الدعائم الأساسية للثورة الإشتراكية: يا عمال العالم اتحدوا كما جاء في بيان كارل ماركس. هؤلاء هم العمال ثائرين ..مستعدين لتحطيم كل شيء والتضحية بأرواحهم في سبيل قضيتهم الأم. ولكن, ما مصير الناس, ما هو مصير مجموعة هائلة من الناس يقودهم هؤلاء الثائرين الذين لا يخشون شيئاً؟ عائلاتهم, أبنائهم, بيوتهم, الهواء, الأرض, السماء, التاريخ, الحقيقة .. هذه الدلائل كيف ستكون بعد تحقيق الغاية النهائية لتحقيق الحلم الثوري.

لم أفكر بطرح هذه الأسئلة إلا بعد قراءة الشياطين للروائي الروسي الكبير دستويفسكي. دستويفسكي في الشياطين هاجم بكل ما تحمله السخرية من معنى التيارات الثورية. بهذا العمل الساخر يحاول دستويفسكي حماية الملكية الروسية بمهاجمة القوى التي تقوضها وتهددها. الشيء الذي يخلب ألباب الشياطين في الإشتراكية حسب تحليل دستويفسكي هو الجانب العاطفي المثالي, الشيء الذي يفتنهم هو نوع من الروح الشعرية, نوع من الروح الدينية وهم لا يعرفون عنها شيئاً. في هذا العمل الساخر لم يهاجم دستويفسكي نتشايف وباكونين, المنفذ والأب الروحي لجماعة التنظيم الثوري, بل امتدت لتشمل بتروشيفسكي وتيمكوفسكي وهرتسن وفورييه وبيلنسكي وغيرهم من أباء التيار الثوري الروسي. لا يوجد عمل استطاع كشف الحالة السيكولوجية لشخصيات التيار الثوري مثل الشياطين. دستويفسكي كان مستعيناً بقصائد بوشكين التي تمثل الروح الروسية بأصفى تجلياتها, وبالإنجيل الذي ينكره الثوريين. ولكن .. هناك شيء واحد لم يستطع دستويفسكي أن يكتب عنه بكل قوة. النقطة هي حال الناس بعد تحقيق الثوريين لحلمهم: ما مصيرهم؟


http://abuwabdallh900.googlepages.com/pasternak.jpg


أنا لم أقرأ رواية أو عمل أدبي فذ يستطيع قذف القارئ إلى داخل الثورة والحروب الأهلية مثلما استطاع هذا الشاعر الفذ: بوريس باسترناك في ملحمته النثرية: دكتور زيفاجو. يحكى أن ستالين قرأ ذات يوم قائمة بأسماء الذين صدرت أوامر باعتقالهم, وحين مر على اسم بوريس ليونيدوفيتش باسترناك قال : لا تلمسوا ساكن الغيوم هذا!. لو عرف ستالين بأن هذا الشاعر المترجم لأعمال شكسبير للروسية سيدين الثورة ويهاجمها في عمل من أهم الأعمال الأدبية في القرن العشرين, لأمر بتصفيته جسدياً.

لهذه الرواية الحاصلة على جائزة نوبل عام 1958 قصة يجب أن تذكر. باسترناك لم يصدر الرواية في بلده الأصلي الإتحاد السوفييتي السابق. وصلت بعض مقاطع هذه الملحمة إلى المؤسسات السوفييتية, وتم رفض نشرها لمهاجمتها الثورة والتفكير الثوري. تم تهريب الرواية إلى الخارج وتمت ترجمتها وصدرت بعدة لغات. في العام التالي لصدور الرواية تم الإعلان في ستوكولهم عن فوز باسترناك بجائزة نوبل للأدب عن عمله الملحمي" دكتور زيفاجو".

بغض النظر عن صراع الأقطاب "المعسكر الغربي والمعسكر الشرقي", وتوضيف المعسكر الغربي لهذا العمل في شن حرب ثقافية فكرية على المعسكر الشرقي, وتهيئة المناخ لتوزيع العمل داخل المعسكر نفسه. هل تستحق رواية دكتور زيفاجو جائزة رفيعة كجائزة نوبل؟

لن أفكر بالصراع القائم آنذاك في الحكم على استحقاق الرواية لجائزة رفيعة, وما إذا كانت الولايات المتحدة عبر جهاز المخابرات كما نشر لاحقاً ساعدت باسترناك في الحصول عليها. لو هناك جائزة أرفع من نوبل في الأدب فالشاعر باسترناك يستحق الحصول عليها بكل قوة نظراً لموهبته الشعرية الفذة في دكتور زيفاجو. لو لدي القدرة على تصنيف رواية باسترناك لقلت بأنها خرجت من رحم أدب القرن التاسع عشر. ولا تنتمي إطلاقاً لأدب العشرين. فيها من شعرية القرن التاسع عشر الكثير. بين الدمار والحرب والدم يتماهى باسترناك بقارئه ليحكي له سيرة الحب والحرب والوطن عبر قصة يوري زيفاجو ولارا الهائلة. تلك العلاقة التي فُرضت فرضاً لأن كل ما حولهما أراد ذلك: الأشجار والسحب والسماء التي تظللهما والأرض التي تحت أقدامهما. العالم الذي يحيط بهما, والأغراب الذين يقابلونهما في الطريق. المناظر الطبيعة التي تمتد أمامهما حين يسيران معاً, الغرف التي عاشا فيها أو تقابلا. والرواية تجمع فن الطب والعلاقات العائلية والحب في مقابل الخبرة والثورة والمجتمع والحرب.

تناولت رواية "دكتور زيفاجو" أحداثاً تدور بين عامي 1903 و1929، وهي أعوام الضياع والاضطرابات الدموية في روسيا. بطل الرواية الدكتور زيفاجو يرفض العنف المتبادل بين الحمر والبيض، ويقول: "إن عبارات مثل: فجر المستقبل، وبناء عالم جديد، ومستقبل الإنسانية في أيدي هذه الطليعة... عبارات لا معنى لها". ويعود الدكتور زيفاجو إلى موسكو عام 1922 ليعيش في فقر مدقع، ويشعر في أحد أيام عام 1929 بالغثيان متأثراً بكل ما يدور حوله فينزلق من الحافلة التي يستقلها مرتطماً بالأرض ليصبح جثةً هامدة، وهو في ذروة عشقه للحياة، مخلفاً وراءه بعض القصائد. أكد باسترناك في روايته النزعة الإنسانية ورفض العنف.

من أشد لحظات هذه الملحمة موتاً و دموية هي آثار الحرب في حياة المدنيين المعنوية والمادية. وتصوير عمل الفتيان في الميدان وبلاءهم في الحرب, حين تتقدم الجيوش الروسية وتضطر إلى التقهقر, وفي أثناء ذلك تحدث الثورة الكبرى سنة 1917م, فيصف باسترناك صدى هذه الثورة في الجيش واضطراب الجند وضباطهم, بين مصمم على القتال ومؤثر للسلم والعافية, حتى إذا وصلت أوامر الثورة إلى الجيش زاد اختلافهم وتفرقهم.

ثم يكون الصلح الذي انفردت به روسيا من دون حلفائها, ولكن الثورة قد أثرت في كل شيء: حياة الجنود المحاربين, وحياة المدنيين القلقين, وإذا بالأمور كلها تشتد أشد الاختلاط. وإذا الناس بين مؤمن بالثورة ومخلص لها.. منكر لها .. جرئ على الإنكار .. مشفق على الثورة ويخشى مقاومتها أيضاً. هذه هي الصورة المجملة لموضوع الملحمة. هي إجتماعية بأدق معاني هذه الكلمة لأنها تصف الحركات المؤيدة للثورة والمقاومة لها أبرع الوصف وأشده تفصيلاً.

أمر أخر لم أشاهده في أي عمل روسي إلا في ملحمة الدكتور زيفاجو. لم أجد كاتب وشاعر يستطيع وصف قسوة الطبيعة حين يشتد الشتاء بمثل ما وصفها باسترناك. هو يكتب الشعر حين يصف الطبيعة بقسوتها وجمالها.

كانت بداية القراءة لملحمة الشاعر باسترناك " دكتور زيفاجو" جداً صعبة. عدد شخصيات الرواية يقارب الستين شخصية, وكل شخصية تحمل ثلاث أسماء أو أربعة. إما إختصاراً أو للتدليل. قرأت الجزء الأول و وجدت نفسي تائها لا أعرف أي شخصية وما هي القصة. أعدت قراءة الجزء الأول ومعي ورقة و قلم لتسجيل أسماء الشخصيات ودورها في الرواية. الجزء الأول بأكمله كان مقدمة للعمل, أما الأجزاء الأخرى فكانت هي الملحمة الحقيقة لشعرية باسترناك. قيمة الرواية الأدبية تنبع بأنها صدرت في زمن الإضطهاد وحملات التطهير في الإتحاد السوفييتي السابق. دستويفسكي عندما تنبأ بأفعال البلاشفة والثوريين في الشياطين, أتى باسترناك وقام ببناء ثاني موازي لشياطين دستويفسكي, أو تكملة للشياطين على وجه التحديد. قرأت عن شخصيات جيفاجو سيكولوجياً في شياطين دستويفسكي: بيوتير وشاتوف. وها أنا أشاهدهم مجسدين تجسدياً حياً أمامي عبر شخصيات باسترناك في ملحمته البديعة. ولن تستطيع مشاهد الموت والتشريد والرحيل أن تنسيني زيفاجو وهو ممتطي الخيل مسرعاً ليشاهد حبيبته لارا :

هناك كان بيتها, عند الطرف الأقصى للشارع, تحت الثغرة البيضاء بين السحب المثقلة بالمطر, حيث كانت السماء قد بدأت تصحو مع مقدم السماء .. لكم كان يحب البيوت الصغيرة, القائمة في الشوارع التي كانت تفضي إليها, حتى لقد كان يرجو لو استطاع أن يرفعها عن الأرض .. ويقبلها! .. يا لتلك الفراغات التي تلي السقوف مباشرة, والتي تتوسط كلاً منها نافذة, فكأنه وجه ذو عين واحدة, ويا لأضواء المصابيح والأيقونات, وقد انعكست على البرك المائية التي خلفها المطر, لامعة كأنها ثمار ندية .. ويا لبيتها تحت الثغرة البيضاء بين السحب التي كانت تكسو السماء ! .. هناك لن يلبث أن يتلقى تحفة الجمال الإلهي الأبيض من يدي خالقه !.. هي التي لا يملكها أحد في الدنيا, والتي تتسم بتحفظ وهدوء, كليلة من ليالي الشمال البيضاء, فكأنما هذه البشرى الموجة الأولى التي تترامى إليه من البحر حين كان يجري إليه على الشاطئ الرملي تحت جنح الظلام !

Salieri
07-02-2009, 12:43 PM
عزيزي يوسف متابع لـِ إبداعك bp039
كان نفسي أتجاذب أطراف الحديث لكن كالعادة لم أقراها :( , بالمناسبة ذكرتني بالدكتور زيفاجوpb189 كانت مشاهدة الفيلم غنية عن قراءة الرواية / يوسف لـِ إبداعك bp039

يوسف
11-02-2009, 06:45 PM
اللانهائية البورخيسية

http://abuwabdallh900.googlepages.com/Borges.JPG

هناك بوابة أدبية لم تفتح أبوابها لي حتى الآن. أقصد أدب أمريكا اللاتينية. والسبب في ذلك يعود لبحثي عن طريق صحيح وقوي جداً استند عليه في الدخول لقراءة هذا الأدب الثري والغني. عادة, في قراءة أي أدب محدد بمنطقة واحدة أفضل أن اختار أديب قوي يعطيني لمحات من آداب هذا البلد. صورة عامة من الفكر والأدب والشعر والطبيعة الإجتماعية لتلك البلدان. من سأختار كمدخل في قراءة أدب أمريكا اللاتينية؟ هناك أدباء كثر, والأغلب لديه شهرة كاسحة قل نظيرها في القرن العشرين والواحد والعشرين: ماركيز الحائز على جائزة نوبل, إيزابيل الليندي المعروفة بأعمالها الأدبية الرائعة. وغيرهم. لن أختار ماركيز ولا الليندي ولا كويلو ولا يوسا.

فضلت تقديم بورخيس, الشاعر والأديب الأرجنتيني الكبير على كل هؤلاء. لم يكتب رواية واحدة في حياته, طوال حياته الأدبية المثيرة لم يكتب نصاً روائياً واحداً, كان يعتبرها إضاعة للوقت وضرباً من العبث, إذ بالإمكان كتابة قصة مختصرة تتحدث عن القضية الرئيسية بدون إطالة. هو كاتب قصص قصيرة ومفكر قدير وكاتب مقالات أدبية مسكونة بالفلسفة, ومع ذلك هو أحد أهم سادة اللغة الإسبانية في القرن العشرين ومن رواد حركة التجديد الأدبي والنهضة الأدبية في أمريكا اللاتينية. في مذكرات ماركيز "عشت لأروي" يذكر ماركيز أن الأرجنتين كانت بوابة النهضة الأولى في أمريكا اللاتينية إما عبر الترجمات التي كانت تصدر من هناك أو بمؤلفات بورخيس الذي كان ذو شعبية كبيرة في كولومبيا آنذاك.

التواضع والإحساس الدائم أنه لم يفعل شيئا هما أحد السمات الهامة في شخصية بورخيس. ففي صغره كان يتساءل عن الحب الذي يحوطه به مَن حوله، وهل يستحقه أم لا، وكان يشعر في أعياد ميلاده أنه محتال لحصوله على أكثر مما يستحق في هذا العالم. لذا فهو لا يتورع في أواخر عمره عن وصف أعماله بالأكاذيب، وظل لنهاية حياته يشعر أن لديه ثمة ما يريد تحقيقه..أجاب على استطلاع لمجلة أدبية يقول: "ما غاية مطمحكم الأدبي؟" بعبارة: "إن أقصى ما أطمح إليه هو أن أكتب نصا، أو فصلا، أو حتى فقرة، تكون تعبيراً عن أحلام جميع الناس في كل زمان ومكان، ثم لا يكون لذاك النص أية صلة بي بمطامعي وضغائني وبخلافاتي مع الآخرين واختلافي معهم, بكل قسوتهم وآمالي فيهم غير المتحققة، ووعودهم المنكوث بها..". كثيرون من النقاد يرون أثره البالغ على الرواية رغم أنه لم يكتبها. كارلوس فونتيس يقول: "لولا نثر بورخيس -أي قصصه- بالذات لما كان هناك أصلاً رواية أمريكية بالإسبانية".

قرأت مجموعة قصصية له بعنوان "كتاب الرمل". تحتوي هذه المجموعة على أشهر قصص بورخيس الشهيرة : الآخر, أولريكا, المجلس, أوندور, يوتويبا رجل مُتعب, القرص, كتاب الرمل. يستخدم بورخيس في قصة كتاب الرمل رموزه المفضلة: عالم الكتاب والمكتبات, المطلق واللانهائي. كتاب محدود بحجم معين ذو امتدادات هائلة: كأنها غابة ما إن يدخلها القارئ حتى يجد نفسه في عوالم ماورائية لا نهاية لها. حاول بورخيس المكتباتي وأمين المكتبة أن يتخلص من هذا الكابوس المرعب, ولكن كيف؟ هل سيكون حرق الكتاب مفيداً؟ لكن الكتاب لا متناهي, ماذا إذا شكل حرق الكتاب حرق لكل الأمكنة المحيطة بهذا الكتاب! هذه القصة تتناول أحد الموضوعات الأساسية عند بورخيس. موضوع العالم كمكتبة لا متناهية.

في القصة الأولى من الكتاب "الآخر" أجد بورخيس العجوز يتحدث مع بورخيس الشاب. أفكار عميقة وحوارات مذهلة يستخدم بورخيس كل أدواته للتدليل على صواب أفكاره. في مجوعة أخرى له بعنوان "نمور الحلم" تضم قصص قصيرة لا يتجاوز طولها الصفحة الاولى. أتذكر جيداً قصة الأسير, طفل صغير يتعرض للإختطاف من قبل الهنود, يعيش في البراري لفترة طويلة, ثم يعود ويفرح أبويه بعودته بعد سنين طويلة من الفقد. ولكن الطفل العائد لم يتمكن من المعيشة داخل جدارن منزله, هو متعود على الإنطلاق في البراري. في نهاية هذه القصة بورخيس يتساءل :أريد أن أعرف مقدار لحظة الذهول حين يندمج الماضي مع الحاضر؟ أريد أن أعرف إن كان الابن الفقيد قد أُعيدت له ولادته, فمات لحظة النشوة تلك؟ أو أنه توصل لأن يتعرف كصغير أو كلب على أبويه وبيته.

في سنوات الستينات كان عمى بورخيس يتزايد حتى بلغ الكمال عملياً. إذ لم يكن يرى سوى حزمة غير شفافة من تدرجات اللون الأصفر. وقد أهدى كتابه" ذهب النمور" لهذا اللون .. اللون الأخير والأكثر وفاءً لعالمه. ليس اللون فقط هو الجذاب في عين بورخيس, بل النمر: النمر الآسيوي المخطط, والذي لا يقدر على مواجهته سوى محارب فوق معقل فيله. كان يقف أمام أحد الأقفاص بلا نهاية, يحتكم للموسوعات وكتب التاريخ الطبيعي من سناء نورها.

يوسف
11-02-2009, 06:45 PM
صنعة الشعر

http://abuwabdallh900.googlepages.com/Borges2.JPG

انهيت اليوم كتب بورخيس المتبقية لدي: كتاب صنعة الشعر, وكتاب مرآة الحبر, وكتاب المخلوقات الوهمية. كتاب صنعة الشعر أو فن الشعر هو الأقرب والأكثر تعبيراً عن بورخيس, القريب إلى القارئ بأفكاره الموسوعية, وتواضعه. يعتبر نفسه مثل قارئه: أظن أن ما قرأته أهم بكثير مما كتبته.. فالمرء يقرأ ما يرغب فيه لكنه لا يكتب ما يرغب فيه وإنما ما يستطيعه. الكتاب عبارة عن ست محاضرات يحكي بورخيس فيها عن الشعر الجديد والقديم من زوايا خاصة، وفي لغات متعددة، تلعب الذاكرة الشخصية فيها دوراً إبداعياً في الأفكار والتشريح.

صنعة الشعر, وكما جاء في مقدمته: هو مدخل إلى الأدب، إلى التذوق، إلى بورخيس نفسه. من المعروف أن بورخيس ورغم نبرته المتميزة في التقليل من قيمة نفسه وتأكيده بأنه رجل مغمور، نوع من "الرجل غير المرئي" في بلاده فقد كان يُنظر إليه، منذ زمن طويل على أنه رأسمال ثمين كما أن معاصريه الأمريكيين كانوا واثقين من أنه أحد الأسماء المكرسة للبقاء طويلاً على مر السنين وما يؤكد هذه النظرة أن بورخيس صمد لتآكل الزمن المعهود.

في الفصل الأولى "لغز الشعر" تدور المحاضرة حول الطبيعة الأنطولوجية للشعر، وهي مدخل رائع لمجمل الكتاب. المحاضرة الثانية "الاستعارة" محاكاة للشاعر ليوبولدو لوغوينس، كيف استخدم الشعراء عبر القرون الاستعارات النمطية نفسها، والتي يمكن، كما يشير بورخيس، اختزالها في اثنتى عشرة توليفة أساسية، أما الاستعارات الأخرى فقد جرت صياغتها من أجل الإبهار. وستكون بالتالي عابرة وسريعة الزوال. في "فن الحكاية" وهي مكرسة للشعر الملحمي، يتحدث بورخيس عن نسيان الملحمة في العالم الحديث، ويتنبأ بموت الرواية، ويتأمل كيف تعكس أيديولوجية الرواية الشرط الإنساني المعاصر: "لا يمكننا الإيمان حقاً بالسعادة والفوز. وربما هذه هي إحدى مبائس عصرنا". ويدافع عن مباشرة القصة القصيرة، ويظهر نفسه كنوع من المعادي للرواية، ويشير إلى أن الكسل هو السبب الأول في عدم كتابته الرواية. أما محاضرة "موسيقى الكلمات والترجمة" فهي تأمل بارع ومرهف حول ترجمة الشعر، ومحاضرة "الفكر والشعر" توضح وجهة نظره التجريبية أكثر مما هي نظرية، حول طبيعة الأدب، ويؤكد بورخيس أن الحقيقة السحرية والموسيقية هي أقوى من توازنات التخيل العقلي، ويستخلص أن المعنى، في الشعر، هو نوع من القوة السحرية المؤثرة، وأن الاستعارات المقنعة، فضلاً عن إبرازها المعنى، تؤثر على القوالب التفسيرية.

المحاضرة الأخيرة " معتقد الشاعر" هي أهم محاضرة وأجملها, لأنها عن بورخيس نفسه. في نهاية المحاضرة الخامسة يختتم المحاضرة بسخريته المعهودة, بأنه في المحاضرة القادمة سيتناول كاتباً أقل شأناً, سيتحدث عن شاعر لم يقرأ له قط, ولكنه من كتب أعماله: خورخي لويس بورخيس. يشير في البداية كما ذكرت سابقاً بأنه مجرد قارئ, يجد نفسه في القراءة وعالم المكتبات. إنه يتحدث عن تفاصيل العلاقة الحميمية بين القارئ والمكتبة: عندما أنظر إلى نفسي في بعض الأحيان, إلى الكتب الكثيرة التي لدي في البيت, أشعر بأنني سأموت قبل أن أنهيها, ولكنني لا أستطيع مقاومة الإغراء بشراء كتب جديدة. وكلما ذهبت إلى مكتبة ووجدت كتاباً حول أحد الأمور التي تستهويني - الشعر الإنجليزي أو الأسكندنافي القديم على سبيل المثال - أقول لنفسي: يا للاسف, أنا لا أستطيع شراء هذا الكتاب, لأن لدي نسخة منه في البيت!

بورخيس لا يختلف إطلاقاً عن كثير من أدباء الغرب الذين تعرضوا لسحر ألف ليلة وليلة. يقول : بورخيس:" قيض لي ذات مرة أن أقرأ ترجمة أنطوان غالا لألف ليلة وليلة. اكتشفت أشياء كثيرة لكنني حلمت بشيء واحد, هو أن أملك بساطاً سحرياً ينقلني إلى كل الأمكنة وإلى كل الأزمنة, لم يكن هذا ممكنا فأطلقت لخيالي العنان".

في بعض أعماله النثرية والمقالات والأشعار يعود إلى التراث العربي والدين الإسلامي لبناء أعماله. في إحدة قصائده التي تتناول المكتبة- الثيمة المفضلة لبورخيس - يدخل عمر ابن الخطاب في نهاية القصيدة :

أنا، عمرُ الذي أخضعَ الفرسَ
و الذي فرضَ الاسلامَ على طولِ الأرضِ
آمرُ جنودي أن يحرقوا
بالنارِ تلك المكتبةِ الغزيرة
التي لن تفنى. كلُ الحمدِ مذخورٌ
للهِ الذي لا ينامُ، و الصلاةُ على الرسولِ محمد.

في قصة المعجزة السحرية يبدأ بورخيس القصة باقتباس من القرآن" فأماته الله مائة عام ثم بعثه, قال كم لبثت, قال يوماً أو بضع يوم". من سيقرأ الكتاب سيتعرف على بورخيس الشاعر والقاص والعاشق للمكتبة والمكتبات. قد يكون هذا الأديب غريباً بأفكاره المطلقة واللانهائية. وقد يعجب الكثيرين نظراً لسخريته البسيطة والمحببة. أنا متأكد بأن بورخيس سيكون متفقاً مع من اختلف معه, ألم يقل يوماً في قصيدة يرثي فيها نفسه :

يا لأقدار بورخيس
ربما ما من غريب مثلك !

يوسف
12-02-2009, 11:35 PM
"She walks in beauty, like the night"
Lord Byron

http://abuwabdallh900.googlepages.com/LordByron3.jpg

She walks in beauty, like the night
Of cloudless climes and starry skies,
And all that's best of dark and bright
Meets in her aspect and her eyes;
Thus mellowed to that tender light
Which Heaven to gaudy day denies.

One shade the more, one ray the less,
Had half impaired the nameless grace
Which waves in every raven tress
Or softly lightens o'er her face,
Where thoughts serenely sweet express
How pure, how dear their dwelling-place.

And on that cheek and o'er that brow
So soft, so calm, yet eloquent,
The smiles that win, the tints that glow,
But tell of days in goodness spent,
A mind at peace with all below,
A heart whose love is innocent



يحكى أن بايرون كتب هذه القصيدة إثر عودته من حفل راقص. من بين الحاضرين زوجة ابن عم له، كانت ترتدي ثياب الحداد. غير أن ثوبها الأسود كانت تزينه زخارف براقة فضية وذهبية. نشرت ترجمة لهذه القصيدة قبل سنتين من الآن هنا في مكتبة الإقلاع. المقطع الأول من القصيدة أعجبني جداً. بالأمس وجدت بورخيس في كتابه صنعة الشعر يشاركني هذا الشغف بالقصيدة وبالمقطع الأول تحديداً.

" قرأت القصيدة عندما كنت صغيراً. وأتصور أننا جميعاً قرأناها في سن مبكرة. ولكنني اكشتف فجأة منذ يومين أو ثلاثة أيام, أن في الأمر استعارة معقدة جداً. لم يخطر لي من قبل قط أن يكون بايرون معقداً بصورة خاصة. جميعكم تعرفون الجملة : "She walks in beauty, like the night". " تتمشّى في جمالٍ، مثلَ ليل". البيت متقن الكمال إلى حد لا نوليه معه أهمية. ونفكر : "حسن, كان بإمكاننا نحن أن نكتبه, لو أردنا ذلك". ولكن بايرون وحده هو الذي أراد كتابته.

ما يهمني الآن هو التعقيد الخفي والسري للبيت, وأعتقد أنكم اكتشفتم الآن ما سأكشفه لكم. في قول بايرون "She walks in beauty, like the night" لدينا بادئ ذي بدء امرأة باهرة الجمال. سيدة جميلة, وهي تشبه الليل. من أجل فهم البيت علينا أن نفكر في أن الليل أيضاً هو امرأة, وإلا لن يكون للبيت معنى. وهكذا, نجد في هذه الكلمات شديدة البساطة استعارة مزدوجة : امرأة مُشبهة بالليل, ولكن الليل مُشبه بامرأة. لست أدري, ولا يهمني أن أعرف, إذا ما كان بايرون يعرف ذلك. وأعتقد لو أنه عرف ذلك لكان من الصعب أن يكون البيت بهذه الجودة. ربما يكون قد اكتشف ذلك قبل أن يموت, أو ربما يكون أحد ما قد نبهه إليه.

بورخيس / صنعة الشعر.

يوسف
14-02-2009, 05:03 PM
الترجمة الشعرية

متى نقول أن ترجمة هذه القصيدة للشاعر الأجنبي رائعة جداً؟ ومتى نقول أن هذه الترجمة ليست جيدة؟ ماهي المعايير الثابتة لإطلاق حكم على ترجمة هذه القصيدة أو تلك؟ أنا لا أعرف الإجابة بصراحة. لم أفكر بها في يوم من الأيام. ولا تهمني كذلك. سأتناول قصيدة اللورد بايرون She walks in beauty, like the night. وجدت لها ترجمتين مختلفتين.

الترجمة الأولى :
تتمشّى في جمالٍ، مثلَ ليل
سَمواتٍ تتلألأ فيها النجوم والغيوم.
وأحسنُ ما في الظّلام وما في الإشراق
يلتقي كلُّه في طلعتها وفي عينيها.

الترجمة الثانية :
تخطر في الجمال كليل
أجواؤه صافية، سماؤه نيّرة.
وأحسن ما في ظلام العتمة
مع أحسن ما في ضوء النور
في منظرها وملامحها وعينيها يلتقيان.

الترجمة الاولى أكثر شعرية وتعبيراً عن قصيدة بايرون من الثانية. مثلما أراد بايرون أن يعبر عن تحرك زوجة ابن عمه التي ترتدي ثوب الحداد الأسود, وتزينه زخارف براقة فضية وذهبية. هي تتمشى في إحدى الحفلات بين جموع الراقصين والمدعوين مثل ليل. والزخارف التي تزينها مثل النجوم والبرق لقوة نورها وجاذبيتها. السطرين الأخيرة جاءت معبرة وخفيفة كذلك. أجد نتيجة فورية لأفضل ما في الظلام والإشراق التي جمعها بايرون كمتضادات يجمعهم شيء مشترك, و " يلتقي " في عين هذه المرأة. ترجمة خفيفة وجميلة يستعذبها القارئ.

في الترجمة الثانية السطر الأول بأكمله ثقيل على القارئ. "تخطر في الجمال كليل". والسطر الثاني يجد القارئ نفسه مجبر على التوقف. "أجواؤه صافية، سماؤه نيّرة ". بعكس الترجمة الأولى السلسة التي شبهت المرأة بسموات تتلألأ فيها النجوم. دفعة واحدة بدون توقف. وأنا أقرأ السطرين الأخيرة من الترجمة الثانية أجد أن أسلوب الرياضيات أثر في المترجم كثيراً. أصبحت العملية حسابية: 1+1 =2 .وليته قرر أن يعطي نتيجة العملية, أي المشترك بين أجمل ما في الإشراق والظلام كما أرادها بايرون, بل جعلها في أخر السطر " يلتقيان". وفي نهاية السطر كذلك.

سأبتعد عن هذه القصيدة, وأعطي كل تركيزي في قضية الترجمة الشعرية على قصيدة لوركا التي أحبها جداً "بكائية إجناسيو سانشيز ميجاس". مذ أول قراءة لهذه القصيدة أحببتها, بنغمها المتصاعد, بحزنها الكثيف, وبرثائيتها الكبيرة. كان تصوري في البداية أن هذه القصيدة , بنشيدها الاول : حين تدق فيها الساعة خمس مرات, حين يدخل قرن الثور الهائج في اللحم الفتي، ويتهاوى البطل قتيلاً. وبنشيدها الثاني : لعبة البطل الخطرة مع الموت، وتتحدث عن جرأته وجماله، ثم تتراخى الحركة إلى الحقيقة المرة: البطل يخلد إلى الموت. وبنشيدها الثالث : الصخر جبهة تئن عليها الأحلام، إنه يحمل الجسم المسجّى، وينداح صمتٌ عفنٌ، لقد انتهى كل شيء، المطر يهمي إلى فمه، والزفرة تنطلق مجنونةً من صدره الأجوف. وبنشيدها الرابع : وتجد فيها النسيان يستبد باغناثيو، ويعفي كل شيء, وتغيب السمفونية حزينة في العدم، كأنها كانت تتمة طبيعية فاجعة لقدر الشاعر نفسه. كل هذا القدر من الشعر الهائل لم يكن في نظري لحظة قراءتها الأولى سوى رثاء لكل من مات في رحى الحرب, لكل امرأة وطفل ورجل تم اقتياده في ظل الحرب الحمقاء, وأطلقت عليه رصاصة الموت, هذه القصيدة المليئة - بالبياض والسواد - لم تكن إلا رثاء لوركا في نفسه, لدي اعتقاد أو سموه ما شئتم أن هذه القصيدة هي رثائية كتبها لوركا عن لوركا, الشاعر الإسباني الكبير.

أتذكر أني حين شاهدت فيلم آندي جارسيا" اعتقال غارسيا لوركا " أعدت المقدمة أكثر من خمسة مرات, وفي كل مرة كنت أردد خلف آندي غارسيا بداية اللحن الجنائزي لقصيدة بكائية إجناسيو :

At five in the afternoon.
It was exactly five in the afternoon.
A boy brought the white sheet
at five in the afternoon.
A frail of lime ready prepared
at five in the afternoon.
The rest was death, and death alone


القصيدة ملتهبة .. بكائية ضخمة .. حزينة .. رتم موسيقي متصاعد .. يجب أن تقرأ بصوت عال, لا بصوت منخض! مثل هذه القصائد العظيمة كتبت لتكون نقش على جدار الموت .. على من قتل الجمال في لحظة ولا يعلمون أنهم بقتلهم له خلدوه أبد الدهر .. هي ليست رثاء لإجناسيو سانشيز وحده, بل رثى فيها لوركا كل من حمل في قلبه مثقال ذرة من جمال, غرناطه, الأرض, القمر, الأطفال, الغجر, إسبانيا .. وحتى نفسه !

توجد ترجمتين حتى الآن لهذه القصيدة. الترجمة الأولى لعبدالقادر الجنابي, والترجمة الثانية للزميل علي الزيبق. لنقرأ جزء من ترجمة عبدالقادر الجنابي للنشيد الثالث من هذه القصيدة الرائعة :

بَلاطةُ الحجر جبهةٌ حيث تنوح الأحلام
ليس لها ماء متعرّجٌ ولا سَرْو جليدي،
إنّها ظَهْرٌ محمولٌ فوقه الزمنُ
وأشجارُه المجبولة من الدمع، أشرطتُه وأجرامُه النّيّرة.

ما رأيكم بترجمة هذا المقطع الصغير؟ لنقرأ ترجمة أخرى لهذه القصيدة بواسطة علي الزيبق :

الصخرةُ جبهةٌ تنتحب عليها الأحلام
دونَ مياهٍ متلاطمة وسروٍ متجمد
الصخرةُ كتفٌ نحمل عليها الزمان
بين أشجارٍ من الدموعِ والخيوطِ والكواكب

يكفيني قراءة السطرين الأخيرة من الترجمة الثانية الشعرية حتى أحكم أن الترجمة الأولى جامدة جداً, لم تستطع أولاً وقبل كل شيء وصف الحالة النفسية للوركا, قبل أن يترجم القصيدة نفسها. الحالة النفسية للشاعر أو معرفة الصفات الي اجتمعت في الشاعر هي من الأمور المهمة جداً لترجمة قصيدة من لغة إلى أخرى. وتحديداً هذه القصيدة. النشيد الأول كان صادماً, والنشيد الثاني كان انهياراً, والنشيد الثالث كان الإفاقة من الشعور بالصدمة والإنهيار على السواء, ولذلك كانت المقطوعات الشعرية أطول من النشيدين السابقين, وأكثر شاعرية في القصيدة بأكملها. علي الزيبق يعرف لوركا أكثر من أي أحد أخر, فهو ترجم الكثير من أشعاره بلغة جميلة جداً, والأهم أنه استطاع في ترجمة هذه البكائية الكبيرة أن يوصف من خلال القصيدة حالة لوركا النفسية.

يحكي بورخيس في إحدى محاضراته عن موسيقى الكلمات والترجمة حكاية تدلل على هذه القضية. في القرن التاسع عشر أقدم أديب متخصص بالأدب الأغريقي يدعى فرانسيس وليم نيومان على ترجمة هوميروس ترجمة حرفية وبالوزن السداسي. كان هدف ترجمة نيومان لهوميروس هو معارضة ترجمة سابقة لم تأخذ بالحسبان الترجمة الحرفية. ولكن الشاعر والناقد الإنجليزي ماثيو أرنولد رد على هذه الترجمة وهاجمها بشكل عنيف. نيومان يرى أن الترجمة الحرفية هي الأكثر أمانة. وماثيو أرنولد بدأ بنظرية حول هوميروس. فقال إن صفات عديدة ومتنوعة قد اجتمعت في هوميروس, منها : الوضوح, النبل, البساطة, وأشياء أخرى مماثلة. هو يعتقد أنه على المترجم أن يضع نصب عينيه دائماً نقل انطباع عن هذه الصفات حتى عندما لا يبرزها النص, وأشار كذلك إلى أن الترجمة الحرفية تؤدي إلى المغالاة في الغرابة والخشونة.

أعود للسؤال الذي طرحته في البداية, متى نقول أن ترجمة هذه الرواية أو القصيدة رائعة؟ ومتى نقول جميلة وشعرية؟ سأجيب عن هذه الأسئلة من خلال صفحة مشرقة في تاريخ الترجمة العربية: الدكتور سامي الدروبي, الذي اعتبره من أروع المترجمين العرب مع منير البعلبكي رحمهمها الله.

بعد أن أنتهيت من قراءة بعض أعمال دستويفسكي المترجمة بواسطة الدروبي حاولت أن أعرف كيف استطاع هذا الرجل لوحده أن يترجم هذا العمل الأدبي بهذا الإتقان والمهارة, وأن ينقل كامل هذه المؤلفات إلى العربية. كان يستيقظ أحياناً في ساعات متأخرة من الليل لكي يصحح جملة معينة، أو ليضع كلمة مكان أخرى. طه حسين قال بعد قراءة لبعض ترجمات الدروبي : حين كنت مديراً عاماً للثقافة في الجامعة العربية، أنشأت لجنة من كبار الأدباء لكي ننقل آثار شكسبير إلى اللغة العربيّة... ولم نستطع حتى الآن، وقد مضى ثمانية عشر عاماً، على إتمام ترجمة شكسبير، وها نحن نرى شخصاً واحداً يقوم بهذا العمل الجبار، فيعطي القارئ العربي والمكتبة العربية أعمال دوستيفسكي كاملة بأسلوب آخذٍ ولغة جميلة متينة وبفهم عميق لروح المؤلف.

للدكتور سامي الدروبي آراء حول الترجمة، ويرى أنّ الشروط التي يجب أن تتوفر فيمن يتصدى لترجمة الأعمال الأدبية ثلاثة:

1ً- التمكن من اللغة الأجنبية.‏
2ً- التمكن من اللغة العربية.‏
3ً- التمكن من المادة التي هي موضوع الكتاب أو البحث.‏

أما بالنسبة للأدب يجب توفر الذوق الأدبيّ، وهذه الموهبة يمكن أن تصقل ولكنها، إن لم تكن بذورها موجودة أصلاً فلن تنمو.‏ ويرى أنّ التمكن من اللغة العربية يعني ضرورة قراءة الجاحظ والمتنبي والمعري وعمالقة الأدب العربي.‏ ولا يتم التمكن من اللغة الأجنبية إلا بقراءة أدباء تلك اللغة.‏

العالم العربي وبنسبة كبيرة مع الآسف طبق هذه القول الروماني : " الترجمة خيانة ".إذ قاموا بترجمة أعمال أدبية عظيمة بإختصارها مرة وبحذف جزء كبير أو دمج عدة فصول في فصل واحد. هذا النوع من الترجمة يستحق أن يكون خيانة. المترجم يجب أن لا يترجم ما يختاره له الآخرون، وإنّما هو من يجب أن يختار الأعمال التي يجب أن تترجم، وبالتالي فهو ينطلق من نقطة سليمة، ويبدأ بداية صحيحة، لأنّ عمل الترجمة يبدأ من اختيار العمل الذي يريد ترجمته.

Lavender
14-02-2009, 08:26 PM
أكره التطفل على خلوتك ومقاطعة
سيمفونيات العشق التي تعزفها هنا لمن تحب
من كُتّاب وشعراء وكتب, ولكن مواطِناً كهذه
تغري بالزيارة والتطفل , والإثقال أيضا ً ..

أظنك تقصد من هذا الموضوع أن يكون جداريةً أو جداراً
لك تنثر فيه ماخربشته على جدران قلبك وعقلك
لنا؟ إذا كان كذلك فأطلب منك يا سيدي أن تتوسع فيه ,
أن تذكر فيه شيئاً من كل شيء , شاركنا بورتوريه
أو لوحةً أعجبتك , أسمعنا شدواً هزّكً و أرنا مشهداً
شدّك, هذا طبعاً مع الاستمرار في الحديث عن الأدباء وكتبهم ..


لم أقرأ كل الموضوع بعد , لكنني أحب أن أعلق
على آخر جزئيةٍ ذكرتها ألا وهي الترجمة
لما قرأت الشروط الثلاث التي ذكرتها
جئتُ مسرعةً لأرد لأنك لم تكتب الحس الأدبي
ضمن الشروط , لولا أنني انتبهت أنك ذكرته فيما بعد ..
ألا ترى ياسيدي-والرأي لك- أن الحس والذائقة الأدبية
والمقدرة الكتابية يجب أن تكون ضمن الشروط بل أهمها
وأولها؟
كثيرٌ من الناس متمكنون من اللغة العربية والأجنبية
ولديهم خلفيةٌ عن موضوع الكتاب .. هل يعني هذا أن ترجماتهم ستكون رائعة ؟
ربما ستكون ترجماتٍ جيدة وعملية , ربما , ولكن ترجمةً رائعة , مؤثرة,
تهزُ أعماقك وتشدك وتسافر بك إلى عوالم أبطال الكتاب
وعقولهم وآلامهم وآمالهم وتفاصيل حياتهم الصغيرة , لهي والله ترجمةٌ
لايقدر عليها إلا من كان ذا حس وذائقةٍ وموهبةٍ أدبية ولو بسيطة ..

حقيقة لم أرى حتى اليوم ترجمةً كهذه إلا ترجمة البعلبكي للبؤساء ,
على حسب ما أتذكر شدني أسلوبه وتفصيلاته الجميلة
للرواية بشكلٍ لايجعلك تشعر أنه تدخل فيها أو عدّل فيها
بل أن هيجو كتبها هكذا , وهو نقلها حرفياً ! ..
هناك المنفلوطي أيضاً الذي لايعتبر مترجماً , والذي أحب
الناس نقله للروايات الفرنسية بأسلوبه الأدبي ,
ولكني أصدقك القول إنه لايعجبني كثيراً , لا أحب الكتابات المليئة
بالبديع اللفظي والموغلة في تراكيب اللغة المعقدة والثقيلة ..
أحس أن في أسلوبه كثيراً من التقليد لأدباء وشعراء الأندلس
في فترة توهجهم , رغم أن اللغة العربية كانت تعد منحدرةً
ضعيفةً آنذاك لإغراقهم في القالب وتركهم للمضمون !


لي عودةٌ إن شاء الله لنقاش الترجمة الشعرية
وباقي فقرات الموضوع ..


لم أقصد الإطالة هكذا ..
أخبرتكُ إني سأكون ثقيلة !

يوسف
14-02-2009, 08:45 PM
ذكرى رحيل بوشكين

http://abuwabdallh900.googlepages.com/Pushkin.jpg

أكتب هذا المقال والعالم الأدبي الروسي يحتفل بمرور الذكرى الثانية والسبعين بعد المئة لرحيل الشاعر العظيم بوشكين: أمير الشعراء الروس, والأب الروحي للآداب الروسية.

إلى أي درجة كان تأثير الحركة الرومانسية في الأدب الروسي؟
لم يكن التأثير ذا نتائج محدودة وحسب. بل كان تغييراً أحدث من خلاله حركه هائلة في الأدب الروسي عامة, و ظهر من خلاله أمير شعراء روسيا ألكسندر بوشكين, أشهر شعراء روسيا قاطبة, والأدب الروحي للآداب الروسية. رغم أنه لم يعش إلا 36 سنة, فإنه ترك الكثير من الآثار الأدبية على النتاج الأدبي الروسي ككل. يقول الكاتب الروسي الكبير غوغول : "عندما يذكر اسم بوشكين، تتألق في الذهن فكرة عن شاعر روسي على نطاق الأمة كلها. إن بوشكين ظاهرة فذة، ولربما الظاهرة الوحيدة للنفسية الروسية. فيه تجلت الطبيعة الروسية، والروح الروسية، واللغة الروسية، والخلق الروسي في تلك الدرجة من النقاء والجمال المصفى على عدسة بصرية بارزة".

بوشكين لا يحتاج الكثير لكي يعرف. في كل عمل أدبي روسي اسم بوشكين وقصائده يجب أن تكون حاضرة. في رواية بطل من هذا الزمان للشاعر ليرمنتوف كانت حاضرة, وفي أغلب أعمال دستويفسكي الكبيرة كانت حاضرة, وإحدى هذه الأعمال كانت المقدمة قصيدة لبوشكين" الشياطين". حتى رواية دكتور زيفاجو التي أنهيتها قبل فترة. اسم بوشكين كان حاضراً و بقوة. وقدم لي بعض الإجابات عن أسئلة كانت في ذهني عن بوشكين. مالذي يجعل هذا الشاعر الروسي العظيم يجسد الروح القومية الروسية في كل ما تمثله من قدرة على هضم واستيعاب عبقريات الأمم الأخرى؟

بوشكين عبر شعره تتدفق أشياء راسخة, قائمة في العالم المحيط به, أشياء شائعة الاستعمال. الخيال في نظم بوشكين ليس سوى الشيء العام وقد مسته يد عبقرية. يقول باسترناك في الرواية :" أفضل ما أحببت في الأدب الروسي هو الطبيعة والبساطة الروسية التي تتسم بطابع الطفولة, والتي تفوق بها بوشكين وتشيخوف. عدم المبالاة بالمسائل ذات الرنين المدوي مثل : الغاية النهائية للجنس البشري أو خلاص البشر لم تكن في صلب اهتمامهم. ليس ذلك لأنهم لم يفكرا في تلك الأمور. وإنما لأنهما كان يشعران دوماً بأن المسائل الهامة ليست لهما ولا من شأنهما.. في حين أن تولستوي و جوجول ودستويفسكي كانوا يغامرون في البحث عن معنى الحياة ومستعدين للموت من أجلها.

لمعرفة من هو بوشكين على حقيقته يجب أن نعرف المناسبة التي جمعت الأدباء الروس حول نصب بوشكين وكيف وحد الكبير دستويفسكي بواسطة بوشكين شطري روسيا المتنازعين. في 26 أيار 1880 كان سيصار إلى إحياء أضخم مهرجان تشهده روسيا لتكريم ذكرى أمير شعرائها ألكسندر بوشكين. حشدت لهذا الحفل إمكانيات ضخمة بغية أن يكون أكبر تجمع للمثقفين الروس منذ فترة طويلة. منذ البداية لاح في الأفق شبح الصدام بين التيارين الأساسيين اللذين كانا يهيمنان على البلاد, تيار القوميين السلافيين الذين يركزون على الأصالة الروسية، وتيار المستغربين الذين يريدون اللحاق بالغرب بأي شكل. وكان يتوقع حضور الأقطاب الكبار للأدب الروسي وفي طليعتهم الثلاثي تورجينييف، تولستوي، دستويفسكي.

لهذا السبب قدم تورغينييف من فرنسا، حيث يقيم، إلى روسيا، وذهب مباشرة إلى تولستوي لكي يقنعه بحضور هذا الاحتفال الذي لا يمكن أن يكتمل بدونه. ومنذ البداية سأله تولستوي: هل سيحضر دستويفسكي؟ فأجابه: أعتقد ذلك. فقال له: لن أحضر. ولماذا؟ لأنه سيسيطر على الجو، وسيتحول الحفل من تكريم بوشكين إلى تكريس لدستويفسكي

كان السؤال الأساسي المطروح على الاحتفال هو : ما هو بوشكين بالنسبة للأدب الروسي؟ ما مكانته، ودلالته، ومغزاه؟ ثم بشكل أخص: هل يجسّد في شخصه العبقرية الروسية أم العبقرية الأوروبية، ناهيك عن الكونية؟ كان طلاب جامعة موسكو والعديد من الحضور الهائل، ينتظرون من أدبائهم الكبار جواباً عن هذا السؤال. في البداية أُعطي حق الكلام لتورجينييف الذي كان قد عرف بوشكين في حياته، ويعتبر نفسه أحد تلامذته والمعجبين به، لكن خطابه كان معتدلاً ورزيناً جداً. لم تشبع أقوال تورجينيف جمهور روسيا، فقد كانوا يتوقعون شيئا آخر، تحليلاً أعمق بمكانة بوشكين. ولهذا راحوا ينتظرون وقائع اليوم التالي للمؤتمر، حيث ينتظر أن يصعد دستويفسكي على المنصة.

وفجأة، ظهر على المنصة شخص غريب الشكل يكاد جسده النحيل المتهدّم يتهاوى من شدة الإعياء والتوتر وسنوات الحرمان الطويلة. وبدا وكأن لباسه هو الذي يحمله، ويجعله يتوازن، وليس هو الذي يحمل لباسه. كان وجهه الأصفر وعيناه الغائرتان ولحيته الكثيفة تخلع عليه هيئة أولئك الممسوسين الذين طالما تحدث عنهم في رواياته. أخذ يتكلم بصوت أجشّ مبحوح لا يكاد يسمع في البداية. ثم شيئاً فشيئاً راح الصوت يتضح ويقوى حتى سيطر على القاعة كلياً. تجمع جمهور ضخم وخيّم على الجميع صمت رهيب. وأخذ العُصاب الجنوني يؤجّج في داخله نار العبقرية، ما الذي قال دستويفسكي في هذا الخطاب الشهير، الذي توج حياته الأدبية والذي يعتبر بمثابة الوصية التي تركها للأجيال القادمة؟

قال بما معناه: من هو بوشكين؟
إنه تجسيد للروح القومية الروسية في كل ما تمثله من قدرة على هضم واستيعاب عبقريات الأمم الأخرى. إنه تعبير عن روسيا فيما تحمله من رسالة كونية إلى البشرية. وروسيا هذه التي طالما تغنّى بها كانت ولا تزال مسؤولة عن قيادة العالم على درب التقدم الأخلاقي. وهو لا يقل أهمية بالنسبة لنا عن شكسبير بالنسبة للإنجليز، فالشخصيات الإيطالية التي يستخدمها شكسبير في مسرحياته تتحدث وكأنها انجليزية. وهذه هي سمة العبقرية: فهي تصهر وتهضم عندما تنقل عن الآخرين. وبالتالي فلا يعود النقل خيانة للذات القومية. وهذا ما فعله بوشكين أيضاً، فقد كان إسبانياً في كتابه دون جوان، وإنجليزياً في كتابه عيد أثناء الطاعون، وألمانياً في كتابه مقطع من فاوست، وعربياً في كتابه التأثر بالقرآن الكريم، وروسياً في كتابه بويرس غودونوف، كان كل ذلك دفعة واحدة. ولأنه كان كل ذلك، لأنه عرف أن يكون كل ذلك، فإنه روسي حقيقي، لا معنى للإنسان الروسي إن لم يكن أوروبياً وعالمياً في آن معاً، كأن تكون روسياً حقيقياً، أن تكون روسياً بالكامل يعني أن تكون أخاً لكل البشر! "

ما أن انتهى دستويفسكي من كلامه، حتى دخل الجمهور في حالة هستيرية. التصفيق المتطاول الذي لا ينتهي كان يختلط بشهقات الزفير والنحيب، والطلاب هجموا عليه على المنصة لكي يلمسوه، والطالبات أخذن بتقبيل يديه كيفما اتفق، وراح المتخاصمين من سلافيين ومستغربين يتعانقون بعد أن نجح دستويفسكي في مصالحة شطري روسيا. وحتى تورجينييف هجم عليه لكي يعانقه مستسلماً أمام عبقريته التي لا تقاوم.. وأما تولستوي الذي رفض الحضور بإصرار، فقد صدقت توقعاته، والواقع أنه ما كان سهلاً عليه أن يشهد كل هذا التبجيل لمنافسه الأوحد على عرش الآداب الروسية. هكذا كان بوشكين بالنسبة للأدب الروسي. أحد المتأثرين به استطاع مصالحة المتخاصمين عن طريقه! سأعود لاحقاً للحديث عن إحدى مسرحيات بوشكين الرائعة.

يوسف
21-02-2009, 11:36 AM
صحبة لصوص النار

http://abuwabdallh900.googlepages.com/joumanahaddad1.jpg

جمانة حداد ..سيتبادر إلى ذهن القارئ فوراً كتاب جمانة حداد الذائع الصيت: سيجيء الموت وستكون له عيناكِ. لا توجد لدي وجهة نظر محددة تجاه القصائد المترجمة في الكتاب. لم أتعمق بقراءة الكتاب حتى الآن, ولا أتوقع في المستقبل كذلك. أعجبتني المقدمة الاستهلالية في البداية, وفكرة الكتاب, والبحث العلمي في تتبع الشعراء المنتحرين في القرن العشرين. كل هذا كان محل إعجابي بلا شك, أما القصائد فكما قلت قبل قليل: لن أقول لا تستحق. ما قامت به جمانة حداد تستحق عليه التقدير. البحث عن الشعراء والتقصي عن أحوالهم, ترجمة القصائد, أسباب الانتحار, التواريخ. أصبح الكتاب موسوعة شعرية محددة بشعراء كتبوا النهاية لحياتهم. أما عن نوعية القصائد الموجودة في الكتاب, فلم تعجبني ولا أعرف لماذا.

غالباً ما تجد المقابلات التلفزيونية والصحافية مع المثقفين والأدباء, أو حتى نجوم السينما والمطربين متابعة شديدة من قبل الجمهور المحب لأعمالهم. تجد التحليل والمناقشات والإعجاب المنقطع النظير بتلك الشخصية أو تلك. لعل من أشهر البرامج التلفزيونية العربية التي تعرض مقابلات مع هؤلاء هو برنامج خليك بالبيت لزاهي وهبي. لا أعرف شيئاً عن هذا البرنامج الآن. انقطعت عن مشاهدة التلفاز من مدة ليست بالطويلة ولا أدري متى سيستمر هذا الانقطاع. المقابلات والحوارات في الأصل, وكما عرفتها الصحافية والشاعرة اللبنانية جمانة حداد في المقدمة الاستهلالية لكتابها" صحبة لصوص النار": هو السؤال الأول في تاريخ الإنسانية. السؤال قائم في الأصل, في المتن نفسه, جزءاً من المستتب وتهديداً له. وهو قبل كل شيء سفر, زيارة إلى عقل الآخر وقلمه وروحه وحياته ومزاجه. أو ربما مكبوتاته ولا وعيه. تجوال في أمكنة وترحال داخل أشخاص وشخصيات. بازل ملون, مؤلف من مدن ومواهب وطبائع متباينة, تجمع نيويورك بلندن, الشاعر بالروائي بالمفكر. وهو من جهة ثانية كد وغريزة. كد البحث و"النبش" قبل اجرائه. وغريزة طرح الأسئلة المناسبة أثناءه. ومن جهة ثالثة هو طقس, أو بالأحرى سلسلة طقوس وتكتيكات, مروراً بلحظة التماس الأولى, لحظة المواجهة فالمصافحة والتقاء العين بالعين, وصولاً إلى الإنسحاب ومرحلة التدوين والنشر. وأخيراً وليس آخراً هو صناعة. تضع جمانة حداد بين أيدي القراء، خصوصاً المهتمين منهم بإجراء هذا النوع من الحوارات قبل سواهم، المفاتيح الأساسية للحوار، في وصفه خلقاً وسفراً وكدّاً وغريزة وإضافة وقنصاً واصغاء وتعلّماً وما الى ذلك من تعريفات ترفدها بالشرح والتعليق استناداً الى تجربتها، وذلك منذ القرار الاول بإجراء الحوار وصولاً الى عمليتَي التفريغ والكتابة.

http://abuwabdallh900.googlepages.com/joumanahaddad2.JPG

أمبرتو ايكو، جوزيه ساراماغو، ايف بونفوا، بول اوستر، باولو كويلو، بيتر هاندكه، ماريو فارغاس يوسا، الفريده يلينيك، انطونيو تابوكي، الطاهر بن جلون، مانويل فاسكيث مونتالبان، نديم غورسيل، ريتا دوف: ثلاثة عشر كاتباً وكاتبة، "لصوص نار", تأخذنا الشاعرة والصحافية جمانة حداد في رحلة استكشافية شغوفة الى عوالمهم الأدبية والثقافية والإنسانية في كتاب حواري يجمع الحوارات المطوّلة التي أجرتها معهم خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، ونُشر معظمها سابقاً في جريدة "النهار". الحوار الموجود في الكتاب مع الروائي البيروني ماريو فارغاس يوسا حاز على جائزة الصحافة العربية عام 2006.

اختيار أمبرتو إيكو - الأكثر دبلوماسية وثراءً في الإجابات- في مقدمة الحوارات كان موفقاً وذكياً. لا يوجد أديب اشتهر بطابع البحوث الفلسفية وعلم الجماليات والرواية أكثر من أمبرتو إيكو الذي يطاول موضوعات متنوعة ومتشعبة على غرار تنوع مجالات اهتمام هذا الكاتب, والذي لم يكف منذ صدور رائعته "اسم الوردة" عن الاستكشاف والغوص في بحور اللغة وتاريخ الجمالية وعلم الرموز والرواية وأدوات التواصل وسواها من القضايا المعرفية المرتبطة بالعالم المعاصر واشكال تطوره وكيفيتها. رداً على سؤال حول ما اذا كان يتوقع حجم نجاح "اسم الوردة" يجيب: "اذا لم يكن الكاتب يظن أنه سيتجاوز جميع الذين سبقوه ويقتلهم، يستحسن به ألا يحاول الكتابة أصلاً. التواضع ليس صديقاً جيداً للخلق".

لعل هذه المقابلة تترك لي مجال للحديث عن فيلم اسم الوردة المقتبس من رواية إيكو ذائعة الصيت. لعل المفارقة الأشهر في التجسيد السينمائي للرواية ما حدث لرائعة الفيلسوف الإيطالي أمبرتو إيكو "اسم الوردة". شهرة الفيلم كانت هي البوابة الأولى لشهرة الرواية لدى الجمهور العادي الغير مهتم بكتابات إيكو السيميائية. الرواية كانت معروفة لدى الطبقة الأكاديمية المثقفة و كانت صدمة للأوساط الأكاديمية ظهور رواية لشخص مختص بعلم الرموز, و حاصل على أستاذية الفلسفة عن جماليات القديس توما الأكويني في القرون الوسطى. الفيلم هنا كان مساعداً بشكل رئيسي في شهرة الرواية بين العامة, و لكن هل كان الفيلم مطابقاً للرواية, كما كتبها أمبرتو إيكو؟

من الصعب القول أن كل ما في الرواية تم ذكره. هناك أحداث و أفكار لا يمكن أن تجسد سينمائياً, خصوصاً في حقول الفلسفة والتاريخ وعلم الرموز والجماليات. رغم أن الفيلم نجح قليلاً في اقتباس الفكرة الأكثر تأثيراً من الرواية, وهي المتعلقة خصوصاً بضحك المسيح, و تطرف الأب يورغ الأعمى في حفظ كتاب فن الشعر لأرسطو. الفصل الأخير من الرواية تم تجسيده في الرواية ببراعة, وهي الخاصة بحريق المكتبة الأكثر شهرة و ثراءً في العالم. ماهو مهم في تجسد رواية اسم الوردة هو موقف أمبرتو إيكو من الفيلم. إيكو اتخذ موقفاً مطمئناً وهادئاً عند تجسيد الرواية. هو عمل شخص آخر كما يقول. ولكن المثير للإهتمام هو مطالبة إيكو لمخرج الفيلم بوضع عنوان فرعي في الفيلم, لم يلاحظه أحد, وهي كلمة palimpseste. الجانب السلبي في فيلم اسم الوردة كما عبر عنها إيكو هو التدخل بين المؤلف وبين القارئ, وفرض على الأخير تلقي الكتاب : قال المخرج أن المفتش يملك لحية ويتكلم بهذا الشكل. زاد الفيلم القيود على خيال القارئ, وألغى الفسحة التي يحب أن يتركها لقارئه لكي يشارك في خلق الكتاب ويساهم في ضخ كلماته وصوره.

يتميز الحوار الثاني مع البرتغالي جوزيه ساراماغو الحائز على جائة نوبل في الآداب بالكم الكبير من الثراء المعرفي الذي تعكسه شخصية هذا الروائي المشغول دائماً وأبداً بهمّ المصير الذي يتجه إليه العالم. وإذ يتحدث عن الإنسان الذي هو اليوم في صدد خسارته "حقيقته" يعلن: "غالباً ما أقول أن الفجور لا يكمن في الافلام الإباحية، بل في أن ثمة أناساً يموتون في قرننا هذا بسبب الجوع وبسبب الحروب العبثية. بالنسبة لي, كانت المقابلة غريبة نوعاً ما. غريبة لعدم معرفتي بأفكار ساراماغو صاحب الرواية العمى الشهيرة. لم أتوقع أن ساراماغو متشائماً إلا هذا الحد. لعل سيرة حياته من الفقر والانتساب للحزي الشيوعي هي السبب في ذلك, لست متأكداً أين هي الحقيقة. لوهلة وأنا أقرأ إجابات ساراماغو أحسب أني أقرأ لشوبنهاور. يقول ساراماغو في الحوار عن صبغة التشاؤم التي يتحلى بها :

يقولون أني متشائم, أقول لهم لا, بل العالم هو المشؤوم. التشاؤم هو فرصة خلاصنا الوحيدة. التفاؤل هو شكل من أشكال الغباء. أن يتفاءل المرء في أوقات كهذه ينم إما عن انعدام إي إحساس أو بلاهة فظيعة.. المتفائل لا يملك عموماً حوافز للتدخل, فيما المتشائم يملك الدوافع لكي يغير العالم.. ليس كل تشاؤم يحث على الجمود واليأس. ثمة تشاؤم من نوع آخر, وهو تشاؤمي أنا. تشاؤم قائم على الفكرة" لأن الواقع بهذا السوء سأحاول ضمن إطار قدراتي تغييره", وإذا لم أكن قادراً على تغييره أشير بأصبعي وأقول" أنظروا, هذا سيء" مثلما أفعل الآن مع الديمقراطية مثلاً.

رغم أن كمية التشاؤم كما يقول هو الأكثر واقعية وجمالاً من التفاؤل في العالم الواقعي الحالي, يجب الإشارة إلى التدرج الأدبي الذي سلكه ساراماغو ليصبح الكاتب البرتغالي الأشهر في العالم. ".: قال لي أحدهم في أحد المؤتمرات بنبرة متعجرفة "برافو, لقد ارتقيت كثيراً في الحياة! " فأجبته:" لا يا سيدي, أنت على خطأ, هي الحياة التي ارتقت فيّ"!.

الحوار الأكثر طبيعية وتحس بأن الشخص المقابل على استعداد للقاء كل محبيه والسؤال عنهم, وحتى الكتابة لهم هو البرازيلي باولو كويلو. باولو كويلو أكثر طبيعية من أي أديب آخر في هذا الكتاب. يفرح للإجابة على هذا السؤال, وأحياناً يغضب! لا أعرف لماذا لم أتصالح مع أعمال باولو كويلو الروائية حتى الآن. مع ذلك, استمتعت بحواره مع جمانة حداد التي كانت تمثل الصحفي الشغوف الباحث عن إجابات لأسئلة قد تثير غضب الأديب.

بيني يدي الآن كتاب عشرين روائياً عالمياً يتحدثون عن تجاربهم لعصام محفوظ. الكتاب يتضمن سير ذاتية قصيرة, ومقابلات وحوارات مختارة مع أدباء كبار أمثال ماركيز وأمبرتو إيكو ومورافيا. هذا الكتاب أكثر ثراءً من كتاب جمانة حداد, ومع ذلك, أعطي كتاب جمانة حداد التفوق ودرجة كاملة من النجاح لأن الكتاب بأكمله عمل ذاتي صادر من المؤلفه نفسها, بينما هذا الكتاب كان من اختيار وتقديم المؤلف فقط, ولم يشارك في الجهد الرئيسي للعمل: الحوار.

يوسف
24-02-2009, 02:02 AM
مسرحية موزارت و ساليري

http://abuwabdallh900.googlepages.com/MozartandSalieri2.JPG

الميزة الذكية في أعمال بوشكين المسرحية هو الدخول المباشر في العمل من البداية, وبدون تأخير. يقود القارئ إلى الفعل مباشرة. لا يهتم بوصف الشخصيات أو المكان أو الحالة النفسية. الشخصية المسرحية تعبر عن نفسها, تكتب تاريخها وأزماتها وقضيتها التي تتناولها المسرحية من البداية. مسرحية "موزارت وساليري" Mozart and Salieri، هي إحدى التراجيديات الصغيرة التي كتبها شاعر روسيا الأكبر ألكسندر بوشكين، في ذاك الخريف الإبداعي الشهير الذي قضاه في قرية بولدينو. استمد بوشكين موضوع هذه المسرحية من شائعة كانت منتشرة آنذاك، تؤكد أن الموسيقار النمساوي العظيم موزارت مات مسموماً، وأن الذي دس له السم هو صديقه الموسيقار الإيطالي أنطونيو ساليري. يقال إن ساليري اعترف بجريمته وهو على فراش الموت.


http://abuwabdallh900.googlepages.com/Amadeus1.jpg


بداية, لنفترض أن العمل السينمائي الكبير Amadeus مقتبس من مسرحية بوشكين القصيرة. هل سيكون الفيلم أكثر نجاحاً وقوة من المسرحية الصغيرة ذات العشر صفحات؟ سأطرح وجهة نظري وهي أن هذه المسرحية ذات العشر صفحات فقط استطاعت, وبقوة هائلة اختصار ساعتين ونصف من الموسيقى المذهلة والتجسيد السينمائي الحي لكل من موزارت وساليري.

يفتتح ساليري الفصل الأول من مسرحية بوشكين باحتجاج صارخ وعنيف ضد العدالة الإلهية. لماذا هو - أي ساليري - العاشق للموسيقى حد الموت, والذي أفنى حياته من الطفولة في سبيل الموسيقى, تذهب هذه الموهبة الموسيقية إلى شخص مجنون ساذج لا يتصرف كما يجب. ساليري في بداية المسرحية نصب نفسه حامي الموسيقى ودرعها الحصين. ليست لديه أي مشكلة في تنمية مواهب أي موسيقي والإستماع إلى هذا وذاك. ولكن .. أن تتجسد الموسيقى بأكملها بشخص واحد, هذا هو الذي أثار سخط ساليري وعجرفته. في الدقائق الأولى من الفيلم يظهر هذا الإحتجاج بشكل رائع عبر شخصية ساليري, وإن كانت بشكل أعنف وأقوى:

أيتها السماء! أين العدل:
عندما تُمنح الموهبة المقدسة،
والعبقرية الخالدة، لا كمكافأة
على الحب المتوقد ونكران الذات
والكدّ الشاق، والمثابرة، والصلاة
بل لتُنير رأس مجنون
ومتبطل عابث؟..
آه.. موزارت، موزارت!

تعامل بوشكين مع موزارت كما هو موجود في الفيلم. شخص عابث يطلق العنان لملذاته, ولكنه يمتلك شيئاً لا يستطيع ساليري الوصول إليه : الموسيقى تجسدت في شخص موزارت بأكملها. لم يعد هناك شيء اسمه موسيقى ساليري, بل موسيقى موزارت فقط. مما أجبر ساليري أخيراً على الاستسلام والإنقياد خلف جمال موسيقى موزارت حتى وصفه بالإله. وهو يردد خلف كل نغمة موسيقة لموزرات : ماهذا الجمال ؟ أي يدِ عبقرية ابدعت هذه الموسيقى الروحية؟

هنا يظهر الحسد والجنون الساليري: الموهبة الموسيقية لموزارت لا يستحقها هذا الموزارت. " لقد جاء هذا الموزارت إلى الأرض كملاك, حاملاً إلينا بضع أغان من الجنة". في نهاية الفصل الأول, وفي عدة سطور فقط, تظهر الفكرة الوبشكينية التي تستطيع اختصار الفيلم بأكمله. وهي الجمال اللانهائي والمطلق. هذه الفكرة هي نفسها التي استوحى منها الموسيقار الكبير كورساكوف أوبرا موزارت وساليري.

قد اختارني القدر لإيقافه
وإلاّ سنهلك كلنا،
كل كهنة الموسيقا وخُدّامها
لا أنا وحدي مع مالي من شهرة مكبوتة.
ما الفائدة إذا بقي موزارت حياً،
وارتقى معارج سامقة جديدة؟
هل سيرفع الفن بهذا؟
الفن سيهبط ثانية عندما سيختفي:
فهو لن يترك لنا خليفة.
أية فائدة منه؟
جاء كملاك
حاملاً إلينا بضع أغان من الجنة
لكي يثير فينا رغبات مقصوصة الجناح
نحن أبناء التراب، ثم يطير مبتعداً!
إذاً، هيا طِرْ! والأفضل أن تبكّر.


http://abuwabdallh900.googlepages.com/Amadeus2.JPG


ساليري يطلب من الله أن يحميه, وأن ينجيه من الجمال, لأن هناك فائض من الجمال في العالم. كان يفكر أن الجمال يغمر العالم. تحول الجمال من الدرجة السامية إلى درجة مدمرة تدمر كل شيء. هذا ما عبر عنه بوشكين على لسان ساليري في المسرحية. موزارت امتلك قوة هائلة من الجمال اللانهائي, وساليري العاشق للموسيقى حد الموت يرى أن هذا الجمال سيدمر أساسيات الموسيقى, والموسيقى ذاتها, وحان الوقت لإنقاذ العالم من هذا الجمال الذي وصل لدرجة متوحشة جداً لا يقف في وجهها أحد :

ستغفو طويلاً يا موزارت!
أحقاً أنني لست عبقرياً،
وأن العبقرية والشر ضدان لا يجتمعان؟

بداية الفيلم كانت صادمة جداً. ربما لأني انهيت من فترة كتاب فوكو" تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي", وقرأت فصل الإعتقال الكبير, ورأيتها مجسدة في الفيلم. كان الحجز والسجن في العصر الكلاسيكي هو الطريق الوحيد للتصرف مع المجانين. كان هذا هو الحل الذي اهتدت إليه مخيلة الفترة الكلاسيكية, أصبح هو المكان للخلاص من الخطايا ضد الجسد و الأخطاء ضد العقل. لقد أصبح الجنون رديفا للخطيئة وذاك هو الرابط الذي سيظل ثابتا على مدى قرون بين اللاعقل والذنب. ساليري في بداية الفيلم, وبعد أن يحاول الإنتحار نجده يعزف الموسيقى في أتعس مكان: الحجز الكلاسيكي. أعجبني المدخل الحواري بين ساليري والقس. كان ساليري يعزف موسيقاه ويسأل القس, هل تعرف هذا الموسيقى, ويجيب لا. يتعرض ساليري للخيبة, موسيقاه لم تعد معروفة. في نهاية العزف يعزف ساليري موسيقى لموزارت ويسأل القس, هل تعرف هذه الموسيقى : أوه .. نعم أعرفها. كانت هذه موسيقى موزارت (http://www.4shared.com/file/87806878/c10935b2/01_-_1788_Mozart-_Symphony_No_40_1st_movement.html?dirPwdVerified=9 b6e9a34&signout=1) التي وصلت لقلوب الناس بعد وفاته, ولم تعد موسيقى ساليري معروفة.

من المصادفة أن يتشابه موزارت وبوشكين. بوشكين قتل ولم يعمر أكثر من 36 سنة, وموزارت توفي ولم يعمر أكثر من 35 سنة, ولكن درجة تأثيرهم هائلة أحدثت تحولاً درامياً في المشهد الموسيقى الأوروبي, والأدبي الروسي.

يوسف
24-02-2009, 09:40 AM
بطة
أنا الأسعد. هلا بك والله.
عالم صوفي و قصة الفلسفة تعتبر أفضل مدخل لمن يريد القراءة في الفلسفة, أو حتى معرفة الأساسيات فقط. أسلوب عالم صوفي روائي علمي تاريخي. هي ليست رواية للتسلية أو رواية أحداث, وإنما رواية أفكار وفلسفات. الطريقة التي كتب بها جوستاين هذه الرواية مشابهه جداً لقضية الفلاسفة: أي هدم الفلسفة السابقة والبناء من جديد. ويل ديورانت في قصة الفلسفة كذلك يبحر بالقارئ في تاريخ الفلسفة بكل مبسط جداً ومشابهه لأسلوب جوستاين غاردر. نقطة الضعف الوحيدة في كتاب ديورانت هو هذا التجاهل الغير مبرر للفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت. شكراً بطه.


و...
بالنسبة لأفلاطون, هل ركزتي على كتاب الجمهورية والطريقة التي يجب إتباعها حسب الفلسفة الأفلاطونية لبناء العالم المثالي؟ أعجبتني جداً رغم عدم واقعيتها. لو ركز ديورانت على الحديث عن الفلسفة دون التطرق لنقد مبسط لها, قد يترك القارئ في حيرة من أمره. بالنسبة لكانط لم أشاهد هذه المحاضرة مع الاسف. ولكن لدي اعتقاد – لا أجزم بذلك – أن فلسفة كانك السياسية بعيدة كل البعد عن مثالية أفلاطون. فكرة السلام الدائم والأمم المتحدة هي إحدى النتائج المباشرة لفلسفة كانط السياسية. أتمنى أن أقرأ الكتاب مبكراً رغم عدد صفحاته الهائلة. شكراً واو.


هديل
شكراً على الرابط. وعلى أمل أن تعود ميادة بأقرب وقت.

بريساريو
أتفق معكِ جداً. أسلوب ديورانت ذكي جداً. أو بمعنى أصح" سهل ممتنع". قد يبدو واضحاً في قصة الفلسفة بشكل رئيسي نظراً لصغر حجم الكتاب. أما قصة الحضارة فهي التي أظهرت أسلوب ديورانت المؤرخ في الكتابة الفلسفية والتاريخية. الفصل الذي تحدث فيه عن كانط في قصة الحضارة أقوى من الموجود في قصة الفلسفة. شكراً بريساريو.


ساليري

أيها الصديق, أهديك هذا المقطع لساليري من مسرحية بوشكين:

يقول الجميع: لاحقّ على الأرض.
ولكن الحق غير موجود في الأعالي أيضاً.
هذا واضح لي وضوح سلّم النغمات البسيط.
لقد وُلدت ومعي حبي للفن.
وعندما كنت طفلاً،
وكان الأرغن يصدح عالياً في كنسيتنا القديمة،
كنت أصغي وأستغرق في الإصغاء
دموع لا إرادية ولذيذة تنهمر من عيني.
رفضتُ مبكراً اللهو العابث؛
ومقتتْ نفسي العلوم الغريبة عن الموسيقى،
فانصرفتُ عنها بعناد واستعلاء،
ونذرت ذاتي للموسيقى وحدها.
الخطوة الأولى صعبة،
والطريق الأولى مملة،
ولكني تغلبت على المشاق المبكرة،
وجعلت الحِرْفَة مرقاةً إلى الفن
وصنعت من نفسي حِرفياً: أكسبتُ
أناملي مرونة مطواعة صارمة،
وأكسبت أذني رهافة أمينة،
أَمَتُّ النغمات وشرَّحتُ الموسيقى كجثّة
وآمنت بِجَبْرِ الهارمونية.
وبعدئذٍ، عندما حذقت العلم، تجرأت
على التلذذ بالارتماء في أحضان الحلم الإبداعي.
شرعت أُبدع؛ ولكن بصمت، في الخفاء،
دون أن أجرؤ بعد على التفكير بالشهرة؛
لم يكن يندر أن أمكث في صومعتي الصامتة
يومين أو ثلاثة، ناسياً النوم والطعام،
متلذذاً بنشوة ودموع الإلهام،
ثم أحرق ما أبدعت ناظراً ببرود
كيف تشتعل أفكاري والنغمات التي خلقتها
وتختفي مع الدخان الرقيق المتلاشي.
ماذا أقول؟ عندما ظهر غلوك العظيم
وكشف لنا عن أسرار جديدة
( أسرار عميقة آسرة)،
ألم أتخلَّ عن كل ما عرفته سابقاً
وعن كل ما عشقته وآمنت به بحرارة؟
ألم أَسِرْ خلفه باندفاع
ودون وجل، كمن كان تائهاً
فأرشده عابر سبيل إلى اتجاه آخر؟
وبجهد دؤوب متحفز
بلغت أخيراً في الفن الذي لا حدود له
درجة عالية. وابتسم المجد لي،
ووجدتُ في قلوب الناس
صدىً لإبداعاتي.
ذقت طعم السعادة، ورحت أتمتع
، مطمئناً، بعملي ونجاحي وشهرتي
وكذلك بأعمال ونجاحات أصدقائي،
رفاقي في الفن المدهش.
لا! لم أعرف الحسد قط
أوه، لا، لم أعرفه في أي وقت!
حتى عندما استطاع بيتشيني
أن يأسر سمع الباريسيين النفورين،
وحتى عندما سمعت أول مرة
النغمات الأولى في ايفيجيني
من باستطاعته أن يقول إن ساليري الأبيّ
كان في يوم ما حسوداً حقيراً،
أفعى يدوسها الناس وهي حية
فتقرض الرمل والتراب بتخاذل ووهن؟
لا أحد! أما الآن - أنا نفسي أقول -
الآن أنا حسود. شعور عميق بالحسد المضني ينهشني
أيتها السماء! أين العدل:
عندما تُمنح الموهبة المقدسة،
والعبقرية الخالدة، لا كمكافأة
على الحب المتوقد ونكران الذات
والكدّ الشاق، والمثابرة، والصلاة ـ
بل لتُنير رأس مجنون
ومتبطل عابث؟.. آه.. موزارت، موزارت!


لا فندر
هلا بك لا فندر. فكرة الموضوع مم والله لا أعرف بالضبط. الي متأكد منه أن هناك قراءات لي محفوظة هنا وهناك ولم تنشر بعد هنا. لو فكرت أطرح كل قراءة بموضوع ممكن ما أنتهي. ف فضلت أطرح كل القراءات في موضوع واحد. بخصوص طلبك راح أمشي عليه. وبالعكس, مداخلات الأعضاء تسعدني. أي قراءة لا تثير أراء ليست جديرة بأن تسمى قراءة.

بخصوص رأيك في الترجمة الشعرية.
مذ أن طرحت هذا المقال وأنا أفكر في رأي الناقد الإنجليزي ماثيو أرنولد, والذي أجده مثيراً للإهتمام كذلك. بالتأكيد أفضل الترجمة الحرفية للكتاب, أو الرواية بالتحديد. لكن وجدت نقطة أخرى تتعلق بالترجمة الحرفية - وهي نقل صفات الكاتب حتى لو لم تذكر في النص - وصبغ الترجمة بروح الكاتب نفسه. قد تبدو الفكرة متعبة جداً .. أو غير قابلة للتطبيق. لكنها في الأخير تبدو فكرة عبقرية.

تحتاج لمترجم عاشق للعمل. يعطي ما في قلبه للعمل. تقديري للدكتور سامي الدروبي بسبب براعته المذهلة في نقل أعمال دستويفسكي بعربية مذهلة وبارعة. والأهم من ذلك: الصفات التي يتحلى بها الكاتب تكون بارزة في أعماله. حتى لو تعمق المترجم في معرفة السيرة الذاتية للكاتب, لن يكون أبرع من يعشق العمل ككل, يعشق العمل الأدبي, وأعمال الكاتب الأدبي.

أعمال دستويفسكي بترجمة الدروبي مثلاً, قليلاً من سينجح في ترجمة المونولوج الداخلي الكثيف في أعمال دستويفسكي دون معرفة عميقة بأعمال دستويفسكي الكبيرة. درجة عشق هذا المترجم لأعمال دستويفسكي أجبرته على زيارة البيت الذي كان يعيش فيه راسكولنيكوف بطل "الجريمة العقاب"، ورأى الجسر الذي كان يقف عليه بطل قصة "الليالي البيضاء".

هناك مترجم لا يقل براعة عن الدروبي وأثرى المكتبة العربية بترجمات مذهلة: أقصد منير البعلبكي. هل أحتاج لتفصيل ترجمات البعلبكي؟ لم أعرف البعلبكي وروح الترجمة الغنية لديه إلا بعد قراءة البؤساء بترجمتها الكاملة. أتذكر جيداً الفصل الذي تحول فيه هيجو لكاتب غنائي يرسم فيه ظلمات البحر الأبدية. المترجم سار على درب هيجو: تحولت الترجمة لنص غنائي ثائر.. بعيداً عن القصة المركزية وحرب واترلو.. لم يكن هناك إلا البحر الثائر ومصير إنسان لم يصل صوته لأحد.

قرأت قبل أيام كتاب لجمانة حداد بعنوان صحبة لصوص النار, يتضمن حوارات مع أدباء أمثال أمبرتو إيكو, وكويلو, وساراماغو. المقابلة التي لفتت انتباهي هي مقابلة مع الشاعر الفرنسي إيف بونفوا, وهم في نفس الوقت مترجم. هو يعترف بداية بصعوبة الترجمة الشعرية: " أن يكون المرء شاعراً لا يعني ببساطة أن يعبر ببلاغة عن مشاعر يتقاسمها الجميع, ويمكن رصدها بسهولة في كل اللغات الأخرى".

أعجبني تعريفه المختصر للقصيدة:"الشعر تكثيف للغة, والقصيدة هي الدأب على الكلمات: في هذا الدأب يكمن جمالها, ومن هذا الدأب تستمد قوة إقناعها".

لكن شح القوة هذه التي تحملها كلمات لغة ما, عناصرها غير متوفرة بالضرورة في اللغات الأخرى, لأن كل لغة تؤمن للقصيدة عناصر تكوين مختلفة. إذا تُرجم عمل شعري ما, لا نستطيع أن نقبض في اللغة المنقول إليها سوى على المعاني التي كان يمكن قولها, بالجودة نفسها تقريباً نثراً. ويظهر ذلك جلياً في ترجمة عبد الرحمن بدوي لأسفار شيلد هارولد لبايرون. ترجم بدوي هذه الأسفار نثراً. ولم يلتزم بالبناء الشعري الحرفي لبايرون. لم أترجم يوماً ما قصيدة حتى أستطيع الحكم بشكل يقيني. ولكن أجد النثر مجال خصب للترجمة الشعرية. وإعطاء مجال أوسع لنقل صفات الشاعر والتصوير الفني, والإنفعالات بعيداً عن الحرفية.

النثر هو إمبراطورية العلامات والدلالات كما يقول سارتر في كتابه البديع" ماهو الأدب", في حين يضع الشعر بخانة الفن, شأنه كشأن الموسيقى والرسم والنحت. ويقول مسهباً في آرائه التي تفرّد بها في نقده للأدب : " إن الكلمة في النثر تتميّز عنها في الشعر, فهي في النثر أداة, وفي الشعر أكثر من ذلك بكثير .. إنها آلهة معبودة, لهذا كان الشعراء قوم يرفضون استخدام الكلام .. كما إنهم لا يفكرون في تسمية العالم وبالتالي لا يسمّون شيئاً البتة, لا هُم بالمتكلمين, ولا هم بالصامتين ". من هذا المنظور السارتري يمكن القول إن الغاية من النثر, كخاصية أدبية هو الفائدة الإنسانية والوجود البشري السامي. فالكلام امتداد طبيعي للحاسة الإنسانية, إنه يخبرنا بوجود الآخر ويحمينا منه, أو يعرفنا عليه, وبعبارة أدق .. اللغة هي أقوى مجالات الاتصال, والأدب هو قمة هذا الرقي في الاتصال. هذا المجال الهائل للنثر يعطي قابلية كبيرة للتعبير الشعري المترجم بعيداً عن الترجمة الحرفية. استمتعت بقراءة ردك كثيراً. شكراً لا فندر

يوسف
26-02-2009, 08:58 PM
دستويفسكي والبحث عن أجوبة للأسئلة الأزلية

http://abuwabdallh900.googlepages.com/Dostoevsky5.JPG

دائماً ما أتحدث عنه, إلى درجة أنه بعض الأحيان أقع في مشاكل بسببه. أصبحت أرى الأدباء من وجهة نظر دستويفسكي. أصبحت أقرأ الأدب وتحليله إعتماداً على أدبه الثري. تخطى حدود الأدب إلى الحد الأقصى. مخطئ من يظن أنه أديب فقط أو مؤسس فقط للروح النفسية الروائية في الآداب العالمية. الروح الفلسفية والفكرية في أعماله هي السبب في اهتمام العالم بأدبه. أتذكر أول ما قرأت له وصدمني هذا السؤال في أعماله: هل تؤمن بالله؟ من هو الأديب الذي سيفكر بطرح هذا السؤال لو لم تثور الأفكار الروحية في أعماق روحه.

هذا السؤال كان صادماً لي في أغلب أعماله. من المستحيل أن تقرأ له ولا توجد هذا السؤال يشكل نقطة أساسية في العمل الأدبي. في الجريمة والعقاب والشياطين والأبله كان هذا السؤال أساسياً ويجب أن يطرح: هل تؤمن بالله؟ أريد أن أسألك أيها الأمير: هل تؤمن بالله؟ .. أريد أن أسألك يا شاتوف: هل تؤمن بالله. أسئلة أزلية عميقة, حول الخير بمعناه المطلق, والشر بمعناه المطلق واللانهائي.

الأزمات الروحية الدينية, الإلحاد, الطموح الثوري, التسامح, القبح, الجمال, التعاسة, الصبر, الموت, الحقيقة, الخيال, أقصى منطقة للفقر, حيث الأموات يرثون الأحياء, الفلسفة, الدين, الله, الشيطان, وأخيراً: الإنسان. قد لا نستطيع أن نقدم أجوبة مقنعة حول كل هذا الأمور. بسبب الإرادة, أو بسبب الفكر .. ولكن من قال : أما أنا, فلم أفعل في حياتي سوى دفعي إلى الحد الأقصى, مالم تجرؤوا أنتم أن تدفعوه إلا إلى النصف, فهو القادر على تقديم أجوبة لأسئلة الإنسان الأزلية!

قامت قناة روسيا اليوم قبل فترة بطرح هذا السؤال في حلقة حوارية: لماذا يشهد العالم اليوم مجدداً ازدياد الإهتمام بإبداع الكاتب الروسي العظيم فيودور دستويفسكي؟ وما هي الاجوبة عن الاسئلة الأزلية التي يبحث عنها القراء في أعماله؟ ولماذا يبدو العالم الداخلي لكتب دستويفسكي أوسع دائماً من التعاريف المدرسية والتصورات الناشئة حوله؟

شهرة الأدب الروسي العالمية، ومكانته البارزة في التراث الأدبي العالمي تعودان أساساً، وفيما تعودان، إلى غنى نتاجات الكتاب الروس العظام بروافد الفكر الفلسفي العميق. وهذا ما نجده خصوصاً في ابداع الكاتب العظيم فيودور دستويفسكي الذي هو من أعلام الأدب الروسي في عصره الذهبي في القرن التاسع عشر. روايات دستويفسكي، وفي مقدمها "الجريمة والعقاب" و"الأبله" و"الأخوة كارامازوف"، مترجمة الى عشرات اللغات. ولا يزال نتاج دستويفسكي حتى اليوم يمارس تأثيراً عميقاً في الأدب العالمي. مهارته الأدبية الفائقة والطموحات الروحية لأبطاله والنزعة الإنسانية التي تميز رواياته هي الضمانات الكفيلة لشهرة الكاتب التي لا تخبو على مر الزمن. ومما له دلالته أن العالم يبدي في السنوات الأخيرة اهتماماً متجددا بالتراث الأدبي لدستويفسكي. ففي اليابان على سبيل المثال باتت رواية "الأخوة كارامازوف" الكتاب الأكثر مبيعاً، حيث توزع طبعاتها بملايين النسخ.

هذا الأسئلة, وعن دستويفسكي كانت مدار بحث وحوار في قناة روسيا اليوم, عن دستويفسكي والأسئلة الأزلية وتأثيره أعماله.
لمشاهدة الحلقة: حفظ باسم (http://rtarabic.ru/flv_video/11/2008111909524144.flv)

قراءات سابقة لدستويفسكي:
الأمير العظيم ليون ميشكين : الجمال سينقذ البشرية (http://vb.eqla3.com/showthread.php?t=393908)
الجريمة والعقاب (http://vb.eqla3.com/showthread.php?t=321732)
الشياطين : روح دستويفسكي الساخرة (http://vb.eqla3.com/showthread.php?t=360838)
مذكرات زوجة الكاتب: آنا غريغور. كتاب الكتروني من إعدادي (http://www.4shared.com/file/45678820/1a6087f0/___online.html?dirPwdVerified=9b6e9a34&signout=1)

يوسف
14-03-2009, 02:56 AM
أشباح غويا

http://abuwabdallh900.googlepages.com/Goya1.JPG

الأحلام المرعبة لا تبرح عقله, أفكاره ممتلئة بمناظر مروعة. قد تكون واقعية أو لا تكون, وهل يهم إن كانت واقعية أم من خيال الفنان؟ نرى في أعماله جسد الإنسان وقد تحول إلى أشكال في غاية البشاعة والقبح: أجزاء من الجسد متورمة, جافة كسيحة, هي وحوش وليست بكائن بشري, والبوم والقطط تنظر إلينا شزراً، والذئاب والنسور تجوس خلسة، والساحرات يطرن في الهواء، والأرض تبعثرت فيها الجماجم وعظام السيقان وجثث الأطفال, حديثي الولادة حديثي الموت. وكأنما قفز خيال بوش عبر فرنسا متخطياً القرون ليدخل عقل هذا الفنان ويشيع فيه الفوضى. خلد نصف فنه الأغنياء، أما النصف الأخر فكان صرخة تطالب بإنصاف الفقراء، واحتجاجاً على همجية القانون ومحاكم التفتيش والحرب. كان موالياً للملكية قي لوحاته الشخصية، كاثوليكياً في صوره، متمرداً في رسومه. أعرب بقوة تكاد تكون وحشية عن مقته للظلامية والظلم والحماقة والقسوة. صور في أعماله التخطيطية مشاهد ليست عادية للمعارك, في ظاهرها المجد والبطولة, وفي داخل أعماقها لحظات من الرعب والقسوة تهز أسس الحضارة الإنسانية الهزيلة في حمى الصراع ونشوة الدماء: هنا بيوت تحترق وتنهار على ساكنيها، ونسوة يهرعن إلى المعركة بحجارة أو رماح أو بنادق، هنا نساء تهتك أعراضهن، ورجال يشدون إلى أعمدة ويتعرضون للحرق بالنيران, ونساء ميتات مازلن قابضات على أطفالهن الرضع، وأطفال يرقبون في هلع قتال آبائهم، وأكداس من الموتى يقذف بهم في الحفر، والنسور تستمتع بالتهام الموتى من الآدميين. وتحت هذه اللوحات يضيف هذا الفنان تعليقات ساخرة : "هذا ما ولدت له"، "هذا رأيته"، "لقد حدث هكذا"، "ليدفنوا الموتى ويلزموا الصمت", "الحق يموت". هذا هو الفنان الإسباني الشهير فرانسيسكو دي غويا. لم أفضل يوماً غويا, ربما لغرابة بعض أعماله والظلام الذي يتسرب منها, منها لوحته الشهيرة "Saturn Devouring His Son". أي بشاعة تظهر منها هذه اللوحة؟ رجل يفترس طفلاً عارياً، أكل رأسه وذراعه وأخذ يلتهم الذراع الباقية وهو يرش الدم من حوله. ولكن, ربما تكون اللوحة رمزاً مجنوناً لأمم مجنونة تأكل بنيها في الحرب. هذه رؤى رجل تعذبه أطياف الموت المروعة فهو يرسمها في جنون ليطردها من ذاته ويثبتها على الجدار.


http://abuwabdallh900.googlepages.com/Goya2.JPG

اعترف بأن هذه اللوحة "The Sleep of Reason Produces Monsters "هي التي جذبتني لعوالم غويا الظلامية. اللوحة بديعة, رجل استسلم للنوم على مكتبه, بينما الثعلب عليى يمينه والبوم والغربان وكل أنواع الطيور المتوحشة تحوم حول رأسه. على المكتب عبارة تقول "حلم العقل يبعث الجنون". فسر جويا هذا بأن الخيال إذا هجره العقل ف سينتج الجنون, وإذا اتحد بالعقل كان خالق الفنون ومبدع أعاجيبها. أليس هذا التفسير هي إحدى الطرق التي تعاطى من خلالها العصر الكلاسيكي مع الجنون كما حللها ميشيل فوكو في كتابه الشهير. يقول فوكو: أصبح الجنون شكلاً من أشكال العقل ذاته. إنه يندمج معه ليشكل إما قوى خفية. و إما لحظة من لحظات تجليه, و إما شكلاً مفارقاً يعي ذاته بذاته. و في جميع الحالات, فإن الجنون لا يمتلك معنى و قيمة إلا داخل حقل العقل. إذا لا غرابة أن يذكر فوكو غويا كأحد الذين حافظوا على الوعي النقدي للجنون في الفترة الكلاسيكية, في إحدى لوحاته أعطى غويا لمحة تاريخية عن مرضى المستشفيات, أو بمعنى أصح معتقلات الجنون في العصر الكلاسيكي. ولا غرابة كذلك أن يخصص ويل ديورانت فصلاً كاملاً من قصة الحضارة ليسرد حياة غويا, الفنان الإسباني الشهير.

http://abuwabdallh900.googlepages.com/goya4.JPG


شاهدت بالأمس فيلم المخرج الرائع ميلوش فورمان أشباح غويا" Goya's Ghosts ". كان لدي اعتقاد بأن تركيز المخرج سينصب باتجاه غويا وأعماله, وجيد أنه لم يعطيه إلا إهتمام بسيط. أعمال غويا الفنية ناتجة من أحداث سياسية وإجتماعية ودينية. هذه القضايا هي التي يجب أن تطرح وليس أعمال غويا التي هي نتيجة بالنهاية. بطل الفيلم الرئيسي لورنسو, الذي جسد دوره خافير بارديم يمثل الأهواء النفسية في أعمال غويا الفنية. من البداية نرى لورنسو وهو منضم لأعضاء محكمة التفتيش المسيحية سيئة السمعة, وبعد فترة نجده ينقلب على أعقابه ويصبح من المؤيدين للثورة الفرنسية حد الموت. ما نتج عن هذا الإنقلاب الفكري والسياسي نشاهدة في لوحاتة غويا البديعة, مثل لوحة الثاني من مايو "The Second of May". أعاد غويا بعد الإنتصار الأسباني على الفرنسيين ما رأى أو سمع من المعركة الناشبة بين جماهير مدريد وجنود الفرنسيين والمماليك. فوضع المماليك في القلب، لأن اشتراكهم في القتال هو الذي أثار أبلغ استنكار في الذاكرة الأسبانية. لا داعي للسؤال هل كانت الصورة تاريخاً صحيحاً، فهي فن رائع و مذهل، ابتداء من تدريجات الألوان التي تومض على جواد المملوك المجند وانتهاء بوجوه الرجال الذين روعهم الإختيار بين أن يقتلوا أو يُقتلوا. وكذلك لوحة الرمي بالنار في الثالث من مايو"The Third of May". فرقة من حملة البنادق الفرنسيين يعدمون السجناء الأسبان. ليس في فن جويا ما هم أبلغ وقعاً في النفس من التباين بين الرعب والتحدي في الشخصية الوسطى في تلك المذبحة.

http://abuwabdallh900.googlepages.com/Goya3.JPG

الشخصية الأولى في الفيلم كانت تمثل الجانب النفسي في غويا, أما الشخصية الثانية, إينيس, والتي جسدت دورها ناتالي بورتمان فهي تمثل الجانب الفني على هذه الأرض. الفن ما يحتويه من جمال من براءة الأطفال ولون الأزهار وجمال الطبيعة وأغنيات الأطفال في الشوراع. هي تمثل لوحات غويا: الكونتسية دي ألبا، الميجا العارية، الفتاة البرجوازية التي تطل من النافذة، إينيس الجميلة سقطتْ في أنياب محاكم التفتيش. تمّ تعذيبها وزجها في زنزانة، بتهمة الهرطقة والقيام بطقوس يهودية. أما القس الظلامي لورنسو قبل أن يتحول إلى اليمين, والمسؤول عن ذلك فيجلس هادئاً أنيقاً إلى منضدة ويحظى برعاية والدي إينيس بينما يناقش معهما مسألة الصدق والكذب في اعترافاتٍ انتزعت من ابنتهم بالتهديد وبالتعذيب. زمن مظلم وأوقات صعبة في إسبانيا. محاكم التفتيش في حالة سعار. في نفس الوقت، وفي هذا الخضم، هناك رسام مثل فرانسيسكو غويا يحظى بتقدير رفيع من قبل القصر، وهو لم يقدم على الاحتجاج أو ينتقد الوضع القائم. كان غويا يساوم ويتغافل، يرسم كل ما يراه تقريباً. يقوم بإنجاز البورتريهات للمتنفذين وهم في السلطة، وكذلك يرسم الناس العاديين في الشوارع بنفس الدرجة من الواقعية، كما يراهم هو. كان غويا يصوّر ويوثق في أعماله المعاناة والوحشية التي يراها عياناً ويطبق بذلك المقولة: لست أنا إلاّ مجرد فنان.

قرأت مقابلة قبل قليل لمخرج العمل, لفت نظري هذا القول عن غويا : كان غويا شخصية سلبية، على الأقل أزاء ما كان يحيط به. ما نراه في أعماله الفنية، من احتدام المشاعر والفروقات بين لوحة واخرى، وتناقضات وتعارضات فيما حققه من أعمال، هي حصيلة غليان عاطفي اعتمل في داخله. ولكن يبدو أن رأسه كان اشبه بالمرجل الكبير، يحتوي على ما هو جميل وعلى ما هو محتدم كالجحيم. طرفان يتناقضان ويتعارضان فيما بينهما.

يوسف
19-03-2009, 02:41 PM
كيف تصنع يداً؟

http://abuwabdallh900.googlepages.com/book15.JPG

هذا العمل بالنسبة لي كان المصافحة الأولى للكاتب والقاص عبدالواحد الأنصاري. أحب قراءة مقالات عبدالواحد النقدية في الصحافة والمنتديات, ولكن القصص القصيرة, لا أعلم لماذا لم أتقبلها. من حسن الحظ أني قرأت مقطع منشور للرواية وقت صدورها ولفت نظري ما أسماه المؤلف "التأمل الغنائي الصامت في تبجيل اليد".

أخذت الكتاب من المعرض, وقرأت الرواية في أوقات الفراغ في الجامعة. الرواية تنقسم لثلاثة أقسام" أ/ب/ج". الجزء الأولى كان أشبه ما يكون بحاشية تشرح أسس الرواية والعمل الأصلي للعمل. بمعنى, أنت تقرأ عدة نقاط هي مفاتيح للعمل الأصلي, في التاريخ والشعر والموسيقى والأماكن. من حسن الظن أني قارئ صبور ولدي قدرة قوية لضبط النفس وعدم إلقاء الرواية بعد هذه الصفحات الغير مترابطة ولا تقدم لي شيئاً.

القسم الثاني من الرواية " ب " كان هو العمل الروائي الحقيقي. في الحقيقة تفاجئت! عبدالواحد أعجبني هذه المرة. بل لا أبالغ إن قلت أني أصبت بالذهول. أعتقد بأن السبب كان في الأسلوب البورخيسي في كتابة النص, حيث يظهر الكاتب جنباً إلى جنب مع بطل القصة, يجنح للكتابة الكلاسيكية تارة, ثم يظهر في القصة وأكنه أحد الأبطال. هذه هي الكتابة البورخيسية الرائعة, ولو توقف الكاتب عند حدود هذا النوع من الكتابة قد يفشل, ما لم يطور عمله أكثر. عبدالواحد أضاف لهذا النوع من البورخيسية ما يمكن أن أسميه بالأدب الكابوسي, أو المرعب. حقاً, إن اختفاء يد البطل ثم ظهورها عبر الألم والضرب والتكسير لا يمكن أن تكون الرواية إلا مرعبة. هذا الرعب في التصوير والتحطيم والآلم يصاحبه حركة سريعة باتجاه اليد, اليد التي جعلها المؤلف هي السؤال والعنوان في الرواية: كيف تصنع يداً. هذه الكيفية في كتابة الرواية تطرح سؤالاً جوهرياً: كيف تكتب الرواية؟ المؤلف يجب أن يفكر قبل أن يكتب, كيف يقدر على إدهاش القارئ ويقدم عمل روائي قبل أن يكون جديراً بالقراءة, يكون عملاً يستحق المؤلف عليه التكريم, نظراً لإنشغاله عليه بحرفية. المجهود واضح في كتابة هذه الرواية. بإمكانك أن تقرأ الرواية تسلسليلاً, أو تقلب الرواية من الجزء الأخير إلى الأول, أو تقدم الجزء الأوسط والأخير وتأخر الجزء الأول. وعبر كل هذه الطرق, تقرأ عملاً يستحق كاتبه التقدير.

القسم الثالث من الرواية, وهو يصلح لأن يكون بدل " أ ", أو حتى في الأخير. قرأت الرواية تسلسلياً, أي أ و ب و ج. في القسم الثالث من الرواية فتح عبدالواحد المجال واسعاً للحديث عن اليد: أو كما أسماها بالتأمل الغنائي الصامت. أحببت هذه القطعة جداً . إنها تذكرني بتلك القطع الفنية التي يجد القارئ نفسه يقرأ بسرعة مرعبة, يريد أن يرى خاتمة لهذه الملحمية والشعرية الغنائية الكثيفة. هذا جزء من الجزء الأخير من الرواية, مع التحية للأستاذ عبدالواحد.

سيول جارفة من التأمل الغنائي الصامت في تبجيل اليد، بمقاطعها الصوتية الثنائية، التي لا يمكن أن تسمع إلا في اللغة العربية، مؤكدة أن أصل اللغة ثنائيّ، وأن هذه الثنائية الموجودة في أسماء الأصوات والأفعال، هي ثنائية اليد الناعمة المسترسلة، وهو الأمر الذي تؤكده نظرية الأب أنستاس الكرملي ومرمرجي الدومنكي. إنها اللفظة المؤنثة بنعومة، كما تقتضي القاعدة العربية القائلة بأن كل عضو مثنى في الجسم فهو مؤنث ناعم. اليد التي تُعرف باستقرارها فاعلا على الدوام، لا مفعولا، باستثناء ما إذا وُطئت بالعقوبات والأفعال القسرية. يد حبيبة لوكيوس الوردية في رواية أفولاي الأمازيغي. يد المرأة الطارقية التي ترقص بوقار، واضعة الملحفة على وجهها، مكتفية بحركة اليدين، على إيقاع الموسيقى الهادئة، ذلك المشهد الذي ظل يحمله حسين في فؤاده طيلة حياته، وصحبه إلى قبره، باعتباره مثالا أعلى للحياء المنتشي. اليد العاشقة، التي لولاها لما قامت لمباهج الحب قائمة، متلمسةً في جوف الظلمة، مرتبكة، مبتهلة، منتشية، تفتح الأزرار، وتمزّق الألبسة الرقيقة، تقرص، وتخمش، وتضغط، وتنشب، وتحتدم، وتعتصر، وتنتفض، وتموت. هل ترى أصابعك الموقيّة يا حسين، التي يصفها المنجمون وقراء الكفّ بأنها قادرة على صنع أدوات مفيدة، كالأدوات المنزلية. وبالقادرة على أن تجعل من صاحبها مهندسا بارعا. وبأنها تشي بدقتك وعشقك للعمل الميكانيكي من أي نوع تقريبا. وهل ترى اليد المنبسطة كيد تمثال الحرية، الصارخة بالنداء: أقبلوا نعطكم الحرية والغذاء، أرسلوا فقراءكم ومظلوميكم وليس أغنياءكم وعباقرتكم. يد هتلر المنفتلة بتحيتها الصارمة الخالدة. اليد التي تعلو أختها في استسلام كيد الموناليزا، والأيدي المرسومة بعناية في العشاء الأخير، ناطقةً مفصحةً بمن سيخون، ومن سينسحب، ومن سوف يتنصل ويغيب إلى الأبد. اليد المتحولة إلى عصفور يلتقط الأغصان والحشائش الجافة. البنصر المخملية، المصممة من البرونز والفضة والأبنوس، لأجل أن تحتضنها الخواتم الثمينة. القبضة النحاسية التي تثبت على الأبواب لتعوض عن الزائرين شهوة الطرق بالقبضة. اليد المعوّذة، التي تضمخ بدم القربان، ويلطخ بها الحائط أو باب المنزل. يد الخمسة وخميسة الذهبية، التي تشبك بأول خصلة يولد بها الطفل. اليد المفتوحة إلى أعلى تبتهل أو تستعطي، والمفتوحة إلى أسفل لتمنح أو تواسي. يد الأم التي تهز المهد لتحكم العالم. يد بوذا، التي قبضت على القرد وسط راحتها، وتحدته أن يخرج منها، وركب القرد سحابة طارت به إلى أقصى الأرض، ليجد خمسة أعمدة قائمة، فيتبول بينها، ليثبت وصوله إلى أبعد مكان عن يد بوذا، وليُفاجأ بأن الأعمدة التي بال بينها لم تكن إلا أصابع بوذا نفسه. اليد الرامزة للإعجاز الخارق، بأن يقتل القاتل ضحيته، ويجرجرها إلى الغابة لدفنها، فتسقط منه يدها دون أن يشعر، متدحرجة من لفافة الجثة، وتتعثر بها امرأة ضريرة، فيعاودها بصرها. وتحتفظ بها القرية في كنيستها، على أنها يد العذراء، في حين أنها ليست إلا يد تلك المسكينة المقتولة. اليد الفصحى الموحية بتمثيلها الإيمائي، المجسدة للطائر، والحيوان، المتراقصة بظلالها السحرية خلف ألسنة الشموع. اليد الآسية الرحيمة، التي تتحسس موضع الألم، فتطبع عليه هناء الطمأنينة. الأيدي الوطنية، التي تبني أو تحمي. يد المحتل التي تبطش. واليد التي تنطلق منها في كيان الطفل الوليد أولى شرارات الصفات البشرية الوحشية: الإمساك لفترة بسيطة، لحب التملك. القبض على جسم يمسكه آخر، للنهب. التقاط الأشياء بالسبابة والوسطى، للانتقاء. نقل الأشياء، للنفي والإبعاد. وإسقاطها على الأرض، للإهمال. تمرير الإصبع للاكتشاف، لغزو العالم. الرسم على الأشياء، للقهر الأيديولوجي. الضرب، لأجل الضرب فقط. صف المكعبات، للتخطيط للمكائد. التغطية، للطمس والإخفاء. اليد التي تصلح رمزا للخير وللشر معا، كالمبسوطة في كل الفنون، إما لانعتاق الروح من جسدها، كما جرى لك يا حسين عندما اكتملت يدك واشرأبّت وانبسطت، أو المنبسطة للقتل، كما تروي اليد سيرتها في أول قضية جنائية، بين قابيل وهابيل، إذ بسط هذا يده، وضم الآخر يده إلى صدره منتظرا الموت، وكتبت الحكاية إلى الأبد.

يوسف
22-03-2009, 12:31 AM
سأقذف نفسي أمامك أيها الموت .. ولن أستسلم!

http://abuwabdallh900.googlepages.com/VirginiaWoolf.jpg

عزيزي ..
أشعر قطعاً بأني سأعود إلى الجنون مرة أخرى! و لن أشفى هذه المرة. أشعر بأننا لا نستطيع تجاوز تلك الأوقات الفظيعة معها. لقد بدأت استمع إلى تلك الأصوات, ولم أعد قادرة على التركيز. لهذا فأنا أقوم بعمل ماهو الأفضل. لقد منحتني أقصى سعادة ممكنة. ولقد كنت - وفي كل الحالات - أفضل ما يمكن أن يكون عليه الإنسان. لم أكن أعتقد بوجود شخصين أكثر سعادة منا إلى أن أتى هذا المرض اللعين. لقد كافحت طويلاً ولم يكن لدي مزيد من المقاومة. أعترف بأنني أفسدت حياتك. و أنك بدوني قادر على العمل. وسوف تواصل العمل. أعرف هذا. أنت ترى أنني لا أستطيع حتى كتابة هذه الرسالة على نحو سليم. لم أعد أستطع القراءة! ما أرغب بقوله هو: كل سعادة في حياتي أدين لك بها. لقد كنت صبوراً معي بلا نهاية و طيباً جداً. أريد أن أقول لك - والجميع مؤمن بذلك -لو كان بإمكان أي شخص ما أن يقوم بإنقاذي مما أنا فيه فلن يكون إلا أنت. كل شيء غادرني بإستثناء يقيني بطيبتك. لا أستطيع الإستمرار بتدمير حياتك أكثر من ذلك. و لا أظن بوجود شخصين اثنين كانا بسعادة معاً كما كنا نحن ..
فيرجينيا وولف .

تعرضت فيرجينيا وولف لمصادفات موت عجيبة. ماتت أمها وهي في الثالثة عشرة. وكانت في الخامسة عشرة عندما ماتت أختها. وحين مات أبوها كانت في الثانية والعشرين. وحين مات أخوها" توبي" كانت في الرابعة والعشرين. وأصيبت أختها بمرض عقلي فاحتجزت في مصح عقلي. كما تعرضت لمحاولة تحرش من أخيها الغير شقيق. تركت وولف هذه الرسالة, ثم سارت منتصف النهار إلى نهر أوز, وملأت جيوبها بالحجارة. رغم معرفتها السباحة فلم تفعل شيئاً ينقذها. كانت ميتة فظيعة. أخذها التيار لمكان بعيد. بعد ثلاثة أسابيع عثر صبية على ما ظنوه في البداية قطعة خشب تطفو على الماء. قطعة الخشب هذه كانت فيرجيينا وولف التي قام زوجها بإحراق جثتها وكتب على القبر آخر عبارة من روايتها الأمواج: سأقذف نفسي أمامك أيها الموت .. ولن أستسلم!

فيرجينيا وولف صعبة! صعبة جداً . لا تستطيع أن تتحكم أنت بالكتاب: هي التي تتحكم بك, وتعبث بعقلك لتجبرك على القول بعد الإنتهاء من قراءة أعمالها: أنا لم أستطع التحكم, لقد خسرت, وانتصرت رائدة تيار الوعي " Stream of consciousness". يعرف هذا التيار حسب الرؤية النقدية الغربية: بالمنهج السردي المستحدث. يعرض المؤلف من خلاله المحتوى الذهني للشخصية الصامتة عرضاً فورياً مباشراً من الذهن نفسه. ومن كافة مستويات الوعي نفسه. بدءاً من مستوى ما قبل الكلام وهبوطاً إلى أدنى درجات اللاوعي ملتزماً في ذلك حيادية نسبية. إذ يقتصر تدخله على تقديم التعليقات الإرشادية والتفسيرية والوصفية. لكنه يحرص حتى في هذه الحالات على الإيهام بأن المادة الذهنية تنبع من ذهن الشخصية مباشرة وفوراً, وهي تتخذ في جميع الحالات لغة لفظية صريحة ومباشرة أو صورية رمزية. وهذه المباشرة والفورية هما السبب فيما يتسم به تيار الوعي من مجافاة للتنظيم المنطقي والقواعد النحوية واللغوية عامة لتمثيله مستويات وعي سابقة لمرحلة الكلام وبدرجات متفاوتة.

من أهم تقنيات تيار الوعي : المونولوج الداخلي Interior Monologue بنوعيه المباشر وغير المباشر, والإنطباعات الحسية Sensory Impression, والدراما الذهنية Mental Drama, وهو يختلف عن تقنيات استنباطية تقليدية مثل مناجاة النفس ( حديث النفس ) Soliloquy والتحليل الداخلي Internal Analysis. تُعرف فيرجينيا وولف إلى مدى أبعد من أي روائي آخر- باستثناء جيمس جويس - أول من أنتج الرواية الإنجليزية الحديثة, التي نأت بشدة عن الشكل الكلاسيكي للرواية. اعتمدت وولف في أعمالها بشكل أساسي على إلغاء المركزية بشكل كامل. التفاصيل الصغيرة القادرة على إحداث الثورات الكبيرة, والأسلوب النثري الغنائي من أهم طرق فيرجيينا وولف في الكتابة الروائية.

http://abuwabdallh900.googlepages.com/VirginiaWoolf2.JPG

قرأت قبل أيام رواية فيرجينيا وولف الشهيرة" السيدة دالاوي". يجب أن أذكر أني قرأت الرواية وأنا لا أعرف تقنيات تيار الوعي إذا احتل العمل بشكل كامل, من البداية إلى النهاية. لو كانت لدي خبرة بسيطة عن احتلال هذا النوع الأدبي كامل العمل لاتخذت طريقة أستطيع فيها السير قدماً مع كلاريسا دالاوي, بطلة فيرجينيا وولف في الرواية. ولكني فشلت وأعترف بذلك. وصلت الصفحة الخمسين وأنا لا أعرف إلى أين تريد فيرجينيا وولف أن تذهب بعقل القارئ. لم أجد الشكل الكلاسيكي المتعارف عليه: من ملحمة بطولية, وقضية مركزية, وذروة المشاهد والخاتمة المحكمة.

المركزية في الرواية مدمرة بشكل كامل. وكأن وولف تظهر للقارئ في الرواية وتسخر منه: ها أنا هنا يا قارئي, لا توجد مركزية في روايتي, ومع ذلك هي من الروائع الخالدة, فكيف تستطيع قراءة الرواية؟ من الأفضل لك أن تبحث عن حل لتقرأ عملي. أو انتظر حتى تكبر لتتعود على التقنيات السردية الخاصة بي!

سخرية مبطنة وعنيفة. حاولت أن ابحث عن إجابة لهذا السؤال: لماذا أعجبني تيار الوعي وتداعي الذاكرة الغير محكم عندما استخدمه تولستوي في رواية آنا كارينينا, وبالتحديد في اللحظات الأخيرة لحياة بطلته الأثيره "آنا", ولم تعجبني فيرجينيا وولف ؟

يجب أن أنفي أولاً استخدام تولستوي لتيار الوعي في كل العمل الأدبي. هو استخدم هذه التقنية في اللحظات الأخيرة لحياة بطلته الضائعة, وكان استخدام هذا النوع ضرورياً جداً ليظهر مدى التخبط وحجم الحصار. أعتقد بأن إجابة السؤال بدأت تظهر: مدى التخبط وحجم الحصار؟ كل ذلك متعلق بالوعي. وكذلك الغنائية. عندما تتداعى الذاكرة بلغة نثرية غنائية سيكون النص مدمراً وقاتلاً. إذاً هذه إجابة أولى. الإجابة الثانية وجدتها من وولف نفسها. حين قالت: دعونا نرصد الذرات أثناء سقوطها فوق العقل بنفس ترتيب سقوطها, دعونا نتتبع التشكيل مهما كان مفككاًَ وغير مترابط التكوين, سنجد أن كل مشهد وكل حدث سوف يصيبُ رميه في منطقة الوعي. إجابة ناقصة, أريد جواباً شافي لأقرأ وولف: جرب أن تدخل "وعي" إنسان, أي إنسان, وستجد نفسك فوراً منقاداً إلى حياة العشرات من البشر الآخرين الذين يكملون ويتقاطعون مع حياة هذا الإنسان, كلّ على نوع مختلف!

آه, وأخيراً وجدت الجواب. ليس مهماً أن أجعل رواية غير مركزية: مركزية. وليس مهماً كذلك أن تحفظ أسماء الأبطال. سأقرأ فيرجينيا وولف وكأني أقرأ قصيدة غنائية جميلة. حين قرأت قصة كلاريسا دالاوي في المرة الأولى فشلت فشلاً ذريعاً لعدم معرفتي بوولف. أما الآن, وبعد أن قرأت الصفحة الأخيرة فهمت كيف تلعب البطلة لعبة الزمن, حين تستعد لإقامة حفلة عشاء, وتستدعي ذهنياً كامل حياتها مثل شريط سينمائي منذ الطفولة حتى عمرها الراهن. من سيقرأ السيدة دالاوي وهو على يقين بأن هناك مركز يستند عليه, سيكره الرواية بكل ما فيها. أما إذا كانت القراءة - حتى لو كانت في اليوم عشر صفحات - قراءة قصيدة غنائية, سينجح في قراءة وولف, ومعرفة رواية السيدة كلاريسا دالاوي.

يوسف
22-03-2009, 12:34 AM
ستشتري الأزهار بنفسها !

http://abuwabdallh900.googlepages.com/TheHours6.JPG

" ليس عندي وقت لتوصيف غاياتي. علي قول الكثير عن الساعات, واكتشافي, كيف أحفر كهوفاً بديعة خلف شخصياتي؟ أظن هذا يمنحها ما أريد: الإنسانية والضحك والعمق. فكرتي عن هذه الكهوف تتواصل, ثم يهلّ كلُّ منها إلى نور النهار باللحظة الحاضرة "
فيرجينيا وولف


لم تعرف الروائية الإنجليزية فيرجينيا وولف أن بعد خمسين سنة من وفاتها, ستظهر رواية يدخل فيها المؤلف وعي فيرجينيا وولف نفسها, ويسير هذا الوعي إلى حياة امرأتين جميعهم يتقاطعون مع وولف عبر روايتها الشهيرة" السيدة دالاوي". فكرة العمل تبدو خطيرة, استخدام طريقة وولف نفسها في الكتابة عبر عدة أزمنة وتداعيات في الذاكرة يبدو أمراً مريعاً: لن ينجح المؤلف إلا إذا سار على نفس درب وولف وفي الكتابة الشعرية ذاتها, فهل نجح ما يكل كننجهام مؤلف رواية الساعات في ذلك؟

أعتقد لست بحاجة لتقديم إجابة. والدليل على لك أن هذه الرواية فازت بجائزتين أدبيتين" جائزة بوليتزر/ بن فوكنر" وظلت لمدة سنتين من الروايات الأكثر مبيعاً في الولايات المتحدة. قارئ الرواية سيجد أمامه خيارين عند الإنتهاء من قراءة الرواية: من قرأ السيدة دالاوي لفيرجينيا وولف سيعرف الساعات من البداية إلى النهاية, وإلى ماذا يريد مايكل كننجهام في روايته, والقارئ الثاني من لم يقرأ السيدة دالاوي. هذه القارئ سيجد نفسه مجبراً على قراءة فيرجينيا وولف لمعرفة أين استلهم مايكل كننجهام هذه القوة الشعرية والسرد الزمني المتضارب بين ثلاثة عصور.

تحقق في هذه الرواية جمع مذهل وتناص ذكي جداً. أي الجمع بين المؤلفة وأحد أبطالها وقارئ لها في رواية واحدة تدور عبر ثلاثة أزمنة:

المؤلفة فيرجينيا وولف - أحد أبطال الساعات
كلاريسا فوجان - أحد أبطال الساعات وتسير على درب بطلة رواية وولف كلاريسا دالاوي
لورا براون - أحد أبطال الساعات, ومن المحبين لفيرجينيا وولف.

ذات صباح جميل, في خضم الحرب العالمية الثانية عام 1941 م تستيقظ فيرجينيا وولف من حلمها الذي ظل يسوقها فترة طويلة بهاجس الإنتحار. وقت تأليفها لعملها الأدبي الشهير" السيدة دالاوي", والتي يعمد مايكل كننجهام لإستلهامها هنا طقساً وأسلوباً وحياة. ذات صباح جميل, في أحد أيام 1949م تبذل امرأة أخرى " لورا براون" ما بوسعها لعيد ميلاد زوجها, رغم أنها حامل بطفلها الثاني ومضطربة نفسياً. هذه الشخصية قارئة لوولف, ومغرمة بقراءة أعمالها. على التوازي مع ما تعانيه من رغبة في التخلص من نمط حياتها مع زوجها وابنها "ريتشارد", ورفيقتها المريضة بالسرطان. ذات صباح جميل, في تسعينيات القرن العشرين, تخطط كلاريسا فوجان لحفل تقيمه على شرف حبها القديم. ريتشارد, الشاعر الشاذ المصاب بالأيدز, والذي نال جائزة شعرية مرموقة. كلاريسا تقابل مشهورين وتستفيض في الحديث عن فلسفة الحياة والحب.

جمال الرواية بعيداً عن استخدام أسلوب وولف والكتابة الشعرية هو في تسجيل المؤلف لمشاهد إنسانية جميلة تظهر جماليات وخسارات الحياة: الأفكار والذكريات, الأشواق والأسى الذي ينبع دون توقف في بال القارئ عند قراءته لهذا السوااد مثل: فيرجينيا وولف متعبة وقلقة. تستقبل أختها وأولادها ويقيم الجميع تأبيناً لطائر دفنوه في الحديقة. هروب لورا عند الظهر يوم عيد ميلاد زوجها لتقرأ قليلاً من رواية السيدة دالاوي, داخل غرفة مستأجرة في فندق. وتحلم بكابوس مريع ثم ترجع. كلاريسا تشهد وفاة صديقها الشاعر قفزاً من النافذة.

أنهيت الرواية بقراءة واحدة بعد قراءة السيدة دالاوي, وسأشاهد الفيلم عما قريب. ولكن, هذا المقطع البسيط من الرواية, والذي يعطي تفاصيل دقيقة لمرض فيرجينيا وولف الذي قادها إلى حتفها, هل سأجده في الفيلم الشهير المقتبس من الرواية؟

- ما هذا ؟
- إنه الصدااع ..تجاهل الأمر يا عزيزي.

الصداع هناك يرقبها, وفترات حريتها مهما طالت تؤمن دائماً أنها مؤقتة. أحياناً يستحوذ عليها الصداع جزئياً طيلة أمسية أو يوم أو اثنين ببساطة, ثم ينسحب! يظل هناك أحياناً ويزداد حتى تأن منه. في تلك الأوقات يتحرك الصداع خارجاً من جمجمتها إلى العالم. كل شيء يلمع نابضاً. كل شيء مصاب بلمعان أبيض, وهي تضرع للظلام كجوال ضاع بالصحراء يضرع للماء. العالم, كل جزء منه كحد الظلام كصحراء بماء. لا ظلام هناك بالحجرة المغلقة نوافذها, لا ظلام وراء جفني عينيها. هناك درجات أكبر أو أقل من الإشعاع. حين تعبر إلى عالم من بريق قاس: تبدأ الأصوات! منخفضة أحياناً, دمدمات غير مجسدة تلتئم من الهواء نفسه, وتنطلق أحياناً أخرى وراء الأثاث أو داخل الجدران. غير مميزة لكن مليئة بالمعاني, ذكورة غير منكرٍة, قديمة فاحشة. غاضبة اتّهامية, محررة من الوهم. تبدو أحياناً متقلبة بهمسات بين أنفسها, تبدو أحياناً وهي تتلو نصوصاً .. تستطيع أحياناً بشحوب أن تميز كلمة. سرب عصافير خارج نافذتها غرد مرة واضحاً باليونانية, تجعلها هذه الحالة بائسة بشكل جحيم, تقدر على الصراخ بهذه الحالة في ليورنارد أو أي امرئ آخر يقترب: تخفق مع النور كالشياطين. وحين تطول هذه الحالة مع ذلك تبدأ أيضاً بتكفينها ساعة بساعة. وحين تنقضي ساعات كافية بالنهاية, تنبعث ملطخة بالدماء, ترتجف, لكن ممتلئة بالرؤية ومستعدة للعمل ثانية, بمجرد أن تخلد للراحة. ترهبها زلاتها بالألم والنور وتشك بضرورتها. قد تتحرر بعض الوقت من الآن .. ولعدة سنوات !

يوسف
22-03-2009, 12:35 AM
ذاك كان الموت. أنا اخترت الحياة.

http://abuwabdallh900.googlepages.com/TheHours1.jpg

رائع .. مذهل جداً !
هذه أول كلمة قلتها بعد الفيلم مباشرة . أسلوب تيار الوعي يحتل الفيلم بأكمله, من البداية إلى النهاية. طوال قراءتي للسيدة دالاوي والساعات كان هناك غموض في سبب تعاسة السيدة كلاريسا دالاوي وأبطال الساعات: وولف ولورا وكلاريسا. أتمنى أن أجد هذا الغموض في الفيلم, لا أريد إزالة هذا الغموض. أي إزالة له سيكون الفيلم لغة كاتب آخر بعكس ما كتبها مايكل كننجهام. أقصد بالغموض : سبب تعاسة الشخصيات العميقة. الشعور بعد الرضا, والرغبة في الإنتحار والموت. لا توجد أسباب ظاهرية في الفيلم. لا يوجد شرح ولا تفسير. ليس مهماً أن تفهم ما الأسباب, الأفضل أن يخترق حواسك ومشاعرك بكل سهولة. وهذا سبب نجاح الفيلم الأساسي.


http://abuwabdallh900.googlepages.com/TheHours2.JPG

بداية الفيلم أعجبتني كثير. عندما يُذكر اسم فيرجينيا وولف على الفور تمر في ذهني رسالة وولف الأخيرة لزوجها. وها أنا أشاهدها أمامي في الفيلم. هذا الإستناد على الرسالة يحمل أكثر من قيمة. من ناحية هو يشرح الطبيعة النفسية لوولف وماتعانيه من مرض عقلي قادها إلى حتفها المشؤوم. ومن جهة ثانية يعطي مساحة كبيرة لعرض الإنفعالات والأصوات والإضطرابات الذهنية, والأهم: كيف كتبت فيرجينيا وولف السيدة دالاوي. من الجيد أني وجدت إجابة ثالثة تصلح لمقدمة لمن ينوي قراءة وولف. بين النقطة والنقطة في رواية وولف " حدث ". بين الفاصلة والفاصلة " فكرة ", بين سطر وآخر " عصر جديد مختلف ". هذه هي فيرجينيا وولف التي جسدتها ببراعة نيكول كيدمان. أعدت هذا المشهد كثيراً, حين ذهبت وولف وهي في غمرة الإنفعالات إلى سكة القطار تريد المغادرة إلى لندن. تمنيت قبل أن أشاهد الفيلم أن أشاهد ثورة العقل والصراعات النفسية ووصف الحالة السيكولوجية لشخصة وولف في الفيلم. ولم أجد هذا المشهد إلا في هذا المشهد الرائع, هو أجمل من مشهد الإنتحار بلا شك :

" إذا كنت أتأمل بصفاء، يا ليونارد، فسوف أخبرك بأنني أتصارع بمفردي في الظلام .. في الظلام العميق! ووحدي فقط أقدر أن أعرف! وحدي أقدر أن أفهم حالتي.. أنت تعيش مع التهديد! تقول لي أنك تعيش مع التهديد بانطفائي. يا ليونارد: أنا أيضا أعيش معه. هذا هو حقي! إنه حق كل كائن بشري. أنا لم أختر المخدّر الخانق الذي توفره الضواحي بل اخترت ما تخلقه العاصمة من رجّة عنيفة! ذلك هو اختياري. أكثر المرضى اعتلالاً .. نعم .. حتى الأكثر وهناً، مسموح لهم إبداء رأيهم في الوصفة الطبية التي تُصرف لهم هكذا تتحدد الطبيعة البشرية! أنا أتمنى، إكراماً لك يا ليونارد، أن أكون سعيدة في هذا السكون. لكن إذا كان الخيار بين بلدة ريشموند والموت، فسوف أختار الموت!"

http://abuwabdallh900.googlepages.com/TheHours4.JPG

جوليان مور في الأفلام المقتبسة من روايات تعطي أقصى ما لديها. أشك أنها تقرأ تلك الروايات قبل أن تجسد إحدى الشخصيات. فعلت ذلك ببراعة في الفيلم الأخير Blindness, وها هي في هذا الفيلم تعتقد بأنها نسخة طبق الأصل من لورا مايكل .. لورا ربة المنزل, حبلى ومغمورة بالكآبة. منطوية على نفسها ولا تفصح عن مشاعرها ورغباتها. هي تهرب من محيطها العائلي والاجتماعي الخانق بالانغماس في عالم رواية فيرجينيا وولف السيدة دالاوي. وفي آخر النهار تقرر الانتحار في غرفة فندق، غير أنها تتراجع عن الفكرة وتعود إلى زوجها وابنها ريتشارد.. لكن نعلم في ما بعد أن عودتها كانت مؤقتة، إذ تهجرهما وترحل إلى منطقة أخرى.

http://abuwabdallh900.googlepages.com/TheHours3.JPG

ميريل ستريب حتى لو لم تقرأ الرواية. فهي تعطي أكثر وتتفوق على شخصيات الكتاب. رائعة جداً ومذهلة. كلاريسا فوجان, ناشرة كتب. تشرف على ترتيب حفلة سوف تقام على شرف صديقها ريتشارد الذي حاز لتوه على جائزة هامة في الشعر، والذي يحب أن يسميها "كلاريسا دالاوي". أما هو، الشاعر المصاب بالإيدز، فإنه ينتحر برمي نفسه من نافذة شقته لنكتشف بأنه ابن لورا التي تأتي لزيارة كلاريسا وتتحدث إليها عن السبب الذي جعلها تهجر أسرتها.

ثلاث نساء منفصلات عن بعضهن البعض في الزمان والمكان, لكن ملتحمات في التجربة وعذاب البحث عن هوية خاصة، حيث تجتاز كل منهن يوماً واحداً من الأزمة الذاتية ومن التحوّل. قد تبدو مادة الفيلم مأساوية وكئيبة ومثيرة للشجن نظراً لهيمنة ثيمة الموت، ولما تكابده الشخصيات من حزن وإحباط وخيبة أمل، وما تختبره من معاناة حادة. كنت سأقول قبل أن أشاهد المشهد القادم أن الفيلم يتحدث عن نضال نساء يحاربون من أجل إيجاد فرصة مناسبة للسعادة ..

http://abuwabdallh900.googlepages.com/TheHours5.JPG

إد هاريس يدمر نضال هؤلاء النسوة - الوحوش في تمثيلهم - بمشهد إنتحاره القاتل. أتذكر تلك الصفحات التي خصصها مايكل كننجهام لإنتحار ريتشارد, ابن لورا. كانت في قمة الشاعرية والحزن. المخرج الذكي ستيفن دالدري حين يستحضر صورة الإبن ريتشارد وهو يصرخ لأمه لورا براون حقق ضربات متوالية حاول فيها بقدر الإمكان الجمع بين عصرين قريبين - عصر لورا وكلاريسا - وتحقيق الشاعرية الموجودة في كتابات مايكل, وهي الدموع التي ذرفها وهو يتذكر صراخه عندما كان طفلاً:

" أردت أن أكون كاتباً! ذلك كل شيء. أردت أن أكتب عن كل شيء. كل ما يحدث في لحظة معينة. الطريقة التي بها تبدو الزهور عندما تحملينها بين ذراعيك. هذه المنشفة، رائحتها، ملمسها. هذا الخيط. كل مشاعرنا.. أنا وأنت. تاريخ كل شيء.. كل شيء في العالم. كل ما هو مختلط، كما الحال الآن. لكنني أخفقت! أخفقت. أياً كان هذا الذي تبدأين به، سوف ينتهي وهو أقل بكثير مما توقعت. محض غرور وحماقة."

يوسف
22-03-2009, 05:02 PM
لحظة واحدة أخرى ... يا سيدي الجلاد !


http://abuwabdallh900.googlepages.com/MadameDubarry1.jpg


- لقد صلى على روح الكونتيسة دي باري. سمعته بأذني هاتين!

- هل رأيت يا أمير, هل سمعت كيف يتهكم عليّ ويستهزئ بي. لقد دللته وأسرفت في تدليله, ثم ها هو ذا يضحك علي ويسخر مني. ثم أي ضير يلحق بك أنت, إذا أنا رسمت إشارة الصليب مصلياً على روح كونتيسة دي باري؟ يا أمير, منذ ثلاثة أيام, قرأت سيرة حياتها لأول مرة في موسوعة من الموسوعات. ولكن هل تعلم أنت من هي كونتيسة دي باري؟ تكلم: أتعلم أم لا ؟

هي كونتيسة خرجت من حمأة العار فأصبحت شبه ملكة, حتى أن امبراطورة كبيرة خاطبتها بقولها "يا ابنة عمي" في رسالة كتبتها بخط يدها. وحين تنصيب الملك( هل تعرف ما هو تنصيب الملك؟) تطوع كاردينال هو سفير البابا ليلبسها جوربيها الحريريين : كان ذلك يعد شرفاً له, رغم علو مقامه, وقداسة منصبه! هل تعلم ذلك؟ أرى في وجهك أنك تجهل هذا. فكيف ماتت هذه الكونتيسة؟ أجب إن كنت تعلم !

اسمع كيف ماتت. بعد تلك الأمجاد, وبعد تلك المكانة التي جعلتها نصف ملكة, جرها الجلاد سامسون إلى المقصلة, رغم أنها كانت بريئة, وذلك ليدخل المسرة والبهجة إلى نفوس العاميات من نساء باريس. وقد بلغت من الذعر والرعب أنها لم تفهم شيئاً مما كان يُراد أن يُفعل بها, فلما أحست أن الجلاد يحني رقبتها ليضعها تحت سكين المقصلة, ويدفعها إلى الأمام ركلاً بقدميه, بينما الناس من حولها يضحكون مقهقهين, أخذت تصرخ قائلة : " لحظة واحدة أخرى يا سيدي الجلاد, لحظة واحدة أخرى ".


إذن لعل تلك اللحظة هي التي ستشفع لها عند الله فيغفر لها, ذلك أنه لا يمكن أن يتخيل المرء عذاباً للنفس البشرية أكبر من ذلك العذاب! هل تعلم ماذا تعني كلمة " عذاب " ؟ إنها تعني تلك بعينها! حين قرأت الفقرة التي تذكر صرخة الكونتيسة ضارعة أن تُمهل لحظة واحدة, انقبض قلبي كأنما أمسك بها فكا كماشة. أي ضير يصيبك أنت, أيها التافه ! إذا أنا خطر ببالي أن أدعو الله لتلك الخاطئة الكبيرة أثناء صلواتي قبيل الرقاد؟ لئن فعلت ذلك, فربما لأن أحداً لم يدر في خلده حتى الآن أن يصلى على روحها أو أن يدعو لها أو حتى أن يرسم من أجلها إشارة الصليب. لسوف يبهج قلبها حتماً, في الحياة الآخرة, أن تحس أنه قد وجد على هذه الأرض خاطئ مثلها صلى على روحها ولو مرة واحدة ! ما بالك تضحك ساخراً ؟ ألست تؤمن بهذا أيها الملحد؟ وما مدى علمك بهذه الأشياء أنت؟ ثم أنك قد سمعت كلامي فنقلته محرفاً أو ناقصاً. أنا لم أقل أصل على روح كونتيسة باري فحسب, وإنما قلت : " اللهم هب راحة النفس للخاطئة الكبيرة الكونتيسة باري, ولجميع أولئك اللواتي يشبهنها!".


فيدور دستويفسكي / رواية الأبله. (http://vb.eqla3.com/showthread.php?t=393908)

A.M.S.B
22-03-2009, 10:56 PM
http://cache.daylife.com/imageserve/0f5l23T7QN2LX/340x.jpg

مدري من وين أبدأ ومن وين أنتهي لما يكون الكلام متعلق بهالفلم اللي يختزن الكثير ، ثلاث مرات شفته وكل مشاهدة تضيف للفلم أبعاد جديدة وتكشف أشياء ما شفتها في المشاهدات السابقة ، ينتهي الفلم وأنا مفهي قدام الشاشة السودا كأني توني أشوفه أول مرة ، وكلامك عنه يا يوسف وعن الروايتين أشبه بمشاهدة جديدة للفلم والله، يعطيك ألف عافية على كل اللي تكتبه هنا بالأرصفة.
أتفق معك في نقطة أسباب تعاسة الشخصيات ، الغموض كان جزء من التركيب المعقد للشخصيات ذاتها ، ترْكها غامضة خلق مساحة جميلة للتفكير في الشخصيات وتحليلها بشكل أعمق ، فكشف الأسباب يعني انتزاع سر جاذبية هالشخصيات ودافع اهتمام القارئ أو المشاهد فيها. رغم كذا الإيحاءات كانت موجودة ، كان فيه إشارة لبعض الأسباب وتعتيم على أسباب أخرى ، فما كانت المسألة غامضة بشكل مطلق ومغلق على التفسير وما كانت مكشوفة بشكل مباشر يحيلها لشخصيات ورقية لا أكثر.
أحد الأسباب اللي تم الإشارة لها في الفلم هو المثلية الجنسية ، الشذوذ كان عامل مشترك بين الشخصيات الثلاثة فرجينيا تقبّل أختها ، ولورا تقبل صديقتها المصابة بسرطان الرحم حسب ما أذكر ، رغم انه التقبيل الفموي بين الإناث ممكن يتفسر بشكل ثاني غير الشذوذ لكن ردة فعل الطرف الثاني (أخت فرجينيا وصديقة لورا) وملامح الصدمة اللي ظهرت عليهم توحي بأن القبلة كانت خارجة عن حدود الطبيعي ، وبشكل عام الشذوذ ممكن يفسر جزء من أسباب اظطراب هالشخصيتين والصراع النفسي اللي يعيشون فيه بحكم ان مجتمعاتهم كانت ترفض المثلية الجنسية وتستحقر أصحابها.
فرجينيا في بداية القرن الماضي تحاول التنفيس عن رغباتها المكبوتة من خلال الروايات اللي تكتبها ، أبطال رواياتها الإناث دائماً يعيشون علاقات جنسية مثلية -حسب ما قرأت عنها- كأنها تخليهم يعيشون الحلم اللي ما قدرت هي تعيشه، ممكن يكون هالشذوذ هو اللي أدى إلى إصابتها بالاكتئاب المرضي (حتى سماع الأصوات يعتبر عرض من أعراض الاكتئاب إذا تطوّر لحالة شديدة). لورا في أربعينيات القرن الماضي ما تحصل وسيلة للتعبير عن مثليتها فتختار الانتحار أولاً ثم تتراجع وتفضّل الهرب من زوجها وابنها بحكم ان وجودهم يجبرها على كبت ميولها الشاذ ويخنق حريتها بشكل عام.
الشخصية الثالثة كلاريسا أخذت راحتها وعبّرت عن شذوذها بكل صراحة وعندها خويّة تشاركها السكن والفراش بحكم انها عايشة في زمان ومكان ما يرفض شذوذها ولا يحدّها على كبت ميولها ، لكن أعتقد فيه سوالف في علاقتها الماضية مع ريتشارد تأرّقها وتسببلها القلق اللي تعيشه وهالشي يتضح لما يزورها خوي ريتشارد عشان الحفلة وتقعد تبكي قدامه بالمطبخ وتقوله وراك جيت ياخي وش جابك ومدري وشو << واضح اني زهقت من الكتابة ولا؟ :D شي في الماضي يلاحقها رغم كل محاولاتها لإخفاءه ، ريتشارد يكون دائماً هو اللي يفضح فيها هالشي ويظهره على السطح:
Oh, Mrs. Dalloway... Always giving parties to cover the silence
خلاص << فجأة

Goya
26-03-2009, 12:25 AM
حجي يوسف وين آلقى روايات فرجينا وولف - مترجمة بالعربية - ؟

record
26-03-2009, 08:48 AM
...

bp039

يوسف
29-03-2009, 05:51 AM
عبدالعزيز
هلا بك عبدالعزيز. الله يعافيك تسلم. كان عندي خيار قبل قراءة الروايات, أني أشاهد الفيلم مباشرة, لكن أحد الأصدقاء نصحني بالتريث. قراءة السيدة دالاوي والساعات هي أفضل مدخل لفيلم الساعات. وبالفعل, كانت مدخل مهم لمشاهدة الساعات. أول ما خلصت من الروايات كنت نوعاً ما ساخط, لأني لم اكتشف سبب تعاسة الشخصيات. ولكن في الفيلم, وجدت هذا الغموض يحمل جاذبية كبيرة. تجعلك تفكر وتحلل بحرية وبدون قيود, بدلاً من أن تعرض الأسباب وينحصر الفيلم في تقديم القضية والكشف عنها ثم الحل. ما ينقصني حتى الآن هو معرفة سيرة فيرجينيا وولف. هل كان التحرش من قبل أخيها الغير شقيق عامل مؤثر - على الأقل في تطور مرضها - ؟وما علاقتها بالشذوذ والكثير من النقاط. قد تحمل سيرة فيرجينيا بعض الأجوبة للغموض الموجود في الفيلم.

غويا
السيدة دالاوي هي الوحيدة المترجمة للعربية على ما أعتقد. الرواية من إصدار دار المدى, وبترجمة عطا عبدالوهاب. شيك هنا (http://www.4shared.com/file/63663246/635a9c63/__-__.html?signout=1), قصص قصيرة مترجمة لفيرجينيا وولف.

record
حياك ريكورد. شكراً.

يوسف
29-03-2009, 05:51 AM
الرياح الشمالية

الطبيعة وما تحتويه من جمال وخضرة تسحر الألباب, لها مجال واسع في الآداب العالمية. هناك من وصف الأشجار وكأنك تشاهد لوحة فنية خضراء بارعة. هناك من يصف الأرياف إلى درجة أن القارئ يتمنى أن يذهب إلى هذا الريف ويقضي فيه لبعض الوقت, فقط ليحس بهذا الشعور السامي, ذلك الشعور الذي يضرب الجسد ويُحيي الروح. مثل رائعة شارلوت برونتي "جين آير". الوصف الفني للطبيعة في الرواية كان جميلاً, إذ تفرد الكاتبة صفحات طويلة لوصف الحدائق والقرى الريفية بشكل بهيج, كأنك تشاهد منظراً بديعاً في الريف الإنجليزي. من بداية الرواية حين تختلي جين بنفسها وتقرأ كتاب يتحدث عن الطيور البريطانية, تقوم بوصف أحد الهضاب الصخرية في المحيط وكيف تلتقى كم هائل من الأمواج القوية, ومع ذلك هي ثابتة قوية لا تتزحزح. عندما قرأت هذا الجزء بالتحديد قلت - في نفسي - أن جين ربما أرادت تشبيه نفسها بهذه الصخرة القوية, تتلقى كم هائل من العواصف والمتغيرات, وفي الأخير تبقى هي سيدة نفسها.

كذلك, هناك من وصف الجبال بشكل لم يسبق له مثيل, مثل الشاعر الروسي الكبير ميخائيل ليرمنتوف, في رواية "بطل من هذا الزمان". أكثر ما يلفت النظر في هذه الرواية هو التصوير الفني المذهل للمكان, الذي اتخذ طابع النثر. ليرمنتوف تعرض للنفي مرتين, وفي كل مرة كان يذهب إلى القوقاز. كثرة تردده على هذه الأماكن وترحاله المستمر في آسيا الوسطى اكسبه حباً جارفاً للطبيعة وللجبال التي يراها في قوتها الطبيعية تعبر عن ما يجول في صدر الإنسان. كانت الجبال في الرواية تتحدث, كأنها إحدى شخصيات الرواية.

ولكن ..لا يوجد على الإطلاق, روائي أو روائية استطاع وصف الرياح - خصوصاً الرياح الشمالية البادرة - مثل هذه الشاعرة الإنجليزية الكبيرة: إيميلي برونتي.

يوسف
29-03-2009, 05:52 AM
مرتفعات وذرينغ

http://abuwabdallh900.googlepages.com/Emilybronte.jpg

إيميلي برونتي؟ لا تحتاج هذه الروائية إلى تعريف, يكفي أن تقول الإسم الأخير حتى نذكر جميع الروائيين الكبار الذين تخطفهم الموت مبكراً بسبب داء السل, ولم يعمروا طويلاً. عائلة المآسي هذه تضم شارلوت برونتي, الروائية الهائلة المشاعر, المفعمة بالإيمان, والروح المثابرة, والتي أصدرت عملها الأدبي ذائع الصيت جين آير (http://vb.eqla3.com/showthread.php?t=366078). وتضم إيميلي, الشاعرة والروائية الكبيرة, سيدة الرياح الشمالية, والتي تحتل روايتها مكانة عالية في سماء الأدب الإنجليزي حتى وصفت روايتها بالعمل الأدبي المكتمل الأركان, والشقيقة الصغرى آنا, وإن لم تنل شهرة كأختيها في روايتها آجناس جراي.

http://abuwabdallh900.googlepages.com/WutheringHeight.JPG

أتذكر ذلك اليوم عندما دخلت إحدى المكتبات الإنجليزية في الخارج, وشاهدت عدة نسخ لمرتفعات إيميلي برونتي. من المشاهدة الأولى لم يلفت نظري إلا هذا الغلاف. سحرتني لوحة الغلاف, سحابة بيضاء عاصفة تغطي مرتفع جبلي أخضر. على سطح هذا المرتفع امرأة تسير على غير هدى, لم أعرف بالضبط من هي في الرواية: ولكن الروح التي تسكن الصورة روح حية, قد تكون امرأة غنية أصابها الفقر, أو أنثى تعرضت للتعذيب وخرجت هائمة تبحث عن الخلاص على سطح هذا المرتفع البارد, أو .. قد يكون شبح! لا علم لي بذلك وأنا في بداية الرواية, ولكن بعد أن ختمت الرواية بعد قراءة لمدة أسبوعين, أقولها بصراحة: هذا الغلاف الرمزي هو أفضل مقدمة عن رواية إيميلي برونتي, مرتفعات وذرينغ.

الطبيعة في مرتفعات وذرينغ مفعمة بالصوت. في كلمات الرواية ذاتها, في التجسيد الفني لأبطال الرواية كانت الرياح الشمالية القاسية البرودة هي سيدة الموقف. في مكان ناء معزول عن ضجة المجتمع تشيد إيميلي بناء وذرينغ: وذرينغ كلمة تطلق في تلك المنطقة لوصف الطقس العاصف في ذلك الجزء النائي من انجلترا, حيث تهب الرياح الشمالية بعنف أثناء العواصف فوق التلال العالية, مخترقة شجيرات الشوك التي تمتد باتجاه واحد وكأنها تستعطف دفء الشمس.

أحد النقاد الإنجليز, والتر ألن قال: مرتفعات وذرينغ هي أروع رواية إنجليزية, فهي كاملة, وكاملة كأندر ما يكون الكمال, فهي تجسيد حي كامل لفهم بالغ الفردية لطبيعة الإنسان والحياة. من الناحية الفنية لم تكتب جين أوستن أو هنري جيمس أو جوزيف كونراد أو حتى شارلوت برونتي, شيئاً يفوق مرتفعات وذرينغ!

حسناً, أتفق مع الجزئية الأولى من هذا القول. الرواية عظيمة بلا شك, ومكتملة الأركان أدبياً, هي قصيدة غنائية عظيمة لا يمكن تجزئتها بأي حال. ومن جهة أخرى, وهذا ما ظهر لي بشكل واضح, أن لا وجود للمؤلفة في الرواية على الإطلاق. أي أنها خالقة للنص والخيال الفني, وهي بذلك عكس شقيقتها شارلوت برونتي التي كانت موجودة في الرواية. اختلف مع والتر ألن في مبالغته الهائلة, وتحويل أغلب أعمال هؤلاء الروائيين إلى لا شيء مقابل عمل إيميلي. حين ذكر والتر اسم شارلوت برونتي أيقنت بأنه متطرف الرأي إلى حد بالغ. وشأنه في ذلك شأن من يرفعون راية التمجيد لرواية إيميلي والرافضين لعمل شارلوت. رواية شارلوت برونتي لا تقل روعة عن المرتفعات إن لم تكن متساوية معها في القوة والحبكة والغنائية .. لنتحدث عن الرواية, فهي أهم من حديث والتر.

الرواية بداية رواية انتقام بإمتياز. لا يمكن أن يوصف الحب إلا بأنه شيء جميل على هذه الأرض. لا حياة بدون حب, بدون هذا الإتصال الإنساني بين الذكر والأنثى, إيميلي برونتي تطرح نظرية أخرى: الحب شيء رائع, لكن ليس دائماً, قد يكون الحب مدمراً منتقماً يأكل الأخضر واليابس, ويحول كل مشاعر الحب إلى مشاعر كراهية حاقدة,

اتخذت إيميلي طريقة السرد الرجعي في الرواية. السيد لوكوود المستأجر لثرشكروس جرانج, والخادمة نيلي دين, الخادمة السابقة في مرتفعات وذرينغ يتناوبان على سرد الرواية التي تحدثنا عن تأثير هيثكليف المدمر على عائلتي إيرنشو ولينتون في منطقة يوركشير النائية. كان هيثكليف قد استبد به شعور الإنتقام من العائلتين إثر إحساسه بالمهانة وخيبة الأمل في علاقته " الحب / الكراهية " مع بطلة الرواية, كاثرين إيرنشو. حقق هيثكليف هدفه وشعر بلذة الإنتقام, لكنه ما لبث أن اكتشف قبيل وفاته غربته عن ذاته وبعده عن الآخرين.

قرأت الفصل الأول والثاني في عدة أيام, وما إن وصلت الفصل الثالث, وتحديداً عندما نهض هيثكليف من السرير, وفتح النافذة, ثم صرخ في نوبة بكاء حاد, حتى أصابني هذا المس: هذا النوع من الأدب والنصوص التي تستلذ بقراءة كل حرف منها. من أجمل المشاهد الأولية في الرواية بلا شك : تعالي! تعالي إليّ يا كاثي .. آه , تعالي مرة واحدة فقط, مرة واحدة أخرى فقط! آواه .. يا كاثي, أصغي إلي هذه المرة يا كاثرين, يا حبيبة قلبي, لمرة واحدة فقط!"

في هذا المشهد تتكشف براعة إيميلي برونتي في المرتفعات, وهو هذا الاتصال العميق والهائل بين عالم الروح وعالم الواقع. من بداية الرواية نلحظ عالم الروح, وهو يتصل اتصالاً وثيقاً بعالم الواقع. في الحلم الكابوس الذي يتعرض له السيد لوكوود حين يقضي ليلة في غرفة نوم كاثرين بعد موتها بسنين, يحلم لوكوود بأن روحاً, أو شبحاً أو طاقة أولية مخيفة تدق أبواب العالم الحي الواقعي, تريد أن يُسمح لها بالعودة إلى الحياة بأسلوب قد يشكل حالة فريدة. هذه الروح الهائمة على المرتفعات تؤكد وجودها من البداية, وهكذا تعقد الصلة بين عالم الأحياء وعالم الخوارق. نجد هذا المزج بين العالمين يعيش في عقل هيثكليف المحموم. فمرة بعد مرة تدخل الخادمة نيلي دين التي تدير البيت لتراه غارقاً في أحلامه, كأنه ينظر في قلب عالم آخر ويبصر بعينيه رؤى غريبة. بل أنه وحتى بعد موته يظل حياً في خيال القرويين الذين يؤمنون بالخرافات, وينسجون حكايات خيالية عن وجود العاشقين المادي والأثيري في آن واحد. قد يكون الجمع بين العالم الواقعي والعالم الخيالي صعب جداً وقد تظهر ثغرات هائلة قد تفسد الرواية وتدمر بنيانها. أتذكر أحد الأفلام الرائعة التي مزجت بين العالم الواقعي والعالم الخيالي إلى حد أصبح فيه العالم الخيالي هو العالم الواقعي. أقصد فيلم Pan's Labyrinth. قد تشاهد فيلم فيه من الخيال والفنتازيا الكثير, لكنك ستخرج في الأخير بنتيجة واحدة, أن الخيال طغى على الواقع ودمر ما يمكن أن يكون في يوماً ما حقيقة. بينما هناك أعمال تجد فيها ما لا يمكن أن يكون واقعاً, ولكن النتيجة الأخيرة - بسبب الصدمة - تثبت أن ما شاهدته قبل قليل لم يكن إلا واقعاً, وواقعاً مخيفاً. وهكذا هي رواية إيميلي برونتي, بسبب الصدمة, سيجد القارئ نفسه يقرأ رواية في عالم واحد واقعي: حين يدخل هيثكليف في المشهد الذي يحلم فيه لوكوود بالكابوس, وتظهر صيحته المعذبة وهو يرجو الروح أن تعود, لتضفي على المشهد واقعية محلقة بالخيال. بدخول هيثكليف في هذا المشهد الرائع, يقتحم عالم الواقع, عالم الخيال.

http://abuwabdallh900.googlepages.com/WutheringHeight3.JPG

هناك مشهد ثاني من الرواية لا يقل روعة عن المشهد السابق, وإن كان مختلفاً وثائراً جداً. يقول هيثكليف في حواره معه الخادمة دين وهو يصرخ بعنف رهيب ويضرب رأسه في جذع الشجرة كوحش بري: " لتستيقظي في عذاب! لقد كانت كاذبة حتى النهاية! أين هي؟ إنها ليست هناك في المنزل! وليست في السماء .. ولم يشملها الفناء. فأين هي؟ آواه يا كاثرين. لقد قلتِ بأنك لا تبالين بآلامي جميعها, وأنا أدعو الله دعاءً واحداً, وسأظل أردده حتى يتصلب لساني ويدفن هذا الجسد تحت التراب: لترقدي في الجحيم يا كاثرين إيرنشو, طالما أنني على قيد الحياة! قلتِ بأنني قتلتك؟ فلتلازمني روحك إذن لتقض مضجعي! إن روح المقتول لا تفتأ تحوم حول قاتله, والأشباح قد رؤيت تجوب الأرض فيما أعلم, فكوني معي دائماً, وعلى أي صورة تريدينها, لكن لا تتركيني هنا, في هذه الهاوية, في هذا الجحيم! حيث لا أستطيع أن أجدك! إدفعي بي إلى الجنون إذاً ! لكن لا تتركيني هنا! يا إله السماوات! هذا شيء يقصر عنه النطق! لا أستطيع العيش بدون حياتي! لا أستطيع الحياة بدون روحي!.

هذه النصوص التي أحبها وأعشقها لحد الجنون. في هذا النص تكشف إيميلي عذابات هيثكليف بعد وفاة كاثرين. في بداية هذا النص لا يستطيع هيثكليف أن يفضح مشاعره الحقيقية, فنراه يلعن كاثرين المرأة التي يحبها بعد وفاتها, ويتمنى أن تغرق أكثر وأكثر في جهنم, ولكن في النهاية يتحول النص إلى داخل نفس البطل هيثكليف ويكشف حقيقة هيثكليف تجاه هذه المرأة التي أحب, ويعتبر أن حياته بعد فقدها لم تعد حياة. هذا النص البسيط من النصوص المفضلة لدي, إنه ملئ بالمتضادات منذ البداية "الحب / الكره - العاطفة / الإنتقام".

لا أعرف إن كان هناك قياس عام لمدى براعة صناعة الشخصيات في الأعمال الروائية, ولكن الذي اعترف به أن الروائي كلما ابتعد عن الحكم على أبطاله, كلما كانت شخوص الرواية حية دائماً, ولا تموت, مهما تقدم الزمن. لم أحب أحداً في هذه الرواية ولم أتعاطف مع أحد. الجميع يحمل بداخله الخير والشر, ولكن, لا أظن بأني سأنسى عذابات كاثي الطفلة, تحت نيران هيثكليف المشتعلة: تركتني أكافح الموت طويلاً, حتى لم أعد أحس أو أرى سوى الموت! أنني أحس كأنني أنا الميتة.

لماذا قرأت إيميلي برونتي الآن؟
أتمنى أن يكون الفيلم الذي سيصدر هذه السنة, والمقتبس عن الرواية, سيعطي الرواية حقها, مثلما قدمت البي بي سي رواية جين آير في فيلم ناهز الخمس ساعات, واستطاع تجسيد أغلب ما هو مذكور في رائعة شارلوت, وحتى أن يصدر الفيلم, لا أجد شيئاً أجمل من قراءة هذه الأبيات لإيميلي برونتي في قصيدة من أجمل قصائدها :


Cold in the earth - and fifteen wild Decembers
From those brown hills have melted into spring:
Faithful, indeed, is the spirit that remembers
After such years of change and suffering!


Sweet Love of youth, forgive, if I forget thee,
While the world's tide is bearing me along;
Other desires and other hopes beset me,
Hopes which obscure, but cannot do thee wrong!

No later light has lighten'd up my heaven,
No second morn has ever shone for me;
All my life's bliss from thy dear life was given,
All my life's bliss is in the grave with thee.

تفاحة نيوتن!
30-03-2009, 01:18 AM
.

bp039

.

يوسف
31-03-2009, 12:56 AM
اعترافات تولستوي : رحلة البحث عن الله

http://abuwabdallh900.googlepages.com/tolstoy3.jpg

أتذكر جيداًَ ذلك الشعور الغريب الذي انتابني عند قراءة إحدى ملاحظات مكسيم غوركي عن تولستوي. يقول غوركي : صعقني قول غريب في اليوميات التي أعطاني إياها تولستوي, تلك العبارة هي "الله هو أمنيتي". حينما استوضحته عن معنى هذه الأمنية قال : "فكرة غير مكتملة, لا بد أني قصدت إلى القول, الله هو أمنيتي كيما أدركه .. لا , ليس هذا .. ". كان تولستوي حسب تصور غوركي, ومن أحاديث جانبية بينهما, تشغله فكرة الله حتى تكدر صفاء ذهنه. يقول تولستوي في بعض أقواله المذكورة في ملاحظات غوركي: ماذا نقصد عندما نقول أننا نعرف؟ أعرف أنني تولستوي, ولي زوجة, وأولاد, وشائب الشعر, وقبيح الوجه, ولي لحية. وهذا كله مدون في جواز سفري. ولكنهم لا يدلفون إلى الروح في جوازات السفر! كل ما أعرفه عن روحي أنها تتوق إلى الاقتراب من الله. لكن ما هو الله ؟ هذا الذي روحي هي ذرة منه. هذا هو كل شيء!

هذا الملاحظات أصبحت صور تمر في ذهني كلما مر اسم تولستوي في أي قراءة. أتخيل وجه مكسيم وهو يسأل معلمه عن هذه الأمنية الحلم, فيرد وجه الشيخ الكثيف اللحية, المعتمر قبعة الفلاحين, بإبتسامة عريضة تنسي المحاور الآخر السؤال برمته, وما إن يلتفت إلى الخلف, تطفر منه دمعة كشخص ساذج, ويولي هارباً حتى تشتعل هذه الأمنية كبركان على وشك الإنفجار.

هذه الملاحظات لم أعرف ماذا تشكل على وجه الحقيقة في حياة تولستوي, المفكر والأديب المشهور. دستويفسكي في أغلب أعماله الكبيرة, وحتى في كتب البيوغرافيا, يعطي توضيح حاد لرحلته إلى الله والإيمان : "لقد وصلت إلى الله عبر طريق طويل وشائك من الإلحاد والشك الكبير". قرأت رائعة آنا كارينينا (http://vb.eqla3.com/showthread.php?t=354301) قبل فترة, وكانت أول عمل كامل لتولستوي أتم قراءته بالكامل. كنت أتمنى أن أجد تفسير في الرواية لهذه الأمنية التي تراود تولستوي في دفاتر يومياته, ولكن لم أجد إلا حيرة مضاعفة بسبب شخصية قسطنطين ليفين, والذي عبر عن أكثر أراء تولستوي غموضاً. ليفين : تلك الشخصية التي لم تكن إلا تولستوي نفسها بكل تطرفها. كتب تولستوي عن نفسه في هذه الرواية وعبر عن أكثر أراءه بشكل حاد. من سيقرأ بعض ما كتب في يوميات تولستوي المنشورة في صور أدبية لمكسيم غوركي سيجد أغلب أفكاره مطروحة في شخصية ليفين. من أنا؟ وما هو هدف حياتي؟ والأهم : أين الله؟ من هو الله؟ وكيف أحيا بوجود الله؟ ماهو الوجود؟ ولماذا أنا موجود؟ هذه الأسئلة لإنسان مغرق في الشك - وملحد - كانت ذا تأثير عميق في الرواية, وتفنن تولستوي بتصويرها بأروع ما يكون التصوير الفني. ولكن, وهذا السؤال هو الأهم : من أين ظهرت هذه الأمنية؟ وما دلالتها في حياة تولستوي الأدبية والفكرية؟ وأخيراً : هل تحققت أمنيته؟ هل عرف الله كما تتمناها روحه؟

لمعرفة الجواب يستلزم أن تقرأ أكثر, أن تعرف سيرة حياته, وبشكل خاص مسيرة تولستوي الفكرية. كانت مهمة البحث عن أجوبه لهذه الأسئلة ليست بالسهلة على الإطلاق. كتب البيوغرافيا التي تحدثت عن تولستوي لم تستطع الإجابة عن هذه الأسئلة بالتفصيل. الناقد الروسي ك. لومونوف عبر كتابه صفحات مجهولة من حياة تولستوي يقدم سيرة أدبية رائعة ومشوقة لتولستوي. الجانب الأدبي طغى على الجانب الفكري مما سبب غموض أكثر بالنسبة لي. لومونوف يقدم لي تولستوي الأديب, صاحب الروائع الخالدة : "الحرب والسلم", "آنا كارينينا", "البعث", أنا لا أريد تولستوي هذا, أريد تولستوي صاحب الأمنية الكبيرة : الله هو أمنيتي.

دائماً ما أجد أقوال دستويفسكي عن تولستوي موفقة وتصف الحالة العامة لتولستوي على وجه الدقة, هو لا يتكلم كثيراً ولا يرفع منافسه لمستوى أكبر منه, رغم أنهما منافسين شرسيين. حينما يقول أن آنا كارينينا هي أعظم رواية روسية فهو صادق. آنا كارينينا هي أقرب لمسمى الرواية أكثر من أي عمل روسي أخر. أما حينما يقول أن أمثال تولستوي هم معلموا المجتمع، معلمونا، ونحن مجرد تلاميذ لهم, فذلك يستلزم البحث لتعرف لماذا وصف دستويفسكي منافسه الشهير بوصف المعلم الكبير؟ وهل لهذا الوصف والتبجيل علاقة بأمنية تولستوي؟

لن يستطيع أحد أن يحلل ويفسر لي أمنية تولستوي أكثر من تولستوي نفسه, عبر كتابه الشهير اعترافات تولستوي "A Confession and Other Religious Writings" .

* فقط لأني أحب أعمال المفكر والروائي تولستوي, فضلت إعادة نشرها هنا.

يوسف
31-03-2009, 01:03 AM
المرحلة الشعرية

http://abuwabdallh900.googlepages.com/AConfession.jpg

اعترفات تولستوي .. صدر هذا الكتاب عام 1879م, أي بعد صدور آنا كارينينا بفترة ليست بالطويلة. إن كان تولستوي أراد أن يكون ليفين هي الشخصية التي تعبر عن أراءه الفكرية بشكل يحمل بعض الغموض, فإن كتاب الاعترافات أزال هذا الغموض بشكل كبير, وأعلن صاحبه أن هذه الشخصية هي جزء منه, جزء من قلبه الذي بحث عن الله والإيمان, ولا يعرف حتى الآن أي طريق سيسلك لتحقيق هذا الحلم.

أني أرثي بحق للمكتبة العربية التي لا تحتفل بمثل هذه الكتب المليئة بالروحانية والنور. كان تصوري أن الكتاب مملاً كعادة بعض المؤلفين حين يكشفون عن أنفسهم ويعرون أرواحهم أمام الملأ, مع تولستوي الأمر مختلف : سأكشف لك كل أسرار حياتي لكي تعلم, أن رحلتي للبحث عن الله الخالق ليست بالهينة. لقد حاول الكاتب في أعنف مراحل حياته الفكرية الإبتعاد عن أي شيء مادي قد يتسبب في موته, أنه يهرب من الحبال مخافة أن يشنق نفسه, وقاوم نفسه العاشقة للصيد, أن يمسك سلاحاً نارياً مخافة أن يطلق النار على نفسه, ويتخلص من هذا النار المحترقه في عقله, وقلبه!

تولستوي الشاب, في أولى مراحل حياته تحرر من كل ضروب العبادة والإيمان التي تعلمها من الصغر. الطبقة النبيلة التي ينتسب إليها كانت ذا تأثير عميق في تلك الفترة, يلخص تولستوي مركزهم بأن نور المعرفة والحياة قد أذاب قصور الإيمان المصنوعة من الشمع في أعماقهم, فأدرك فريق منهم حقيقة الأمر وتخلصوا من الإيمان, ولكن الفريق الآخر ظل متعامياً عن هذه الحقيقة فلم يشعر بها. بعد هذا التحليل لإيمان الطبقة النبيلة, يعترف تولستوي في بداية اعترافاته بأن الإيمان المغروس في أعماقه قد زال بشكل كليّ, ولم يكمل السادسة عشر حتى انقطع عن الصلاة. هذا التحول من الإيمان إلى الإلحاد تسبب بأزمة وحيدة هي الأزمة الروحية لكل حياة تولستوي: الله !

تولستوي لم ينكر وجود الله, ولكن لم يعرف من هو هذا الإله الذي لم ينكر وجوده. في عمر الخامسة عشر بالتحديد بدأ بقراءة كتب الفلاسفة . تحولت حياته بعد أن تخلص من كل ضروب الإيمان, إلى الحصول على أسمى مراتب الأخلاق الصالحة : الطموح, القوة, الحصول على الربح, الكبرياء, الغرور, الغضب والإنتقام. تلك كانت عقيدة هذا الشيخ الروسي العتيد. أصبح بإستسلامه لهذه الأهواء ممثلاً ومماثلاً لأبناء طبقته النبيله.

تولستوي يعري تلك الأيام السوداء من حياته :" قتلت الكثيرين في الحرب, بارزت الكثيرين لأفقدهم حياتهم, خسرت أموالاً كثيرة بالمقامرة, وأنفقت الأموال الكثيرة التي وصلت إليّ بأعراق الفلاحين, قاسياً عاتياً مع معاملة خدمي, لم أترك سبيلاً من سبل الفسق إلا وسلكته, الكذب, والسرقة, والزنا, والسكر, والتمرد, والقتل, كل هذا جزء من حياتي في تلك الأيام, فليس في قاموس الجرائم جريمة واحدة لم أرتكبها, ولكنني كنت مع كل ذلك مكرماً محترماً من أبناء عشيرتي".

هذه الاعترافات مخيفة, كيف برجل وصل إلى قمة مجده الأدبي أن يعلن بصراحة أن كل هذه السيئات قام بإرتكابها, هل هي تخاريف رجل كبير في السن, أم كشف معالم النفس أمام الجميع .. كل هذا لا يهم, المهم هو الطريقة التي يكشف فيها تولستوي سيرة حياته المظلمة. هو يسلك طرق الظلام ليصل إلى النهاية, إلى النور. هو لا يفصل سيرة حياته المظلمه كما فعل محمد شكري في الخبز الحافي, هي فترة وأنقضت, ولا سبيل لإعادة أحيائها من جديد. تمنيت لو أن محمد شكري سلك طريق تولستوي في كتابة السيرة الذاتيه, وقدم مختصر حياته المظلمة, ثم يرحل بعيداً إلى الطريق الذي أنار إليه معالم الحياة كما في الجزء الثاني من ثلاثيته " الشطار ".


تولستوي المفكر, والمقبل على الأدب والمجد يسلك في السادسة والعشرين منهج الأدب والشعر لكي يعوض فقدان الإيمان الذي تخلص منه. لقدر ارتحل إلى بطرسبروغ وانضم إلى جماعة الكتاب : تلك الجماعة التي تؤمن بأن واجبهم في الحياة كمفكرين فنانين وشعراء أن يعلموا الناس الطريق الصحيح, وتصبغ أفكارهم بصبغة أفكارهم. أني أستغرب كيف سقط تولستوي تحت فكر هذه الجماعة وهو الهارب من سلطة رجال الدين الأرثوذكس. السبب لن يكون إلا في الفكرة الشعرية الجذابه, والشعور بالفراغ الروحي. لو تخلص تولستوي من الشعور بالجاذبية تجاه هذه الجماعة, وفكر مثلما يفكر في السنة الثالثة لأعلن كفره بهذه الجماعه المتخاصمة, الماكره : "الأكثرية الساحقة منهم في مستوى أكثر انحطاطاً من المستوى الذي عاش فيه رفقائي في العسكرية, كنا نمثل رواية كامل أبطالها مجانين من الدرجة الأولى".

يوسف
31-03-2009, 01:07 AM
"لم يبقى لي عذر للحياة, يجب أن أموت!"

يطلق على هذه الفترة من حياة تولستوي الفكرية, مرحلة الفن والشعر. لم تستمر هذه المرحلة أكثر من ستة سنوات, لم يتقبل عقله فكرة تعليم وتثقيف الناس وهو لا يعرف حتى الآن ما هية الخير والشر, ومدى ارتباط الاخلاق بالخالق. المرحلة الثانية هي المرحلة التقدمية. تأثيرات هذه المرحلة بدأت بعد مغادرته إلى أوروبا للتعرف على عظماء مفكريها وعلمائها. من أبسط الأشياء تولد ردات الفعل العنيفة. فكرة العيش من أجل الناس والتقدم العام فكرة جذابه للجميع, لا يستطيع أحد أن يرفض فكرة التعليم والتثقيف من أجل الجميع, هدف العيش الآن أصبح من أجل التقدم العام. ولكن منظر الرؤوس الساقطة على الأرض بسبب آلة الإعدام ضرب هذه الفكرة في وقت حرج, ما من نظرية محددة ولا عقائد مقررة من بدء الخليقة إلى الآن تبرر قطع الرؤوس حسب تعبيره. ثم موت أخيه ديمتري المرير, الذي مات مريضاً وهو لا يعلم لماذا عاش في هذا العالم, جاهلاً الموت كل الجهل, رغم قلبه الرقيق, وهدوئه ورصانته.

التقدم يجب أن ترافقه الحرية والعقل, قد يكون هذا التبرير هو طمس لمعالم الرأس الذي سقط على الأرض, والنفس التي رحلت ولا تدري ماهو الموت على حقيقته. عاد تولستوي إلى روسيا بعد تحرير العبيد. أصبح قاضياً, وعمد إلى تعليم غير المتعلمين بواسطة المدارس والصحافة. مرت حادثة ساعدته على نسيان أمنيته مؤقتاً : زواجه من صوفيا آندريفنا. قادته السعادة التي وجدها في حياته الزوجيه إلى الهرب من السعي وراء إدراك معنى الحياة. على هذه الصورة عاش خمسة عشر سنة, ولم يعرف أن في نهاية هذه السنين ستعود هذه الأسئلة بشكل أكبر وأعنف : "لماذا تعيش؟ وماهي الغاية من حياتك؟". هذه الأسئلة القلقة كانت تمطر عليّ بكثرة عند قراءة آنا كارينينا عبر شخصية ليفين. :" حسن وجميل, لدي مساحة أرض كبيرة, وثلاثمائة حصان, و .. لكن مالفائدة من كل هذا؟ مالفائدة إذا صرت أشهر من فولتير وبوشكين وموليير وغوغول .. هذا جميل ولكن ماذا بعد؟". هذه الأسئلة كالشبح القاتم يردد بصوته الراعب, لماذا تعيش! هي ليست أسئلة صبيان بسيطة, بل هي الحقيقة الشاملة لأعمق أسرار الحياة البشرية, وهو عاجز أن يجيب على أي سؤال من هذه الأسئلة :
"لم يبقى لي عذر للحياة, يجب أن أموت!".

الموت : أحد الثيمات المفضلة في كتابات تولستوي الأدبية. هو يختلف عن غيره من أدباء العالم في تصوير الموت. فيكتور هيجو يبجل الموت عند موت أحد شخصياته, الموت هو طريق الحرية والكمال الأعظم, ولذلك يصوره بشكل هادئ وسلس. تولستوي عند تصويره للموت يستخدم كل أسلحته المرعبه لتصوير هذا الأسود القادم. أتذكر جيداً تلك الصفحات التي أفردها لموت نيقولاي في رائعة آنا كارينينا, كانت أكثر من ما يقارب ثلاثين صفحة كلها تعذيب وموت لهذا الرجل المريض بالسل, ولكن الأعنف .. الموت الحقيقي, من يريد أن يعرف الموت الحقيقي عند تولستوي عليه أن يقرأ تلك القطعة الخالدة من أدبه, عندما يصور آنا وهي تائهه, خارجة عن نطاق الوعي, تخرج من المنزل وهي تلعن عشيقها التي ضربت من أجله مجتمعها وعائلتها عرض الحائط, ثم تنظر إلى أحوال الناس في الطريق إلى محطة القطار, تضحك وتبكي على حالها, وفي الأخير, عند آخر ظهور لهذه الشخصية الجحيمية, لن تقول أكثر من : ياألله. بقدر قوة الألم في هذا التصوير: من أين لتولستوي هذه القدرة المرعبة على تصوير هذا الموت بهذا الشكل العنيف والدرامي؟

http://egla33.googlepages.com/annakarenina1.JPG

للإجابة على هذا السؤال يجب العودة لاعترافات تولستوي التي كشفت حقيقة الموت لديه. في فيلم "Anna Karenina - 1997" يقتبس المخرج حكاية من التراث الشرقي القديم كنقطة بداية لهذه الملحمة. يبدأ الفيلم بتصوير الموت بطريقة رمزية, كان ليفين يهرب في الريف, يحاول النجاة بنفسه من الذئاب التي تطارده, والتي هي بدورها الأسئلة المقلقة في الرواية والاعترافات, ثم يسقط في حفرة, ويتمسك بجذع شجرة قبل السقوط, ولو سقط, لوجد الموت الذي يفر منه, لأن أحد الحيوانات المفترسة اتخذ من الحفرة مصيدة للبشر. قبل هذا المشهد يبدأ السرد في الفيلم من ليفين, يقول بما معناه " دوماً في أحلامي أتعلق بفرع شجرة, وأدرك تماماً أن الموت حتما ينتظرني, الخوف من الموت بدون معرفة الحب, كان أقوى من الخوف من الموت نفسه. أعرف الآن أني لم أكن لوحدي في رعب هذا الظلام, وكان أيضاً خوف آنا كارينينا" . هذه الشجرة التي تعلق بها يوردها تولستوي في اعترافاته, فيما هو متمسك بجذع الشجرة يرى جرذين يقرضان الجذع بكل همة ونشاط, فكر هذا الرجل المتسك بجذع الشجرة بأنه ساقط لا محالة, ولكنه نظر في الوقت نفسه بضع نقاط من العسل على جذع الشجرة, فمد لسانه وشرع يلحسها متناسياً شقاءه كله !

" هكذا أنا أتعلق بغضن شجرة الحياة, عارفاً أن تنين الموت ينتظرني, وهو على استعداد ليمزقني ارباً ارباً. كانت فكرة الإنتحار تخطر لي في كل يوم وحين, إنني أكره الحياة ولا أريد أن أعيش! ولكن خوفي من الموت كان يضطرني إلى استنباط الحيلة ضد نفسي لكي لا أضع حداً لحياتي. كانت حياتي أضحوكة جنونية موجهة إلي من شخص لا أعرفه, ومع أنني لم أكن أعترف بوجود هذا الشخص الذي يقولون أنه خلقني, فإن النتيجة القائلة بأن هذا الشخص قد ضحك عليّ بجنون وسخرية عندما خلقني في هذا العالم كانت تظهر ليّ كأنها أصدق ما في الحياة من النائج الطبيعية".

- من أنا ؟ وما هو الوجود ؟
- كل شيء . ولا شيء !
- لماذا وجدت هنا؟
- لا أعرف !
- ما مصير حياتي ؟
- لا شيء !

إنه أشبه برجل ضائع في غابة, يقبل على سهل فسيح, فيتسلق شجرة وينظر من أعلاها سهولاً واسعة لا تقف العين على آخرها, ولا مأوى يلجأ إليه فيها, يرى كل هذا فيدرك أن ليس فيها أحد ينقذه, فيرجع إلى ظلمة الأسئلة. انتهت مرحلة الشعر والفن, ومرحلة التقدم, وبدأت مرحلة الفلسفة للإجابة عن هذه الأسئلة, فأي أجوبة تلك التي تقدر على نسف هذه الأسئلة وطمس معالمها من قلبه بشكل كامل. إن الفلسفة بكامل علومها لا تستطيع أن تقدم له أجوبه أكثر مما أجاب عليه. لو كان الأمر متعلق بأحد مسائل فروع المعرفة البشرية لوجد إجابة عن : التركيب الكيميائي للمواد, حركة الشمس, الذرات الصغيرة. ولكن الجواب عن تفسير معنى الحياة العام لم يكن إلا هروب من السؤال نفسه :" الوجود أبدي وخالد وغير مدرك, وحياة الإنسان جزء صغير غير مدرك من الوجود الكلي الغير مدرك". بأجوبتها الغارقة في التحليل الفلسفي تبرهن أن هذه العلوم لا تقدر أن تجاوب على هذا السؤال الكبير, بل تقضي على كل رجاء في القلب لمعنى يستحق أن يعيش من أجله الإنسان.

يوسف
31-03-2009, 01:14 AM
" إنه يعيش من أجل روحه, ولا ينسى الله"


بعد أن فشل في كل المراحل: الفن والشعر, التيار التقدمي, الفلسفة, شرع ينشد الإجابة من نفس المكان, من الحياة نفسها! ولكن كيف بوجود أبناء هذه الطبقة النبيلة البعيدة كل البعد عن إثارة هذه الأسئلة فقط. إنهم يهربون منها بشعور أو بغير شعور عبر أربعة وسائل حسب تصنيف تولستوي: الوسيلة الأولى الجهل الذي يضرب أسس هذه الطبقة, هم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم. وسيلة الهرب الثانية هي التي يلجأ إليها الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة, على هذه الصورة يقضي أبناء هذه الطبقة, توضح لهم الجميل وتحجب عن أعينهم القبيح. الوسيلة الثالثة هي القوة والعزم, عدم الوجود خير من الوجود, يجب وضع حد لهذه الحياة بالإنتحار:" حبل حول العنق أو ماء يغرقون فيه, أو قطار يقفون في طريقه فيذهب بهم ويريحهم من شقائهم, أن عدد الذين يقدمون على هذا العمل من أبناء هذه الطبقة يتزايد في كل يوم". والوسيلة الرابعة هي الضعف, الإستسلام لهذه الحياة رغم معرفتهم بأنها عقيمة لا جدوى منها. بمثل هذه الطرق ينقذ أبناء الطبقة الراقية ذواتهم من تناقض مزعج في الحياة.

ينقسم الكتاب في نهاية الفصل السابع إلى قسمين, القسم الأول مخصص للبحث عن إجابة لهذا السؤال؟ ما هي الحياة؟ ولماذا أنا موجود؟ . والجزء الثاني مخصص للأمنية الكبيرة: أين الله ؟

إن كان تولستوي بطبقته الراقية تعيش هذا الخواء الفكري, فما هو المعنى الذي أعطته الحياة للملايين من الناس, الذي عاشوا ويعيشون في هذا العالم؟ أستطيع أن أقول الآن أن شخصية ليفين كانت تعبر عن تولستوي بكل مهارة واتقان, وكما كتب هو عن نفسه في اعترافاته. الصراع النفسي والروحي يشتعل سريعاً ويثور في أوقات مفاجئة عند ليفين. من قرأ كلمات الفلاح البسيط في رواية آنا فسيعرف بدون أي قراءة لهذه الاعترافات كيف اهتدى تولستوي إلى معنى الحياة :" إنه يعيش من أجل روحه, ولا ينسى الله" .. بالمقارنة بين طبقة تولستوي وطبقة الفقراء والعمال, وجد هذا الرجل المتعطش لليقين شيئاً يختلف كل الإختلاف. حياة الفقراء والعمال مليئة بالتضحية والألم, الإنتحار معدوم فيما بينهم, عن طريق الألم يعرف تولستوي معنى الحياة. هذه المعرفة التي لا سلطان للعقل عليها هي الإيمان الذي لم يتقبله تولستوي. كان مشوشاً فيما مضى لأن المعرفة التي يقيمها العقل تنكر الحياة, والمعرفة التي تمنحها الحياة تنكر العقل, ولكن أكثرية أبناء الإنسان يتمسكون بمعرفة لا أثر للعقل فيها, وهذه المعرفة تثبت لهم أن للحياة معنى سامياً!

في جميع أبحاث تولستوي كان يقابل المحدد بالمحدود, وغير المحدود بغير المحدود, ولذلك كانت النتيجة التي لا بد منها كما يحدث في الرياضيات. يعلن تولستوي أن الأجوبة التي يقدمها الإيمان مهما خالفت أحكام العقل وتمردت على شرائعه فهي تمتاز بأنها تقدم لكل سؤال علاقة بين المحدود وغير المحدود, وبدون هذه العلاقة لا يمكن الحصول على جواب. أصبحت الأجوبة الآن سهلة المنال :

- كيف أعيش؟
- تحت شريعة الله
- هل بعد حياتي شيء حقيقي ثابت؟
- عذاب أو راحة أبدية
- هل في حياتي معنى لا يستطيع الموت أن يذهب به ؟
- نعم, وهو الوحدة مع إله غير محدود في الفردوس.

" مهما تعددت أنواع الأجوبة التي يقدمها الإيمان للإنسان, فإن كل واحد منها يجعل لحياة الإنسان المحدودة معنى غير محدود, معنى لا يزول ولا يفنى مهما اجتمعت لمحاربته جيوش الآلام والوحدة والموت. الإيمان الحقيقي الكامل هو معرفة معاني الحياة الإنسانية معرفة تحمل الإنسان على محبة الحياة والمحافظة عليها. الرجل الحي يؤمن بشيء, وبغير الإيمان لا يستطيع بشر أن يعيش في هذا العالم, لأن الذي لا يؤمن بأن في الوجود غاية يعيش لأجلها هو ميت بالحقيقة ".

- من أنا ؟
- جزء من غير المحدود

تلك هي القضية بأكملها, ولكن أي إيمان سيتخذه تولستوي لنفسه, إيمان رجال الدين الأرثوذكس؟ أم إيمان الفقراء الذي كان فعالاً في حيرته المجنونة؟ يقول تولستوي في أحد رسائله المنشورة:" بعد سنتين من هذه الحياة مع الشعب, حدث في تحول. إن حياة أمثالي من الأغنياء والمتعلمين لم تبعث في نفسي إلا الإشمئزاز, وبدت لي فارغة من المعنى. ظهرت لي جميع أفعالنا ومشاغلنا الفكرية وفنوننا وعلومنا بمظهر جديد. حينذاك استطعت أن أرى الأشياء جميعاً بوضوح".

سأفصل دخوله في حياة الفقراء والإيمان بهم لأنه جزء مهم في مسيرة تولستوي المعيشية والفكرية. تولستوي في كتابه حياة محمد وشيء عن الإسلام يورد بعض الاحاديث في البداية التي تدلل حب الأنبياء للطبقة الفقيرة, وأن أكثر الناس اتباعاً للأنبياء هم الفقراء, يقول النبي محمد عليه السلام : اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة. وفي حديث أخر يقول لا تميتوا القلب بكثرة الطعام والشراب فإن القلب كالزرع يفسد إذا كثر عليه الماء, وفي حديث أخر : ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء. كان تولستوي معجباً بحكمة النبي محمد عليه السلام, ومن خلال نظامه المعيشي, ودراسة حياة الفقراء العامة وعقائدهم ترسخ في أعماق لبه بأن الإيمان الحقيقي كائن في قلوب هؤلاء الفقراء, وأنهم يعتقدون في أعماق نفوسهم أن هذا الإيمان جزء مكمل لحياتهم وبدونه لا يجدون من معنى لوجودهم على الأرض. إنهم يفرحون بالحياة, راضين بقسمتهم, ثائرين أمام أوجاعهم وأمراضهم, يعيشون ويمرضون ويموتون من غير أن تفارقهم الثقة بحكمة الحياة. لأجل كل هذا أحبهم تولستوي ودنا منهم, فأصبح يتعلم من حياة الفقراء, فآثر اقتفاء خطواتهم والتحلي بأخلاقهم.

" إنَّ أكثر الأشياء أهمية على هذه الأرض عند كانط هو النظام الأخلاقي الموجود بداخلنا، أو التلقائية الذاتية الأخلاقية the moral autonomy التي تميّز الإنسان و تعطيه قيمته الإنسانية. إنها التلقائية الذاتية التي تجعلُ الفرد يستشعر حريته الكاملة في اختياره الأخلاقي، و رغم ذلك يقوم بالإلتزام بنظامه الأخلاقي الذاتي. إنّ هذا النظام الأخلاقي الداخلي هو أهم شئ في الحياة، و بدونه لا يمكن أن تقوم حضارة أو أي شكل من أشكال التواصل الإنساني" رأى تولستوي بوضوح - كما عبر كانط - أن على الراغب في إدارك معنى الحياة أن يعيش هو نفسه أولاً حياة بعيدة عن الشر ممتلئة بالمعاني الصالحة, وحينئذ تستنير بصيرته فيرى المعنى الحقيقي لحياته. يجب على الذي يتكلم عن الحياة أن ينظر إليها نظرة عامة, ولا يقصر نظره على حشرات دنيئة عليها. إن في الوجود إرادة كلية تدير كل ما فيه من الكائنات, وهذه الإرادة الكلية لا عمل لها سوى العناية بحياتنا وبالوجود الذي نعيش فيه. لكي نرجو إدراك غاية هذه الإرادة يجب قبل كل شيء أن نعمل الواجبات المفروضة علينا, إن لم أقم أنا بقسطي من الواجب في الوجود, فإنني لن أعرف شيئاً عن هذه الإرادة ولا عن الوجود الذي أنا جزء منه!

يوسف
31-03-2009, 01:16 AM
"الحياة الروحية تُعاش .. لا تلقن!"


جميع هذه الاعترافات ورحلة البحث عن معنى الحياة والوجود لم تكن إلا بوابة العبور لتحقيق أمنية تولستوي الكبيرة: الله. ما يدفعه للبحث عن الله ناتج من شعور قلبي, عاطفة قلبية تدفعه للبحث عنه. إذا كنت أنا موجود فلا بد من علة لوجودي, ماهي هذه العلة أو القوة؟ وما هي العلاقة التي بيني وبين الله؟ لم يجد تولستوي رغم انضمامه للفقراء إلا الجواب البسيط :"هو الخالق بارئ كل الكائنات". عادت إليه الشكوك من الجديد, وشرع يصلي بحرارة للإله, بيد أن افراطه في الصلاة لم يزده إلا ثقة بأن صلواته لم يسمعها أحد, ولذلك صرخ من أعماق قلبه واليأس يغمره لعدم مقدرته على الإهتداء إلى الإله الذي يفتش عنه :

" يارب أرحمني وخلصني .. أيها الرب العظيم .. ياإلهي العزيز أنقذني " !

مثل هذه الصرخات الحية صورها تولستوي كذلك في رواية آنا, عندما يصرخ ليفين وهو يسمع عذابات زوجته عند الولادة, وهو الملحد الغارق في الشك حتى في وجود الله نفسه يصرخ من أعماق قلبه :

" يالله أرحمني ".

وهو الذي لم يرفع رأسه منذ سنوات, رفعها من أجل ظهور معجزة هذا الطفل الذي لم يكن قبل ساعة في هذا الوجود. كيف ظهر هذا الطفل إلى الوجود؟ معجزة؟ نمو طبيعي في جسم الإنسان؟ حين أقرأ ليفين وهو ينتظر زوجته التي تعاني آلام الولادة يظهر لي تولستوي الكهل الكبير وهو يتساءل هذه الأسئلة التي يعرف أجوبتها من الطفولة, حين كان يرضع من ثدي أمه :

" أليس هذا دليلاً على أن هناك أماً ولدتني؟ وأعتنت بتربيتي وأطعمتني؟ أين هي تلك الأم؟ أنني لا أستطيع أن أتعامي عن رؤية هذه الحقيقة, وهي أن كائناً أحبني وكان السبب في وجودي؟ هو - بلا شك - الله. هو موجود بالحقيقة وفي كل لحظة أعترف بوجوده, أشعر بأن حياتي قد تجددت, وإيماني بما في الوجود قد نهض من رمسه. إلا أنني لا أستطيع الإيمان بالإله المثلث الأقانيم, لقد ذاب كالجليد أمام عيني. ولكن من أين لي بالشعور الذي يعمل في قلبي ويحملني إلى البحث عن الله! هذا الشعور يختلج في أعماقي. أنني لم أعش في ما مضى من عمري إلا عندما كنت أؤمن بالله. كلما آمنت بالله أشعر بالحياة. كلما أعرضت عن هذا الإيمان أشعر بأنني ميت بالحقيقة. ما أنشده هو الكائن الذي لا تستقيم الحياة بدونه! الله هو الحياة. عش لتسعى إلى الله, لأن الحياة لا تكون بدون الله, بمثل هذا آمنت أخيراً من أعماق قلبي, فشعرت بقوة الحياة الحقيقية. ولم يفارقني هذا النور الذي أشرق على حياتي حتى اليوم! رجعت بالفكر إلى الماضي البعيد, إلى أيام شبابي, آمنت بأن واجب الحياة تقوم بسعي الإنسان ليصير أفضل مما هو عليه, ويعمل ما هو عدل في شريعة هذه الإرادة الكلية, هذه الإرادة التي لا تظهر إلا في الصلاح الذي أجمعت عليه الإنسانية. رجعت إلى الإيمان بالله, وبالكمال الأدبي, وبالتقليد الذي يمنح الحياة معناها الحقيقي".

اعترافات تولستوي, وتحقيق الأمنية لا تنتهي عند هذا الحد. كان هنالك شيء وحيد حول هذه الاعترافات أكسبها شهرة عالمية لم يصل إليها أي كاتب في زمانه. ألا وهي علاقة المؤمنين بالكنيسة ورجال الدين. عندما عاد إليه الإيمان من جديد شارك تولستوي البسطاء في صلواتهم, ومناولة الأسرار المقدسة, والصيام. لم يخلب عقله في القداس الديني سوى هذه الجملة " لنحب بعضنا بعضاً بعزم واحد" وكل شيء, بما فيها الاعتراف بالأب والإبن والروح القدس فأعرض عنها لأنها غير طبيعية. كان الإيمان في بدايته في حياة تولستوي, مما أجبره على مسايرة الكنيسة وعدم الاعتراض على أي شيء قد يعيد إليه أيام الشك الرهيب.

بعد أن عكف على تعلم العبرية واليونانية، ليتّسق له أن يطلع على المنبع الذي صدرت عنه مختلف ترجمات العهد القديم والعهد الجديد. قارن بعضها ببعض وأشار إلى الغموض الذي يحيط ببعض النصوص الدينية وما نتج عن ذلك من تفسيرات متناقضة وانتهى إلى القول أن المسيح نفسه، ليس بإله، ولا يمكن أن يكون سوى إنسان بريء من السمة الإلهية التي يقرن إليها. وهاجم الطقوس الدينية، واتهمها بأنها موضوعة مزيفة، ونظر إلى الكنيسة نظرة تحدٍ ومناجزة، فقد رأى كيف تغلّف القشور الكاذبة فكرة الإيمان، وشرع يفوّق سهامه اللاذعة إلى الكنيسة داعياً إلى دين منزه عن التمويه والتضليل.

نتج عن هذه الأراء الحادة التي كانت تؤذي رجال الكنيسة، قرار اللعن والطرد من الكنيسة الصادر من المجمع الكنسي الأرثوذكسي بحق تولستوي. أولى القضايا التي أوجبت انفصاله عن الكنيسة الأرثوذكسية هي علاقة الكنيسة الأرثوذكسية مع بقية الكنائس المسيحية, كالكاثوليكية والبروتستانت. شغف تولستوي العظيم بالإيمان قاده إلى التعرف بأساتذة كثيرين من طوائف متعددة. أراد أن يكون أخاً لهؤلاء الرجال المؤمنين المخلصين في إيمانهم, لكن النتيجة .. النتيجة أتت مخالفة على عكس ما توقع؟

العقائد التي يخيل أنها تعد بوحدة جميع الناس, بإيمان واحد, ومحبة واحدة, بشخوص أفضل وأعظم ممثليها من رجال الدين يعيشون في الكذب والضلال, مقدرتهم على الحياة حسب تصور تولستوي مستمدة من الشيطان وليس من الله. الإهانة الصادرة من رجل من طائفة " أ " ضد رجل من طائفة " ب " يتهمه فيها بأنه يعيش على الكذب هي أعظم إهانة يستطيع الإنسان أن يوجهها إلى أخيه الإنسان. ممثلي الطوائف هؤلاء يفتشون عن خير الوسائل التي تمكنهم من القيام بواجبات بشرية يبيضون فيها وجوههم أمام الناس, ويحفظون سلطانهم من الإندثار.

النقطة الثانية التي أوجبت تولستوي انفصاله عن الكنيسة الأرثوذكسية, هي العلاقة بين الكنيسة والحرب. كان قتل المسيحي للمسيحي باسم المسيحية هي الجريمة بعينها ويجب أن تدان :" زعماء الكنيسة كانوا يقبلون كل جرائم القتل هذه كأنها نتائج لا بد منها للمحافظة على الإيمان. نظرت إلى كل ما يجري حوالي من الحوادث الفظيعة التي كان يقوم بها رجال يدعون المسحية فارتعدت من أعماق قلبي".


من أهم ما يقدمه تولستوي في اعترافاته بأن:‏
الحياة الروحية تُعاش لا تلقن.‏
وكسب الحياة يكون بخدمة الناس لا باعتزالهم.‏
وفهم الكتاب المقدس هو بحرية العقل ونقاء القلب لا بالترديد.

أقرب وصف فني درامي لهذه الاعترافات هي اللحظات الأخيرة من حياة تولستوي.

" اطلبوا إلى تولستوي أن يتوب عن أخطائه..تب إلى خالقك يا تولستوي.. قبل أن تمثل أمام المحكمة الربانية." تلك الرسائل والبرقيات لم تظهر إلا في اللحظات الأخيرة من حياة تولستوي, في سكة القطار! قبيل وفاته بدقائق قدم رئيس القساوسة، ومعه تكليف من القيصر بالدخول إلى الكونت تولستوي ليتلقى اعترافاته في ساعاته الأخيرة. ما إن سمعت صوفيا زوجة تولستوي بذلك حتى تركت مقصورتها متجهةً نحو مكتب ناظر المحطة :"لن أسمح لأحد أن يدخل على زوجي ليزوّر عليه فيما بعد ما لم يقُل.. اطردوا هذا القسيس من استابوفو".

طلب القس الدخول في غرفة تولستوي لتلقي اعترافاته قبل موته، لكن ساشا, ابنة تولستوي, خرجت بكراسة أبيها وهي تصيح في وجه الجميع: " اللعنة على من يريد أن يرغم أبي على ما لا يريد. إليك أيها المحافظ ما كتب أبي عن ذلك حين اشتد به المرض, واسمع أنت أيها القس المأجور, اسمعوا ماذا كتب أبي لتريحوا أنفسكم من تلقي اعترافاته, ثم أخذت تقرأ أمام الحشود التي صمتت احتراماً لكلمات الكاتب الكبير :

http://egla33.googlepages.com/Tolstoy4.JPG

" حين يحوم الموت حول رأسي فلا أريد أن يقتحم لقائي مع ربي أحدٌ من رجال الدين, أريد أن أقترب من خالقي في فيضٍ من نور المحبة, وليس مع ثرثرة كهنوتية."

بعد كل هذا النور والتجلي الكبير من تولستوي, هل وصف دستويفسكي لتولستوي " بالمعلم الكبير " يحمل كل الحقيقة والصدق؟ هو معلم كبير بلا شك!

يوسف
31-03-2009, 01:19 AM
طريق النور وثلاثة وعشرون حكاية

http://abuwabdallh900.googlepages.com/WalkintheLight.jpg

بعد ظهور الاعترافات أعلن ممثلو نقد علم الجمال, الذين باركوا العبقرية الفنية لكاتب "الحرب والسلم" و "آنا كارينينا" أن تولستوي الأخلاقي قد قتل تولستوي الفنان! وممثلوا الحركة الإجتماعية تحدثوا كذلك عن وجود إزدواجية بين تولستوي المفكر, وتولستوي الفنان! فأي حقيقة تلك التي أوجبت على ممثلي علم نقد الجمال والحركة الإجتماعية أن ينتقدوا تولستوي المفكر وداعية السلام, ويرثون تولستوي الفنان الذي قتل بعد الاعترافات حسب تعبيرهم؟ وما علاقة كل هذا بالفن والجمال؟

على أرض الواقع تولستوي قبل الاعترافات مختلف كل الإختلاف عن تولستوي بعد الاعترافات - في إطار الأدب بالتحديد-. إذا كان التغيير قد طال الفكر ونظام الحياة بشكل كامل, فما يضر الأدب لو تغير معه كذلك وأصبح مرآة لحياة هذا الروسي الكبير. الفن الذي أعلن ممثلوه أن تولستوي قتله يرى بعد الاعترافات أن الفن مبني على أن الإنسان الذي يتلقى بوساطة السمع أو البصر أحاسيس إنسان آخر، بوسعه أن يعاني من تلك الأحاسيس نفسها التي عاناها الإنسان الذي عبر عنها. إنه يعلن أن الفن اتجه للواقع وتخلى عن النظرة الرومانسية, وأصبح الفن يقوم بدور التوصيل والنقل والتعبير، والفن هو نشاط إنساني يكمن في أن يقوم إنسان ما بوعي وبوساطة إشارات خارجية معروفة، بنقل الأحاسيس التي يعاني منها، إلى الآخرين.


يرى تولستوي في كتابه "ماهو الفن" أن وظيفة الفن تتلخص في أن يبعث في المتلقي شعوراً يشبه الشعور الذي أحس به المبدع نفسه، ويرى أنّ انتشار العمل الأدبي هو مقياس لأصالته وجودته، أما اقتصار الفن على طبقة الأغنياء فدليل على زيفه وعدم أصالته، فالعمل الأدبي الغير المفهوم يشبه الطعام الشهي الذي لا يتقبله معظم الناس. العمل الأدبي الجيد هو العمل المفهوم من قبل الفلاح البسيط. ولذلك فهو يستبعد الأعمال الأدبية التي تسد فراغ الطبقات المترفة، والتي لا تخدم الفلاحين. ولا يكتفي تولستوي بذلك، إلى درجة أنه استبعد إحدى روائعه مثل آنا كارينينا لأن الفلاح لا يستطيع قراءة رواية تقع في ثلاثة مجلدات. فلجأ تولستوي إلى كتابة الحكايات الشعبية القصيرة المفهومة من قبل الفلاحين، فهو لا يطلب من الفلاح البسيط الارتقاء إلى مستوى الأدب الرفيع، بل يطلب من الأديب أن يكتب أعمالاً مفهومة من قبل الفلاحين. وبالتالي, فبرأيه أن الحكايات الشعبية البسيطة، وأغاني الفلاحين، هي أهم من روائع الأعمال الأدبية.‏

بعد قراءة اعترافات تولستوي بدأت بقراءة هذه المجموعة القصصية لتولستوي, سيروا في النور وثلاثة وعشرون حكاية " Walk in the Light & Twenty-Three Tales ". ينقسم الكتاب بين قصص قصيرة, وقصص طويلة, وحكايات للأطفال, وقصص من التراث الشعبي, ومن حكايات الجآن, وحكايات للسينما, وحكايتين مقتبسة من كتاب فرنسيين.

لا يوجد أجمل بعد أن تكتشف تولستوي المفكر بعد الاعترافات أن تتعرف على تولستوي الأديب عبر هذه المجموعة المذهلة. تولستوي ينزل من الأعلى, من الطبقة الراقية في أعماله الضخمة إلى الفلاحين والفقراء. إذا كانت الاعترافات هي الخط الفكري لتولستوي, فإن هذا الكتاب هو الخط الأدبي لهذه الاعترافات. جميع تساؤلات وحيرة تولستوي المطروحة في الاعترافات هي نفسها الموجودة في هذه القصص القصيرة المميزة. تولستوي موجود في بعض شخصيات هذه القصص, قصة "اصطياد الدب " ليست إلا مغامرة تعرض لها تولستوي نفسه عام 1858م, ثم بعد أكثر من عشرين سنة أقلع عن الصيد لأسباب إنسانية.

بشكل عام : لن أقول بأن القصص قد راقت لي, أو لم تعجبني بعضها, بل سأقول وأنا على يقين بأن هذه المجموعة القصصية هي أجمل ما قرأت في فن القصة القصيرة على الإطلاق. الأفكار العامة في هذه القصص محصوره في الجوانب الأخلاقية والإجتماعية, السعادة العائلية والزوجية, الإيمان بالله, والبحث عن الله, والتحلي بأخلاق المسيح والسير على طريقه. أعتقد بأن بعض القراء سوف يرفض أو يتحفظ على قراءة قصص مليئة بالوعظ الديني لديانة أخرى. أنا لم أجد ما هو مختلف في الوعظ القصصي لتولستوي بين الروح الدينية الإسلامية أو المسيحية. عناوين القصص بسيطة وتعطي تأويل محصور بالفكر الوعظي في قصص تولستوي مثل : سيروا في النور مادام لكم النور, الله يرى الحقيقة ولكن يتأنى, بم يحيا الإنسان, حيث تكن المحبة يكن الله, الشر يغري لكن الخير أبقى .. الخ. وفي مقدمات هذه القصص يقتبس تولستوي بعض الآيات من الإنجيل للتدليل على قضيته, وغالباً ما تكون هذه الآيات تدعو للخير والمحبة . قصة بما يحيا الإنسان مثلاً بدأت بست آيات من الإنجيل :" وأما من كان له معيشة العالم, ونظر أخاه محتاجاً, وأغلق أحشاءه عنه, فكيف تثبت محبة الله فيه؟ لا نحب بالكلام ولا باللسان, بل بالعمل والحق .. الله محبة, ومن يثبت في المحبة يثبت في المحبة والله فيه .. إن قال أحد إني أحب الله, وأبغض أخاه, فهو كذاب, لأن من لا يحب أخاه الذي أبصره, كيف يقدر أن يحب الله الذي لا يبصره؟ .. الخ

في قصة طريق النور يستخدم تولستوي أسلوب التوازي لإبداء التناقضات، سعادة بمفيليوس, وتعاسة يوليوس. في زمن أحد أباطرة روما الخمسة "تراجان" تجري حكاية هذه القصة في بداية صعود الديانة المسيحية. يوليوس في بداية القصة يطرح تساؤلات تولستوي في كتاب الاعترافات : من أنا ؟ إنسان يبحث عن السعادة ولم يجدها. يعتزم يوليوس الذهاب إلى مكان مخصص للمسيحيين حيث يقيم فيه صديقه العزيز بمفيليوس للبحث عن أسباب السعادة, وفي كل مرة يريد الذهاب إليه يصطدم بأحد المثقفين الرومان, الذي يصده عن طريقه ويرده إلى الفكر الروماني والحضارة الرومانية بفنونها وعلومها. السعادة موجودة في هذه الحضارة وليس في مكان أغلب سكانه ينكرون الذات حسب تصور هذا المثقف! القصة تحمل فكر فني وفلسفي رفيع, من يقرأ أعمال تولستوي الكبيرة السابقة سيجد روح تولستوي الروائية بكثرة, خاصة بالحوارات الفكرية المميزة التي يتميز بها هذا الروسي.

قصة أخرى من القصص الشعبية أثارت إعجابي, وهي قصة بم يحيا الإنسان؟ هذه القصة عميقة جداً. أسلوب طرح القصة - وهذا هو الشيء المثير - بسيط جداً وواضح. القضية في الحكاية رائعة جداً. القصة تدور في منزل سيمون الإسكافي, في طريق عودته يجد إنسان غريب جداً سيمائيته غريبه. يذهب هذا الغريب إلى منزل سيمون وتدور أحداث هذه القصة في منزل سيمون لست سنوات. هذا الرجل في الأخير لم يكن إلا ملاك عصى الله. كانت معصية هذا الملاك أن الله أرسله ليقبض روح أمراة مريضة, بعدما وضعت قبل ساعتين بنتين تؤامين. لم يطع الملاك إرادة الله, فعاد إلى السماء وقد أثاره منظر الأم وهي تجذب أطفاله إليها. حينها يؤمر هذا الملاك بالعودة للأرض لقبض روح هذه المرأة, ولكي يتعلم ثلاثة حقائق عميقة: ماذا يسكن داخل الإنسان؟ وما لم يعطه الإنسان ؟ وبما يحيا الإنسان ؟

قصة أخرى مثيرة بفكرتها وبنيتها القصصية, وهي قصة إيفان المغفل. إيفان رجل مغفل بكل ما تحمله الكلمة من معنى, طريق سعادته ونور حياته هي الفلاحة وعدم رد أي محتاج, أي محتاج أياً كان! يستطيع بفترة وجيزة أن يحكم مملكة كبيرة تضم أناس من أفكاره وشخصيته. إنه مثال للمسيح الروسي, يسير على خطى المسيح : باركوا لاعنيكم, صلوا لأجل اعدائكم ولأجل مضطهديكم, أحبوا من يبغضونكم, إذا لطمك أحد على خدك الأيمن, فحول له الخد الآخر, فتكون كاملاً, وإذا أجبرك أحد على السير معه ميلاً واحداً فسر معه ميلين. هل يستطيع إيفان أن يتأقلم مع عالم فيه من الشر الكثير؟ هذا ما ستجيب عنه القصة المليئة بالإثارة والسخرية, حين يغزو أحد الملوك أرض إيفان, ينتصر إيفان رغم أنه لم يملك أي قطعة سلاح, يعلن عليه الشيطان الحرب وينتصر مرة أخرى بجنود لا يحملون أي قطعة سلاح, في مواجهة الحروب تجد هؤلاء المغفلين ينشدون الأناشيد الشعبية. القصة فيها سخرية حادة وذكية, من قرأ رواية الأبلة لدستويفسكي سيجد شخصية إيفان المغفل مشابهه جداً لشخصية الأمير ميتشكن, الرجل الطيب, المسيح الروسي حسب تصور دستويفسكي.

يوسف
02-04-2009, 03:43 AM
بكائية إجناسيو سانشيز ميجاس

http://abuwabdallh900.googlepages.com/IgnacioSanchezMejias.jpg

1. الطعنة والموت

في الخامسة بعد الظهر
كانت تمامَ الخامسة بعد الظهر
فتىً أتى بملاءةٍ بيضاء
في الخامسة بعد الظهر
و سلة الليمونٍ جُهزت
في الخامسة بعد الظهر
لم يبقَ غيرُ الموتِ، والموتُ فقط
في الخامسة بعد الظهر

الريحُ دفعت كومةَ القطن
في الخامسة بعد الظهر
الأكسيد فرق النيكل والبلور
في الخامسة بعد الظهر
حمامة تعاركت مع أسد
في الخامسة بعد الظهر
وفخذ عانق قرناً موحشاً
في الخامسة بعد الظهر
وترُ الكمانِ أطلق اللحن
في الخامسة بعد الظهر
أجراس الزرنيخ والدخان
في الخامسة بعد الظهر
جماعات صمتٍ تملأ الأركان
في الخامسة بعد الظهر
الثور منفردٌ مع قلبٍ نبيل
في الخامسة بعد الظهر
عندما كان الثلج ينزّ العرق
في الخامسة بعد الظهر
عندما كانت الحلبة مغطاة باليود
في الخامسة بعد الظهر
الموت ألقى بيضه على الجُرُح
في الخامسة بعد الظهر
في الخامسة بعد الظهر
كانت تمامَ الخامسة بعد الظهر

كفنٌ بأربع عجلاتٍ كان فراشه
في الخامسة بعد الظهر
صوت العظام والنايات يتردد في آذانه
في الخامسة بعد الظهر
خوار الثور دوى وسط جبينه
في الخامسة بعد الظهر
الغرفة كانت تشع بالألم
في الخامسة بعد الظهر
من بعيد أتتْ الغرغرينا
في الخامسة بعد الظهر
قرن الليلك يخترق الإلية الخضراء
في الخامسة بعد الظهر
الجراح كانت تحترق كالشموس
في الخامسة بعد الظهر
والجموع كانت تحطم الشرفات
في الخامسة بعد الظهر
في الخامسة بعد الظهر
إهٍ من تلك اللحظة القاتلة بعد الظهر
كانت الخامسة في كل الساعات
كانت الخامسة في ظلالِ الظهر



2. الدم المراق

أنا لن أراه!

قل للقمر أن يأتي
لأني لا أريد أن أرى دم إجناسيو
على الرمال

أنا لن أراه!

القمر مشرع الأبواب
حصان الغيوم الراكدة
وحلبة الثور الرمادي مع الأحلام
وأشجار الصفصاف في البريرا

أنا لن أراه!

أشعلْ شمعة ذكراي!
أدفئ ياسمينَ
ذاك البياضِ الدقيق!

أنا لن أراه!

بقرة العالم العتيق
لعقت بلسانها
خرطوم الدم
المراقِِ على الرملِ
وثيران جويساندو
نصفها ميت، ونصفها حجر
أطلقت خوارها كفيلقين رومانيين
عاثا في الأرض فساداً
لا..
أنا لا أريد أن أراه!
أنا لن أراه!

إجناسيو صعد عالياً وحلق
رغم ثقل الموت على كتفيه
حلقَ قاصداً الفجر
ولكن الفجر لمن يكن هناك

هو يبحث عن صورته الواثقة
ولكن الحلم فاجأه
هو بحث عن جسده الجميل
ولكنه لاقى دمه المراق
أنا لن أراه!
أنا لا أريد أن أسمعه ينزف
وأسمع الصوت يخفّ ببطء
ذاك النزيف الذي يضيء
كراسي الحشود، ويتدفق
على الجلود المدبوغة والأقمشة المضلعة
للحشود العشطى
التي تدعوني الى الاقتراب!
لا تطلبوا مني أن أراه!

عيناه لم تغمضان
عندما رأى القرون تقرتب
ولكن الأمهات المرعبات
رفعن رؤسهن
وعبر الحقول
ريحُ أصواتٍ سريّةٍ ارتفعت
صارخةَ بالثيران السماوية
- رعاةِ الضبابِ الشاحب-
أنه لا يوجد أميرٌ في أشبيلية
يمكن أن يُقارنَ به
ولا يوجد سيفٌ كسيفه
ولا قلبٌ كقلبِه.
كنهرٍ من الليوث
كانت شجاعتُه الباهرة
وكتمثالِ رخام
كان اعتدالُه الصلب
هواء روما الأندلسية
طلى له رأسه
حيث كانت ابتسامته نرديناً
من الذكاء والظرف
ياله من مصارعٍ رائعٍ في الحلبة!
ياله من مزارع ماهرٍ في الجبال!
يالرقته حين يحمل الحزمة!
يالقسوته حين ينخس الحصان!
يالنعومتهِ عند الندى!
يالروعتهِ عند الاحتفال!
يالضخامتهِ حين رمى
آخرَ رماحِ الظلام!
ولكنه الآن ينام بلا نهاية.
الآن الطحالب والأعشاب
تفتح بأناملَ واثقة
زهرةَََ جمجمتِه
والآن دمه يتدفقُ مغنياً
مغنياً عبر الحقولِ
والمروج
متزحلقاً على القرونِ الباردة
متداعياً بلا روحٍ وسط السديم
متعثراً بين ألف حافر
مثل لسانٍ طويلٍ أسود حزين
ليشكلَ بركة لوعةٍ
قربَ نجماتِ نهرِ كواديلكويفير
آهٍ ياجدارَ أسبانيا الأبيض!
آهٍ ياثورَ الحزنِ الأسود!
آهٍ يادمَ أجناسيو الغالي!
آهٍ ياكلَ عندليبٍ في وريدِه!
لا.
أنا لن أراه!
لا كأسَ يمكنُ أن يحتويه
لا سنونوَ يمكنُ أن يشربَه
لا صقيعَ ضياء يطفيء نارَه
لا أغنيةً لا مطراً من الليلكِ الأبيض
لازجاجَ يغطيهِ بالفضةِ
لا.
أنا لن أراه!



3. الجسد المسجى

الصخرةُ جبهةٌ تنتحب عليها الأحلام
دونَ مياهٍ متلاطمة وسروٍ متجمد
الصخرةُ كتفٌ نحمل عليها الزمان
بين أشجارٍ من الدموعِ والخيوطِ والكواكب

أنا رأيت زخاتٍ رمادية تتحرك نحو الأمواج
رافعةً أذرعها اللطيفة المثقبة
لتتجنب الوقوع في يدي الصخرة الملقاة
التي تفك أذرعها دون أن تشرب دمها

فالصخرةُ تجمع البذورَ والغيوم
والطيور العظمية وذئاب الظلال
لكنها لا تصدر حساً أو كريستالاً أو ناراً
وإنما حلباتٍ.. وحلباتٍ.. وحلباتٍ بلا جدران.

والآن ، اجناسيو – ذو المحتدِ الشريف – يرقد فوقَ الصخرة
كل شيءٍ انتهى. ماذا يجري؟ تأمل وجهه:
الموت غطاه بالكبريتِ الشاحب
وأبدل رأسه برأس مينوتور.

كل شيءٍ انتهى. المطر يخترق ثغره.
الهواء يغادر حانقاً صدره المتحشرج.
والحبُ المُشرّبُ بدموع الثلج
يتدفأ وحيداً على رأسِ القطيع.

ماذا يقولون؟ صمتٌ عفن يطبق.
نحنُ هنا نحمل جسده الملقى المتلاشي
بشكلهِ النقي المليء بالعنادل
و نراهُ يمتليء ثقوباً ليست بالعميقة.

من يجعّدُ الكفن؟ مايقولهُ غيرُ صحيح!
لا أحدَ يغني هنا .. لا أحدَ يبكي في الأركان
لا أحدَ يغمزُ بالمهماز .. لا أحد يفزعُ الثعبان.
هنا .. لا أريد شيئا سوى العيون المدورة
سوى أن أرى جسده دون فرصةٍ للراحة.

هنا أريد أن أرى الرجال ذوي الأصوات الصلبة.
هؤلاء الذين يطوعون الجياد ويقهرون الأنهار
الرجال ذوي الأجساد الجهورية الذين ينشدون
بفمٍ مليء بالشمسِ والصوان.

هنا أريد أن أراهم. أمام الصخرة.
أمام هذا الجسد المقطوع اللجام.
أريد أن أعرف منهم طريق الخلاص
نحو هذا القبطان الذي قيده الموت.

أريدهم أن يسمعوني بكائيةً كالنهر
الحاملٍ للسديمِ الحلوِ والشواطيء العميقة
لآخذ جسد إجناسيو إلى حيث يموت للأبد
دونَ سماعِ خوارِ الثيران المتكرر.

يموتُ للأبد في الحلبة المدورة للقمر
الذي يقلد في صباه ثوراً حزيناً هادئاً
يموتُ للأبد في الليل دون أغنية الأسماك
وفي الأجمة البيضاء للدخان المتجمد.

أنا لا أريدهم أن يغطوا وجهه بالمناديل
لربما يعتاد على الموت الذي يحمله.
اذهب اجناسيو .. لا تصغي للخوار الحارق
نمْ .. طرْ .. ارتاحْ .. فحتى البحر يموت!



4. روحٌ مفقودة

الثور لا يعرفك .. ولا شجرة التين
ولا الجياد .. ولا النمل في بيتك.. لا يعرفك.
الطفل والعصر لا يعرفانكَ
لأنك قد مت للأبد.

ظهر الصخرة لا يعرفك
ولا الساتان الأسود الذي تتفتت فيه.
ذكراك الصامتة لا تعرفك
لأنك قد مت للأبد.

الخريف سوف يأتي والحلزونات البيضاء الصغيرة
وعناقيد العنب الضبابية والتلال المرصوصة
ولكن لا أحد سوف ينظر نحو عينيك
لأنك قد مت للأبد.

لأنك قد مت للأبد
ككل موتى الأرض
ككل الموتى المنسيين
المرميين للكلاب الميتة.

لا أحد يعرفك.. لا.. لكني أتغنى بك
للأجيال القادمة أغني عن وجهك وجلالك
عن نضجك الفريدِ عن فهمك المحيط.
عن شوقك للموتِ وللطعم الذي في فمه.
عن حزن مرحك الذي قد كان باسلا ذات مرة.

سوف تمر دهور قبل ولادةِ – لو بالإمكان-
أندلسيٍ نقيٍ مليء بالمغامرة
أتغنى عن ألقهِ بكلمات تتأوه
وأتذكر نسيماً حزيناً بين أشجارِ الزيتون.


* فيدريكو جارسيا لوركا
* ترجمة : عدي الحربش

يوسف
02-04-2009, 03:44 AM
قصيدة الموت الأسود

http://abuwabdallh900.googlepages.com/lorca1.JPG

أريدُ أن أغفوَ غفوةَ التفاحْ
أريدُ أن أبتعدَ عن زحمةِ القبورْ.
أريدُ أن أنام نومةَ طفلٍ
أرادَ شقَ قلبِه بعيداً في البحور.

لا أريدُ أن يخبرونني مرة ثانية كيف تحتفظ الجثة بدمِها
كيفَ أن الفمَ المتفتتَ يظل ينشد جرعةَ ماء.
لا أريدُ أن أسمع عن فصولِ التعذيبِ التي أعدها العشب
ولا عن القمر الذي أتم أعماله قبل الفجر
وأنفه الأشبه بالثعبان.

أريد أن أنامَ نصفَ ثانية
ثانيةً .. دقيقةً .. دهراً
لكنني أريدهم أن يعلموا بأنني مازلت حياً
أنني أمتلك معلفاً ذهبياً مابينَ شفتي
أنني مازلت الرفيقَ الصغيرَ للريحِ الغربية
أننّي أنا الظل الهائلُ لدموعي.

عندما يحلّ الفجرُ ارمِ فوقي شيئاً من ثيابْ
لأنني أعلم أن الفجرَ سيذرّ النملَ عليّ.
واسكب قليلاً من الماء على حذائي
كي تخطئني -عندما يأتي- مخالبُ عقربِ الفجر.

لأنني أريدُ أن أغفوَ غفوةَ التفاحْ
وأتعلم أغنيةَ نوحٍ تغسلني من كل الأرض
لأنني أريد أن أحيا مع ذاك الطفل الذي
أرادَ شقَ قلبه بعيداً في البحور.


* فيدريكو جارسيا لوركا
ترجمة : عدي الحربش

يوسف
17-04-2009, 01:47 AM
وأصبحت جين

http://abuwabdallh900.googlepages.com/becomingjane1.JPG

يا للهول! يا لسخرية القدر! هل تعرف أن أحدهم أخبرني عن صبية دخلت إحدى المكتبات, وهتفت عندما رأت الكتاب معروضاً: "آه, لقد حولوا الفيلم كتاباً!"
أمبرتو إيكو


سيناريو متماسك, إخراج متميز, ممثلين على قدر كبير من الاحترافية, وموسيقى تصويريه تجذب المشاهد. هذا مايريده المشاهد عند مشاهدة أي فيلم سينمائي. النقطة التي لم أذكرها هي سبب الأزمة في التجسيد السينمائي للرواية: وهي تنفيذ الفيلم. هل الفيلم استطاع تنفيذ الرواية كما كتبها كاتب الرواية, أم - وكما هو مشاهد غالباً - تم حذف أجزاء هائلة من الرواية وتم تنفيذ أجزاء بسيطة منها فقط. هناك روائيين لم يعارضوا حذف أجزاء كبيرة من أعمالهم لا يمكن تجسيدها سينمائياً كما حدث مع أمبرتو إيكو عبر رائعته اسم الوردة. إيكو بداية يصف هذه العملية, أي التجسيد الفني للرواية بالترجمة الانترسيميوتيكية. أي انتقال الفكرة والتعبير من جسم كتاب إلى جسم فيلم مثلاً. هذا النوع من الترجمات لا يمكن تنفيذها حرفياً. التصور المعقول لها هو أن تؤخذ جزئية واحدة فقط مثيرة وأساسية ويتم العمل عليها جيداً. هناك بالمقابل من يرفض حذف أي جزء من العمل الأدبي ويدين أي إضافة أو تغيير عند تجسيد الرواية. وأوضح مثال على ذلك ما حدث مع الروائي باولو كويلو. حسب تصور باولو الذي ندم على بيع حقوق رواية الخيميائي لشركة وارنر, يجب أن يكتب القارئ السيناريو ويخترع الشخصيات الخاصة به.

هناك مجال سينمائي على ما أظن بأنه مستحدث وجديد - لا أعلم بالتحديد متى ظهر -, لكنه مهم جداً ويستطيع تقديم رؤية أخرى للمؤلف وللنص الأدبي. أوضح مثال على ذلك فيلم The Hours. أصبحت المؤلفة فيرجينيا وولف وبطلة روايتها السيدة دالاوي محور الفيلم بشكل متساوي, وكأنه قياس عام لمعرفة الكيفية التي خلق خلالها النص الأدبي وظهر للعالم. صحيح أن الفيلم مقتبس من رواية, لكن الفكرة ملفتة للنظر: بدل أن يتم تجسيد النص, يتم تجسيد حياة المؤلف والتأثيرات العامة التي تطرى عليه وتحدث تغييراً في الفكر, وبالتالي على أعماله الأدبية. هذه السنة سيصدر فيلم The Last Station, والذي يتناول اللحظات الأخيرة لحياة الروائي العظيم ليف تولستوي في محطة القطار. اللحظات الأخيرة من حياة تولستوي بالنسبة لي هي أهم من كل ما كتب, بل سأقولها بكل صراحة, تولستوي عند قراءتي لأعماله كنت أحبه لأنه كاتب آنا كارينينا والحرب والسلم, أما الآن, فأنا أحب تولستوي الأخلاقي المفكر, المندفع بلا هوادة, والذي حقق حلمه بكل عزيمة وقوة. لو لم يكتب ميخائيل نعيمة في مذكراته " سبعون " عن موت تولستوي ومعايشته للحادثة, لما فكرت بشراء مذكرات نعيمة, أو كما يقول بعد أن ترك تولستوي كل أنواع الرفاهية ليعيش كالمساكين والضعفاء ويعلن انتصاره على نفسه : ذلك لعمري هو الإنتصار, تلك لعمري هي العظمة!

http://abuwabdallh900.googlepages.com/becomingjane2.JPG

لم أقرا الفترة الماضية أي كتاب, وأعتقد أن هذه الفترة ستمتد لفترة طويلة نوعاً ما. استغليت أوقات الفراغ في مشاهد مسلسل مقتبس من رواية, وفيلم يتحدث عن روائية وأعمالها. الفيلم هو " وأصبحت جين - Becoming Jane". كنت أفضل أن أقرأ أعمال جين أوستن قبل أن أشاهد هذا الفيلم الرائع, فقط من أجل تكوين وجهة نظر ولمعرفة حياة هذه المؤلفة الشهيرة وكيف ستظهر في الفيلم. بدأت بمشاهدة الفيلم وأنا لا أعرف أي شيء عن جين أوستن, وخرجت من مشاهدة الفيلم وفي عقلي أني سأقرأ يوماً ما لجين أوستن. ليس كل ما هو مذكور في الفيلم هو من صميم سيرة حياة جين أوستن, قد تكون القضايا الرئيسية هي من صلب سيرة جين, ولكن الخيال يجب أن يكون حاضراً في الفيلم لإعطاء لمسات فنية لسيرة غير مكتوبة.

الميزة الأساسية في الفيلم ستكون بالتأكيد هي معرفة العلاقة بين جين أوستن وبين أعمالها. كيف تكون الفكرة في هذا العمل, هذا السطر من رواية كبرياء وهوى كان بسبب هذه الحادثة أو هذا المشهد. حسب ما قرأت من بعض من قرأ لجين أوستن بأن أغلب أعمالها تدور حول النساء في ذلك القرن وكيف ستوفق تلك الأنثى في الزواج من رجل ما. الفيلم يستلهم من هذه القصص, قصة الحب الحزينة للمؤلفة جين أوستن مع المحامي الشاب توم لفروي. عند لقائها توم لفروي تبدأ قصة حب تكاد تكون محكومة بالفشل منذ بدايتها. فلفروي يعتمد على عمه في نفقاته ويتحتم عليه أن يحصل على موافقة عمه على أي زوجة يختارها. وفي حالة جين فهي من عائلة بسيطة, وهي أيضا كاتبة تحمل شخصيتها الكثير من التمرد والإستقلالية, وهو ما لا يعجب العم الذي يرفض الزواج.

من النقاط الرئيسية في الفيلم هو التأكيد على شخصية جين المستقلة والمعتمدة على ذاتها. عند زيارتها للندن تزور الكاتبة المعروفة وقتذاك آن رادكليف, وتسألها عن أهمية كتاباتها، وكيف تستطيع كامرأة أن تكسب رزقها من كتابة الروايات، ولكن إجابة رادكليف تأتي مغلفة بطبقة من الحزن، فهي حققت الشهرة والمال ولكنها ما زالت تعاني من نظرة المجتمع لها. ورغم التحذير المبطن فان جين تظل على استقلاليتها وتقول لوالدتها، التي تؤنبها على رفض الزواج من أحد أثرياء البلدة، محذرة إياها من أن تصبح عانساً في مجتمع لا يحترم العوانس، وأنها ستعيش من كتاباتها ولن تهتم بالمجتمع. وفي مشهد آخر تؤكد جين لأختها بأنها ستمنح بطلاتها كل ما تتمناه قلوبهن، فهن سيحظين بالسعادة والحب أيضا حتى وإن كانت هي لم تستطع الحصول عليهما. إستقلالية جين في سيرة حياتها كانت أكبر شاهد على استقلالية جين في الفيلم: توفيت وهي معتمدة على ذاتها. لم تتزوج, ولم ترضخ لمطالب المجتمع والعائلة, ومع ذلك: قدمت ست روايات من أجمل روايات الأدب الإنجليزي.

يوسف
17-04-2009, 09:42 AM
ناستاسيا فيليبوفنا

http://abuwabdallh900.googlepages.com/Theidiot1.JPG

أمير روسي مصاب بمرض الصرع, يحمل صفات مختلفة وفريدة. إنسان مطلق الصدق, مطلق الجمال والكمال, طيب القلب, طفل حقيقي في هيئة رجل, لا يكذب ولا يخدع. همه الأكبر في الحياة إدخال الفرح والسرور إلى كل مخالفيه, إلى أعداءه وأصدقاءه على السواء. تبدو الفكرة مريعة إذ ماذا سيحصل لهذا الطفل إذا تم قذفه داخل عالم مسعور شرير لا يوافق صفات الأمير, طيب القلب المسكين؟ بصوته الملائكي, يحكي يفجيني ميرونوف الذي جسد دور الأمير ليون ميشكين سيرة رجل في الرواية لم يكن إلا المؤلف نفسه!

" ترى أين قرأت أن رجلاً محكوماً عليه بالإعدام قد قام أو تخيل قبل اعدامه بساعة أنه لو اضطر أن يعيش في مكان ما, على قمة, فوق صخرة, بموضع لا تزيد مساحته على موطئ قدم, وكان كل ماحوله هوة سحيقة , خضماً كبيراً, ظلمات أبدية, عزلة خالدة, زوابع لا تنقطع, وكان عليه أن يبقى واقفاً على موطئ القدم هذا مدى الحياة, بل ألف سنة, بل أبد الدهر, لظل مع ذلك يؤثر أن يعيش هذه العيشة على أن يموت فوراً, أن يعيش فحسب, أن يعيش! أن يعيش أية عيشة, ولكن أن يعيش .. نعم, أين قرأت هذا الكلام! رباه, ما أصدق هذا الكلام "

وهو يتحدث تعتقد بأن الصدق متجسد في هذا الأميرالعظيم: ليون ميشكين. مقدمة العمل: الموسيقى الشاعرية, صورة العظيم دستويفسكي في البداية, الأمير ميشكين, الجنرال إيبانتشين, ناستاسيا فيليبوفنا بوجهها المليئ بالعذاب والألم والجمال, روجويين, كل هذا وأكثر وأكثر يجبرني على القول حتى قبل مشاهدة جميع حلقات المسلسل, هذا هو العمل الذي يستحق تجسيد رواية الأبله. هذا هو الأمير ميشكين كما وصفه دستويفسكي.. هذا هو الأمير ميشكين متجسداً أمامي تجسيداً حياً.

في الحلقة الأولى من هذا المسلسل الذي استطاع تجسيد رائعة دستويفسكي الشهيرة " الأبله ", وفي الفصول الأولى من الرواية بالتحديد يرسم هذا الأمير خارطة الموت من البداية مع خادم عائلة الجنرال وهو يصف الرؤوس وهي تقطع تحت المقصلة. الألم ليس هو ألم المقصلة عندما تقتص من رأس المحكوم عليه بالإعدام, بل الثواني الأخيرة, الدقيقة الأخيرة, النفس الأخير قبل الموت: أتعرف عذابات النفس البشرية؟ تلك الثواني هي العذاب النفسي الهائل.

http://abuwabdallh900.googlepages.com/Theidiot2.JPG

كان كل تركيزي وأنا أشاهد المسلسل منصباً على شخصية الأمير ميشكين. يبدو أن إعجابي بالأمير أجبرني على تناسي أشهر شخصية نسائية في روايات دستويفسكي والبطلة الرئيسية في رواية الأبله" ناستاسيا فيليبوفنا. تولستوي في رائعة آنا كارينينا رسم صورة خيالية لامرأة لا يضارع جمالها أي امرأة أخرى. أما دستويفسكي, فاختصر جمال بطلته الأثيرة بهذا السطر الوحيد: هذا الجمال .. هذا الجمال جدير بأن يشعل ثورة ! ناستاسيا تظهر لنا في البداية كفتاة هوى شيطانية, متلبسة بهوى عاطفي يقودها إلى الجحيم. إنها منتقمة لا تعرف الرحمة. بجنون دستويفسكي في العبث بشخصياته تظهر لنا ناستاسيا في النهاية مثالاً مميزاً للعاطفة والنقاء, للتطلع نحو المثالي الكامل, تحلم بالرجل الذي يفهمهما.

أعجبتني شخصية الممثلة الروسية لادايا فيليزيخفا التي جسدت بطلة دستويفسكي ناستاسيا فيليبوفنا. أتذكر أني توقفت عند الحلقة الثانية في مشهد إجتماع السكارى والعائلة في بيت جانيا وقلت: ناستاسيا فيليبوفنا هي بطلة الرواية وليس الأمير. من البداية نعرف هذه العاهرة وهي تخبئ بين طيات جمالها الجحيمي شخصية أخرى, أو كما يقول الأمير في المسلسل وفي الرواية كذلك: هذا الوجه .. هذا الوجه جميل جداً ومذهل .. هذا الوجه خرج من عذابات الجحيم.. مثل هذا الجمال خليق به أن يعلن ثورة, لا .. مثل هؤلاء الأشخاص مصيرهم غير عادي, على الإطلاق !

في الحلقة الثالثة, يتم تجسيد المشهد الأكثر فضائحية ودرامية في الرواية والمسلسل. يدور هذا المشهد في بيت ناستاسيا فيليبوفنا, عندما تجمع كبار رجالات المال والأصدقاء من أجل أن تعطيهم الكلمة الأخيرة حول زواجها من جانيا. يضطرب هذا المشهد من البداية عندما يقص توتسكي قصة تبدو رمزية لكل الموجودين, لكنها حقيقة عند ناستاسيا فيليبوفنا. ألم تكن الطفلة التي أنقذها من النار هي ناستاسيا؟ أين هو الجحيم الذي خرجت منه ناستاسيا فيليبوفنا كما يقول الأمير: إنه من عند توتسكي بلا شك. يريد أن يتخلص من الإثم والخطئية بتزويج البطلة من جانيا مقابل حفنة من المال. يضطرب المشهد عندما تعطي ناستاسيا فيليبوفنا القرار النهائي عند الأمير: الأمير يرفض .. لقد رسم هذا الأمير قدري أيها السادة !. هذا القول يثبت أن ناستاسيا هي بطلة منافسة للأمير. رسم الأمير قدرها في البداية, وترسم هي قدره في النهاية! لا يتوقف المشهد عن هذا الحد. هناك شخصية مركزية ثالثة أثارت إضطراباً "روجويين" , والذي ينثر أمام ناستاسيا فيليبوفنا مائة ألف روبل, فقط من أجلها, وتقوم هذه البطلة بشيء لا يمكن أن يصدر من كائن عاقل: عندما تقذف بهذا المبلغ في النار. لا يمكن أن يكون أحداً عاقل في هذا المشهد, حتى الأمير طيب القلب. تناسى حماقات ناستاسيا والسمعة السيئة وصرخ فيها أمام هؤلاء السادة: أنا أحبك يا ناستاسيا. ولكن, قد تكون الكلمة الاخيرة لناستاسيا هي الصادقة في هذا المشهد المضطرب:

" إلى اللقاء أيها الأمير, هذه أول مرة في حياتي أقابل رجلاً صادقاً. لا أحد على الإطلاق تحدث لي على هذا النحو .. إلى اللقاء أيها الامير."

http://abuwabdallh900.googlepages.com/Theidiot3.JPG

في الحلقة الرابعة, وبالتحديد قبل نهاية الحلقة يتم تجسيد المشهد الأكثر حزناً وبكاء: مشهد نوبة الصرع التي انتبانت الأمير ميشكين. حين يطوف الأمير في المدينة دون هدف أو غاية, حين يصل التوتر والقلق إلى أقصاه, حين لا يعرف أين هو الآن. الضياء الساطع بدأ يكسر جدار الظلمات التي تكسو نفس الأمير. وسط الحزن والقلق تستعر جميع القوى الحيوية. أنه يصل إلى طمأنينة عليا زاخرة بوعي لعلة العلل وغاية الغايات. وعي أعلى وإشراقات هائلة وحياة عليا, جمالاً متصلاً بالصلاة واللانهائية ..تلك هي الدقيقة الفاصلة بين الإنسان بشكله الطبيعي, وبين الإنسان المصاب بداء الصرع. أنات رهيبة تصدر من الجسد, لا هو بالإنساني, بل حيواني, أو كائن مختبئ في داخل الأمير, المصاب بداء الصرع, والذي عاني دستويفسكي منه معاناة مريرة. القارئ لبداية هذا المشهد سيجد نفسه مجبراً على اتمام القراءة بلا توقف. قرأته مرتين, وعلى استعداد لقراءته مرات كثيرة وبلا نهاية. هذا هو دستويفسكي حين يكتب. هذه هي الروح الدستويفسكية عندما يتجلى داخل فنه.

أبطال الرواية الرئيسيون أربع شخصيات: الأمير, و ناستاسيا فيليبوفنا, وروجويين, وآجلايا, إبنة الجنرال إيبانتشين. أول ثلاثة أبطال تتميز مشاهدهم بالإثارة والإضطراب والحركة, أما آجلايا فتتميز بالحوارات المستفيضة مع الأمير. يجب أن أذكر أن هؤلاء الشخصيات لا يسيطرون على المسلسل بكامله. هناك شخصيات كوميدية ومجموعة هائلة من السكارى يناقشون أفكار عميقة وفلسفية, حول وجود الله والأخلاق وقضايا الإعدام: مثل شخصية الجنرال إيفالوجين. حتى الآن لم أنتهي من المسلسل, تبقى ثلاثة فقط وأنهيه. وما شاهدته حتى الآن يعطيني المقدرة لأقول أن أي رائعة لدستويفسكي لا يمكن تجسيدها إلا بالكامل وبدون اقتطاع, مثل مسلسل الأمير الأبله.

يوسف
25-04-2009, 03:02 AM
دهشة القراءة الأولى

بمناسبة اليوم العالمي للكتاب, وبالتزامن كذلك مع أسبوع الطفل المثقف الذي انتهى هذا الشهر, أعود للسؤال الذي طرح أكثر من مرة: كيف كانت علاقتك بالكتاب؟ كيف تشكلت, وما هو أول كتاب؟

أتذكر تلك الأيام جيداً, اليوم الأول الذي أمسكت فيه بالكتاب, وبدأت رحلتي مع القراءة. بعد فترة طويلة سألت بعض الأصدقاء القراء : كيف بدأت حياتكم مع القراءة؟ كانت الروايات والقصص القصيرة والكلاسيكيات المختصرة هي طريقهم الأول لولوج هذا العالم. أما أنا لم أعلم بوجود شيء اسمه روايات حتى أصبحت مكتبة جرير أول مكان أجد فيه شيء لم أكن أراه إلا في الأحلام.

في يوم من أيام الإجازة السنوية - في نهاية المرحلة المتوسطة بالتحديد- لم أجد الأصدقاء الذين كنت ألعب معهم لعبتي وهوايتي المفضلة - كرة القدم-. الأغلب فضل قضاء الإجازة في السفر, أما أنا فلم أسافر ولم أعرف السفر بالأصل تلك الأيام. أصابني الإحباط وقتها ولزمت المنزل لأيام لعدم وجود صديق أقضي الوقت معه. لم يكن الكتاب صديقاً لي, بل كنت أعتبر قضاء الوقت في القراءة ترف فكري وشيء غريب بإستثناء القراءة في مكتبة المدرسة, تحديداً الكتب الدينية. في المرحلة الإبتدائية أتذكر أني استعرت كتاب يحكي سيرة الصحابي الجليل حنظلة بن أبي عامر " غسيل الملائكة ". أعجبتني القصة كثيراً حتى كنت أحسبها من قصص الخيال العلمي, استعرت الكتاب وقتها ولم أرجع الكتاب للمدرسة, رغم أني مطالب بإرجاعة.

لا توجد مكتبة في المنزل, ولكن يوجد رف واحد يضم بعض الكتب القديمة جداً منها مجلد واحد من كتاب الأغاني. لم أفكر بقراءة الكتاب : حجمه ضخم ومرعب بالإضافة للون الأصفر المزعج. أخذت هذا الكتاب الأصفر الصغير (http://abuwabdallh900.googlepages.com/book3.jpg). شيء ما جذبني لهذا الكتاب. صورة الغلاف كانت مضحكة جداً : رجل مصري كبير في السن وسمين جداً وأصلع, كأن هذا الرجل شخصية كاريكاتورية. لفت نظري عيناه الحزينتين في الصورة. استحوذت عيناه على تفكيري ونسيت جسمه وشكله المضحك. أخذت الكتاب ووضعته في مكتبة في غرفتي - المكتبة لا تضم إلا هذا الكتاب والكتب المدرسية-.

لم أقرأ الكتاب لفترة تقارب الشهرين. كنت أريد من وضعي لهذا الكتاب, حين يدخل أخي الكبير الغرفة ويجد هذا الكتاب أن يقول عني أني مثقف. لم أعرف ماذا تعني كلمة مثقف لكن كنت أعتبرها شيء جيد و رائع. وبالفعل قال لي هل قرأت هذا الكتاب؟ وماذا وجدت فيه ؟ : قلت سأبدأ به عما قريب. خرج وهو مبتسم, ونصحني بأن أأجل قراءة هذا الكتاب والإلتفات لقراءة القصص لأنها تناسبني أكثر.

في أحد أيام الإجازة التي كنت فيه وحيد, و وحيد جداً أخذت أقلب هذا صفحات هذا الكتاب, لم أفكر بقراءته أبداً. قرأت أول سطور المقدمة : الكتاب سهل جداً وروح تكتب بلوعة للحبيب. الصفحة الأولى, الثانية, الثالثة, كانت المقدمة رسالة لامرأة فيها حب وعذاب وشيء غريب لم أعرفه أبداً. حين أكملت القراءة وجدت المؤلف مسجون كتب كتابه هذا في السجن! أية بداية تلك لشاب لم يفتح يوماً كتاباً في حياته أن يبدأ رحلته مع الكتاب بكتاب يعتبر من أدبيات السجون العربية. وجدت نفسي غارقاً مع المؤلف. اعتبرته من الآن صديقي الجديد, وبدأت أقرأ بعد الساعة الثانية عشر ليلاً كل يوم, أعيش في سجن من أسوء سجون التعذيب العربية " سجن ليمان طرة " مع الصحفي الكبير مصطفى أمين رحمه الله.

لم أتمالك نفسي من الضحك حين قرأت حرب الصراصير في الفصول الأولى من الكتاب. زنزانة أحد المسجونين في شهر أغسطس وسبتمبر كانت تولد صراصير كثيره حتى اعتبرها مصطفى أمين المركز الرئيسي لتوليد الصراصير والحشرات في القارة الأفريقية. وضحكت أكثر وأنا أقرا قصة فاكهة التفاح التي اهداها سعيد فريحة لمصطفى أمين وحينما علم جمال عبدالناصر بالامر رفع السماعة على شعراوي جمعه وزير الداخلية ليقول له " بقى ياشعراوي في زنزانة مصطفى أمين في السجن صندوق تفاح وليس في بيت رئيس الجمهورية تفاح !". كدت أختنق من الخوف وأنا أقرأ قصة مرشد الإخوان المسلمين حسن الهضيبي وهو يروي قصته مع الكلاب التي عاش معها في السجن, والتي كانت تشاركه طعامه وشرابه.

كان المؤلف ساخراً, وحزيناً, ومتمرداً, ومنكسراً, وعاشقاً, جميع التغيرات الإنسانية من الفرح إلى الحزن إلى شعور بالخيبة والمرارة من الأصدقاء, كل هذا وأكثر وأكثر كنت أجدها أنا, الشاب الصغير الذي لم يفتح كتاباً واحداً في حياته في كتاب مصطفى أمين سنة خامسة سجن. خطابات ورسائل تحمل في طياتها زفرات مسجون, وصرخات مظلوم, وأنين مدفون بين القبور! كان صحفياً داخل السجن كما هو خارج السجن .. يتعقب ويجري خلف الأخبار. يحقق عن ما خلف الأسوار وهو قابع في سجنه, يتتبع تطورات مايجري في البلد من وراء ستار. الصحفي لايستطيع إلا أن يكون صحفياً, حتى وهو مقيد بالسلاسل, فالقلم في يده قادر على أن يحطم به السلاسل والأغلال.

قيمة هذا الكتاب أن فيه رائحة القيود, وطعم الأغلال, وصوت السلاسل. ليست استغاثات مقهورين, وإنما لعنات مظلومين. لم أكن أعرف بوجود شيء اسمه سجن سياسي أو معتقلات للسياسيين. كان تصوري مثل كل شاب صغير لا يعرف الكثير: كل من يدخل السجن فهو مجرم, ولم أعرف إلا بعد قراءة هذا الكتاب الثري أن هناك سجناء لم يرتكبوا جرماً إلا التعبير عن أرائهم. لم أعشق القراءة إلا من هذا الكتاب الذي لا أعرف كيف استطاع والدي الاحتفاظ به طول هذة السنين . أول كتاب أقراه من الصفحة الاولى إلى الصفحة الأخيرة هو هذا الكتاب, وقد تكون مصادفه أن أول كتاب أقرأه يعتبر من كتب أدب السجون العربية التي زارها كثير من المثقفين والأدباء العرب.

أصبح الكتاب الآن من أعز الأصدقاء. لم تكن مكتبة جرير أو أي من المكتبات التي تبيع الروايات قريبة من منزلي القديم. كانت مكتبة الرشد التي تعنى بالكتب الدينية هي الأقرب. ولكن, من الحسن أن هناك أديب مصري كذلك يكتب روايات أثار انتباهي, بعد تخصيص رابطة الأدب الإسلامي عدد كامل من مجلتها للحديث عنه وعن أعماله : أقصد الأديب نجيب الكيلاني رحمه الله. المجلة كانت على غلاف أزرق, تحدث فيها أغلب الأدباء العرب عن نجيب. أخذت له عملين روائيين كانت متوفرة في مكتبة الرشد, وهما : نور الله , وقاتل حمزة . رواية نور الله لمن لا يعرف تحكي قصة اسلام عمر ابن الخطاب رضي الله عنه, ودخول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لمدينة خيبر. أما رواية قاتل حمزة فهي تُعرف من اسمها. فيها يتحدث نجيب بقالب روائي كذلك عن وحشي الحبشي قاتل حمزة. ميزة هذه الرواية أن نجيب تحدث عن الحالة النفسية لوحشي قبل وبعد قتله لسيد الشهداء حمزة رضي الله عنه. نجيب الكيلاني من الأدباء الذين أحمل لهم حباً عميقاً. بعد قراءة أعماله صرت أحب قراءة قصص الأنبياء والصحابة. كانت مكتبة الرشد عامرة بكتب عن الصحابة والأنبياء. أصبحت أقرأ كتب تتحدث عن التاريخ الإسلامي مثل كتاب رجال حول الرسول لخالد محمد خالد , وكتاب الرحيق المختوم لصفي الرحمن المباركفوري.

لم أكن راضياً عن هذه الكتب لأنها مختصرة. كان مدرس مادة التاريخ في المرحلة الثانوية يتحدث عن أشياء غير موجودة بالكتب المدرسية ولا بالكتب التي حصلت عليها. تحدث مرة في إحدى الحصص عن وفاة الرسول وكانت مؤثرة جداً, وقدم في نهاية الحصة شريط كاسيت يحوي خطبة جمعة بعنوان وفاة الحبيب, هذا الشريط هو من أثار في نفسي العزيمة لقراءة كتاب يعتبر من أمهات الكتب التاريخية الإسلامية, وهو كتب البداية والنهاية لإبن كثير الدمشقي رحمه الله.

سبب عزمي قراءة الكتاب هي القصيدة التي أنشدها خطيب الجمعة لشاعر الرسول حسان بن ثابت بعنوان رسم قبر الرسول. سألت الأستاذ عن القصيدة وقال أنها موجودة بكتاب البداية والنهاية لإبن كثير. حصلت على الكتاب بعد اقتطاع جزء صغير يومياً من مصروف المدرسة اليومي من والدي. كانت سعادي غامرة جداً بقراءة هذا الكتاب. مايميز هذه المجلدات إضافة لقراءة التاريخ الإسلامي بأكمله, من بداية الخلق إلى نهاية الدولة العباسية, هي الأشعار التي يذكرها ابن كثير في نهاية كل فصل من فصول التاريخ الإسلامي. لا زلت احفظ الكثير منها عن ظهر قلب, من أهمها قصيدة حسان بن ثابت, في رثاء الرسول عليه الصلاة والسلام. أشعر بروحي تهتز وأنا أسمع هذه القصيدة بصوت الخطيب في الشريط وهو يترنم بها. هذه القصيدة هي الرثاء الحقيقي. إذا كانت هناك قصائد وصفت بالحماسية أو بالفخر فإن هذه القصيدة تحمل اسم الرثاء بكل صفاته وتجلياته. تلك كانت بداية علاقتي مع الكتاب : مع مصطفى أمين ونجيب الكيلاني وابن كثير رحمهم الله.

يوسف
26-04-2009, 03:56 AM
غُربات ..

http://abuwabdallh900.googlepages.com/mourid.JPG

غُربات ..
الغربة لا تكون واحدة ..
إنها دائماً غربات !!

غربات تجتمع على صاحبها وتغلق عليه الدائرة .. يركض والدائرة تطوقه. عند الوقوع فيها يغترب المرء في أماكنه و عن أماكنه . يغترب عن ذكرياته فيحاول التشبث بها. فيتعالى على الراهن والعابر. إنه يتعالى دون أن ينتبه إلى هشاشته الأكيدة. فيبدو أمام الناس هشاً ومتعالياً. أقصد في نفس الوقت.

يكفي أن يواجه المرء تجربة الإقتلاع الأولى حتى يصبح مقتلعاً من هنا إلى الأبدية. الأمر يشبه أن تُزلّ قدمه عن درجة واحدة من السلم العالي حتى يُكمل النزول إلى منتهاه, الأمر يشبه أن ينكسر في يد السائق مقود السيارة .. كل سيرها بعد ذلك يصبح ارتجالاً وعلى غير هدى. لكن المفارقة تكمن في أن المدن الغريبة لا تعود غريبة تماماً. تملي الحياة على الغريب تكيّفاً يومياً. قد يكون عسيراً في بداياته, لكنه يقل عسراً مع مرور الأيام والسنوات. الحياة لا يعجبها تذمر الأحياء. إنها ترشوهم بأشكال مختلفة ومتفاوتة من الرضى ومن القبول بالظروف الاستثنائية.

يحدث هذا للمنفي، والغريب، والسجين، ويحدث شيء مثله للخاسر والمهزوم والمهجور. وكما تتعود العين شيئاً فشيئاً على العتمة المفاجئة يتعود هؤلاء على السياق الإستثنائي الذي فرضته عليهم الظروف. وإذا تعوّد الواحد منهم على الإستثناء فإنه يراه طبيعياً بشكل من الأشكال.

الغريب لا يستطيع التخطيط لمستقبله البعيد أو القريب. حتى وضع خطة ليومٍ واحد يتعذر لسبب ما. لكنه شيئاً فشيئاً يتعود على ارتجال حياته. شعوره بمستقبله ومستقبل أهله شعور عُمّال التراحيل وموظفي المياومة. كل عِشرة بينه وبين المحبوب قصيرة مهما طالت. يعرف كيف يكون محباً آمناً ومحبوباً خائفاً. إنه يدنو كلما نأى وينأى كلما دنا. ويشتهي حالتيه وموضعيه. أقصد في نفس الوقت. كل بيت له هو لغيره أيضاً. كأن إرادته معلقة على إرادات.

وإذا كان شاعراً كان غريباً عن هنا.. غريباً عن - أي هنا - في العالم . يجاهد لينجو بلؤلؤه الشخصي رغم معرفته المؤكدة بأن لؤلؤه الشخصي قد لا يساوي شيئاً في السوق !!

الكتابة غربة ..
غربة عن الصفقة الإجتماعية المعتادة ..
غربة عن المألوف والنمط والقالب الجاهز ..
غربة عن طرق الحب الشائع وعن طرق الخصومة الشائعة..
غربة عن الطبيعة الإيمانية للحزب السياسي.
وغربة عن فكرة المبايعة ..

الشاعر يجاهد ليفلت من اللغة السائدة المستعملة إلى لغة تقول نفسها للمرة الأولى. ويجاهد ليفلت من أغلاف القبيلة. من تحبيذاتها ومحرّماتها. فإذا نجح في الإفلات وصار حراً، صار غريباً. أقصد في نفس الوقت. كأن الشاعر يكون غريباً بمقدار ما يكون حراً . والممسوس بالشعر أو بالفن أو الأدب عموماً إذ تحتشد في روحه هذه الغربات، لن يداويه منها أحد, حتى الوطن!

الغُربة كالموت, المرء يشعر أن الموت هو الشيء الذي يحدث للآخرين. منذ ذلك الصيف أصبحت ذلك الغريب الذي كنت أظنه سواي. الغريب هو الذي يقول له اللطفاء من القوم : أنت هنا في وطنك الثاني وبين أهلك. هو الذي يحتقرونه لأنه غريب. أو يتعاطفون معه لأنه غريب. والثانية أقسى من الأولى.

الغرباء يلتقون بالغرباء. وتجربة الموجوعين العرب علمتني أن وجعي كفلسطيني هو جزء من كل. وتعلمت أن لا أبالغ فيه. كل من كتب عليه المنفى يتقاسمون الصفات ذاتها. ففي المنافي تختل المكانة المعهودة للشخص. المعروف يصبح مجهولاً ونكرة, الكريم يبخل. خفيف الظل ينظر هامساً.

مُريد البرغوثي / رأيتُ رام الله.

و...
27-04-2009, 05:41 PM
في يوم من أيام الإجازة السنوية - في نهاية المرحلة المتوسطة بالتحديد- لم أجد الأصدقاء الذين كنت ألعب معهم لعبتي وهوايتي المفضلة - كرة القدم-. الأغلب فضل قضاء الإجازة في السفر, أما أنا فلم أسافر ولم أعرف السفر بالأصل تلك الأيام. أصابني الإحباط وقتها ولزمت المنزل لأيام لعدم وجود صديق أقضي الوقت معه.

تجاربك تستحق التدوين يايوسف .. سردك جميل
وأخيراً تحقق حلم الطفل الذي كان يحلم يوم من الأيام بصورة المثقف, عليك أن
تشكر الأيام التي منعتك من السفر واللعب كبقية الأطفال, بصراحة أنا لاحظت كلما
ضاقت أيام الطفولة كلما خلقت أشخاص مميزين يعني بلاش ندلع أطفالنا , وبلاش
ندخلهم أفضل المدارس .. يبدو أني انحنيت عن المسار.
عموماً هذا المكان إتخذته صحيفة لي كل ماشعرت بالفراغ جئت هنا لأقرأ , وأثق
بأن وقتي لن يضيع .. لاتتوقف عن إثرائنا bp039

يوسف
17-05-2009, 05:04 PM
ملائكة وشياطين

http://abuwabdallh900.googlepages.com/DanBrown.jpg

لا يمكن أن يذكر اسم الروائي الأميركي الأشهر حالياً دان براون إلا و يخطر على بال كل قارئ لأعماله, أو على الأقل متابع لأصداء أعماله, الضجة الهائلة التي تصدر من الكنيسة الكاثوليكية تجاهه, شجباً وإدانة. عندما يذكر اسم دان براون على الفور تُذكر روايته الشهيرة " شيفرة دايفنشي ". هناك من قال بأن شهرة دان براون حدثت بعد الأصداء المثيرة لمغامرة البروفسور روبرت لانغدون في تلك الرواية وإدانة الفاتيكان لها بسبب مس المؤلف لخصوصيات في الديانة المسيحية.

دان براون بالنسبة لي ليس مرتبط بشيفرة دايفنشي. صحيح أن الرواية جميلة وخفيفة الإيقاع, إلا أنها لا يمكن أن تكون بنفس قوة رواية دان براون الأكثر إثارة و روعة: رواية ملائكة وشياطين. قرأت الرواية فور صدور الترجمة العربية من الدار العربية للعلوم قبل أربع سنوات, وها أنا اليوم أعيد قراءة الرواية من جديد, بمناسبة الفيلم الصادر حديثاً Angels and Demons من بطولة النجم الأمريكي توم هانكس.

http://abuwabdallh900.googlepages.com/AngelsandDemons.JPG


الرواية بداية هي رواية بوليسية. يعيدني تصنيف الرواية إلى أحد فصول حاشية اسم الوردة للمفكر والروائي الإيطالي أمبرتو إيكو." الميتافيزيقيا البوليسية ". لا يمكن بأي حال أن أقارن بين اسم الوردة وملائكة وشياطين. من بدأ بكتابة مثل هذه الروايات في أجواء دينية وتاريخية و بعمق فلسفي رهيب هو أُمبرتو إيكو بلا شك. في الكتابة الفلسفية يتفوق إيكو بدرجة رهيبة, وهو عائد بلا شك إلى تبحره في القرون الوسطى. ولكن في الخاصية البوليسية للرواية, لا أتوقع أن يتفوق إيكو على دان براون. أمبرتو إيكو بداية رفض الإجابة بعد صدور روايته بفترة عن أسئلة يصفها بالتافهة, مثل: هل رواية اسم الوردة رواية تاريخية؟ كانت رواية اسم الوردة بوليسية, أو سينمائية كما يصفها إيكو: أعتقد أن الناس يحبون الروايات البوليسية، لا لأن فيها جرائم وأن النظام ينتصر في النهاية على النظام الخطأ " النظام الثقافي والإجتماعي والأخلاقي". إذا كانت الرواية البوليسية تثير إعجاب الناس، فلأنها تمثل قصة تخمين في حالتها الخالصة. ولكن ألا يمثل الفحص الطبي، أو البحث العلمي أو التساؤل الفلسفي حالات تخمين؟. إن مسألة الفلسفة الأساس في واقع الأمر هي نفسها في الرواية البوليسية " كما هو الحال أيضا في التحليل النفسي" : من المسؤول؟ من أجل معرفة ذلك " أو الاعتقاد في معرفة ذلك " يجب أن نفترض أن كل الوقائع يحكمها منطق، ذلك الذي فرضه عليها المتهم. فكل قصة بحث وتخمين تحكي لنا عن شيء يوجد بجانبنا باستمرار" . وهذا ما يفسر بوضوح لماذا تتشعب القصة الأساس " من هو المجرم ؟" إلى قصص أخرى كلها قصص لتخمينات، تتمحور كلها حول التخمين باعتباره كذلك.

في أحد المراكز العملية الشهيرة في سويسرا تحدث جريمة قتل لأحد أهم العلماء الفيزيائيين. لم يتم استدعاء الشرطة للتحقيق في الجريمة, بل تم استدعاء البروفسور روبرت لانغدون, عالم الرموز الدينية من أجل التحقيق في الشعار الذي وسُم به العالم القتيل. ما يتكشف عن هذا الوسم شيء لا يصدق في هذا القرن: منظمة قديمة جداً تدعى الطبقة المستنيرة تسعى لأخذ الثأر من الكنيسة الكاثوليكية, وتبدأ الإثارة في هذه الرواية التي لا تتوقف عن الإثارة في كل صفحة.

الرواية تسير بثلاثة خطوط متساوية في القيمة والنتاج, و تشكل البنية الأساسية لرواية ملائكة وشياطين. هناك الخط البوليسي والنفس المتسارع لمحاولة كشف سلسلة الجرائم المتتالية , ومن جهة ثانية هناك المسار الفني, وهو الذي أعطى الرواية عمقاً جمالياً ومتناسقاً مع الخط البوليسي. في الرواية نشاهد تفسيرات مثيرة لأعمال فناني عصر النهضة, مايكل أنجلو و رافائيل وفنانين عظماء آخرين. وهناك التحف الفنية والأقبية المذهبة والكنوز الفنية و العلمية في أرشيف الفاتيكان السري كأعمال غاليليو غاليلي. أما من الناحية الفكرية فهي التي تشكل الضلع الثالث والأهم في الرواية, وهو صراع الدين والعلم. في الحقيقة, أن الخط البوليسي والخط الفني لم ينشأ إلا من أساس الخط الفكري المتمثل بهذا الصراع بين الحقيقة العلمية والحقيقة الدينية.

في أحد أكثر مشاهد الرواية إثارة و قوة هو المشهد الذي خرج فيه السكرتير البابوي ليعلن لتلك الجماعة الثائرة من الفاتيكان أنها قد انتصرت: العلم هو الإله الجديد! يتحول هذا الخطاب ذو المحتوى الرمزي الهائل إلى إدانة العلم الذي قدم للبشرية الشيء الكثير, لكنه لم يقدم صياغة حقيقية لكيفية علاقة الإنسان مع العلم: أقصد الأخلاق. هناك الأسلحة المتطورة جداً, والتجارب الطبية القادرة على إحداث الثورات في التاريخ المقبل: أي نظام أخلاقي يقدمه العلم للإنسان, من أجل أن يستخدم هذا العلم بطريقة سليمة و بدون مخاطرة. أين هو الشر وأين الخير. أصبحت وسائل الإتصال السريعة هي الطريقة الحديثة, بدل أن يذهب الأقارب والأهل لزيارة بعضهم. كان السكرتير البابوي يتحدث وكأن العلم هو الشيطان الذي صادر النظام الأخلاقي في نفس الإنسان و زرع في عقله هذه الآلات والتكنولوجيا التي أفقدت الإنسان الإيمان بالله: بشعار المسيح الإلهي: إذا صفعك على خدك الأيمن, أدر له الأيسر.

أتذكر في القراءة الاولى قبل أربع سنوات أن المشهد الأخير من الرواية هو من أجمل المشاهد الختامية لرواية صادرة حديثاً. إنها مثيرة وتحبس الأنفاس, تجعلك لا تصدق أن ما حدث قد حدث. ثم, بعد أن تستمر القراءة يتكشف لك سر هذا الحدث العظيم الذي حدث فوق سماء الفاتيكان. كل شيء كان خدعة. من هم الملائكة في الرواية؟ من هم الشياطين في الرواية؟. كل شخصيات الرواية الأساسية هم ملائكة و شياطين. ومن يريد معرفة ذلك عليه بقراءة هذه الرواية المثيرة. أسجل لدان براون براعته في حفر شخصية أدبية خيالية في أذهان القراء: شخصية البروفسور روبرت لانغدون. أصبح مثل شخصية شرلوك هولمز, أشهر محقق خيالي في العالم.

ليس لدي تعليق على الفيلم بما أني لم أشاهده حتى الآن. أنا متحمس لمشاهدته, كيف ستكون جرائم القتل, وكيف سيظهر روبرت لانغدون والعالمة فيتوريا, والأهم: كيف ستكون شخصية السكرتير البابوي؟ لو استطاع الفيلم أن يجسد المشهد الأخير من الرواية, مشهد سماء الفاتيكان, سيكون الفيلم مطابقاً للرواية بالتمام.

* سيصدر في الخامس عشر من سبتمبر هذه السنة رواية دان براون الجديدة. رواية الرمز المفقود The Lost Symbol. وسيكون روبرت لانغدون حاضراً للمرة الثالثة في أعمال دان براون الروائية.

أُغنيات
18-05-2009, 02:34 AM
...

يَا الله يَا يُوسف ...!
أَشياؤُك الجَميلة المُدونة هُنا هِي غُيوم جَالبة للمَطرِ المُجلبَب
بِـ فَرحة الأَطفال فِيه ..
حِين تَكتب حَاول أن تَستَشعر اللُغاتِ التّي تَسكُبها فِينا بِـ دَهشَة
بِـ لَهفَة بِـ فَرح ..!

وَ هُنا :
لم أتمالك نفسي من الضحك حين قرأت حرب الصراصير في الفصول الأولى من الكتاب. زنزانة أحد المسجونين في شهر أغسطس وسبتمبر كانت تولد صراصير كثيره حتى اعتبرها مصطفى أمين المركز الرئيسي لتوليد الصراصير والحشرات في القارة الأفريقية. وضحكت أكثر وأنا أقرا قصة فاكهة التفاح التي اهداها سعيد فريحة لمصطفى أمين وحينما علم جمال عبدالناصر بالامر رفع السماعة على شعراوي جمعه وزير الداخلية ليقول له " بقى ياشعراوي في زنزانة مصطفى أمين في السجن صندوق تفاح وليس في بيت رئيس الجمهورية تفاح !". كدت أختنق من الخوف وأنا أقرأ قصة مرشد الإخوان المسلمين حسن الهضيبي وهو يروي قصته مع الكلاب التي عاش معها في السجن, والتي كانت تشاركه طعامه وشرابه.

ابتَسمتُ بِـ ( أُنس ) ؛ تَخيلتُك طِفلا صَغيرا تَتَقَافز قَدماكَ فِي الهَواءِ
ضَحكًا عَلَى مَقطعٍ فِي كتَاب لَم تألفه بَعد .

أَرصَفتك لَذيذَة فَلا تقطَعنا bp039

يوسف
07-06-2009, 10:07 PM
مرتفعات ماتشو بيتشو

http://abuwabdallh900.googlepages.com/MacchuPicchu1.jpg

أيها النسر الكوكبي, يا دالية الضباب.
أيها الحصن الضائع, يا حساماً أعمى.
يا حزاماً نجمياً, يا خبزاً احتفالياً.
أيها الدرج البرجي, أيها الجفن الفسيح.
يا عباءة مثلثة, يا طلع الحجارة.
يا مصباح الغرانيت, يا خبزاً حجرياً.
يا أفعى معدنية, يا زهرة حجرية.
يا مركباً دفيناً, يا نبعاً حجرياً.
يا حصان القمر, يا ضوءاً حجرياً.
أيتها الهندسة النهائية, يا كتاب الأحجار.
يا كتلة جليد موشاة بين هبات الريح.
يا عرق لؤلؤ الزمن الغارق.
يا سوراً صقلته الأصابع.
يا سقفاً من الريش المقاتل.
يا فروع مرآة, يا قواعد العاصفة.
يا عروشاً قلبتها نباتات متسلقة.
يا نظام المخالب الجارحة.
يا ريحاً عاصفة مستندة إلى المنحدر.
يا شلال عميق ثابت دون حراك.
يا نقوش النائمين البطريركي.
يا حلقة الثلوج المروضة.
أيها الحديد المستقر فوق النُصب.
يا عصفة مغلقة لا تُقتحم.
يا أيدي " البوما ", يا صخوراً جارحة.
يا برجاً مظلّلا, يا جدال الثلوج.
يا ليلاً يرتفع بالأصابع والجذور.
يا نوافذ الضباب, أيتها اليمامة المتصلبة.
أيتها النبتة الليلية, يا تمثال الرعود.
يا سلسلة الجبال الأساسية, أيها السقف الحجري.
يا هندسة النسور التائهة.
يا حبل السماء, يا نخلة الأعالي.
أيها المستوى الدامي, أيتها النجمة المشيّدة.
أيتها الفقاعة المنجمية, يا قمر الكوارتز.
أيتها الأفعى الأنديزية, يا جبهة الديسم.
يا قبة الصمت, أيها الوطن النقي.
يا عروس البحر, يا شجرة الكاتدرائيات.
يا غصن ملح, يا شجرة الكرز ذات الأجنحة السوداء.
يا أسناناً مثلجة, يا رعداً بارداً.
يا قمراً مخدوشاً, يا حجراً متوعداً.
يا غدائر شعر البرد, يا فعل الهواء.
يا بركان الأيدي, أيها الشلال القاتم.
يا موجة الفضة, يا وجهة الزمن.

أيها الحجر الجاثم في الحجر, أين كان الإنسان؟
أيها الهواء المنتشر في الهواء, أين كان الإنسان؟
أيها الزمن المتداخل في الزمن, أين كان الإنسان؟

أكنت النثار المحطم,
نثار الإنسان الذي لم يكتمل خلقه,
نثار النسر الأجوف,
ذلك الذي يمضي في الدروب اليوم,
وفي آثار الأقدام,
وفي أوراق الخريف الميت
ذلك الذي يعذب الروح حتى الممات؟

أين اليد الفقيرة, والقدم, والحياة البائسة ..
أين أيام النور المتفككة فيك,
مثل قطرات المطر المتساقطة
فوق رايات الاحتفال,
التي أعطت, تويجاً بعد تويج, للفم الفارغ
من طعامها القاتم؟

أيها الجوع, يا مرجان الإنسان,
أيها الجوع, يا نبتة سرمدية, يا جذر الحطابين,
أيها الجوع, هل صعد خطك متجاوزاً الحد
ليصل إلى هذه الأبراج العالية المنسلخة؟

إني أستجوبك, يا ملح الدروب,
فأرني الملعقة.
وأنتِ أيتها الهندسة المعمارية.
دعيني أسبر بمسبر صغير نسيج الصخور,
وأصعد كل درجات الهواء حتى أصل إلى الفراغ,
وأكشط الرحم حتى ألامس الإنسان.

آه يا ماتشو بيتشو!
إليك يا ماتشو بيتشو صعدت !
يا مدينة الحجارة العالية.
ها أنتِ أخيراً مستقر لما لم تُخفه الأرض
أيتها الأم الحجرية, يا زبد الكندور.
يا منارة للفجر الإنساني.
يا معولاً ضائعاً في الرمل الأول
ها هنا كان المسكن, هذا هو المكان :

آه يا ماتشو بيتشو!
لقد بنيت حجراً فوق حجر
وفحماً فوق فحم, وفي العمق: دموع!
وناراً في الذهب, وفيه يرتعش قانياً الدم النازف
ما تشو بيتشو!
أعيدي إليّ العبد الذي دفنتهِ
وانفضي التراب عن الخبز اليابس,
خبز البائسين!
أريني ملابس العبيد!
أخبريني كيف كان ينام وهو حي.
أخبريني إذا ما كان يشخر
في نومه, ويحلم بهوة سوداء
مبعثها الإنهاك فوق السور
السور! أيها السور! أخبرني إذا ما كان
كل صف من حجارتك سيرتفع فوق أحلامه,
وإذا ما هوى تحتها مثل قمر, مع أحلامه!

اصعد يا أخي, لنولد معاً.
مدّ لي يدك من أعماق بؤرة ألمك المبدد.
لن تعود من أعماق الصخور.
ولن تعود من الزمن تحت الأرضي.
ولن يعود صوتك المتحجر.
ولن تعود عيناك المثقوبتان.
حدّق بي من أعماق الأرض,
أيها الفلاح, والحائك, والراعي الصمت,
وأنت يا مروض الغواناكو الجامحة,
وأنت يا ساقي الدموع الأنديزية,
وأنت أيها الصائغ ذو الأصابع المسحوقة
أحضروا كلكم إليّ كأس الحياة الجديدة هذه
أروني دمكم, أروني الأخاديد التي حفرتها السياط,
وقولوا لي : هنا عُذبت.

أروني الحجر الذي سقطتم عليه
والخشبة التي صلبوكم عليها,
أنا آت لأنطق بفمكم الميت
فوحدوا عبر الأرض, كل الشفاه النازفة.
ومن الأعماق حدثوني عن هذا الليل الطويل كله
كما لو كنت مدفوناً معكم.
حدثوني عن كل شيء, عن قيودكم:
سلسلة فسلسلة, حلقة فحلقة, خطوة بخطوة,
وأشحذوا المدى التي بها تحتفظون,
وأغمدوها في صدري وفي يدي,
كنهر من البروق الصفراء,
كنهر من النمور المدفونة,
ودعوني أنتحب لساعات, لأيام, لأعوام,
لعصور عمياء, و قرون كوكبية.

امنحوني الصمت, والماء, والأمل.
امنحوني النضال, والحديد, والبراكين.
التصقوا بجسدي وكأنه قطعة مغناطيس.
هلموا إلى عروقي وفمي.
وانطلقوا بكلماتي ودمي !

بابلو نيرودا / النشيد العام/ بعض أناشيد القسم الثاني: مرتفعات ماتشو بيتشو.


* في طريق عودته إلى سنتياغو بعد مهمة دبلوماسية في منتصف القرن الماضي, زار الشاعر التشيلي الكبير نيرودا البيرو, ودعي هناك ليتعرف على أطلال ماتشو بيتشو, وهي مدينة قديمة يرجع بناؤها إلى ما قبل سيطرة هنود الإنكا على البيرو. اكتشفت في بداية القرن العشرين, ومنذ ذلك الحين تحولت إلى رمز يدلل على القدم السحيق للثقافة الأمريكية. كان الفاتحون الأسبان يجهلون وجودها, ولم يكن حتى هنود الإنكا أنفسهم يعرفون عنها شيئاً إلا مجرد قصة خرافية عنها. كتب نيرودا متأثراً بجلال تلك الأطلال قصيدة طويلة من اثني عشر نشيداً تشكل إحدى قمم نتاجه الشعري. سأعود قريباً للتعليق على هذا النتاج الذي صدر في مجوعة شعرية تسمى النشيد العام " Canto General " والذي يضم خمسة عشر فصلاً, مقسمة على 249 نشيد, ويتجاوز مجموع أبيات الكتاب ثلاثة عشر ألف بيت من الشعر.

إِسْرَاء
08-06-2009, 12:00 AM
^^ وما أجمل مِن أن يحدثك احدهم عن كتاب ؟!

سعادتيِ بهذا المكان تماماً كسعادتيِ بإكتشاف مكتبه والدتيِ الضخمة ذات عبث pb189
اتعلم كيفَ يكون شعور طفله اتخذت الكتبّ اخوه لها ؟ وكيفَ تصبح مبتله بالفرح عندما تفاجأه بوجود الكثير منهم قريباً pb030


يوسف .. شكراً بعدد الكتب التي تضج بها الأرفف في كل مكان .. pb189


سأكون عابره دائمه لأرصفتك bp039pb189 !



طِبت بكل الخير اخيِ

يوسف
20-06-2009, 03:06 AM
و...

أنا مدين لتلك الأيام التي لم أعرف فيها طعم السفر. لقد أهدتني أهم مؤثر في القراءة: أقصد أفلام الكرتون القديمة. هناك قراء كثيرون يعشقون آداب أمريكا اللاتينية, ويفضلون كتابهم أمثال ماركيز و بورخيس والليندي و يوسا وغيرهم. أرض أمريكا اللاتينية قبل أن تكون أنجبت هؤلاء العمالقة في الأدب, هي بالنسبة لي أرض الإلدورادو التي بحث عنها طويلاً ببيرو بطل مسلسل النسر الذهبي. هي بالنسبة لي مرتفعات ماتشو بيتشو التي صعدها آستيبان و زيا في مسلسل الأحلام الذهبية. هي بالنسبة لي حصن أولانتايتامبو وساكسايهيومان, أو كما يعرف باسم حصن النسر الأسود. بدأت هذه الأيام بقراءة النشيد العام للشاعر التشيلي بابلو نيرودا. ما أجمل أن تجد شاعر عظيم يعيدك إلى هذه الأجواء, أجواء مرتفعات ماتشو بيتشو وحصن الكوندور وحضارة الإنكا والمايا والأساطير الخرافية في تلك العصور الغابرة. شكراً و ...


أُغنيات
أسعدني مرورك. شكراً جزيلاً.
أما تلك الأيام, ليتها تعود ولو لدقائق.


..روزا..
نعم, أعرف جيداً هذا الشعور. شعور اكتشاف مكتبة جديدة, قد تسرع وتقفز من أعلى مكان فيها فرحاً بهذا الشيء الذي ظهر فجأة و بلا مقدمات. سأكون سعيداً دائماً بمرورك. جزيل الشكر.

زكي مبارك
20-06-2009, 05:23 AM
http://www.impawards.com/2009/posters/angels_and_demons_ver8.jpg

يوسف
الفلم عادي جداً وبالنسبة لي كان مخيباً للآمال والتوقعات
الأداء وللأسف مع توم هانكس باهت وبارد

عموماً حتى الرواية كانت أقل روعة من الرواية الأولى لدان براون ( شيفرة دافنشي )
كذلك الفلم لم يصل للمستوى المأمول .
من يحب دان براون للتفاصيل التي يسردها بشكل مذهل , ومن يحب دان براون لتلك الأجواء الخطيرة التي يرسمها في رواياته سيتفاجأ كثيراً من هذا الاختزال للرواية يعني لما تكون روعة كاتب ما في التفاصيل التي يسطرها ثم يأتي من يحذفها سيجعل العمل مسخ !وهذا اللي صار

تقييمي 5\ 10 لبعض اللحظات الجميلة مثل مشهد إحراق الكاردينال
طبعاً الفلم سبب لي صدمة لأني معجب بدان براون وحبكته الروائية , فاللي ما قرأ الرواية يمكن يعجبه الفلم ويخرج بلحظات جميلة .

أرجو من دان براون ما يبيع حقوق الرواية القادمة

يوسف
21-06-2009, 09:37 PM
بابلو نيرودا

http://abuwabdallh900.googlepages.com/PabloNeruda1.jpg

المطر هو الشخصية الوحيدة التي لا تنسى في مسيرة الشاعر التشيلي الكبير بابلو نيرودا. و تراقص الكلمات هي من أجبرت ذلك الذي أخذ اسم لا يعرف من هو صاحبه الأصلي ليغني عبر الكون : تلك الكلمة التي كانت تحلق وتهبط, يهيم بها, يذعن لها, يتابعها, يلثمها, يذيبها, مغرم بها .. كل كلمة مباغتة ينتظرها في نهم, يترصدها بشغف. إنها لزبد, معدن, لندى, يلاحق كلمة, يطارد أخرى, يريد أن يحضنها في شعره, لكنها تطير, يقتنص إحداها, فيحس بها شفافة, رجراجة, كالثمرة, كحبة الزيتون .. تتدلى من القصيدة كما تتدلى عناقيد الرواسب من سقف مغارة.

ولكن تراقص الكلمة يتوقف ليشهد الولادة الثانية. في الربع الثاني من القرن المنصرم يدعو أحد موظفي السيرك بإسبانيا نيرودا لحضور إحدى تلك الإحتفالات. كان سيصطحب لوركا معه. اتفقوا على اللقاء في ساعة محددة. تخلف لوركا عن الموعد. كان قد ذهب ليلاقي حتفه. كان لديه موعد مع القتلة والسفاحين. هكذا بدأت حرب إسبانيا التي غيرت شعر نيرودا: بدأت بإختفاء شاعر

" وأي شاعر, أبداً لم أشاهد شاعراً مثله اجتمعت في اللطفاة والعبقرية, القلب المجنح والشلال الشفاف. لقد كان فيدريكو لوركا العبقري المسرف في وحيه وإلهامه, بؤرة الفرح التي تشع الكوكب بسعادة الحياة, كان نابغة, كونياً ريفياً, موسيقياً فذاً, ممثلاً رائعاً, مؤمنا بالخرافات, لامعاً ونبيلاً, كان خلاصة إعمار إسبانيا وعهودها, وصفوة الإزدهار الشعبي, نتاجاً عربياً - أندلسياً ينير و يفوح مثل أيكة ياسمين على مسرح إسبانيا, كان كل هذا, يا ويلتي .. لقد اختفى ذلك المسرح, فآواه وألف آه .. "

لو أمكنني أن أبكيَ خوفاً في منزلٍ مهجور
لو أمكنني أن أقتلعَ عينيّ وازدرهما
لفعلتُ ذلكَ من أجلِ صوتِكَ المُعوِلِ كشجرةِ برتقالٍ
و لأجلِ شِعرِكَ الذي يسري هادراً.

فلأجلِكَ صبغوا المستشفياتِ بزرقةٍ
و المدارسُ، و السواحلُ البحريةُ تنمو
و الملائكةُ تحشو جراحَها ريشاً
و بتولُ السمكِ يتغطى بحراشفِه
و القنافذُ البحريةُ تحلقُُ نحوَ السماءِ
لأجلِكَ محلاتُ الخياطةِ بأقمشتِها السوداء الرقيقةِ
سوفَ تمتلئُ ملاعقَ، تمتلئُ دماءً
و لسوفَ يبتلعونَ شرائطهم الحمراءَ المُمزقة،
و يقتلونَ أنفسَهم بالقُبَل
و يتشحونَ بعدَ ذلكَ بالبياض.

عندما تحلقُ متنكراً كشجرةِ خوخٍ
عندما تضحكُ ضحكةَ إعصارٍ من الأرز
عندما تخفقُ بشرايينكَ و أسنانِكَ كي تغني
بحنجرتِكَ و أنامِلك
أستطيعُ أن أموتَ لأجلِ الحلاوةِ التي تتضوعُ منكَ
أستطيعُ أن أموتَ لأجلِ البحيراتِ القُرمزيةِ
تلكَ التي تقطنُها منتصفَ الخريف
معَ جوادِكَ الساقطِ و إلهِكَ الجريحِ
أستطيعُ أن أموتَ لأجلِ المقابرِ التي
تمرُ ليلاً كأنهار رمادٍ
بمياههِا و شواهدِ قبورِها
ما بينَ الأجراسِ المخنوقة:
أنهارٌ تمتلئُ كغرفِ مشفىً
بالجنودِ المرضى، يفيضونَ فجأةً
باتجاهِ الموتِ، مع الأرقامِ الرخاميةِ
و الياسمينِ المتعفنِ، و مصابيحِ الزيت:
أستطيعُ أن أموتَ من أجلَ أن أراقبكَ ليلاً
و أنتَ تتابعُ الصلبانَ الغارقةَ و هيَ تمرُ
تحتَ قدميكَ، فتبكي،
لأجلِ أنّكَ تبكيَ أمامَ نهرِ الموتِ
مهجوراً، جريحاً
تبكي كلَ البكاءِ، و تمتلئُ عيناكَ
بدموعٍ، بدموعِ الدموع.

في الليل، حينَ أمشي وحيداً
أستطيعُ أن أجمعَ ما يمتدُ من نسيانٍ و دُخانٍ و ظلال
فوقَ سككِ الحديدِ و السفنِ البخاريةِ
أجمعُها في قمعٍ أسودَ
ماضغاً الرمادَ
سوفَ أفعلُ ذلكَ من أجلِ الشجرةِ التي تكبرُ فيها
من أجلِ أعشاشِ المياهِ الذهبيةِ التي تجمعُها
و من أجلِ الشبكةِ التي تغطي عظامَكَ
مخبرةً إياكَ عن سرِّ الليل. *

قرأت مذكرات نيرودا قبل أيام. لقد كان كل تفكيري منصباً حول النشيد العام, أضخم أعمال نيرودا الشعرية وأشهرها على الإطلاق. قبل أن أتحدث عن النشيد العالم أريد أن أتحدث عن المكون الأساسي للنشيد العام. هذا المكون موجود على اتساع رقة أمريكا اللاتينية: إنها المعاناة بلا شك. معاناة الإنسان الفقير المعدوم. لم يكن الإنتساب للحزب الشيوعي من أجل العقيدة الفكرية ذاتها, بل بسبب العمال الذي يقاسون العذاب في الصحراء التشيلية الرهيبة, في الهروب عبر جمال الأنديز, تحت المطر المنهمر منذ شهور. في نهاية مذكرات نيرودا قرأت جملة لخصت النشيد العام بأكمله. تلك الجملة كان يعني فيها مباشرة الشعب التشيلي حين قال : كان شعبي, الشعب التشيلي أكثر شعب تعرض للغدر في هذا الزمن!. كان يقصد بعبارته تلك الإنقلاب العسكري الذي أطاح بحكومة سلفادور الليندي الشرعية ومقتله, وسقوط تشيلي تحت رحمة سلطة الديكتاتور الشهير أوغستو بينوشية. لا أنسى كذلك عبارة تصلح مقدمة للنشيد العام, في إحدى حوارات ماركيز الصحفية قال قولاً لفت نظري, قال: أسمع كثيراً هذا القول: يقال بأن سكان أمريكا اللاتينية فرحون ومرحون ومنفتحون على العالم. والحقيقة أننا الأكثر انغلاقاً, والأكثر حزناً بين كل الشعوب. ما الذي يجعل مثل هذه الشعوب الشهيرة بمرحها الأكثر حزناً وتعاسة على وجه الأرض. لم تنعم بالإستقرار طوال القرن الماضي, كانت الإنقلابات تنتقل من الجنوب إلى الشمال بلمح البصر, كانت الشركات المتعددة الجنسيات تضغط على رجال السلطة العسكرية خوفاً من تأميم مصالحها, كان العمال والمواطن المنزوي في إحدى ضواحي تلك البلدان هو الأكثر تعاسة و حزناً جراء ذلك.

في عمله الضخم " النشيد العام " يرجع بابلو نيرودا إلى الوراء, إلى ما قبل الغزو الإسباني, حتى يصل إلى الطبيعة ذاتها. هو بلا شك محاولة لكتابة التاريخ على اختلاف مشاربها" التاريخ, الجغرافيا, الفلكلور, مملكة النباتات, الطبيعة, الانثروبولوجيا". كانت محاولة لإعطاء سكان تلك المنطقة إنجيل خاص بهم, يحكي حكاية أراضيهم من الطبيعة حتى القرن الشعرين, تاريخ طويل من الهجرة والإستطيان والغزو والتحرير, وللأرض والإنسان. ذلك هو النشيد العام لنيرودا. كان الثائر الشهير جيفارا يقرأ على رجاله ليلاً بعض أناشيد النشيد العام, وعند مقتله, في جبال بوليفيا, وجد في حزمة مقتنياته كتاب بابلو نيرود " النشيد العام ".

في النشيد الأول " المصباح في الأرض, يبدأ الكتاب بابتهال إلى عالم ما قبل الفتح الإسباني" أرض التي بلا أسماء, بلا أمريكا ". إلى الأصول الجيولوجية والغابات التي تسكنها العصافير. إلى أصوات الماء التي سميت فيما بعد أورنيوكو و الأمازون و بيو بيو. وفي نهاية هذا الفصل فقط تبدأ القبائل بسكنى الأرض. فتأتي قبائل الأزتيك والكارييب والمايا والإنكا.

في النشيد الثاني " مرتفعات ماتشو بيتشو " وهو أقوى الأناشيد وأجملها في هذا العمل الضخم. تظهر عظمة هذا النشيد في التدرج الدرامي المذهل الذي يعطي القصيدة تطورها المتصاعد. كانت الأسئلة وجودية وهائلة, هناك سؤال دائماً ما يتكرر في هذا النشيد: من هو الإنسان؟ و دعوة للإستيقاظ كذلك وإعادة إحياء هذه الحضارة المندثرة بفعل الغزو الإسباني الذي أباد مكونات هذه الحضارة بلمح البصر.

في النشيد الثالث " الغزاة " هو إدانة عنيفة للهمجية التي احتفل بها الغزاة الأسبان, ولممارسات السلب والدناءة التي لجأ إليها قادتهم العسكريون, ولحماقة رجال الدين وتعصبهم.

في النشيد الرابع " المحررون ", يعتبر هذا الفصل أطول فصول النشيد العام وأكثرها إبرازاً للتاريخ. ابتداءً من زعماء الهنود الثوار الذين قاوموا الغزو الإسباني مثل كواوتيموك و لاوارو و وتوباك الذين تصدوا للغزو الإسباني في القرن السادس عشر. وحتى المحاربين والقادة العماليين - زاباتا, ساندينو, ريكابارين, برستيس - مروراً بمن يطلق عليه آباء الوطن, أبطال حروب الإستقلال مثل ميراندا وبوليفار وسان مارتين, يقوم نيرودا بتمجيد الدعوات والحركات التحررية في أمريكا خلال أربعمائة سنة. كما يتعرض لقدرها المحكوم بالاستلاب, متابعاً تبدلات الأسياد. هناك قصص في هذا النشيد تظهر القوة التي كان عليها الهنود الحمر في مواجهة الغزاة الأسبان. مثل كواوتيموك آخر ملوك الأستيك. تعرض للهزيمة في مواجهة الإسبان ووقع في الأسر. تعرض لتعذيب وحشي طيلة ثلاث سنوات لأنه رفض الاعتراف بمخبأ الكنوز الملكية. قاوم التعذيب بالنار بصمود عجيب, ثم أعدم. كنت سأفصل حياة أحد هؤلاء الثوار وذكر النشيد الخاص به في النشيد العام. ولكن, هناك اسم من ضمن قائمة المحررون لم يكن من سكان أمريكا اللاتينية, ويعتبر من أكبر محرري الهنود الحمر من القتل والتعذيب الذي طالهم تحت سيوف الغزاة الأسبان. إنه المطران الإسباني فراي بارتولومي دي لاس كازاس. ما يجعل الامر ممتعاً أن هذا القس المسيحي صدر له كتاب وجدته في مكتبتي بعنوان " المسيحية والسيف : وثائق إبادة هنود القارة الأمريكية على أيدي المسيحين الإسبان, رواية شاهد عيان.


* هذه القصيدة لبابلو نيرودا موجودة في كتاب نيرودا Residence On Earth تحت عنوان Ode to Federico Garcia Lorca. قام الصديق العزيز عدي بترجمتها ونشرها قبل سنة من الآن.

يوسف
21-06-2009, 10:23 PM
حامي الهنود : الأب فراي بارتولومي

http://abuwabdallh900.googlepages.com/Bartolomedelascasas.jpg

أين قرأت عن طفل يتم انتزاعه من صدر أمه, ثم يتم تقطيع يده اليمنى واليسرى ويتم تقديمها للكلاب, ثم يلوح به ويقذف إلى أقرب صخرة, أو إلى أبعد مكان ما, في تلك الأرض المسالمة؟ أين قرأت عن مملكة, ممالك, مدن, جميع سكانها من أكثر بلاد الأرض طمأنينة, لا تعرف الشر, طيبة بالغة الوفاء, بل أكثر شعوب الأرض تواضعاً وصبراً وسكينة, لا تعرف الحقد ولا الخصام, يتم إفنائها في ساعتين فقط؟ مليون, مليونين, عشرات الملايين يساقون عبيداً عبر المحيطات, تقطع أيديهم بحجة أنها طعام شهي للإنسان؟ يتم حرقهم من أقدامهم حتى تصل النار الملتهبة إلى الدماغ؟ يتم جمعهم في حصن ويتعرضون لألسنة اللهب؟ السيوف تدخل إلى تلك المدن وتفني الأرض عن بكرة أبيها بلمح البصر!

لم أقرا أبداً, حتى من أدب السجون الذي لا يضارع في التعذيب والتنكيل, ما يفوق شهادة الأب برتولومي كي لاس كازاس عن أحوال بلاد الهند أو القارة الأمريكية التي اكتشفها كولومبوس. إن كان كولوموبس هو أهم شخصية في القارة الأمريكية, فإن هذا الأب المسيحي هو أهم منه بكثير, لأنه كشف للعالم خفايا تلك المجزرة الرهيبة التي أفنت ملايين من البشر في سنوات قليلة. القس فراي بارتولومي دي لاس كاساس. مبشر كاثوليكي إسباني. ولد في إشبيليا. أطلق عليه لقب رسول جزر الهند ولقب حامي الهنود بسبب دفاع المستميت عن سكان أمريكا الأصليين. ناضل دون هوادة منذ وصوله إلى أمريكا عام 1502 ضد الممارسات العنيفة التي كان الغزاة الإسبان يقترفونها في حق أهل البلاد. ألف كتاب بعنوان " قصة تدمير بلاد الهند " وفيه يروي أدق التفاصيل عن مساؤى الغزو الإسباني للعالم الجديد. وكتاباً آخر بعنوان " التاريخ العام لبلاد الهند ".

لا أخفي إعجابي بهذه الشخصية. لقد ثار على أبناء عصره وكنيسته, ثار على البابا والملك ليكشف للعالم خفايا الإنسان المميتة, حكاية القوات التي تحمل الصليب في المقدمة: أول ما يفعلونه عندما يدخلون قرية أو مدينة هو ارتكاب مجزرة مخيفة فيها .. مجزرة ترتجف منها أوصال هذه النعاج المرهفة . لم يلتفت للدين ولم يلتفت للأراء المتضاربة, كان شاهد عيان, كان إنساناً يلتقي أخيه الإنسان المعذب في تلك القارة الجديدة.

يصف الأب بعض الرهبان يلهثون وراء الذهب, ويحدثنا عن رئيس المطارنة الذي كان يرسل خدمه ليأتوه بحصته منه. كان الجميع متفق على سرقة البلاد, عسكراً و رهباناً. هؤلاء يريدون الذهب بتعذيب الأجساد وقتلها, وأولئك يريدونه بتعذيب الأرواح وقتلها. كانوا جميعاً يشهرون سيف المسيح, والمسيح منهم براء. " لقد قال السيد المسيح ها أنا أرسلكم كغنم في وسط ذئاب, فلماذا أيها الملك ترسلون الذئاب الجائعة المتوحشة التي تذبح وتهلك النعاج".

في الفصل الذي يتحدث فيها الأب فراي بارتولومي عن جرائم الأسبان, أورد حكاية تبين كيف وصل مستوى القتل والتنكيل إلى مستوى العقل نفسه لا يستطيه التفكير بها. في كوبا, في بداية الغزو الإسباني, كان هناك زعيم قبلي يدعى " هاتوي ". جمع أفراد قبيلته حوله حين علم بقدوم الأسبان, وسأل : هل تعرفون لماذا يفعلون ذلك؟ إنهم يفعلون ذلك من أجل ربهم الذي يعبدونه ويقدسونه. إنهم يريدون أن نؤمن به ولهذا يقتلوننا. كان هاتوي يملك سلة صغيرة ممتلئة بالذهب, فابتسم لأبناء قبيلته وقال: هذا هو رب المسيحين. إنه الذهب. هيا لنرقص له ونرضيه, فربما سمع دعائنا وأمر المسيحين ألا يذبحونا. وصرخوا جميعاً: حسناً حسناً. ثم رقص الناس حد الإنهاك. بعدها قال : اسمعوني جيداً, سوف أرمي بهذا الذهب في النهر لأنهم سوف يقتلوننا بسببه. وكذلك فعل.

عندما عرف المسيحيون بذلك علقوا مشنقته, ثم جاءه راهب محاولاً إستمالته للدين المسيحي قبل الموت. قال له الراهب أن عليه أن يغتنم هذا الوقت القصير قبل موته ليؤمن. لأن إيمانه سوف يدخله الجنة أو إلى النار إن لم يؤمن.

في مشهد يكشف حجم العذاب الذي عاناه السكان الأصليين, قال زعيم القبيلة الهندية هاتوي: هل هناك مسيحيون في الجنة؟ قال الراهب : معظمهم هناك. عندها قال الزعيم الهندي من غير تردد : إنني أفضل دخول النار عن أن ألتقي بكم في الجنة. أرسلني إلى النار. هكذا أصبحت سمعة المسيحيين في بلاد الهند بفضل ما ارتكبوه من جرائم لا تعقل.

أتساءل كيف استطاع الأب فراي بارتولومي أن يكتب هذه الجرائم التي لم يستطع إلا كتابة شيئاً يسيراً عنها, ولا تستطيع المخيلة البشرية أن تكتب مثلها؟ إن يوم القيامة هو اليوم الذي سيثأر الله فيه من هذه الشناعات المزرية في بلاد الهند .. تلك التي ارتبكبها من يحمل لواء المسيحية ! حسب قوله.

نشيد للأب بارتولومي
بابلو نيرودا

يُفكر أحدنا, لدى عودته إلى بيته,
في الليل, منهوكاً وسط ضباب أيار البارد,
عندما تصعد الكآبة حتى مزلاج البيت لتدخل معنا,
ينبثق ضوء قديم, ناعم وقاس
مثل معدن, مثل نجم مدفون.
أيها الأب بارتولومي, شكراً لهذه الهدية.
في منتصف الليل الفج,
شكراً لإن شعاعك كان عصياً على الهزيمة.
كان يمكن أن يموت دعساً, أو أن يأكله
الكلب ذو الأنياب النزقة.
كان يمكن أن يبقى في رماد البيت المحترق.
كان يمكن أن تقطع السكين الباردة.
سكين القتلة الذي لا يُحصون
أو الحقد المغلف بالإبتسامات,
( خيانة المصلوب التالي ).
أو الكذبة الملقاة من النافذة.
كان يمكن أن يموت الخيط البلوري الكامل الشفاف
المتحول إلى فعل, إلى نضال, إلى هاوية شلال فولاذية.
حيوات قليلة مثل حياتك يعطي الإنسان
ظلال قليلة مثل ظلك في الأشجار,
جميع الجذور الحية في القارة : هرعت.
كل المصائر المخربة, وجراح الأيدي,
والقرى المبادة,
جميعها تولد من جديد تحت ظلك.
فأنت تؤسس للأمل من تخوم الإحتضار.
أيها الأب,
من حسن طالع الإنسان و نوعه
أنك أتيت إلى هذه المزرعه
وأنك قضمت بأسنانك غلال الجريمة
وأنك شربت كل يوم كأس الغضب
من الذي وضعك, أيها الفاني العري بين أنياب الحقد؟
كيف أطلت عيون أخرى من معدن آخر عند ولادتك؟

كنت واقعاً بين الأشباح الدموية
كنت سرمية الرقة فوق عصفة العذاب
ومن معركة إلى معركة تحول أملك
إلى أسلحة ضرورية

عندما كنت تعرض وحدتك, وسفينتك المدافعة,
ويدك التي تُبارك بها, وعباءتك,
داس العدو الدموع
وهشم لون السوسن

كان الحق مادتك الجبارة.
كان بنيانك زهرة منتظمة
من فوق أرادو تأملك
( من عليائهم ) : أراد الغزاة التطلع إليك,
وهم متكئون كأشباح حجرية على سيوفهم
يُثقلون أرض مباردتك ببصاقهم الساخر
ويقولون : ( ها هو ذا المحرض )
و يكذبون : ( لقد دفع له الأجانب )
( ليس له وطن )
( إنه يخون )

ولكن موعظتك لم تكن لحظة ضعف
ولا إرشاداً عابراً
ولا ساعة صفر
لقد كان خشبك غابة مقاتلة,
حديداً في داليته الطبيعية
مختفياً عن كل ضوء
تحت الأرض الزهرة, بل كان أعمق من ذلك :
في وحدة الزمن ,
في مسيرة الحياة, كانت يدك المتقدمة
نجمة من أبراج السماء, شارة للشعب.

أدخل معي اليوم, يا أبتاه, إلى هذا البيت.
وسأعرض عليك رسائل شعبي وآلامه,
والإنسان المطارد فيه.
سأعرض عليك الآلام القديمة ذاتها.

ولكيلا أسقط,
لكي أثبت نفسي على الأرض,
سأستمر في النضال,
دع في قلبي نبيذ التشرد
وخبز عذوبتك الذي لا يستكين.

يوسف
22-06-2009, 01:11 AM
زكي مبارك

ردك محبط صراحة. لكن هذا هو المتوقع. أن يتم حذف أجزاء من الرواية هو أمر مقبول في عالم السينما, لكن أن يتم حذف أجزاء كبيرة و رئيسية من الرواية, هذا ما سوف يفسد التجسيد الفني للرواية. قرأت أراء تشيد بالعمل وتفضله على الفيلم الأول. سأشاهده وأحكم متى ما توفرت نسخة صافية من الفيلم. شكراً زكي .


* أعتذر أشد الإعتذار عن الأخطاء الإملائية الفاضحة في القراءتين السابقتين.

زكي مبارك
22-06-2009, 05:37 PM
فعلاً ردي محبط لكن بالتأكيد أفضل من أن يأتي واحد ويطبل ثم تتفاجأ بالسوء !
على الأقل الآن لو شاهدت الفلم وأنت في بالك كلامي إنه سيء ربما خرجت بانطباع جيد لأن كلامي المثبط جعلك في أقصى حالات الاحباط ثم ينتشلك الفلم إلى نوع جيد نوعاً ما pb192

وأنت تقرأ في بداية الرواية وتلك الإثارة الرهيبة أثناء قتل العالم الفيزيائي في الفلم ستشاهد شيء آخر أشبه بمسخ فضائي pb131


ثم أشكرك على هذه العوالم الثقافية التي تتجول بنا

bp039

سرآب..}
22-06-2009, 08:17 PM
آرصفه

ذكرهآ مع هـ آلكتآـآـآب كنت اقراءه ع البحر >>>آالجو هآدي ورورح

تسلم ياغالي..~

يوسف
24-06-2009, 04:12 AM
بقايا النهار

http://abuwabdallh900.googlepages.com/theremains.jpg

- أقول يا ستيفنز, هل أنت بخير؟
- بخير يا سيدي, شكراً جزيلاً.
- هل أنت على ما يرام ؟
- نعم سيدي, شكراً !
- ألا تشعر بأي منغصات؟
- لا يا سيدي, على الإطلاق .. عن إذنك يا سيدي.
( أحست بشيء ما يلمس مرفقي, فاستدرت لأجد أنه اللورد دارلنجتون )

- هل أنت بخير؟
- نعم يا سيدي, بكل خير.
- تبدو كأنك تبكي؟
( ابتسمت وأخرجت منديلاً مسحت به وجهي)
- معذرة يا سيدي, إنه إجهاد يوم عصيب !

إجهاد يوم عصيب ؟ بكل هذه السهولة؟ وفاة الأب تحت قيادة الإبن ويقول بكل هذه الأريحية إجهاد يوم عصيب؟ كنت أتمنى أن يخرج كل مكنونات نفسه لدقيقة واحدة فقط, أن يعطي نفسه ذرة من ذرات بقايا النهار, أن يكون سيد نفسه وصاحب إرادة وحرية وفكر, لكنها الكرامة .. إنها الكرامة بلا شك, وأي كرامة؟ كرامة رئيس الخدم ستيفنز!

الكرامة التي تحلى بها الأب وهو يقدم الخدمة كما يفرضها المنصب على جنرال هو المتسبب الرئيسي بقتل أحد أبنائه, هي الكرامة التي تحلى بها الإبن التالي الذي تسلم منصب كان الأب هو المسيطر الرئيسي عليه. الجوهر الحقيقي للكرامة التي يتحلى بها المهني أو رئيس الخدم حسب تصرفات رئيس الخدم ستيفنز هي القدرة على عدم التخلي عن الكيان المهني الذي يسكنك. بمعنى أن لا تتهرب من الواجبات المهنية المفروضة عليك وأنت تتعرض لتلك المواقف القادرة على هز الجبال. رؤساء الخدم الصغار أو الموظفين الصغار بإمكانهم أن يتخلوا عن حياتهم المهنية عند أقل المواقف شأناً. أن تكون رئيس خدم معناه: أن تقوم بدور تمثيلي صامت, دفعة خفيفة, أو زلة بسيطة ثم تنهار الواجهة لتكشف عن الممثل تحتها. رؤساء الخدم العظام عظماء لأنهم لأنهم قادرون على البقاء في دورهم المهني, الإقامة فية برسوخ, الأحداث الخارجية لا تهزهم حتى لو كانت مؤلمة. يرتدون مهنتهم كما يرتدي رجل أنيق حلته. لا يترك الظروف تخلعها عنه في العلن, سوف يتخلى عنها " هو " عندما يريد ذلك فقط, وذلك لن يحدث إلا عندما يكون بمفرده .. إنها مسألة كرامة !

مذا حدث؟ لم يخلع رداء المهنية حتى عندما يكون بمفرده. أتخيل لو أن الروائي البريطاني - الياباني كازوو إيشيغيرو لم يغفل مسألة أن يخلع ستيفنز رداء المهنية, في مكان مفرد معزول, حيث لا أحد معه في هذا القصر الذي دارت في ارجاءه صراعات القارة العجوز, يكشف عن نفسه ويتكلم, ليتكلم فقط ويقول أنا أحب السيدة كنتون .. لو قالها لزادت الشاعرية في هذه الرواية فوق شاعريتها الكثيفة, وحتى لو لم يقلها فلم تنقص الرواية شيء من ذلك. إن الميزة الرئيسية في هذه البقايا, بقايا النهار, هي في قدرة الروائي على بث مكنونات اللاشعور خارجاً دون وعي من المتكلم نفسه: حكاية الشغف بالعمل وتقديمه على كل شيء آخر: على جنازة الأب الذي يموت في الطابق العلوي من المنزل، فيما يستمر ابنه في ترتيب الأشياء وتأمين الحفل في الطابق الأسفل. تقديم العمل على الحب والافتتان. تقديم الإخلاص للعمل على المشاعر وحبسها وإلغاء فكرة الزواج من المرأة التي أحب من أجل التكرّس لتفاصيل النهار الذي لا يبقى منه في النهاية سوى البقايا.

تحكي الرواية قصة رئيس الخدم الإنجليزي المحترف ستيفنز من وجهة نظره، وتتوزع بين ذكرياته عن أيام سيده السابق اللورد دارلنجتون، اللورد الإنجليزي صاحب التأثير الكبير في السياسة الإنجليزية، والذي أُقصي فيما بعد عن الحياة السياسية البريطانية، ومات مُجللاً بالعار، لدعمه النازيين خلال الحرب العالمية الثانية بحسن نية تام. وعمله الحالي عند سيده الجديد، المالك الجديد لدارة دارلنجتون الفاخرة، الأمريكي السيد فاراداي.

تبدأ الرواية بوصول رسالة إلى ستيفنز من السيدة كنتون، مدبرة المنزل السابقة التي خدمت معه في دارة اللورد دارلنجتون في شبابهما، تحكي فيها عن حياتها، وتُلمح إلى أن حياتها الزوجية لا تسير على ما يرام، مما يجعل ستيفنز يأمل في إمكانية إعادة ضمها إلى طاقم مستخدمي دارة دارلنجتون بسبب النقص الشديد في عدد المستخدمين في الوقت الحاضر، بسبب تغير الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية.

يستعير ستيفنز سيارة السيد فاراداي الذي كان قد وعده بأن يعيره إياها ليذهب في رحلة إجازة في الريف أثناء سفر الأخير إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وخلال رحلته, يتذكر ستيفنز أحداث حياته التي قضاها في خدمة اللورد دارلنجتون، والحياة الأرستقراطية وقتها، يتذكر وفاة أبيه، وتصرفات الآنسة كنتون عندما كانت مدبرة المنزل.

السيدة كنتون من الشخصيات التي أخرجت اللاشعور في ستيفنز, ولا يمكن لأي قارئ للرواية أن ينسى حوارات كنتون وستيفنز, رغم الشدة في أسلوب مس كنتون. شدة أسلوب كنتون لها سبب رئيسي, وهي أن يتخلى السيد ستيفنز عن منصبه لدقيقة واحدة ليكشف وجوده كإنسان يحب ويكره في قصر دارلنجتون. لكن ذلك لم ينجح. تحولت شخصية كنتون في نهاية الرواية إلى النقيض من ذلك. أصبحت هادئة ولا تهتم لإخراج اللاشعور عند ستيفنز, لأن الآوان قد فات. على الطرف الآخر السيد ستيفنز يتخلى عن رداء المهنية ويحاول ممارسة الدور الذي كانت تمارسه مس كنتون, كان يريد إخراج اللاشعور لديها؟ هل تحبه؟ لماذا تهرب من زوجها كما تقول في رسائلها؟ هل تريد العودة لدارلنجتون هول؟ لا يوجد تحولات درامية تعصف بالرواية أو الشخصيات. الرواية هادئة هدوء قاتل. قوتها وجمالها الكثيف يظهر في هذا الهدوء الذي يسكن القصر بعد رحيل سيده اللورد. وفي مهنية السيد ستيفنز, وفي إلحاح مس كنتون.

لا أنسى بالطبع الحوار الذي دار في بقايا ذلك اليوم, في غرفة رئيس الخدم ستيفنز, مع السيدة كنتون, اقتبس هذا الحوار مع التحية بالتأكيد لمن نشر وتحدث عن الرواية هنا من قبل, الأخ الموسيقار ساليري .

http://abuwabdallh900.googlepages.com/Remains2.jpg


- أنا في حيرة يا سيد ستيفنز, ماذا يمكن أن تقرأ؟
- كتاب يا مس كنتون! .. كتاب!
- واضح, لكن أي نوع من الكتب, هذا ما أريد أن أعرفه؟
- بصراحة يا مس كنتون, لا بد أن تحترمي خصوصيتي!
- لكن, لماذا أنت خجل إلى هذه الدرجة؟ لا بد أن يكون شيئاً بذيئاً؟
- غير وارد بالمرة أن يكون هناك كتاب بذيئ في مكتبة اللورد!
- لقد سمعت أن كثير من الكتب الثقافية الهامة تحتوي على أجزاء بذيئة, وإن كنت لم أجرء على النظر إليها حتى الآن .. والآن, أرجوك يا سيد ستيفنز .. أرني الكتاب .. دعني أرى ما تقرأ؟
- أرجوك أنت تتركيني لوحدي يا مس كنتون. من المستحيل أن تثقلي عليّ هكذا في لحظات الفراغ الوحيدة المتاحة لي للإنفراد بنفسي!
- أرجوك .. أرني الكتاب الذي تمسك به يا سيد ستيفنز, وسف أتركك تستمتع بقراءته .. ماذا يمكن أن يكون يا ترى ذلك الذي لا تريد أن تريني إياه؟
-لا يهمني على الإطلاق أن تكوني عرفت عنوان الكتاب أم لا يا مس كنتون! من ناحية المبدأ أنا اعترض على ظهورك هكذا فجأة واقتحام وقتي الخاص!
( تقدمت نحوي برقة, تحاول تخليص الكتاب من يدي, فكرت في أن أفضل ما يمكن أن أفعله هو أن انظر بعيداً, ولكنها كانت تقف أمامي مباشرة. أشحت عنها بوجهي فقط, وبزاوية غير طبيعية إلى حد ما. حاولت أن تاخذ الكتاب من يدي واستمر ذلك وقتاً, إلى أن سمعتها تقول )
- يا إلهي .. شيء لا يستحق الخجل منه أو الشعور بالعار. ليست سوى رواية عاطفية يا سيد ستيفنز!

يوسف
28-06-2009, 04:12 AM
أثرُ العلم في المجتمع

http://abuwabdallh900.googlepages.com/Russell.JPG


الكتاب : أثرُ العلم في المجتمع.
الناشر : المنظمة العربية للترجمة.

العلم كما يعرضه لنا راسل يتيح للإنسان مستوى من الرفاهية أفضل مقارنة بأي شيء في العصور السابقة. إلا أن هذا الرخاء ربما يكون حالة آنية قد نفتقدها خلال جيلين على أقرب تقدير. ذلك لأن العلم - كما يقول راسل - يتيح لنا كل أسباب الرخاء بشروط, وإذا لم تتحقق هذه الشروط فإن المردود السلبي للعلم سيفوق مردوده الإيجابي أضعافاً مضاعفة. إن السلوك البشري في العقود القادمة قد يقرر إمكانية استمرار هذا الرخاء وانتشاره ليشمل كافة أرجاء الأرض ( وهذا شرط أساسي حسب راسل ) أو انطفائه ليعود بنا إلى العصور الهمجية. الشروط الأخرى بخلاف شمول الرخاء أرجاء المعمورة, هي : التخلص من الحروب, واستقرار عدد السكان, والحكم الديمقراطي العادل, وتوفير عنصر الحرية للأفراد في العمل .. شروط قاسية, لكن راسل مؤمن بتحقيقها إذ يعتقد أن الإنسان لا بد أن يلجئ إلى خيار العقل بدل خيار الموت!

لا أعرف لو كان راسل حياً الآن ماذا سيقول: هل أصبح العلم هو الأداة الرئيسية في الحرب؟ أو هل أصبح تسخير العلم في سبيل الأسلحة الحربية هو الطريق المثلى لفرض الأمن في العالم وضمان حكومية عالمية ترعى شؤون الإنسان؟ هل يجب أن يكون العِلم في خدمة المال ؟ أغلب هذه الأسئلة أخلاقية قبل أن تكون أسئلة تحكي حكاية العلم من بداية الثورة الصناعية وحتى الآن.

ميزة هذه المحاضرات الست الصادرة في هذا الكتاب أنها تصلح لجميع القراء, بمعنى أن المحاضر استند في أحادثيه وطريقة تعبيره على الحديث المباشر والمحدد, وهي طريقة الفيلسوف البريطاني برتراند راسل المفضلة في التعبير. كما هو معروف, مساهمة راسل في فلسفة اللغة ( نظرية الأوصاف ) مقسمة لثلاثة أنواع, التعبير المباشر والمحدد ( وهو ما استخدمه في هذه المحاضرات ), والتعبير الغامض غير المعروف, وتعابير لا تعني شيئاً. هذه المحاضرات استخدم فيها راسل طريقة التعبير المحدد, ليست استثناء كما هو واضح. في محاضرته الشهيرة بعنوان Why I am not a Christian ( لماذا لست مسيحياً ) استخدم نفس التعبير المباشر رغم جدلية الموضوع.

قيمة هذه المحاضرات العلمية أنها مؤلفات كلاسيكية, كل نقطة تطرق إليها أثبتت واقعيتها في هذا العصر, عصر العلم, وإن كانت بعض التصورات تحتاج لوقت طويل حتى تظهر في هذا العصر الذي يظهر من خلاله كل يوم كشف جديد واختراع جديد في علوم المعرفة بشكل عام.

عن راسل : اللورد برتراند راسل , عالم رياضيات , ومنطقي إنجليزي. وأحد المناضلين الإنسانيين في الغرب. رفض التجنيد في الحرب العالمية الأولى وحرض المواطنين الإنجليز على العصيان وقد دخل السجن نتيجة لذلك. كما قام برتراند راسل بكتابة عدد من المقالات مندداً بسياسة الإتحاد السوفييتي القمعية عام 1921. تم سجنه للمرة الثانية في منتصف الستينات وهو في التسعينات من العمر أثر تشكيله لمحكمة حملت إسمه وشاركه فيها مجموعة من المثقفين أمثال جان بول سارتر وسيمون ديبفوار وغيرهم, وكان هدف هذه المحكمة إدانة الاجتياح الأمريكي لدولة فييتنام. ألّف برتراند راسل قرابة السبعين كتاباً في الفلسفة والرياضيات والسياسة والأخلاق والاجتماعيات, واعتبرت كتبه العلمية ثورة في المنهج التحليلي والمنطقي. حاز على جائزة نوبل في الأدب عام 1950.

يوسف
28-06-2009, 09:33 AM
مات في هدوء، "بغير ألم كثير" كما قال طبيبه في 27 أغسطس 1776. ومشي في جنازته جمع غفير برغم هطول المطر الغزير.
وسمع صوت يقول : "كان كافراً"،
وأجاب صوت آخر "لا يهم، فلقد كان رجلاً أميناً!"


* ويل ديورانت يتحدث عن ديفيد هيوم/ قصة الحضارة.

~H O P E
29-06-2009, 12:18 PM
السلام عليكم..

قرأت أغلب تعليقاتك عن الروايات ..

لكن لفت إنتباهي تعليقك الذي تتحدث به عن رواية جين أوستن (كبرياء وهوى) أو (Pride & Prejudice)
على الرغم من أنك لم تقرأها -على حد قولك- فقد ذكرت تقريباً أهم نقاط في روايتها وكان أهمها
فكرة الزواج في إنجلترا وبحث الفتيات المستميت عن الزوج المناسب في القرن الثامن عشر الميلادي..(الثيم الأساسي في الرواية)

وبحكم دراستي الجامعية لها .. فهي من أروع الروايات الكلاسيكية.. تدور أحداثها عن عائلة إنجليزية بسيطة تتكون من السيد والسيدة بينت اللذان يريدان تزويج فتياتهم بأي طريقة .. فنتج عن ذلك حوارات فكاهية بينهما تبين مدى سطحية السيدة بينت في تفكيرها :) و براعة جين في إسلوبها ..

بطلة الرواية والشخصية الأساسية إليزابيث-ليزي- التي تمثل الـ(Prejudice) في الرواية
ودارسي الذي يمثل الـ(Pride)
وتحاملها ضد دارسي الذي يتناقص تدريجياً ولايلبث إلا أن يختفي تماماً في نهاية الرواية بسبب فهمها الصحيح له وحكمها عليه بعد فهمه فتقبل الزواج منه..

ممتعة هي جين في روايتها .. ويقال أن إليزابيث ليست إلا تجسيدًا لشخصية الكاتبة نفسها .. فهي تشبهها كثيراً.

لك جزيل الشكر أخ يـوسف ..
فقد أثريت معلوماتي بأرصفتك ..
تعليق جميل وجهد واضح ..

لي عودة
بإذن الله

يوسف
04-07-2009, 07:03 PM
رقصة زوربا اليوناني (http://www.youtube.com/watch?v=VTJPs8_lTiE)

http://abuwabdallh900.googlepages.com/Zorba1.jpg

" يا بني: إن الإله الرحيم كما ترى, لا تستطيع طبقات السماء السبع وطبقات الأرض السبع أن تسعه. لكن قلب الإنسان يسعه! إذن, إحذر يا بني, من أن تجرح ذات يوم قلب إنسان."
زوربا اليوناني.

إن لم تقرأ الرواية, فإنك على الأغلب قد سمعت سابقاً بهذا الاسم لرواية تحمل نفس الإسم: زوربا. أتذكر في إحدى المعارض السابقة اسم لأحد الكتب بعنوان: هكذا تحدث نيتشه, هكذا تحدث زوربا. أصبح زوربا في ذهني مرتبط بالحكمة والفلسفة. كل ذلك بسبب هذه الشهرة الكاسحة لهذا البطل والدراسات والمقالات التي تتحدث عن هذا الحكيم اليوناني: ألكسيس زوربا.

بدأت بقراءة الرواية قبل سنة وتوقفت عند الصفحة الستين. لم أجد فيها ما كنت انتظره من شهرة كاسحة لهذه الرواية. توقعت شيئاً أكبر ولم أجده. أعدت قراءة الرواية هذه الأيام و طويت الصفحة الأخيرة من الرواية قبل ثلاث ساعات, وأتبعتها بفيلم الممثل المشهور أنطوني كوين : Alexis Zorbas.

قد لا يكون زوربا فيلسوفاً بالمعنى المجازي لكلمة فيلسوف: شخص تفرغ للعلم وبين طيات الكتب. لقد صدمت وأنا أقرأ الرواية حين شاهدت زوربا إنسان بدائي مضحك لا يقرأ الكتب, أو سندباد بحري كما يحب أن يطلق على نفسه, كل حياته مسخرة للحياة وللهو وللعمل. لا يفكر إلا في اللحظة الآنية, يتحدث عن إشكاليات الوجود والحياة, وهو نفسه مدير أعمال الراوي في منجم الينيت, وهو ذاته العازف على آله السانتوري والراقص لرقصته الشهيرة, وهو ذاك الذي توفي وهو يصرخ ويتشبث بالنافذة ليطل منها على الحياة التي عاشها بكل ما فيها.

- هل تستطيع أن تخبرني لماذا يموت الإنسان يا باسيل؟ مالذي تقوله كتبك عن هذا؟
- إن الكتب لا تجيب عن هذه الأسئلة وإنما تتناولها وتحاول تفسيرها.
- أني أبصق على كتبك.

إذا أردت أن تكون مثل زوربا, يجب أن لا تنظر إلى العرق والدين والشكل واللغة, بل انظر إلى الإنسان فقط. إنه إنسان, يأكل, ويشرب, ويحب, ويخاف, سيلقي سلاحه لاحقاً, ويرقد جثة متصلبة تحت الأرض. أن تكون زوربا, معناه أن تعيش صخب الحياة. .. " إننا جميعاً أخوة أيها الرئيس ". هناك ثيمة كانت بالنسبة لي عامل جذب لقراءة الرواية بسرعة كبيرة, وهو هذا المزج المثير بين الحس الكوميدي العالي والفلسفة العميقة. عندما انهار المصعد كان زوربا يهرب, العمال يهربون, القساوسة يرمون أنفسهم في البحر, حتى الرئيس يولي الأدبار خوفاً من سقوط هذا الذي بنته سواعد كانت تحت قيادة زوربا. في الفيلم أنطوني كوين وهو يضحك بشكل هائل: هل شاهدت القساوسة وهم يرمون أنفسهم في البحر أيها الرئيس؟. كانوا مضحكين. بالفعل كانوا مضحكين للغاية. لوحة كوميدية تمثل لك الآمال العريضة لحظة وصول الرئيس وزوربا إلى كريت, والسواعد التي تبني المنجم في كريت, ثم هذا الإخفاق المدوي والفشل الذريع للإستثمار. لكن كان هناك نجاح آخر. وهي تلك العلاقات التي تربط الإنسان بكل ما حوله: لو كنا نعرف ما تقوله الأحجار والأزهار والمطر, لعلها تنادي .. تنادينا ونحن لا نسمع, متى ستنفتح آذان الناس؟ متى ستنفتح أعيننا لنرى؟ متى ستنفتح الأذرع لنعانق الجميع, الحجارة, والأزهار, والمطر والبشر؟

http://abuwabdallh900.googlepages.com/zorba2.jpg

لا يمكن أن تتحدث عن زوربا دون أن تذكر رقصة زوربا, أو حتى محاولة أن ترقص مثله. الرقص, نعم ..الرقص؟ هل تعرف أن ترقص؟ أن ترقص رقصة زوربا, معنى ذلك أنك ستصل إلى تلك النشوة القصوى, والتحرر الذي يربطك بكل منغصات هذا العالم المادي, هو الهروب من هذا السواد, هو الإلتصاق بالأرض التي تسير عليها .. وتقفز, ثم تقفز, ثم تقفز, وعلى وجهك ابتسامة, قد لا تظهر لك مرة أخرى. كان الراوي/ الرئيس يرفض الرقص عندما طلب منه زوربا في بداية الرواية ذلك. في نهاية الرواية, عند نهاية هذا المشهد المضحك من الدمار, يبتسم الرئيس: هل تعلمني الرقص, يا زوربا؟ المشهد كان جميلاً في الرواية, وفي الفيلم الذي جسده أنطوني كوين, ستقول بكل ثقة, أن هذا الفيلم من الأفلام التي تقدم لك نهاية ممتعة وحقيقية, وعلى وجهك ابتسامة .. وسترقص مثل زوربا!

يوسف
08-07-2009, 05:57 PM
Pride and Prejudice

http://abuwabdallh900.googlepages.com/PrideandPrejudice.jpg

يبدو أني لن أضيف شيئاً يذكر بعد قراءة تعقيبك على الرواية. تعقيبك رغم اختصاره تحدث عن الرواية بشكل جميل و مميز. الأكيد أنه لا توجد رواية واحدة تم تجسيدها سينمائياً مثل هذه الرواية " Pride and Prejudice ". رغم أن الفيلم الصادر عام 2005م هو الأكثر شهرة إلا أني لم أفكر فيه, وفوراً شاهدت المسلسل الصادر عام 1995م. أعتقد بأن رأيي كان صائباً عندما قلت أن تجسيد الرواية العظيمة عبر حلقات مطولة هو الترجمة المميزة لعمل فني مكتوب على الورق. لن أبالغ إن قلت أن قوة العمل الفني مساوي لعمل فيلم الأبله الروسي, من حيث الإقتباس الكامل وتميز الحوارات ونقل ماتحدث عنه الراوي من الورق إلى الشاشة. بالاضافة لهذه الطبيعة الخضراء الساحرة الممتدة في الريف الإنجليزي.

في الرواية اعتمدت جين أوستن على الحوار, والتعليق ليس مباشراً, وإنما متضمن في صياغة الجملة. وهي عميقة بالتأكيد في السخرية القائمة على اللغة والموقف على حد سواء. في الرواية شخصية Mr. Collins المضحكة دمية هائلة من السخف والتعالي. هناك شيء مهم وهو الأخلاقية في الرواية, كما هو معروف يطلق على جين أوستن أنها من أخلاقيات القرن الثامن عشر. لا أتوقع أن أوستن كانت ترى الاخلاق والسلوك شيئين متبادلين. الإهتمام الرئيسي في عملها هذا مثلاً منصب على السلوك, والتي كانت تراه أوستن صورة مصغرة للأخلاقيات. مثال ذلك شخصية البطل الثاني في الرواية. سلوك Mr. Darcy في البداية كان يميل إلى التكبر و الغرور والعنجهية. وفي النهاية يتحول إلى كريم وشخص يجيد تصريف الأمور ذكاء وحنكة.

قرأت مقالات عن جين أوستن من كتاب الرواية الإنجليزية لوالتر ألن, بعد قراءة الرواية. اقتبس هذه السطور من المقال الأول لأنها مهمة لمن يريد معرفة الفروقات الفنية بين مؤلفاته جين أوستن وغيرها.

" يشرع كاتب الرواية الخالصة في إمتاعنا, ليس بسخاء ابتكاريته أو خلقه لرواق كبير من الشخصيات وتعاقب عدد كبير من المشاهد المتباينة, وإنما باهتمامه بالخواص الشكلية للتركيب, وبالتخطيط, وبتبعية الأجزاء للكل. "والكل" هو سبر غور العلاقات بين شخصياته أو علاقاتهم بالموقف أو الوضع الرئيسي. للفن الخالص من أي نوع أخطاره, فقد يستحيل إلى اهتمام مفرط بأساليب التطبيق الفني على حساب القيمة الإنسانية للمضمون. وهو يجنح دائماً إلى التجريد وتشويه حقيقة الفنان من أجل النموذج المفروض عليها.

يشعر القراء الذين يستمتعون خاصة بقصص الروائيين الكبار أمثال هيجو وبلزاك وتولستوي بالإفتقار عادة عندما يتحولون إلى مؤلفات الروائيين الخالصين. وعلى أية حال فإن الكمال الذي يسعى إليه الروائي الخالص يتطلب الإلتزام بحدود قاسية. بينما لا يلتزم ديكنز مثلاً بأية حدود على الإطلاق. الإلتزام بحدود يجعله مثل جين أوستن.

هل كانت جين أوستن تعرف ما كانت تفعله؟
فقد عشات بالرغم من ذلك, قبل أن يكون من الشائع أن يعد الروائي نفسه فناناً. ولم يكن لديها علم بنظريات القصة الخيالية التي كان مقدراً ل فلوبير وهنري جيمس بسطها فيما بعد. كانت تعرف ما تفعله تمام المعرفة. إن المرء لا يصل إلى الكمال بالسير على غير هدى, وحتى لو كان الأمر كذلك. فإنه لمن غير المعقول أن يكون وصول الإنسان إلى الكمال في ستة مؤلفات متتالية من قبيل المصادفة. كانت جين أوستن أديبة بالغة الصنعة. وأما أنها عاشت حياة معتزلة فأمر بعيد كل البعد عما نحن بصدده. فقد كان موضوعها على محمل ما تافهاً, - وإذا بسطناه بسطحية بالغة, فهو دائماً عثور فتاة على زوج-. ويجب أن ألا يعمينا هذا عن حقيقة كونها أكثر الأخلاقيين شهرة في إنجلترا. كما أنها تتمتع بذلك الثقل الذي نشعر أنه مستمد من خبرة واسعة بالحياة. وحكم صائب هائل. وتحد عازم على مواجهة كل حقائق الحياة "

والتر ألن/ الرواية الإنجليزية


السلام عليكم..

قرأت أغلب تعليقاتك عن الروايات ..

لكن لفت إنتباهي تعليقك الذي تتحدث به عن رواية جين أوستن (كبرياء وهوى) أو (Pride & Prejudice)
على الرغم من أنك لم تقرأها -على حد قولك- فقد ذكرت تقريباً أهم نقاط في روايتها وكان أهمها
فكرة الزواج في إنجلترا وبحث الفتيات المستميت عن الزوج المناسب في القرن الثامن عشر الميلادي..(الثيم الأساسي في الرواية)

وبحكم دراستي الجامعية لها .. فهي من أروع الروايات الكلاسيكية.. تدور أحداثها عن عائلة إنجليزية بسيطة تتكون من السيد والسيدة بينت اللذان يريدان تزويج فتياتهم بأي طريقة .. فنتج عن ذلك حوارات فكاهية بينهما تبين مدى سطحية السيدة بينت في تفكيرها :) و براعة جين في إسلوبها ..

بطلة الرواية والشخصية الأساسية إليزابيث-ليزي- التي تمثل الـ(Prejudice) في الرواية
ودارسي الذي يمثل الـ(Pride)
وتحاملها ضد دارسي الذي يتناقص تدريجياً ولايلبث إلا أن يختفي تماماً في نهاية الرواية بسبب فهمها الصحيح له وحكمها عليه بعد فهمه فتقبل الزواج منه..

ممتعة هي جين في روايتها .. ويقال أن إليزابيث ليست إلا تجسيدًا لشخصية الكاتبة نفسها .. فهي تشبهها كثيراً.

لك جزيل الشكر أخ يـوسف ..
فقد أثريت معلوماتي بأرصفتك ..
تعليق جميل وجهد واضح ..

لي عودة
بإذن الله

يوسف
08-07-2009, 06:05 PM
يوسف
الفلم عادي جداً وبالنسبة لي كان مخيباً للآمال والتوقعات
الأداء وللأسف مع توم هانكس باهت وبارد

عموماً حتى الرواية كانت أقل روعة من الرواية الأولى لدان براون ( شيفرة دافنشي )
كذلك الفلم لم يصل للمستوى المأمول .
من يحب دان براون للتفاصيل التي يسردها بشكل مذهل , ومن يحب دان براون لتلك الأجواء الخطيرة التي يرسمها في رواياته سيتفاجأ كثيراً من هذا الاختزال للرواية يعني لما تكون روعة كاتب ما في التفاصيل التي يسطرها ثم يأتي من يحذفها سيجعل العمل مسخ !وهذا اللي صار

تقييمي 5\ 10 لبعض اللحظات الجميلة مثل مشهد إحراق الكاردينال
طبعاً الفلم سبب لي صدمة لأني معجب بدان براون وحبكته الروائية , فاللي ما قرأ الرواية يمكن يعجبه الفلم ويخرج بلحظات جميلة .

أرجو من دان براون ما يبيع حقوق الرواية القادمة


شاهدت الفيلم قبل يومين. رأيي مخالف لك بالتأكيد. الفيلم ممتع. وأمتعني طوال الساعتين. أعطيه تقييم 8.5 / 10. فرق كبير بداية بين الفيلم الأول وفيلم ملائكة وشياطين. أغلب ما هو في الرواية تم تجسيده في الفيلم, باستنثاء بعض الحوارات والأجزاء, وهو شيء متوقع ولم أستغرب ذلك في ترجمة الرواية إلى فيلم.

شخصية روبرت لانغدون / توم هانكس كان أكثر موائمة لشخصية روبرت لانغدون التي كتبها دان براون. ملائمة الشخصية سببها مطاردة لانغدون للكنائس الأربعة ومحاولة فك الألغاز عبر الإرشيف السري للفاتيكان. وكذلك لا أنسى شخصية السكرتير البابوي, كان مقنعاً كذلك. الشيء الوحيد الذي كنت أتمنى تواجده في الفيلم هو حقيقة البابا. كما هو معروف أن البابا لديه ابن وهو السكرتير البابوي. السكرتير البابوي قتل أباه بحجة عدم تبتله ومخالفة أوامر الكنيسة. كان متطرفاً في أحكامه إذ كان يجسد دور الملاك المنقذ للكنيسة, وفي النهاية ينقلب الحال ويصبح هو الشيطان. الرواية ممتعة. وهي بلا شك - على الأقل بالنسبة لي - أفضل من شيفرة دافنتشي بمراحل عديدة. والفيلم كان ممتعاً كذلك. ولم يدمر الرواية أو يبخس من حقها. بانتظار رواية دان براون القادمة. فهو روائي ممتع ولديه الكثير ليقدمه.

يوسف
11-07-2009, 12:03 AM
الأمير عبدالقادر الجزائري

http://abuwabdallh900.googlepages.com/Abd-El-Kader.jpg


لم تكن قرية قيطنة الجزائرية المغمورة تعرف وهي تستقبل أولى مواليد القرن التاسع عشر أنها ستكسب شهرة طاغية, وستنال شرفاً ما بعده شرف إذ هي ترحب بقدوم هذا المولود الأمير. بقيت طويلاً وهي نائمة بهدوء, وقد آن لها أن تستيقظ من غفوتها حتى تسير على صفحات التاريخ. فتح الوليد عينيه ليتعرف على الدنيا من حوله, كان أول ما أدركه شدة حب أبيه عليه وحنوه وهو يحتضنه إليه, وإيثاره على إخوته. لم يكن ذلك ما يثير الحياء أو الخوف. وعلى الرغم من ذلك, فقد ظهر وهو يخاف حتى من ظله, ولعل نعومة تكوينه كانت مصدر مخاوفه, فقد خلق وسيماً جذاباً, يكاد يقترب به إلى الجمال الأنثوي من الجمال الرجولي: أنف متوسط يبرز من وجهه, لا هو بالأنف الأغريقي ولا هو بالروماني. تحته شفتان منحوتتان بدقة ومضغوطتان تنمان عن التحفظ المهيب والثقة بالهدف. بينما تشع عينيه الصافيتان العسليتان تحت جبهة عريضة في بياض الرخام, مع نعومة مكتومة وحزينة. كان ذلك هو عبدالقدر بن محيي الدين المشهور بالأمير عبدالقادر الجزائري.

كانت ثقة الأب بعبد القادر مطلقة, ولا أدل على ذلك من اجتماع مدينة معسكر, حين تنادى زعماء القبائل إلى محيي الدين راجين منه أن يتولى قيادة البلاد نحو الثورة ضد التدخل الأجنبي. ثم قبل بها محيي الدين, وفي نفس الدقيقة, في لحظة القبول تلك, أهدى تلك القيادة إلى ابنه الذي يظن فيه كل الخير وكل الصلاح لقيادة البلاد: الأمير عبدالقادر الجزائري.

كنت قد قرأت قبل سنتين كتاب صغير يحكي قصة الأمير عبدالقادر محيي الدين الجزائري بعنوان الأمير عبدالقادر لبسام العسلي. من مولده ونشأته, وتسلمه الحكم بعد رفض أبيه للسلطه. وقصة الثورة الجزائرية والحروب والمعاهدات بين عبدالقادر والجنرالات الفرنسيين , إنتهاءً بإستسلام عبدالقادر للفرنسيين, وسجنه في فرنسا, وإطلاق سراحه بعد كتابة خطاب لـ لويس نابليون يتعهد فيها بعدم العودة للجزائر نهائياً. الكتاب يعطي لمحات من تاريخ و شخصية الأمير عبدالقادر ومدى ارتباطها بتاريخ الثورة الجزائرية. إعتمد المؤلف على مصادر جزائرية من وزارة الإعلام, وعلى مصادر فرنسية, إضافة لرسائل الأمير عبدالقادر نفسه. الرسالة التي كتبها الأمير عبدالقادر الجزائري للويس نابليون موجعه. رغم أنها تحمل تعهداً بعدم العودة للجزائر وحمل السلاح على الإطلاق إلا أن عبدالقادر إلتزم بوعده للويس وأعتقد أن كتابته للرساله ما كانت لتتم إلا بعد أن توفي ابنه وابنته وابن أخيه بين يديه صبراً في سجون فرنسا.

لم تكن لدي النية لقراءة الكتاب مرة أخرى ولكن رواية الأمير لواسيني الأعرج تجبرني على قراءة ما يمكن أن تكون مقدمة لهذا الأمير. هناك مشاهد في حياة الأمير تستحق أن يدون عنها. أتحفظ على قراءة ما دون عنها تاريخياً, ما دون روائياً أعتقد أنه يستحق: من أنين عبدالقادر بعد تلاشي وتفرق القبائل وخروجها عن يديه, ثم المحاصرة من الأقربين قبل أن يأتي الحصار من العدو. أمير يقاتل, يقود ألوف مؤلفة من الفرسان والمشاة, ثم الأمير الذي يبكي رفاقه الشهداء في سجون فرنسا, وفقد الابن والابنة, بين يديه.

حينما وقف الأمير فجأة وسأل رجاله الذين أخذتهم مهابته: " هل تذكرون القسم الذي اقسمتوه قبل ثمانية أعوام في الميدة عند استئناف الحرب؟ كنت أعتبر ذلك القسم ملزم لي نحوكم, كما هو ملزم لكم تجاهي. إن هذا الشعور وحده هو الذي جعلني أتابع حمل راية الجهاد في سبيل الله حتى اليوم, فإذا كنتم تعتقدون أنه ما زال بوسعي أن أقوم الآن بأي شيء فأخبروني, وإن كنتم لا تعتقدون ذلك فاسألكم أن تعفوني من القسم الذي التزمت به تجاهكم".

هذا القول للأمير رغم مرارة الهزيمة إلا أنه يحمل كل مقومات النبل, فهو لم يستسلم من أجل مجد أو من أجل مال, أو حتى من أجل نفسه, كانت أمور الدولة تحت يده, إلا أن الدسائس وحاجة الإنسان الضعيف للأمن حتى لو كلفه ذلك الإستقواء بالأجنبي دفعته إلى ركن محصور في أقصى المغرب العربي. لم يقف معه أحد, جميع الذين أرسل لهم من الدول المجاورة يطلب منهم الدعم والمساندة, لم يستطيعوا لقوة الآلة الفرنسية في تلك الفترة. انتهى هذا الوضع المريع, عندما أخرج الأمير عبدالقادر الجزائري قطعة من الورق ووضع عليها خاتمه. كان المطر الغزير يعيقه عن الكتابة, فترك للفارسين المكلفين بنقل رسالة الاستسلام إلى الجنرال الفرنسي لامورسيير. كان المطر في صفه, لا يريد أن يكتب شيء على الورق يعلن أن الأمير سيستلم, لكن ما حدث قد حدث. طوال قراءتي لسيرة الأمير أشاهد فارساً عربياً عظيماً, لم يكن استسلامه هزيمة, بل انتصاراً له وهزيمة لمن رفض معاونة الأمير ومن وقفوا في وجهه, رحمه الله.

من أقواله :

" إنني لم أصنع الأحداث, بل هي التي صنعتني, إن الإنسان مثل المرآة, والمرآة لا تعكس الصور الحقيقية إلا إذا كانت واضحة وصافية "

" لا تسألوا أبداً ما هو أصل الإنسان وفصله, بل اسألوا حياته وأعماله وشجاعته ومزاياه, وعندئذ تدركون من يكون "

يوسف
19-07-2009, 05:25 AM
هكذا تحدث واسيني الأعرج

http://abuwabdallh900.googlepages.com/WasiniAlAraj.jpg

عندما أفكر بقراءة واسيني الأعرج, أعرف بأني سأقرأ عمل أدبي الجانب اللغوي يحتل القسم الأكبر منه بغض النظر عن القصة الرئيسية في العمل الروائي. كانت أول رواية لواسيني الاعرج أتم قراءتها بالكامل هي رواية سيدة المقام/ مراثي الجمعة الحزينة. تململت في بداية الرواية, وما إن وصلت فصل الجنون العظيم, حين تؤدي مريم رقصة الموت الأخيرة على أنغام شهرزاد, حتى أخذ واسيني الاعرج بعقلي لقدرته البارعة و المتميزة على اللغة. لأول مرة أقرأ لغة تلعب على العواطف, وليست باردة. في النصوص النثرية, أو ما تسمى بالشعرية: تلك التي تكتب عن أنين الإنسان و عواطفه وشجونه, تكون باردة - هكذا أعتقد - وتحتاج لقارئ يعشق الشعر حتى يتم قراءة مثل هذه الأعمال. أتذكر الآن كيف قرأت فصل الجنون العظيم, كنت أسرع في قراءة هذا الفصل الساخن, كان نصاً ساخناً يأكل ما أمامه. لم أسجل في توقعاتي أني سأعيد قراءة الرواية من جديد. ولكن الروائي واسيني الأعرج يجبرك على قراءة الرواية.

قرأت قبل مدة كتاب هكذا تحدث واسيني الأعرج لكمال الرياحي, وهي مقابلة مطولة مع واسيني الاعرج, تحدث فيها عن الطفولة ومراتع الصبا وكتاب ألف ليلة وليلة الذي خلب عقله, وعن الأم التي سيكتب عنها في يوم من الأيام رواية. وعن الإرهاب وقوائم الإغتيال, وبالتأكيد عن الأدب واللغة.

أتوقف عند الحديث عن أعمال واسيني لأنها الأهم بالنسبة لي في الكتاب. كنت أنتظر تفصيلات حول سيدة المقام, كيف كتب الرواية. أو عن أجواءها, في الغلاف الثاني كانت النتيجة مختلفة عن ما توقعت. كتب واسيني سيدة المقام وهو موقن بأنه في أي دقيقة, سيتلقى رصاصة اغتيال ترديه قتيلاً في شوارع الجزائر: " كنا نخاف من اختطاف أو موت قاس, وكلنا نتمنى أننا إذا سقطنا بين أيديهم أن نموت برصاصة بدل الذبح بمنشار صدئ والكثير منا اشترى قرصاً من السيانور(السم) وهو قرص صغير كان يوضع بيافطة القميص, قريباً من الفم, بحيث إذا ألقي القبض علينا يكفينا أن نعض على رأس اليافطة لنأكل القرص القاتل فنموت بسرعة خارقة, بلا ألم! هي حالة جنون منظور لها من الخارج ولكنها من الداخل استماتة إلى أقصى حد في الدفاع عن الحق في الحرية والكتابة. كتبت سيدة المقام حتى قبل أن ينتقلوا إلى القتل, كنت أراهم قادمين بأدواتهم الجهنمية, ولكم أكن قادراً على الصمت واضعاً حياتي وحياة أبنائي في خطر. عندما وضعوني على قائمة المقتولين حرروني. الإنسان عندما يعرف أنه سيقتل لن يصبح لديه شيء يخسره ولهذا سيحاول في اللحظة الفاصلة بين الحياة و الموت أن يقول ما يمكن أن يقوله إنسان يريد أن يقول كل شيء قبل أن يموت ".

http://abuwabdallh900.googlepages.com/Abd-El-Kader2.JPG

قرأت تفاصيل عن رواية الأمير في الكتاب. بدأت بقراءتها قبل أيام وانتهيت منها قبل قليل. واسيني الأعرج في رواية الأمير .. مسالك أبواب الحديد يقدم رؤية جديدة لأعماله. اختفت اللغة الشعرية الكثيفة التي تحتل مساحات واسعة من العمل الفني, لا يعني ذلك أن اللغة الجميلة اندثرت. ولكن, الشيء الجديد والظاهر للعيان أن الرواية تسير في طريق النص الكلاسيكي: من بداية و حوارات مطولة وسرد للأحداث وخاتمة محكمة للعمل.

تدور الرواية عن أشهر شخصية جزائرية في التاريخ الجزائري, وحتى الفرنسي كذلك. اختلطت شخصية الأمير عبد القادر الجزائري, القائد الجزائري الإسلامي وشخصية عبدالقادر الكيلاني في الخيال الشعبي مما أضفى قدسية عامة على شخصية عبدالقادر وابتعدت عن الرؤية الواقعية للأمير الإنسان. ليس هذا وحسب, المدرسة العسكرية الفرنسية تراه مجرماً, ومدرسة أخرى تراه على العكس من ذلك, قائد روحي وثائر عادل. وحتى في الجزائر حسب قول الأعرج: هناك من يراه خائناً ومتساهلاً مع فرنسا, وطرف آخر يراه عظيماً. من هنا جاءت خصوصية الأمير. يستلهم الأعرج شخصية الأمير ليقدمها من جديد كشخصية تاريخية جزائرية إنسانية لم يكتب عنها عمل روائي واحد, أو يعمل من أجلها عمل سينمائي أو مسلسل تليفزيوني يحكي سيرة الأمير الذي أعلن الثورة والجهاد ضد المحتل الفرنسي: " رأيت في فترة من الفترات أن الأمير شخصية لم يقع التعرض عليها بشكل جيد, ولم تفهم جيداً, فهي شخصية يمكن قرءاتها في مستويين: مستوى الحرب, ظل الامير يقاتل ويجاهد مدة سبعة عشر عاماً بسلاح تقليدي, وفي قمة الجبال. والمستوى الثاني هو رجل دولة, بمعنى رجل سياسة وتفاوض. اختار مسلكاً خاصاً أكن له كل احتراماً كبيراً, ولكن دفعني هذا الاحترام إلى أنسنة هذا الرجل الذي أصبح أسطورة, وهذا كل مجهودي في كتاب الأمير."

يفتتح الكاتب روايته بجون موبي, خادم قس الجزائر ديبوش, وقت الفجر في مركب يملكه بحار مالطي ومعه تربة قبر ديبوش ينثره في بحر الجزائر، وينتظر وصول رفات ديبوش لدفنها في الأرض التي أحبها، وفي أثناء ذلك يحكي جون للبحار المالطي حكاية ديبوش والأمير. يحكي جون موبي روايته عن سيده الذي ارتبط بعلاقة صداقة وأخوة عميقة مع الأمير عبد القادر الجزائري منذ أن حضرت امرأة عارية الصدر تستنجد به لينقذ زوجها الضابط الفرنسي من سجن الأمير، فيرسل ديبوش إلى الأمير رسالة يطلب فيها تحقيق رجاء هذه الزوجة باسم الإنسانية، فيستجيب إليه الأمير بأريحية لم يكن القس يتوقعها، بل ويعطي القس درسا حقيقيا في الإنسانية عندما يذكره أن الفضائل لا تتجزأ، وعلى من يسعى لتحرير السجناء الفرنسيين والتخفيف عنهم أن يفعل الشيء نفسه مع السجناء الجزائريين في السجون الفرنسية. يحكي جون كيف أن هناك تشابهاً كبيراً بين الرجلين الأمير والقس، في نبلهما، وإخلاصهما للمبادئ العليا، وإيمانهما بالله ذلك الإيمان العميق الذي يجعل المؤمن يعطي من نفسه وماله لأخيه في الإنسانية بصرف النظر عن أي اعتبارات أخرى، وكذلك تشابههما في أنهما جاءا في الزمن الخطأ، زمن الجشع والخيانات، فكما أن القس كان يصرف كثيرا على الأعمال الخيرية حتى أصبح مديناً مهدداً بالسجن وهرب من الجزائر حتى وجد من يسدد عنه ديونه، فإن عبد القادر كان يصرف سنوات عمره في حلم الوحدة والتحرر وبناء دولة حديثة، وكما لم يجد القس سوى الجشع والطمع، لم يجد الأمير سوى الخيانة من الأقربين.

لن أحكي كثيراً عن الرواية, أترك ذلك للقارئ الذي سيجد الخيانة و المنفى وحلم الثورة والجهاد, وخيانة الأقربين قبل ظلم الأعداء, متجسدة في حياة هذا الأمير. اقتبس هذا الجزء من الرواية والأمير في الأسر, والذي أعتقد بأنه يحكي حكاية الأمير عبدالقادر, من الثورة والجهاد حتى خيانة الأقربين والسجن والظلم في سجون فرنسا : " صمت الأمير قليلاً وبلع ريقة بصعوبة كبيرة. رأى الأدخنة المتصاعدة وصرخات الأطفال والنساء الذين فوجئوا في غفوتهم, ورأى بألم كبيرة الثلاثمائة فارس الذين ارتموا بقوة في أتون النار وهم يعرفون سلفاً أنهم سيموتون, ولكنهم كانوا يفعلون ذلك لترك الفرصة لما تبقى من الزمالة لكي يفلتوا و ينجو من نار مفجعة و موت مؤكد.

- سيدي ماذا أفعل؟

- لم يرد الامير, ولكنه قام من مكانه وفتح النافذة التي تنتهي في الحديقة والصمت. لم يسمع ما يخرجه عن حزنه وأشواقه المنكسرة. ولكنه عندما دقق السمع قليلاً انتفى كل شيء ولم يبق أمام عينيه إلا ضجيج الخيل وهي تترافس وتتقاطع بقوائمها الأمامية والسيوف وهي تحدث بريقاً وشعلات كلما تقارعت في الفضاءات قبل أن تنغرس في الأجساد الطرية للفرسان وصدور الأحصنة. تناهى إلى سمعه الذي ازداد حدة صوت الأبواق وهي ترتفع عالياً والنداءات وهي تتقطع بقوة في خلاء زادت وحشته, وسط الضباب الكثيف وحوافر الخيل, وهي تبحث عن مواقعها لتثبت في أمكنتها تحت السيل الجارف من رشقات البنادق, وتقطع نصول السيوف مخلفة حشرجات وتنهدات, تشبه الزفرات الأخيرة التي تسبق الموت عندما يصبح هو سيد الساحة المظلمة بالأتربة المتصاعدة والخوف الذي لا يُرى إلا في العيون القلقة والمهلكة : " من أين جاء يوسف بكل هذا الحقد؟ ما حدث, كان يجب أن يحدث ". تمتم الأمير وهو يحاول أن يفتح عينيه بصعوبة كبيرة, ويتفادى ذلك اليوم الذي صار بعيداً ولكنه قريب دوماً كالجرح"10 مايو 1843م.


- روابط ذات صلة :
لنا كل الموت لننام. (http://vb.eqla3.com/showthread.php?t=303572)
"عندما نكتب نتقاسم مع الناس بعض أوهامنا و هزائمنا الصغيرة." (http://vb.eqla3.com/showthread.php?t=446691)
هكذا تحدث واسيني الأعرج. (http://vb.eqla3.com/showthread.php?t=419199)

يوسف
20-07-2009, 02:15 AM
حكاية الصبي الذي رأى النوم

http://abuwabdallh900.googlepages.com/adi2.jpg

قرأت هذه المجموعة القصصية أكثر من مرة, وكل من يسألني أو يطرح علي استفسار توصية عن الروايات والقصص التي تستحق القراءة كنت أشير إلى هذه المجموعة بلا تردد. بل سوف ابتعد أكثر من ذلك, هذه المجموعة القصصية قبل أن تصدر في كتاب, كنت أمتلك الكتاب الأول لهذه المجموعة بعمل شخصي بحت. قمت بجمع أغلب قصص هذه المجموعة المنشورة في المنتديات, وقمت بطباعتها وتجليدها في كتاب هو الأول لهذه المجموعة قبل أن تصدر من النادي الأدبي بالرياض. سوف ابتعد أكثر من ذلك بكثير: عندما تُذكر القصة القصيرة يذكر الرواد العالميين لهذا الفن, إدغار آلان بو, أنطوان تيشخوف, هانس كريستيان أندرسن, وغيرهم. سأضيف لهذه المجموعة الكاتب الطبيب عديّ الحربش.

هو لا يقل عنهم موهبة وفناً في كتابة القصة القصيرة, كان بورخيسياً ساحراً في قصة المكتباتي, وكلب مدينة أفسس, يكتب بنفس ديكارتي عالي في قصة عندما أفاقت الجميلة النائمة, يسير على خطى هانس كريستيان أندرسن في حديقة اللانهاية, ميتافيزيقياً في أغلب أعماله, أخص بالذكر منها كرة البولينغ, أرنولفيني. يصبح مرعباً, ويستلهم من آداب الرعب مقلع طمية. كوميدياً وساخراً وتاريخياً في اسمي وضاح, وشاعرياً في ما ترسمه الريح وتمحوه. كان دستويفسكياً كيركجاردي في قمة نتاج أعماله - من وجهة نظري الخاصة - : شاخ نبات.

لم أقرأ, ولم أعجب بكاتب قصة قصيرة باستنثاء رواد القصة القصيرة العالمية إلا عدي الحربش. دائماً ما أتساءل, إذا كان مقدار الإعجاب يصل إلى هذا الحد, لماذا لم أكتب مقالاً أو قراءة بسيطة عن هذه المجموعة؟ غالباً ما أكتب قراءة بعد أن أفرغ من قراءة رواية أو كتاب ما, ولكن هذه المجموعة بالذات رغم قراءاتي المتعددة لها, لم أفرغ منها حتى الآن وهذه هي المشكلة. لا زلت أقرأ هذه القصص بين الفينة والأخرى ولا زال طعم المتعة الجمالية يتدفق منها, وكأنها كتبت للتو وفي نفس اللحظة. ما هي الأسباب التي تجعل مثل هذه القصص تدوم وكأنها جديدة ولم تقرأ من قبل؟ إنه الأدب المسكون بالفلسفة. كل أدب أصيل يبقى مسكوناً بالفلسفة كما لو مسكوناً بشبح لا يمكن طرده إلا بإرضائه, لأن لكليهما الهدف نفسه: أن يقدما للكون مرآة يمكن أن يرى القارئ نفسه فيها من جميع جوانبها. قد يكون الفيلسوف العظيم لا يوجد لديه شيء من الكاتب, وتلك هي حال أكبر المفكرين في الغرب ( كانط مثالاً ), بالمقابل, كل كاتب عظيم يحمل في ذاته فيلسوفاً, وهو يعي تلك النقطة تماماً. لو لم يكن الكاتب ذكياً وقارئاً مثقفاً لما وصلت مجموعة حكاية الصبي إلى أكبر مجموعة من الناس, وتلقت الإعجاب, حتى أعلن قبل أيام فوز الكاتب بجائزة كتاب العام مناصفة عن هذه المجموعة.

ما يحسب لعدي أنه قارئ شغوف للآداب العالمية قبل أن يكون كاتب يكتب بحرفية عالية واتقان. قارئ يبحث في الآداب والتاريخ والفلسفة ويوظف كل هذه القراءات في أعماله القصصية. القارئ سوف يجد ذلك واضحاً, إما تاريخياً كما في القصص التي تدور في زمن الخلافة, أو في الزمن الأموي, كما في طاووس ملك واسمي وضاح, أو حتى التاريخ المحلي والشعبي كما في لماذا يكثر أهل الرس من أكل الحبحر. لا يتوقف الأمر عند العرب. وأوضح مثال على ذلك قصة عندما أفاقت الجميلة النائمة التي تدور في القرن الثامن عشر في أحدى المدن الهولندية.

تحتوي هذه المجموعة على ما يقارب الستة عشر قصة قصيرة. سأتناول بعضها, ولتكن قصة المكتباتي هي الأولى. يبدأ عدي الحربش بداية أعماله القصصية باقتباس سطر من أحد الروائيين أو الفلاسفة أو الشعراء. تتخذ عادة هذه السطور عدة تأويلات. قد يكون مفتاح للنص أو إشارة أولية عن القصة الرئيسية التي سيتناولها. وقد لا تحمل سوى إشارة بسيطة وتحمل قيمة جمالية فنية, أو حتى فلسفية, وأحياناً ساخرة. عنوان القصة" المكتباتي", والإقتباس الأول من القصة يبدأ بقول لأشهر مكتباتي في العالم, خورخي لويس بورخيس" : "سوف أكون جريئاً بما فيه الكفاية كي أقترح هذا الحل لتلك المشكلة القديمة: المكتبة كون بلا حدود، و لكنه متكرر.". إذاً القصة تدور في المكتبة, ذلك العالم الساحر الذي أراد له القاص أن يكون من مكوناته اسم الشيطان, ويريد أن يستخرج تلك الحروف بأي ثمن. ميزة الحوار في المكتباتي هي السينمائية العالية, وكأنك تشاهد فيلماً قصيراً حماسياً يبحث عن ماهية الشر والخير. المكتبة هي الكون في البداية, ثم الحروف, 28 حرفاً قادرة على إحداث تغييرات كبرى في المجال المعرفي: " ألا تشعر بالذهول عندما تتذكر أن جميع الكتب الموجودة هنا، تتكون من ثمانية و عشرين حرفاً؟ ضع حرفاً بجانب حرف، و ستخلق كلمة. أبدل ترتيب الحرفين، و ستخلق كلمة مختلفة. ضع ثلاثة حروف مع بعضها و ستخلق اسماً، ضع ثلاثة حروفاً أخرى و ستخلق فعلاً، ضع الاسم مع الفعل و ستخلق حدثاً، ستروي قصةً، ستنشئ سيرةَ حياةٍ. ثمانية و عشرون حرفاً، بلايين الاسماء، بلايين الأفعال، بلايين البلايين من الاحتمالات و الأحداث و القصص. ألا تشعر بضخامة الحدث، بالرهبة، بالضعة، بالضآلة وسط فضاء هذه المكتبة الهائلة، و المكونة من ثمانية و عشرين حرفاً؟"

كل قصة قصيرة لا تملك نهاية محكمة ومتماسكة هي قصة فاشلة. استخدم عدي أسلوب الراوي العليم في نهاية القصة, ظهر في نهاية القصة الرواي العليم وهو يتساءل في حيرة, عن ماهية الشخصية الشريرة وهو يبحث بين السطور في المكتبات عن اسم الشيطان, هل هو ليو بي الذي يحاول أن يعيد مجد إمبراطورية هان، أم كاو كاو الذي لا يرى أملاً للبلاد إلا تحت رايته؟ استخدام هاتين الشخصيتين بالفعل مثير و محير. شخصية ليو بي معروفة جداً, والكثير معجب بها نظراً لعلاقة الصداقة على أقل تقدير مع زانغ في و جوان يو ذو الرمح الطويل, والتي تعتبر في الصين بمثابة الإله. ثلاث شخصيات اتفقوا على محاربة الظلم والفساد, بالمقابل يأتي كاو كاو, تاريخياً معروف أن كاو كاو كان شاعراً وقائداً عبقرياً، وفي الأدب الصيني الكلاسيكي يتم تصويره كجنرالٍ مخادعٍ ومحتال. وكذلك يُعتبر في رواية رومانسية الممالك الثلاثة شخصيةٌ محتالة وشريرة. هذه التصويرات يُحتمل أنها ناتجة لتفسير الفيلسوف الصيني كونفشيوس للأحداث, و التي تلومه على فشله في توحيد الصين لأخطاءٍ في شخصيته. من هو الشرير إذاً, يجيب على ذلك الرواي العليم في القصة:" هل هناك شرٌ في هذه الدنيا، أم أنَّ الشر هو مفهوم إنساني يطلقه على كل ما يتعارض مع مصلحته؟ إنَّ الانسان يشطّ كثيراً حينَ يتساءلُ إن كان حقيقاً باللهِ أن يخلقَ جميع هذه الشرور. الشرُ خلقٌ إنسانيّ، فهمٌ عقلي، و لا تدل صفة الإطلاق التي ألحقها الانسان بوصف الشرِّ إلا على ضآلة منطقه و عظمِ غروره.

من القصص التي أحبها وتحتوي على كم هائل من المعرفة الفنية هي كرة البولينغ. تبدأ الرواية هذه المرة باقتباس من أحد الادراج الخشبية: "الإنسان هو أكثر الأشياء غباءً، إذ أنه غير قادر على رؤية معظم أشكال الحياة حوله.". هل فكر أحد يوماً ما أن تنطق أحد الادراج الخشبية؟ أشاهد دروج مكتبتي الآن وأنا أقرأ هذا القول المقتبس من إحدى رفيقاتهم وهم يصرخون بصوت واحد, الإنسان هو أكثر الأشياء غباءً. سخرية لاذعة. المفاجأة في هذه القصة أنها تدخل عوالم سحرية, كرة بولينغ تفيق من نومها عندما تتدحرج على أرض المضمار. لازلت في البداية ولم أتحدث عنها حتى الآن. عدي الحربش يدخل في عالم الماوراء ليكشف القلق الذي يسكن القارورة رقم تسعة, ومحاولة الكرة الجادة للإبتعاد عن تلك القارورة التي شاء لها القدر أن تكون في وجه تلك القذيفة المدوية. المكان هو صالة البولينغ, وبالتحديد, المسافة التي تفصل اللاعب والكرات الي تصطف بشكل هندسي استعداداً للسقوط. لم أقرا قصة يسكنها قلق الوجود مثل هذه القصة, عبر محاولة القارورة رقم 9 التمسك بآخر بارقة أمل لديها للنجاة من هذا الجحيم.

يتبع

يوسف
20-07-2009, 02:19 AM
http://abuwabdallh900.googlepages.com/Descartes.jpg

قصة أخرى بارعة وهي مسكونة بالفلسفة من أولها إلى نهايتها. قصة عندما أفاقت الجميلة النائمة. إحدى الأميرات الأوروبيات أصيبت بلعنة, هي لا تعرف إن كان ما يحدث لها عبر ارتباطها بالأمير جوستاف حقيقة أم خيال. هي ترى الأمر قبل قليل حقيقة, وبعد فترة لا تُذكر تجد الأمر مختلف بالمجمل. هنا يستحضر عدي في القصة الفيلسوف الفرنسي ديكارت, صاحب العبارة الشهيرة " أنا أشك .. إذاً أنا موجود ". هو لا يستحضره كفكر, وإنما كشخص قذف به داخل النص و وجد نفسه يحاول معرفة اللغط الذي يدور حول الاميرة. وبالتأكيد, سيكون المجال واسعاً لديكارت لكي يطرح مجمل أفكاره, حول الحواس والعقل, والأهم: الله. معرفياً, فضل ديكارت أن يشك بكل شيء, كان يريد الإنطلاق من الصفر, وكان هذا الشك الأساسي قناعته الثابته الوحيدة. لكنه إذ يشك, يتأكد من أنه يفكر, وإذ يفكر, يتأكد من أنه كائن مفكر, أو كما قال في قوله الشهير " أنا أفكر .. إذاً أنا موجود ".. الأنا المفكرة هي أكثر واقعية وحقيقة من العالم المادي الذي ندركه بحواسنا حسب منهج ديكارت في الشك. عندما نحلم, نعتقد أننا نعيش شيئاً حقيقياً , مالذي يجعل فهمنا للأمور في حالة الصحو يختلف عنه في حالة الحلم؟ " عندما انظر إلى ذلك بانتباه لا أجد صفة واحدة تفصل بوضوح بين الحلم واليقظة " كتب ديكارت ذلك .. وتابع " كيف يمكن لنا أن نتأكد من أن الحياة ليست حلماًَ ". كان ديكارت يعي بوضوح كامل, وجود كائن كامل , فكرة فرضت نفسها عليه باستمرار مما جعله يستنتج أنها لا يمكن أن تأتي من تلقاء نفسها . فكرة الكمال هذه لا تأني إلا من كائن كامل. أي الله. فوجود الله بالنسبة لديكارت حقيقة مباشرة كحقيقية وجود مخلوق مفكر.

قد تكون الكتابة عن ديكارت كأحد الابطال وكمكفر في القصة طويل, ولكن اختصر ما جاء في الحوار الفكري البارع بين الأميرة وديكارت كما جاءت في القصة بهذا القول للقاص على لسان ديكارت :" كيفَ استطاعَ الانسانُ أن يحملَ فكرةَ اللهِ في عقله؟ هذه الفكرة لا بدَّ أنها جاءت من مصدرٍ معين، إذ أنهُ ليسَ هناك شئٌ يأتي من لا شئ. وَ كما أنَّ حقيقة الشئ تدلُ على حقيقةِ مُسببه، فإنَّ حقيقةَ فكرةِ الله تدلُ على حقيقةِ الله. بما أنَّ اللهَ موجود، وَ بما أنهُ أسمى ما بهذا الوجود، لا يمكنُ إذن أن نتصورَ أن الله يخدعنا. لا يمكن أن نتصورَ أن الله يخلقنا، ثم يهبنا حواساً قادرةً على أن تخدعنا بطريقةٍ منهجية. نحنُ ندركُ أنَّ هذه الحواسُ قد تخدعنا أحياناً، وَ هذا الإدراك نابعٌ من أفكارنا المُسبقة التي نستغربُ عدمَ توافقها مع ما نشاهدُ وَ نلامسُ و نشمّ و نتذوق، و لذا فإن كلّ ما نؤمن بهِ بوضوحٍ وَ صفاء هو حقيقةٌ عقلية."

إحدى الزميلات أشارت لنقطة بعد إعلان فوز المجموعة بجائزة كتاب العام. قالت أن القصص التي يكتبها عدي فيها روح الأدب الروسي. وأنا اتفق مع هذا الإختصار العنيف لإبداع عدي بشدة. أنا متأكد بأنه لو طرحت قصة أرنولفيني في مؤتمر للقصة القصيرة في العالم لاحتلت المرتبة الأولى نظراً للخيال الواسع, أو بمعنى أصح الجرم الواسع للخيال الفني الذي كسر حاجز الإعجاب باللوحة الفنية ليقرأ ما وراء اللوحة. بدل أن تكون الجريمة في مكان عام, ويتم التحقيق فيها, تكون الجريمة في لوحة تشكيلية ويتم التحقيق من خلالها. تبدو الفكرة بوليسية. لا أتوقع أن الكاتب فكر ببوليسية الأحداث في لوحة فان آيك، في بداية القصة يطرح الكاتب فكرة أن كل شيء جميل في هذا العالم هو مجرد نصوص معلقة, اللوحات التشكيلية الفنية هي نصوص معلقة.: " لا أجدُ فرقاً بينها و بين النصوصِ المكتوبة عدا أننا نستحضرُ جمالها أولاً ثمَّ نبدأُ بقراءةِ تفاصيلها، بعكسِ النصوص المكتوبة التي لا نستحضرُ جمالها حتى ننتهي من قراءةِ ما فيها من تفاصيل". اتفق مع الكاتب في هذه النقطة بالتحديد, اللوحات نصوص. استحضر بعض النصوص / اللوحات لنقرأ ما وراءها.

http://abuwabdallh900.googlepages.com/TennisCourtOath22.jpg

هناك عدة لوحات مفضلة لدي, سوف استحضر إحداها, ولتكن لوحة جاك لويس ديفيد Tennis Court Oath. رجال في قاعة كبيرة, كئيبة, بشعة المنظر, خالية من الأثاث, يجلسون بشكل فوضوي وبدون ترتيب, أيديهم مصوبة نحو رجل يقف فوق طاولة, وبعض هؤلاء يمسكون بأيديهم قبعاتهم, ويصوبونها نحو الرجل الواقف فوق الطاولة. مبتهجين بشكل جنوني. الرجل المصوبة إليه أيدي الجماهير الغفيرة يرفع يده اليمنى إلى الأعلى, واليد اليسرى ممسكة بورقة. وكأنه يقسم كرئيس جديد. ما هي حكاية هذا الورقة التي في يده؟ وماذا يقول؟

يجب أن لا أستعجل في البحث عن حكاية هذه الورقة التي في يده , لأن هناك ثلاث شخصيات مهمة لم أذكرها في هذا اللوحة. هل تشاهدون الرجال الثلاثة الممسكين ببعض أمام الرجل الواقف فوق الطاولة؟ هل بينهم تشابه ظاهري؟ يبدو كأنهم هم قادة هؤلاء الجماهير. ولكن مخطئ من يظن أن هؤلاء ينتمون لتيار أو حزب واحد. الرجل الذي على يسار اللوحة زيه يختلف عن الباقين. يبدو كرجل دين كاثوليكي, الرجل الذي أمامه مندفع إليه يريد أن يصافحه. وزيه يوحي بأنه من الطبقة العامة. رجل دين و رجل من العامة متحمس, إذاً من يكون الشخص الذي يتوسطهم؟ بعملية حسابية بسيطة, ماذا نتوقع من لوحة فنية من القرن الثامن عشر, تضم ثلاث أشخاص بأزياء مختلفة أحدهم رجل دين, والثاني رجل من العامة؟ الثالث غير معرف بالشكل الجيد. لا تحتاج العملية إلى تفكير طويل, أنه من النبلاء وطبقة النبلاء الذين انضم البعض منهم لصفوف العامة, هكذا تصبح العملية واضحة أشد الوضوح.

ثلاث رجال من طبقات مختلفة يتصافحون و بينهم جماهير محتشدة تهتف, ورجل في منتصف اللوحة يقسم رافعاً يده اليمنى كأنه يستعد لحرب, واللون الذي يكسو اللوحة لون واحد مما يعطي فكرة أن شيء واحد, فكرة واحدة عبقرية جمعت هؤلاء على قلب رجل واحد يقف في المنتصف. أين اجتمعت هذه الطبقات الثلاث بقلب رجل واحد, في مكان واحد, يجمعهم فكرة عبقرية واحدة؟ القارئ للتاريخ, أو العارف بالقرن الثامن عشر سيعرف أن هذا التجمع لم يحدث إلا في ملعب التنس الشهير, بالقرب من ضاحية فرساي القديمة, و الورقة التي في يد الرجل هو قسم ملعب التنس الشهير الذي أضحى الركن الأول, والشرارة الأولى للثورة الفرنسية. وبمعرفة مكان اللوحة و الورقة التي في يد الرجل, نعرف من هو هذا الرجل الواقف وقفة رجل حرب. أنه النائب بالي! كان يقول القسم الشهير ” أقسم أمام الله والوطن أنه أياً كان المكان الذي نضطر إلى الانعقاد فيه , فإن الجمعية الوطنية هي الجمعية الوطنية , ولاشيء يمكن أن يحول دون استمرار مداولاتها وأنه حتى قبل وضع الدستور وإقراره , فإنها تأخذ على نفسها عهداً بألا تنفصل أبداً ” .. هؤلاء الرجال الذين يرددون القسم خلف النائب بالي هم من أول من رفع سقف المعرضة ل لويس السادس عشر وقالوا له, لن نطيعك !. هذه اللوحات تتحدث, تنطق بالتاريخ: ولكن هل ما تقوله تلك النصوص حقيقة؟ : "الحقيقة! الحقيقة هي ما تقرأهُ أنت. ما تقرأه. تلكَ هي الحقيقة." كما جاء في نهاية قصة أرنولفيني.

يتبع

يوسف
20-07-2009, 02:34 AM
شاخ نبات

http://abuwabdallh900.googlepages.com/Soren.jpg

أعترف بأني حيران ولا أعرف عن ماذا أكتب, هل أكتب عن كلب مدينة أفسس, أم طاووس مَلك, أم أتحدث عن الشعرية الفنية الكثيفة في ما ترسمه الريح وتمحوه, أم عن الأسطرلاب, والبحث عن مفتاح الجنة, أو عن الكوميدية العالية والعائلية الحميمية في اسمي وضاح, لا أعرف. سأتوقف عن الكتابة عن تلك القصص وأتحدث عن ما اعتبره أجمل أعمال عدي الحربش القصصية, قصة شاخ نبات. ما يعجبني في هذه القصة أن عدي - من حيث لا يحتسب - كان دستويفسكياً ببراعة, وهو يطرح الدوائر الثلاث لكيركجارد في القصة. لو طرحت القصة هكذا للجمهور في كتاب وبدون اسم, لأقسمت بأنها لدستويفسكي, الروائي الأحب والأكثر قرباً من أي روائي آخر. أنا أعرف تكنيكات دستويفسكي, حين يكتب بنفس لاهث, وكأن الدائنين يطرقون الباب يريدون محاصرة هذه الروائي وهو يكتب خوالده الخمس.

القصة مقسمة لخمسة أجزاء ( قمرٌ بين الشبابيك / حافظ أول/ حافظ ثاني/ حافظ ثالث / الله ). في الجزء الأول من القصة يتعرض حافظ لصدمة لفرط ما شاهد, من جمال مطلق ولا متناهي في شخص شاخ نبات. جمالٌ تُخطف له الأبصار و ترتعد له القلوب. ثم يطرح السؤال الذي زلزل نفس حافظ, كيف يحيط بسر الجمال؟ يعتزل حافظ الشاعر الناس ويذهب إلى مكان مرعب - مقبرة - عله يستطيع أن يكتب غزل يحكي حكاية هذا الجمال المطلق واللامتناهي. ترتفع المشهدية في القصة عندما يدخل حافظ آخر في القصة, وتصل الذورة إلى نهايتها عندما يدخل حافظ الثالث في هذه المشهدية البارعة. ثلاث شخصيات في ثنايا النص, يتحولون إلى حافظ واحد.

القصة فكرياً حسب قول الكاتب تسير على دوائر كيركجارد الثلاث. يعتبر كيركيجارد أن هناك ثلاثة مواقف ممكنة ازاء الوجود, أطلق عليها مصطلح مرحلة, وهي المرحلة الجمالية والمرحلة الأخلاقية, والمرحلة الدينية. والمقصود بكلمة مرحلة عند كيركيجارد أنه يمكن لنا أن نتوقف عند المرحلتين الأوليتين, ثم نجتاز فجأة الهوة التي تفصلنا عن الثالثة. يجب أن أكتب قليلاً عن هذه المراحل الثلاث لنفهم القفزة العجيبة في الفصل الأخير من القصة, والمعنون ب " الله ".

الذي يعيش في المرحلة الجمالية, يعيش في اللحظة, ويبحث في كل دقيقة عن متعته, ويرى الخير فيما هو جميل وممتع. ومن هذه الزاوية يعيش دائماً في عالم الحواس. فمدعي الفن أو متذوق الجمال هو لعبة أهوائه ورغباته, وهو يرفض كل ما هو مضجر أو مخيف كما يقال. لكن في نفس الوقت يداهم الذي يعيش هذه المرحلة شعور بالقلق والفراغ, لكن ذلك شيء إيجابي برأي كيركيجارد. لأنه تعبير عن كونه في مرحلة وجودية. ويمكن لمتذوق الجمال أن يختار القفزة الكبرى التي توصله إلى المرحلة العليا. لكن يمكن ألا يحصل شيء, فلا فائدة من عبور العتبة, إذا لم نمض حتى النهاية. القضية قضية مبادرة. لا يستطيع أحد أن يتخذها بدلاً منك. عليك أن تختار. هذه المرحلة كانت تمثل حالة حافظ الأول, فهو يريد أن يحيط بسر هذا الجمال الذي ارتعدت له فرائصة. يعيش في اللحظة, ويبحث فيها عن متعته.

برأي كيركيجارد لابد أن يأتي الخيار الذي يدفع الإنسان للعبور من المرحلة الجمالية إلى المرحلة الأخلاقية, ومن ثم اتخاذ موقف ديني من الداخل. وهذا ما وصفه بالضبط الروائي الروسي دستويفسكي الذي قدم وصفاً متفوقاً لهذا الخيار, الذي ينبث من أعماق شدة حقيقة كان يواجهها أبطال الجريمة والعقاب. هكذا يتم العبور إلى المرحلة الأخلاقية المشبعة بالجاذبية. يحاول فيها الإنسان العيش وفق معايير أخلاقية. ويتوجه كيركيجارد مثل " كانط " إلى الجزء الحساس من الإنسان. ليس المهم أن نعرف ما هو صح أو ما هو خطأ. المهم أن نختار ونتصرف وفق هذا التمييز. ومع ذلك لا يرى كيركيجارد أن المرحلة الأخلاقية كافية, إذ أن رجل الواجب يمل في النهاية من التنبه الدائم لواجبه, ومن عدم انتهاك قواعد القواعد الحياتية التي وضعها لنفسه. وهو ملل يصل إليه معظم البالغين, فيقعون من جديد في المرحلة الجمالية حيث الحياة أشبه بلعبة. بينما يتجاوز آخرون المرحلة الأخلاقية إلى المرحلة الكبيرة إلى أعماق الإيمان, مفضلين الإيمان على متع الحواس واتمام الواجب الذي يمليه العقل. وهذه هي المرحلة الأخيرة والمذهلة في النص الأخير لشاخ نبات. كل هذا الحديث عن كيركجارد بما أن دوائره الثلاث أراد لها عدي أن تكون في القصة, فأين هي روح دستويفسكي كما قلت سابقاً؟ من يقرأ لدستويفسكي ويعشق أعماله سوف يلاحظ الروح المضطربة والهذيان الذين يسكن شخصيات أبطاله السكارى والمجانين. يمتلكون زمام المباردة في الحديث بطلاقة ولا مجال لإيقافهم. يريدون أن يستمع لهم العالم, كل العالم. مثل هذه التكنيكات موجودة في أعماله بكثرة مثل خطاب مارميلادوف في الجريمة والعقاب, وخطاب السيد المحترم في الشياطين, وحديث الأمير ميشكين في رواية الأبله وهو يصف حكم الإعدام في فرنسا. روح مضطربة يسكنها القلق الوجودي تعبر عن كل أراءها بحرية مطلقة. استطاع عدي في قصة شاخ نبات أن يجمع بين دستويفسكي وكيركجارد في القصة ليقدم هذه اللوحة البانورامية كما في جزئية الله, الفصل الأخير من القصة. من لم يقرأ هذا الجزء, فليقرأ هذا الفصل البارع, أحد أكثر الفصول التي كتبه الكاتب المتميز عدي الحربش جودة و قوة, أما أنا, سأذهب لقراءة المجموعة القصصية, وسأقرأ قصة دم الوردة, آخر قصة قصيرة كتبها عدي الحربش :

"سوفَ أحكي كلَ شئٍ لكما، كل شئ. يا للرعب! يا للفزع! لقد رأيتُ الموتَ قبل دقائق، رأيتهُ رأي العين، رأيتهُ أمامي، جاثماً فوقي، الموت! الموت! ثمّ مِن من؟ من أصدقائي! أصدقائي يفعلون بي هذا. يدفنونَ صاحبهم حياً! سأحكي لكما، كلَ شئ، سأحكي لكما ما فعله المجانينُ بي. يا للرعب! يا للفزع! أن يُدفنَ الرجلُ و لم يأتِ أجلهُ بعد! سوفَ أقصُ عليكما، و لا تهمكما رائحة النبيذ الخارجة من فمي، أنا أتذكرُ كل شئ، أراهُ رأي العين، نعم، رأي العين. لستُ سكراناً، أنا أتذكرُ كلَ شئ، رأيَ العين، رأي العين.

كنا نجلسُ في الحانة، ثلاثتُنا، لا لا، أقصد أربعتنا، و كان الجوُ رائقاً، و القمرُ بدراً، بدراً يملأ السماءَ، انظرا إليه، انظرا إليه، ما أجمله! أتتنا القينةُ بالنبيذ و الشراب، و تعاطينا الكؤوس و الأقداح، الواحدَ تلوَ الآخر. كنا نتناشدُ الشعر، و نصدحُ بهِ، فننتشي طرباً. سأل أحدهم، و قد أُخذ بضياء و اكتمال جُرم القمر: أيّ الشعراء كان الأبرع في وصف القمر؟

أجابَ أحدهم: أبو نواس. و أجاب آخر: ابن المعتز. أما أنا، فأجبتُ: الله."

"استغفر الله العظيم!"

"حُقَّ لهم أن يدفنوك حياً!"

"رحمتكَ يا ربَ السماوات! ألا يوجد من يرحمُ أو يفهمُ على وجهِ هذه البسيطة! لا، لا، لم أكن أنوي أن أقارن ما بين رب العباد و العباد، و لم أقل بأن كلام الله شعر، معاذ الله! و إنما ما عنيتهُ، ما عنيتهُ، انظرا، انظرا إلى البدر السابح في السماء، بربّكما هلا نظرتما إليه؟"

كانَ البدرُ معلقاً فوقَ رؤوسهم، قريباً جداً، و كأنه سيسقط على الأرض. كان ينثر أشعته الفضية دون تحرزٍ، و كأنه جاريةٌ لا يهمها كشف محاسنِها أمام الأغراب.

"انظرا إليه! يسألون: من أبرع الشعراء في وصف القمر! و لكن ليسَ هذا ما يهم! ما جدوى أن تشبّهَ شيئاً بشئٍ آخر؟ هل هذه براعة؟ هل هذا خلق؟ اعذراني، أنا أتخبطُ في قولي، لم أقل ما أريدهُ بوضوح، أحسُ بدوارٍ في رأسي، لستُ أقارن فعل الخلق باللاخلق، لا، هذا ليس موضوعي. لقد نظرتُ إلى الأعلى آنذاك، و نحن نجلسُ على طاولةٍ بجانب الباب، و القمر يعتلي رؤوسنا، تماماً كما يعتليها الآن، هلاّ نظرتما إليه! قلتُ في نفسي و أنا أتملّى فيه:

أنظر يا حافظ! أنظر إلى القمر! هل تزعمُ أنكَ شاعرٌ حينما تقولُ أن البدر يشبهُ خدَ الفتاة الخجول؟ هل تظن أنكَ شاعرٌ حينما تشبههُ بصحنِ فضةِ، أو بالمرآة الصقيلةِ، أو بخبزِك المدوّر؟ ليس هذا شعراً يا حافظ. الشعرُ يا حافظ، الجمال يا حافظ، الإعجازُ و العظمة، هي أن تخلقَ الكون، بمجراته الهائلة و ذراته المتناهية، أن تخلقه، ثمّ تضعُ هذا المشعل الوهاج فوقَ رؤوس العباد، هكذا، رمزَ جمالٍ، و موسيقى، و شعر! رمزٌ يذكرنا دوماً بما هوَ فوق، بالله، الجميل الأجمل. انظرا إليه؟ هل تصدقانِ أنهم يدفنوني، يدفنوني بعد أن رأوه! إن مجرد وجوده فوق رؤوسهم دلالة على قبيح فعلتهم. أنظرا إليه! ألا يحقُ لي أن أغرمَ بالفتاةِ العطبولِ كلما تمعنتُ فيه؟"

قفزَ حافظ على قدميه، حافظُ الذي لا يوجد غيرُه بالمقبرة، حافظ الأبيض و الأحمر و الأسود، حافظ الخباز و الصياد و السكران، حافظ العابد و المتصوف و العاشق.. حافظ الشاعر، قفزَ من مكانه، و مزّق ثيابه، و كسر دواته، و أتلف صحيفته. أخذ يجري كالمجنونِ متجهاً إلى شيراز، بينما أخذت الشمس بأشعتها تمزقُ صفحة الليل. كان كلُ ما حوله موسيقى و شعر. الفراشاتُ و هي تتطايرُ كالنجماتِ على خَصلاتِ الشجر، العصافيرُ و هي تغني فوق الغصونِ فينسكبُ غنائها كالماء، الأرضُ و هي تضحكُ من تحتِ قدميه فتتوردُ وجنتاها عُشباً، و الفقير حينَ يتصدق بآخر ما يملكه إلى فقيرٍ مثلِه. كل شئ شعر، كل شئٍ يردد حولَه بنشوةٍ و افتتان: الله، الله، الله،...


روابط ذات صلة :
عدي الحربش " علي الزيبق " وحكاية الصبي الذي رأى النوم (http://vb.eqla3.com/showthread.php?t=326184)
حكاية الصبي الذي رأى النوم, كتاب الكتروني (http://www.4shared.com/file/119147386/1a5b2da6/adi_alherbish.html?signout=1) .. يضم أغلب أعمال عدي الحربش القصصية. وقصص أخرى لم تنشر في كتاب, مثل دمُ الوردة و حديقة اللانهاية و شاخ نبات.

يوسف
26-07-2009, 11:39 AM
http://abuwabdallh900.googlepages.com/MilanKundera1.JPG

" جميعنا, في جزء ما من أنفسنا, نعيش وراء الزمن. ربما أننا لا نعي عمرنا إلا في لحظات استثنائية, وأننا معظم الوقت أشخاص بلا أعمار "

" من شدة مراقبتي لنفسي في المرآة انتهى بي الأمر إلى الإعتقاد بأن ما أراه هو أنا. ليس لدي سوى ذكرى غامضة عن تلك الفترة. لكني أعرف عن أكتشافي, لأني لا بد أنه كان فاتناً. أما فيما بعد, فتأتي لحظة تقف فيها أمام المرآة وتقول فيها لنفسك: هل هذا بالفعل أنا؟ولماذا؟ لماذا علي أنا أتضامن مع هذا الشيء؟ ماذا يعني هذا الوجه؟ وانطلاقاً من هنا, يبدأ كل شيء بالإنهيار .. كل شيء يبدأ بالإنهيار."


" هل يوجد حب للفن؟ هل وُجِد أبداً؟ أليس وهماً؟ حين أعلن لينين عن حبه لمقطوعة بيتهوفن الأباسيوناتا, ما الذي كان يحبه في الحقيقة؟ ما الذي كان يسمعه؟ الموسيقى؟ أم صخباً نبيلاً يذكره بالإضطرابات الفخمة لروحِهِ المولعة بالدم والأخوة والشنق والعدالة والمطلق؟ هل كان يسمع الموسيقى أم يدعها فقد تدخل إلى نفسه, في أحلام يقظة لا صلة لها بالفن ولا بالجمال؟ "


" ماهو الشرط الأبدي للمآسي؟ وجود المثل العليا, التي تُثمن قيمتها على أنها أرفع من قيمة الحياة الإنسانية. وما هو شرط الحروب؟ إنه الشيء نفسه. أنت تُجبر على الموت لأن هناك, على ما يبدو, شيئاً ما أرفع من حياتك. لا يمكن للحرب أن توجد إلا في عالم المأساة. ومنذ بداية التاريخ لم يعرف الإنسان غير العالم المأساوي وليس قادراً على الخروج منه. لا يمكن إغلاق عصر المأساة إلا بثورة للهو. "


" ليس الإنسان شيئاً آخر سوى صورته. يستطيع الفلاسفة جداً أن يشرحوا لنا بأن رأي العالم لا يهم كثيراً, وأن الشيء المهم هو ما نحن عليه. لكن الفلاسفة لا يفقهون شيئاً. فطالما نعيش بين الناس سوف نكون ما يعتبرنا الناس. وحين نتساءل باستمرار كيف يرانا الآخرون, ونجتهد لكي نبدو ألطف ما بوسعنا, نُعتبر منافين أو ماكرين. ولكن, هل يوجد بين أناي وأنا الآخر احتكاك مباشر خارج وساطة العيون؟ هل يمكن التفكير بالحب دون الملاحقة القلقة لصورة الشخص الخاصة في فكر الشخص المحبوب؟ الكف عن الإهتمام بالصورة التي يرانا بها الآخر, يعني أننا لم نعد نحبه .. الحقيقة الوحيدة التي تُعتبر شبه سهلة الإدراك والوصف: هي صورتنا في عيون الآخرين. والأسوأ هو أنك لست بسيدها. تحاول في بداية الأمر رسمها بنفسك, ومن ثم, على الأقل بتأثير أو إشراف عليها, تكفي عبارة سيئة النية لكي تحولك إلى الأبد إلى كاريكاتير يدعو للرثاء "


"هناك بشر كثيرون وأفكار قليلة, إننا إذ ننقل أفكارنا أو نقتبسها أو يسرقها أحدنا من الآخر, نفكر جميعاً بالشيء نفسه تقريباً. أما حين يدوس شخص ما فوق قدمي, فأنا وحدي من يحس بالألم. ليس الفكر هو أساس الأنا, بل الألم! أكثر الأحاسيس أولية. في الألم لا يمكن حتى للقطة أن تشك بأناها الفريدة وغير القابلة للتبديل. عندما يصبح الألم حاداً, يتلاشى العالم ويبقى كل واحد منا وحيداً مع نفسه: الألم هو المدرسة الكبرى للأنانية!. عندما رأى الأمير ميشكين - بطلة رواية الأبله لدستويفسكي - ناستاسيا فيليبوفنا للمرة الأولى, قال : لا بد أن هذه المرأة تألمت كثيراً. تصرح هذه الكلمات دفعة واحدة, حتى قبل أن نرى ناستاسيا فيليبوفنا شخصياً, بأنها تحتل موقعاً أعلى من الآخرين جميعاً. في الفصل الخامس عشر من الجزء الاول يقول الأمير ميشكين لناستاسيا مفتوناً : أنا لست شيئاً, أما أنتِ, أنتِ قد تألمتِ. ومنذ لك الوقت شعر أنه هالك!. "


" تعرفون هذا الموقف: فوق المنصة, يغمض عازف الكمان عينيه, ويدع العلامتين الأوليين ترنان طويلاً. يغمض المستمع عينيه بدوره, يتنهد وقد شعر أن روحه تُوسع له صدره: كم هذا جميل!. مع ذلك, فإنه لم يسمع أكثر من علامتين بسيطتين لا يمكن أن تحتويا بذاتهما على أي فكر للمؤلف, أي قصد خلاق, وبالتالي أي فن أو جمال. لكن هاتين العلامتين لا مستا قلب المستمع, ففرضتا الصمت على عقله وكذلك على محاكمته الجمالية. مجرد صوت موسيقي يؤثر فينا بالطريقة نفسها تقريباً التي تؤثر فيها نظرة الأمير ميشكين - بطل رواية الأبله لدستويفسكي - المحدقة بامرأة. الموسيقى: مضخة تنفخ بواسطتها الروح, فتحوم الأرواح المتضخمة المتحولة إلى بالونات هائلة, تحت سقف قاعة الحفل الموسيقي, وتتصادم فيما بينها في هرج لا يصدق."


" تذكرت لحظة غريبة عاشتها ذلك اليوم بالذات. آنييس .. في نهاية بعد الظهيرة, عندما ذهبت لتتنزه مرة أخرى في الريف, عندما وصلت قرب جدول, تمددت فوق العشب, بقيت ممدة وقتاً طويلاً هناك, معتقدة أنها تشعر بالتيار يخترقها حاملاً معه كل عذاب وقذارة. أناها. كانت لحظة غريبة لا تنسى: نسيت أناها, فقدت أناها, تحررت منها, وهناك كانت السعادة."

رواية الخُلود: ميلان كونديرا.
ترجمة : روز مخلوف.
إصدار : دار ورد.

يوسف
26-07-2009, 11:39 AM
الخُلود .. الرواية كما يجب أن تكون!

http://abuwabdallh900.googlepages.com/MilanKundera2.jpg

قرأت قبل ثلاثة أشهر رواية الخفة الغير محتملة للكينونة لميلان كونديرا. كنت أنوي أن أكتب قراءة حتى لو بسيطة ولم أستطع. لم تعجبني الرواية وأزعجتني كثيراً. سأبتعد عن الجانب الفلسفي في الرواية - فلسفة التكرار الأبدي لنيتشه - لأنه ممتع في الرواية, واتفق مع كل من قرأ الرواية أنها فلسفية بامتياز. لكن, أن يدخل الجنس هكذا بين صفحة وأخرى بدون أن يكون لديك قضية مركزية أو شيء تستند عليه. هنا أنا أتوقف. أتذكر في أحد فصول الرواية, بين صفحة وصفحة جنس, وبين السطر والسطر جنس, حتى أصبح الجنس يحتل الرواية على وجه العموم. لو لدي السلطة لحذفت أغلب أجزاء الرواية وتركت الفصل الأخير"ابتسامة كارينينا". هذا الفصل ممتع جداً, بل مذهل وغير طبيعي. لا يكتبه إلا العباقرة والمجانين. لست ضد الجنس كعمل فني. هو أحد الأدوات الفنية في الأخير وبإمكان كل كاتب أن يستخدمه متى أراد. الذكي والمبدع هو من يعرف متى يستخدمه وكيف, مثل جوزيه ساراماغو في رواية العمى.

كُنت أخشى أن تكون أغلب أعمال كونديرا على شاكلة الخفة الغير محتملة. عندها, قد أطوي صفحة كونديرا بالتمام. كنت أقلب قبل أيام بعض أعمال كونديرا وتذكرت العمل الأدبي الذي حصلت عليه من معرض الرياض قبل سنتين ولم أقرأ عنه شيئاً من ذلك اليوم: أقصد رواية الخُلود. لن أنكر أن ميلان كونيدرا هذه المرة صدمني, وأنا أطوي رواية الخلود الآن, أقسى من المرة الماضية, ولكن هذه المرة بإعجاب فائق. بل لا أبالغ أن حدسي الذي قال أن من يكتب فصل ابتسامة كارينينا في الخفة الغير محتملة للكينونة هو مجنون وعبقري, وبالفعل: كونديرا في رواية الخلود عبقري إلى درجة لا تعقل. في بداية هذا المقال كنت أنتقد ميلان كونديرا وتركيزة على النزعة الإيروتيكية(الجنسية) في الخفة الغير محتملة. ها أنا أشيد بنزعة ميلان كونديرا الإيروتيكية في رواية الخلود. يحق له في هذا العمل أن يتفرد بتلك النزعة ويكتب عن الجسد و يصوره ما لا يقدر عليه إلا المجانين. هذه النزعة التي تصدم القارئ تشير في وجهها الآخر إلى موت مشاعر الحب الجميلة والعميقة والجوهرية في أعماق الإنسان.

" يخرب بيتك يا كونديرا كيف تبيني أكتب عن روايتك ؟!"

بالفعل, أنا جداً حاقد على كونديرا. لا يترك لي المجال لكي أكتب عن جمال هذه الرواية, أو حتى أن أروي عنها. لو سألني أحد ما هل فهمت ماذا يريد كونديرا, سأقسم أني أعرف الرواية من البداية والنهاية, وأعرف أبطالها وكل شيء عنها. ولو سألني أحد ما هل تستطيع أن تكتبت عن الرواية, سأقسم أني لا أستطيع كذلك لأن هذه الرواية بالذات: "رواية الخلود" لا تروى. ولا أتوقع أن يكتب أحداً ما قراءة يروي فيها الرواية. كيف ؟ ولماذا ؟ هذا السؤال يفتح المجال واسعاً للحديث عن فن الرواية, وتحديداً فن رواية كونديرا. في رواية الخلود كونديرا يهز الأسس الكلاسيكية الثابتة لرواية القرن التاسع عشر, وكأنه يمسك بمطرقة حديدية, ويبدأ بالأسس الأولى والثانية والثالثة حتى يحطم هذا البناء الروائي القديم, ويقدم أسس جديدة لرواية لا تروى قائمة على مبدأ التأليف الموسيقي أو هندسة العمارة. الرواية يجب أن لا تشبه سباق دراجات, بل يجب أن تكون وليمة تقدم فيها كمية من الأطباق. الجمال في عالم كونديرا هو دائماً ما هو موجود في مكان منزو, ما هو مقفر, وغزته أشواك العليق. الرواية التي يقرأها القارئ يجب أن تتلذذ بالبطء والانعطافات, تضاعف الإستطرادات, والفواصل الزمنية, والوقفات الفلسفية. إنها تتصرف إجمالاً كما لو أن لدى المؤلف والقارئ وقتاً يضيعانه ولا يحسبان خُطاهما, ولا يعشقان شيئاً أكثر من التوقف في لحظة لأجل التحدث والنظر إلى المشهد كما يقول فرانسوا ريكار.


اقتبس هذا الحوار بين الراوي وأحد الأبطال من الرواية, يجب أن أشير أن الروائي ميلان كونديرا هو أحد أبطال روايته الخلود :

- مالذي تكتبه بالضبط؟
- إنه غير قابل لأن يُروى. في أيامنا ينقضون على كل ما يُكتب لكي يحولوه إلى فيلم أو مسلسل تلفزيوني أو رسوم متحركة. لأن الشيء الجوهري في الرواية هو ما لا يمكن قوله إلا في الرواية, وفي كل اقتباس لا يبقى سوى الشيء الغير جوهري. وفي هذه الأيام, على كل من يتوافر لديه القدرُ الكافي من الجنون لكي يستمر في كتابة الروايات, أن يكتبها بطريقة تجعل اقتباسها متعذراً. حماية لها, بعبارة أخرى, تجعلها غير قابلة لأن تروى. أنا مثلك أحب الكسندر دوما. ومع ذلك آسف لأن جميع الروايات المكتوبة هذه الأيام تقريباً, تتقيد أكثر من اللازم بقاعدة وحدة الفعل. أعني أنها جميعاً قائمة على تسلسل سببي وحيد للأفعال والأحداث. هذه الروايات تشبه شارعا ضيقاً تُلاحق الشخصيات على طوله بضربات السوط. التوتر الدرامي هو اللعنة الحقيقية للرواية لأنه يحول كل شيء, حتى أجمل الصفحات, وحتى المشاهد والملاحظات الأكثر مفاجأة, إلى مجرد مرحلة تقود إلى الخاتمة النهائية. حيث يتركز معنى كل ما سبق. وإذ تُلتهم الرواية بنار توترها الخاص ذاته, فإنها تمحق مثل حزمة من القش.


رغم أن الفلسفة الرئيسية في الرواية هي الخلود, إلا أن كونديرا لا يتوقف عن تقديم أشهى أطباقه كما يقول في الرواية. بعيداً عن أبطال الرواية الرئيسيون, نجد الشاعر الألماني الكبير غوته, والروائي الأمريكي الكبير همنجواي, ونابليون بونابرت أطراف أساسية في الرواية, تتناقش فيما بينها, وكل ذلك بسبب الخلود. ليس المقصود هنا الإيمان بخلود الروح. بل نوع آخر من الخلود, دُنيوي, لمن يبقون في ذاكرة الأجيال اللاحقة. الناس غير متساوين أمام الخلود كما يقول كونديرا. الخلود الكبير, هي ذكرى إنسان في ذهن من لم يعرفوه. ثمة مهن تضع الإنسان دفعة واحدة أمام الخلود الكبير, صحيح أنها مؤكد, بل بعيد الإحتمال, لكنه ممكن بلا ريب. إنها مهنة الفنان ورجل الدولة. وقد لا يكون الخالد فناناً ولا حتى إنساناً. مثل ضابط الجماركِ الذي ضايقَ الفيلسوف الشهير فولتير حتى صَفَعهُ على خدِه؟ أو حتى كلبُ مدينةِ إفسس. همنجواي في الرواية, يتحدث مع الشاعر الألماني غوته عن الخلود كعذاب أبدي أجبره على الإنتحار. أي بما معنى, أن القارئ والكتّاب بدل أن يكون محور أحاديثهم عن أعمال الفنان الأدبي الخالد, ينقلب الحديث إلى نفس الشخص الخالد, بدل أن تؤلف كتب عن أعماله, تؤلف كتب عن حياته. إنه الخُلود كما يقول غوته, الخُلود دعوة أبدية.

" أنا لا أبالي بالخُلود. كنت أتلذذ بالقصص التي تنشر على حسابي, ولكن صدقني, مهما بلغت من التبجح, فلم أكن وحشاً. لم أفكر كثيراً بالخلود! في اليوم الذي عرفت فيه بأنني مراقب تملكني الجزع. نصحت الناس مائة مرة بعدم التدخل في حياتي. استقريت في كوبا هرباً منهم. وحين أعطوني جائزة نوبل رفضت الذهب إلى استوكهولم. أقول لك إني لا آبة بالخلود, بل وأكثر من ذلك: في اليوم الذي انتبهت فيه بأن الخلود يضمني بين ذراعيه, كان الرعب الذي شعرت به بسبب ذلك أسوأ حتى من الرعب من الموت نفسه. يستطيع الإنسان أن يضح حداً لحياته, لكن لا يستطيع أن يضع حداً لخلوده! عندما يأخذك على سفينته لن تستطيع النزول منها ثانية أبداً!". بين العصر القديم والجديد: هل تغيرت خصائص الخلود في عصر الكاميرات؟ يجيب كونديرا أنها لم تتغير في العمق, لأن آلات التصوير قبل أن تُخترع كانت موجودة بجوهرها المجرد. ودون أن تصوب نحو الناس أية عدسة تصوير. كانوا يتصرفون كما لو أنهم يُصورون.

ميزة أخرى تعطي العمل هذه القوة وهذا الجمال. لا أستبعد, بل أنا مؤمن بأن كونديرا من كبار القراء في العالم, في الخلود نقرأ دستويفسكي و رواية الأبله, وعن تاريخ فرنسا السياسي والأدبي, وعن الموسيقى الأوروبية, والشعر والملاحم الأدبية الأوروبية: ريلكه, غوته, همنجواي, دستويفسكي, تولستوي, بيتهوفن. سحر. جمال. موسيقى. تصوير من كل الزوايا للموت, وآه للروس .. بلاد الروح, وآه ل آنييس بطلة رواية الخلود !

عندما تذهب للنزهة في الجبل قبل أن تغادر جبال الألب. بدلاً من ركوب سيارتها والسفر إلى فرنسا. فعلت ذلك استجابة لجمال الأمكنة وهدوئها, ولكن أيضاً بشكل أعمق, لكي تستسلم للحنين, وترى بوضوح ما كانت تعرفه دوماً على نحو لا شعوري, ذلك الشيء الذي لا قيمة له : الدروب

" الدروب : شريط من الأرض نمشي فوقه على الأقدام. الطريق شيء مختلف عن الدرب. ليس فقط لكونه يُقطع بالسيارة, بل لكونه مجرد خط يربط نقطة بأخرى. ليس الطريق بذاته أي معنى. الشيء الوحيد الذي له معنى هو النقطتان اللتان يصل بينهما. الدرب تكريم للمكان. كل جزء من الدرب له معنى ويدعونا للتوقف. الطريق إنقاص مظفر لقيمة المكان الذي لم يعد سوى إعاقة لتحركات الإنسان, إضاعة للوقت. اختفت الدروب من روح الإنسان حتى قبل أن تختفي من المنظر: لم يعد الإنسان يرغب بالسير في الدروب واستخلاص المتعة من ذلك. لم تعد حياته درباً أيضاً, بل طريقاً. المنظر الجميل في عالم الطرقات يعني: جزيرة من الجمال متصلة مع جزر أخرى من الجمال بخط طويل .. في عالم الدروب, الجمال شيء مستمر ومتغير دوماً, يقول لنا عند كل خطوة: توقف!."

يوسف
06-08-2009, 10:07 AM
شمس مريم المُشرقة


http://abuwabdallh900.googlepages.com/AThousand.jpg

لا تحزن .. يوسف عائد إلى كنعان
لا تحزن ..الخراب سيتحول إلى مروج ورد
وإن أتى الطوفان ليغرق كل حي :
لا تحزن .. لأن نوح, دليلك في الإعصار!

حافظ الشيرازي/ مقطع من الرواية.



لأول مرة أقرأ كتابين بنفس الوقت. كتاب رسول حمزاتوف "بلدي", و رواية خالد حسيني الثانية "ألف شمس مشرقة". أقرأ فصل من هنا, وفصل من هناك. ولا عجب أني حتى الآن لم أتعرض لتشويش, فكلا الكتابين تجمعهم ثيمة واحدة: الوطن. وإن كان كل مؤلف تحدث عن الوطن بطريقته الخاصة. حمزاتوف يمطرني شِعراً ونثراً حين يتحدث عن وطنه, عن جبال داغستان, عن سكان الجبال, وعلاقتهم بالأرض, بالهواء, بالشعر, بالكتاب, بالموسيقى, عن تسادا, والأب, وأبو طالب, ورسول, وعن الشِعر, والأغاني, و النسور: تلك الساكنة في أعالي الجبال. حين أقرا لحمزاتوف لا أستعجل في القراءة, فلا وجود لحدث درامي في الكتاب: إنها تأملات في الطبيعة البشرية لسكان الجبال, وسيرة ذاتية للمؤلف, وحالة التوحد بين المؤلف, والمُؤلف" الكتاب ".

أما خالد حسيني, والشموس المشرقة, ف يالبؤس التفاصيل الصغيرة التي تريد أن تتحدث عنها, و يخونك القلم ولا تستطيع التعبير عنها. كان حمزاتوف يرافقني لأيام, ولم أعلم أني ركنته لأسبوع متفرغاً لقراءة أنين خالد حسيني في عمله الثاني A Thousand Splendid Suns.

خالد حسيني يكتب عن أفغانستان, عن نساء أفغانستان. مريم وليلى. وحين يدور الحديث عن أفغانستان, كيف يستطيع الروائي أن يتحدث عن أفغانستان؟ هل عن الموت المنبعث من مدن القبور الحية؟ أم الفقد والحزن اللامتناهي بكل قصة أفغانية، أم عن الناس وهم يجدون طريقة ما للبقاء والاستمرار في الحياة؟

في أغلب قراءاتي الروائية, كانت مشاهد الموت هي الأكثر تأثيراً و تفضيلاً كذلك. كنت أراه الطريق للحرية الخالدة, والبدء بحياة جديدة. أو حتى تصوير الموت لدى الروائي نفسه, قد يحمل صورة سينمائية لا يقدر على كتابتها إلا العباقرة, لا تلبث بعد أن تقرأ قطعة الموت تلك أن تصرخ من أعماقك: ما أجمل هذا المشهد, ما أعظمه, ما أخلده, الله, يا ألله!. ولكن, لم أفكر يوماً بقيمة الموت نفسه كحدث يمر على إنسان ما, ويأثر على مجموعة كبيرة من البشر, و ذو مدلولات سياسية وإجتماعية. قد يكون حديثي هنا غير مفهوم, ولمن قرأ رواية خالد حسيني سيعرف بالتأكيد هذه النقطة, وعلى وجه التحديد: اللحظات الأخيرة من حياة مريم.

هذه الأنثى التي كانت عنوان للخطيئة, تمنت الكثير في لحظاتها الأخيرة. وبينما هي تغلق عينيها مودعة هذا العالم الحقير, لم يعد الأسف أو الإحساس بالحسرة والندم هو ما تشعر به, بل إحساس بطمأنينة طاغية وإيمان كامل نزلت عليها: " فكرت في مجيئها إلى هذا العالم كابنة حرام لقروية بسيطة، شيء لم يرد له أن يكون، وحادث تافه يدعو إلى الأسف. مجرد عشبة ضارة. ومع ذلك فهي تغادر هذا العالم كامرأة أحبت وتلقت المحبة. تغادره كرفيقة، وصديقة، وحارسة، وأم، وشخص له شأن في نهاية المطاف. ورأت أن الموت بهذه الطريقة ليس بهذا السوء. هذه نهاية شرعية لحياة لم تكن بداياتها شرعية."

في ثلاثين ربيعاً يقود خالد حسيني القارئ في رحلة أفغانستان التاريخية وتأثيراتها على نساء أفغانستان بشكل عام, ومريم وليلى بشكل خاص. من لحظة دخول الإتحاد السوفييتي أفغانستان, مروراً بالتحرير وحروب أمراء الحرب, و دخول طالبان على مسرح الحياة السياسية, ثم الحرب الشهيرة في بداية القرن الجديد بعد سقوط أبراج مركز التجارة بنيويورك. في الجزء الثاني على ما أذكر, قال والد ليلى كلمة تختصر الحالة السياسية التي عصفت بأفغانستان طوال القرن الماضي: " ليلى ..العدو الوحيد الذي لا يمكن للأفغاني هزيمته هو نفسه." وبالفعل, بعد الإنسحاب السوفييتي من أفغانستان اقتتلت الطوائف فيما بينها, ورفع أمراء الحرب السلاح حتى أصبحت العاصمة مدينة للأشباح, وبقايا أطلال.

بعد قراءة هذه الرواية, وبعد قراءة الشاعر العراقي الكبير أحمد مطر للرواية كذلك, هل آن الآوان لأحمد مطر أن يكتب رواية عن العراق الذي مر بويلات من الداخل والخارج لعقود طويلة؟ هناك أشياء لم تكشف, هناك أشياء يجب أن تقال! نحن لا نعرف أشياء كثيرة. نعتقد و نؤمن بأن نعرف, وفي الحقيقة أننا لا نعرف شيئاً عن حياة الإنسان البسيط في بلد تعرض للويلات. خالد حسيني برواية رشيقة استطاع أن يرسم صورة مصغرة لأفغانستان الأرض/ الإنسان : عن المظالم الإجتماعية, عن الصواريخ التي تجبر السكان على السكون في المنزل وعدم الخروج, لأيام, ولأي سبب كان, وعن إعادة البناء. في بداية الرواية نلحظ الدمار الإجتماعي قبل الدمار السياسي عندما نلحظ الحياة الغريبة لمريم في مدينة هيرات, والتي ولدت سفاحاً من أب ثري يحاول التكفير عن ذنبه بزياراته المتكررة لها. ثم نلحظ الإستقرار في كنف الزوج رشيد, والذي يكبرها بعدة سنوات, ويذيقها صنوف العذاب والحرمان. يبدو الأمر أشبه بمعادلة رياضية, علاقة مريم بزوجها رشيد هي نفس العلاقة التي تربط الإنسان الأفغاني بأمراء الحرب, والذين يصبون جام غضبهم على هؤلاء المواطنون العزل, فيذوقون مختلف صنوف العذاب من قتل وتدمير وتشريد واغتصاب.

أبطال رواية خالد حسيني هم الأطفال والنساء. إنها إشارة بأن المواطن الأفغاني لم يعد يهتم لا بأمراء الحرب, ولا بالتدخلات الدولية التي عصفت وتعصف بالبلاد من آن لآخر. حين يصور خالد حسيني آلام الأنثى عند الولادة فهو يقصد الولادة الجديدة المتعسرة لبناء بلد يجب أن يتم من قبل أبناءه, لا من قبل الأجنبي. تذكرت وأنا أقرأ آلام الولادة في أحد فصول الرواية, مشاهد آلام الولادة في الآداب الروسية. من رواية الشياطين, و رواية آنا كارينينا. كيف يستطيع الأديب - الرجل - أن يتقمص شخصية أنثوية ببراعة ويصف آلام الأنثى بكل ما فيه من مشقة وعذاب؟ أطرح هذا السؤال بعد أن قرأت أن مجنونين اثنين استطاعا وصف آلام الأنثى عند الولادة ببراعة وحتى وصف الحالة النفسية لأنثى مصابة بحمى النفاس: دستويفسكي و تولستوي, وسأضيف ثالثاً, وهو خالد حسيني في مشهد ولادة ليلى. هل يوجد قواسم مشتركة بين مشاهد تولستوي عبر رواية " آنا كارينينا " ورواية دستويفسكي " الشياطين " وخالد حسيني في رواية " ألف شمس مشرقة "؟

أنه الإيمان .. الإيمان بالله, بالأرض, بالإنسان, بالحياة, بكل ما هو جميل على وجه هذه الأرض. في رواية خالد حسيني, كانت الآلام تصرخ في وجه من حرموا الحقوق الإنسانية البسيطة وتمسكوا بالشعارات البراقة التي لا تسمن ولا تغني من جوع. ظهور هذا الطفل في هذا الوقت العصيب هو لمحة من لمحات الجمال التي ستظهر في هذه الأرض, وهم على يقين بأنهم هم من سيبنون أوطانهم, ينظمون مدارسهم, ويرفعون من سقف أمانيهم. لم تعد أمانيهم كما تقول مريم في لحظات الضيق خارج الوطن, بل كما قررت ليلى أن تكون تلك الحياة في كابول الجديدة: أن يعيشوا في بيت صغير في ضواحي مدينة ما لم يسمعوا بها من قبل قط، أو في قرية نائية طرقها ضيقة وغير مرصوفة، ومحاطة بكل أنواع النباتات والشجيرات. ربما سيكون هناك ممر ما يمكنهم استخدامه ويقود إلى حقل معشب حيث يستطيع الأطفال ممارسة ألعابهم، أو ربما ستكون هناك طريق مغطاة بالحصي تقودهم إلى بحيرة زرقاء صافية. سيربون الأغنام والدجاج، وسيعدّون الخبز سوية ويعلمون الأولاد القراءة. سيرسمون لأنفسهم حياة جديدة, حياة منعزلة ومسالمة, وهناك يتخلصوا من كل الأعباء الثقيلة التي اضطروا لتحملها، ويكونوا أهلا لكل السعادة والرخاء الذي سيصادفهم.

خاتمة الرواية هادئة, وتجبر القارئ على الإبتسام والتفاؤل بغض النظر عن عذابات الشموس المشرقة. بعيداً عن علاقة الزوجة بالزوجة الثانية,"ليلى و مريم", وبعيداً عن كل شيء .. كل شيء, يدور الحديث في عائلة طارق وليلى عن اسم الصبي الكائن في أحشاء ليلى, طارق الزوج يريد محمد، وزلماي الإبن لا يعرف سبب عدم إمكانية إطلاق اسم كلارك على طفل أفغاني، وعزيزة الفتاة تريد اسم أمان، أما ليلى لزوجة فتفضل عمر. لكن ماذا لو كانت فتاة؟ "إن كان الذي في بطنها فتاة فقد اختارت ليلى الاسم من قبل: مريم.

يوسف
07-08-2009, 01:28 PM
ميراندا والعاصفة


http://abuwabdallh900.googlepages.com/TheTempest.jpg

" أوه, يا أبي العزيز .. إذا كنت قد أثرت بقدرتك هياج هذه المياة الطاغية, أرجوك أن تأمرها بالهدوء .. لقد تألمت مع من أبصرتهم يتعذبون في السفينة المترنحة التي تكاد تكون حطاماً. وهي تحمل إنساناً مثلك!. آه ! كم تعالت صيحات الذعر من أفواه الخائفين. وتجاوبت أصداءها في قلبي الحزين جراء محنتهم. لو كنت آلهة ولي سلطان, لدفنت البحر برمته في بطن الأرض, ولم أدع هذا المركب الرائع يغرق في أعماق هذه اللجة الهائمة, مع حمولتها الوافرة من النفوس الغالية "

شكسبير/ العاصفة

إذا ألقينا نظره بسيطة عن علاقة الصورة والأدب سنجد ما يدعو للذهول والإعجاب. هي علاقة طردية, فكما هو الأدب يضفي على الفن التشكيلي من تصورات وأفكار, يأتي الفن التشكيلي كذلك بإضافة قيمة جمالية لا تقل على الإطلاق في فتح أفاق أوسع للكتابة, إما عن طريق كتابة رواية قائمة على لوحة تشكيلية, أو قراءة اللوحة قراءة أدبية أو حتى شعر. هناك أعمال روائية خالدة أخذ الفن التشكيلي منها الإلهام لتخليد أبطال من الورق, وأصبحوا خالدين ومشاهدين على الدوام. ومثالي على ذلك الأديب الأسباني الكبير سيرفانتس, الذي أصبح بطل روايته الخالدة " دون كيشوت دي لامنشا " - ساحة جذب للفن التشكيلي ومصدر إبداع للرسامين التشكيليين. تحول هذا البطل الذي يمتطي حصانه ومعه خادمه " سانشو " إلى رمز فني, يثير مخيلة المبدعين. لنترك دون كيشوت الآن , ولنشاهد مثال آخر عظيم عن العلاقة الجمالية بين الأدب والفن التشكيلي. لا يخفى على الجميع ما يمثله أعظم أديب في تاريخ إنجلترا ويليام شكسبير في دنيا الأدب والفن. فكما كان الدون كيشوت مصدر جذب للفن التشكيلي, فإن شخصيات مسرحيات شكسبير الشهيرة تحولت هي الأخرى لمصدر جذب ومساحة حرة لفنانين يرون في هذه الشخصيات قيمة إبداعية وجمالية, مثل : الرسام الرائع جون وليام ووترهاوس, و فورد مادوكس براون, و هنري فوسلي, و ثيودور كاسيريو, ولويليام هاميلتون, وغيرهم. إذا كان الأدب يهذب الإنسان في أطباعه وسلوكه, فإن الفن يكسوه بالجمال.

في هذه اللوحة الرياح تعصف بالبحر, وكأن هناك حرباً مستعرة بين تلك الرياح وتلك السفينة التي يناضل بحارتها و ربانها من أجل الحياة. لم انتبه للسفينة إلا بعد قراءة مسرحية العاصفة لشكسبير, والتي على أساسها رسم الرسام جون وليام وترهاوس هاوس هذه اللوحة "ميراندا والعاصفة". حين شاهدت هذه اللوحة للمرة الأولى كنت مأخوذاً بشعر ميراندا المتناثر المتجه باتجاه الريح وهي تحاول أن تقبض عليه حتى لا تستحيل الرؤية. ويدها اليسرى على صدرها وهي لا تصدق ما تراه أمامها من صراع بين الطبيعة والإنسان من أجل الحياة.

مسرحية العاصفة لشكسبير هي آخر أعمال شكسبير الكوميدية, وتتحدث عن بروسبارو دوق ميلانو الشرعي وابنته ميراندا, والذين يعيشان منفيين في جزيرة نائية. كان يعيش مع بروسبارو روح ساحرة "أريال" تعمل على طاعته وخدمته, فتسبب الرياح التي يقذفها أريال بأمر بورسباور جنوح السفينة إلى تلك الجزيرة. وتضم هذه السفينة جميع أعداء بروسبارو الذين اغتصبوا حقه الشرعي في حكم ميلانو: مثل أنطونيو, أخو بورسبارو ومغتصب الحكم. وملك نابولي آلونزو وشقيقه سيبستيان, وابنه فرديناند. عندما تتعرف ميراندا على فرديناند تقع في غرامه, وحين يرى الأب ذلك الحب الشفاف بين العاشقين يعفي عن أعدائه, ويتخلى عن السحر ويعود الجميع من حيث ولدوا: إلى نابولي. المسرحية قصيرة من خمسة فصول, كل فصل يتضمن مشهدين. هذه أول قراءة لشكسبير بالنسبة لي, وأول قراءة لمسرحية كذلك. قراءة المسرحية تختلف اختلاف تام عن الرواية. حين يتحاور أبطال المسرحية فيما بينهم فشلت في معرفة من المتحكم بسير الأمور وكيف حدث ما حدث. السبب في ذلك يرجع إلى ما يمكن أن يكون: بالمشهدية في المسرح. يجب أن يكون المشهد حاضراً أمامي وأتخيل في ذهني أشكال الشخصيات وهي تدخل المسرح وتخرج, أو حتى أتخيل سيمياء أبطال المسرحية.

المسرحية تطرح فكرة أن القوة والعلم يجب أن تجتمع في الرجل القوي الحاكم. العلم بدون قوة قد يحول الإنسان مثل بورسبارو إلى شخص منفي لا حول له ولا قوة. والقوة بدون علم قد تحول الإنسان إلى أنطونيو الذي استولى على الحكم, و وجد نفسه بلا حول ولا قوة في السفينة. يجتمع العلم والقوة في شخص بورسبارو في الجزيرة حين يُسخر تبحره في السحر و الشعوذة إلى قوة هائلة استطاع بها أن يعطى لأخيه درساً قاسياً.

يوسف
10-08-2009, 02:43 PM
حكاية أم

يحكي الكاتب العظيم هانس كريستيان أندرسن في قصة حكاية أم, قصة أم لم تهنئ بنوم ساعة واحدة لثلاثة أيام متتالية بسبب طفلها, والذي تعتقد بأنه يحتضر. دخل أحد العجائز إلى بيت هذه الأم, ولم تلبث دقائق حتى اختطف العجوز الطفل وولى هارباً بسرعة الرياح. كانت صدمة الأم رهيبة, ليس بسبب اختطاف الطفل من قبل العجوز فقط, بل بسبب أن هذا العجوز لم يكن إلا الموت نفسه. الموت متنكراً بهيئة رجل عجوز. تقرر الأم مطاردة الموت من أجل عودة الطفل الصغير للمنزل, تصدم الأم بعدة عقبات بسبب سرعة الموت الرهيبة. يظهر من هذه العقبات مدى شوق الأم لإبنها, هي أم, ولا تريد أبداً أن تسمع شيء عن الفراق بينها وبين الطفل. تاهت في وسط الطرق ولم تعرف أين ذهب الموت بنوارة قلبها. في طريقها تجد الأم امرأة متشحة بالسواد - لم يكن سوى الليل - تعرف الطريق الذي سلكه الموت, يرفض الليل البوح بمكان الطريق حتى تغني الأم كل الأغاني التي أنشدتها للطفل الصغير وهو في المهد. غريب أمر هذا الليل! لم يكن هذا الطلب بسبب الأغاني ذاتها, بل بسبب الدموع التي سكبتها الأم طيلة الأيام الماضية وهي تغني لصغيرها. لم تكن الأم مهتمة بالأغاني, تريد أن تعرف الطريق الذي هرب به الموت مع صغيرها. يصمت الليل حتى تقرر الأم الغناء: وتغني الأم, ممسكة يديها, كان هناك الكثير من الدموع, والكثير من الغناء. تواصل الأم السير في خطى الموت بعد معرفة الطريق من قبل الليل, وتصدم مرة أخرى بعقبة مفترق الطرق. كان هناك هذه المرة شجرة شوكية تعرف الطريق الذي سلكه الموت, ولكن, كما الليل, يريد خدمة مقابل أن يفضي بسر الطريق. الخدمة هي: أن تضم الأم الشجرة الشوكية وتدفئها, فهي حسب قولها ميتة من البرد وتحس بالتجمد. لم تتردد الأم لحظة واحدة, ف ضمت الأم الشجرة الشوكية إلى صدرها حتى انغرست أشواك الشجر وسط جسدها. تحولت أشواك الشجرة إلى أغضان خضراء, وأزهرت في الشتاء البارد. هذا ما يفعله قلب الأم الدافئ. تستمر رحلة المطاردة وعقبة أخرى تقف في طريقها: إن هي أرادت الإستمرار في طريق الموت والطفل يجب عليها أن تتخطى بحيرة كبيرة, أن تسير عليها, وهذا مالا تقدر عليه, أو تشرب ماءها كله, ولن تقدر عليه بحال من الأحوال. اشترط البحر كما فعل الليل والشجرة خدمة كذلك. طوال تلك الرحلة الطويلة, كانت الأم تضحي بكل ما تملك في سبيل الطفل: بكت حتى سقطت عيناها في البحر لؤلؤتين نفيستين, قصت شعرها الأسود وأهدته لعجوز طاعنة في السن .. ويتفاجئ الموت أن أمامه الآن الأم. قطعت مسافات طويلة من أجل هذه النبتة المغروسة في حديقة الموت: طفلها. كيف استطاعت أن تصل إلى مكان الموت قبل الموت نفسه, صاحب الحديقة؟ كان جوابها مفحماً بكلمة واحدة: أنا أم! قد لا تستطيع الأم أن تقف أمام الموت, ولكن رحمة الإله قادرة على صده. أنا مؤمن بأنها تمثل الصوت الحي لأغنية جين ستينمان: قد تعرف كيف تهمس, وقد تعرف كيف تبكي, وتعرف تماماً أين تجد الإجابات, وتعرف متى تكذب, وكيف تتصنع, وتعرف تماماً كيف تكيد لأعداءها, وتعرف طريق المال, الشهرة, تعرف كل القوانين, وكيف تكسرها .. لكنها لن تعرف, ولن تعرف على الإطلاق كيف تتخلص من يديه, ولن تدعه يسقط من يديها .. لأنها أم!

نهاية القصة من أروع النهايات التي قرأتها, والمختصة تحديداً بعلاقة الأم و الأبناء, وتبيان حالة العشق والهيام التي وصلت لحدودها القصوى : "يارب .. لاتستجب دعواتي عندما تكون ضد مشيئتك التي هي الأفضل لنا دائماً، لا تستجب لها ياربّ ". لمن يريد قراءة القصة ومعرفة النهاية سيجدها في كتاب هانس كريستيان أندرسن, قصص وحكايات خرافية الصادرة ضمن سلسلة الأعمال الخالدة لدار المدى.

قصة أخرى مذهلة كذلك محورها الأم والطفل للقاص عدي الحربش عبر قصة "حديقة اللانهاية". أم مفجوعة بوفاة طفلها في قدر ساخن تعترض على الإرادة الإلهية وتحتج, بعد أن قالت إحدى النساء المتدينات في مجلس العزاء للأم الثكلى أن الطفل سيكون عصفوراَ في الجنة, حسب نص الحديث الشريف. ولكن مشاعر الفقد لم تكن تسمح للأم بأن تكون في حالة طبيعية. هي ترى طفلها قد يبلغ مبلغ الرجال ويصبح رجل علم يشار إليه بالبنان, وفي آخر الأمر, يموت وهو طفل, ويصبح مجرد عصفور في الجنة!. في الفصل الثاني, فصل الحلم, ترى الأم كيف يكون الطفل عصفوراً في الجنة مباشرة هذه المرة وليس مجرد قراءة أو تعزية. تُجرب لحظة الخلود حين تطير هي في الجنة وتحس بأن كل شيء في هذه الحديقة اللامتناهية يحتوي كل الجمال, موسيقى خالدة وأبدية.

بقيت قصة يجب أن تروى, هذه المرة ليس من قاص أو روائي يشار إليه بالبنان, بل من قارئ بسيط لا يعرف حتى الآن كيف يكتب نصاً أدبياً. كنت أعتزم كتابة هذه القصة كما عايشتها, ولم أعرف أني كتبت عن هانس أندرسن وحديقة اللانهاية. أعتقد لم يتبقى إلا أن أتحدث عن فيلم أنجلينا جولي الأخير وتكتمل الحكاية. لا يهم, ما شاهدته قبل أيام أثار في نفسي شيء ما. كنت أقرأ عن هذه الحالات من قبل في قصص ولم أشاهدها عياناً إلا من فترة بسيطة.

نورة, طفلة صغيرة لا يتجاوز عمرها التسعة أشهر, تُركت عند خالتها لترعاها لعشرة أيام بسبب سفر الأم والعائلة. مشاعر الأم, أي أم, لا يمكن أن تختلف من أم لأخرى - بشكل شبه مطلق -. بين ساعة وأخرى اتصال من الأم للإطمئنان على الطفلة, بين ساعة وأخرى اتصال للتذكير بموعد حليب الطفلة, بين ساعة وأخرى اتصال: قربي سماعة الهاتف, أريد أن أسمع صوتها. وبين هذه الساعات والإتصالات القادمة من مسافات طويلة, يتخلل ذلك الدموع, لأنها أم.

حتى وهي طفلة صغيرة لا تعرف شيئاً, أحست نورة بالفقدان الهائل لملجئها, في صدر أمها التي تحملها طيلة الوقت بلا كلل أو ملل. انقلب البيت من أعلاه إلى أسفله, بكاء متواصل من الطفلة, لا تريد حليب, ولا تريد أن يحملها أحد, ولا تريد أن تلعب, أو أن يغني أحد ما لها وهي في المهد. تريد صدر أمها فقط. غايتها الوحيدة هي الأم. لم يستطع أحد أن يوقف هذا السيل الهادر من البكاء المتواصل. في الليل, وبعد أن استنفذت خالة هذه الصغيرة كل الطرق لإسكات ضجيج الطفلة, ألقت غِطاء رأس والدتها بقرب نورة. النتيحة كانت مذهلة بكل المقاييس. سكتت الصغيرة وغطت في نوم طويل. استنشقت رائحة والدتها واستشعرت الأمان المفقود. الرائحة. كل السر كان في الرائحة. رائحة غطاء الرأس. تعرف هذه الصغيرة أن هذا الغطاء هو غطاء والدتها, وأن الرائحة التي بقربها هي رائحة الأم, وأن الصدر الذي يغطيها هو صدر أمها, نامت. ولم تبكي من ذلك اليوم إلى الآن. مشهد جميل يحكي تلك العلاقة التي رسمها الله بين الأم والطفل, لا يسعك بأن تستشعر هذا المشهد, أن تردد خلف فيكتور هيجو, نشيد الطفل :

يا طفل..أنت الفجر
ولأن عيناك ملآى بجمال لا متنتهي
ولأن يديك الباسمتين
لم تمتدا لضرر
أو قدميك اليانعتين
لم تتسخا بالوحل الكامن فينا
يا رأساً قدسيا، يا طفلا أشقر
يا ملكا ذا إكليل ذهبي
كم هو حلو في بسمتهِ، في طيبتهِ
في صوتٍ يتمنى أن ينطق أشياء وأشياء
وبكاء ما أسرع أن يهدأ
يترك نظرته تتجول في دهشة
ويقدم روحا لحياة، وفما للقبلات
يا رب احفظهُ
كيف أرى الصيف بلا أزهار؟
والقفص بلا طيور؟
وخلية نحل ليس بها نحل؟
والبيت بلا طفل؟

إِسْرَاء
10-08-2009, 04:07 PM
يوسف .. كعادتك أرصفه مضمخة بجمال الذوق والفكر bp039




الخلود , الف شمس مشرقه , ومسرحية شكسبير ولوحة جون وليام pb189 وآخيراً حكايا الأم pb189


فليحفظ الربّ نورة ويبقيِ رائحة أمها عابقه بحياتها pb189


يا طفل..أنت الفجر
ولأن عيناك ملآى بجمال لا متنتهي
ولأن يديك الباسمتين
لم تمتدا لضرر
أو قدميك اليانعتين
لم تتسخا بالوحل الكامن فينا
يا رأساً قدسيا، يا طفلا أشقر
يا ملكا ذا إكليل ذهبي
كم هو حلو في بسمتهِ، في طيبتهِ
في صوتٍ يتمنى أن ينطق أشياء وأشياء
وبكاء ما أسرع أن يهدأ
يترك نظرته تتجول في دهشة
ويقدم روحا لحياة، وفما للقبلات
يا رب احفظهُ
كيف أرى الصيف بلا أزهار؟
والقفص بلا طيور؟
وخلية نحل ليس بها نحل؟
والبيت بلا طفل؟

ما أجمله من نشيد pb030pb189




شكراً لنبضك يوسف .. بوركت وطبتَ بكل الخير .

يوسف
10-08-2009, 10:23 PM
أهلاً روزا
من ذوقك. وشكراً لقراءتك هنا. : )

Lavender
12-08-2009, 01:29 AM
أحمد مطر قرأ ثاوزند سبلندد سنز : | ؟ كيف عرفت هذا ؟ وماذا كان رأيه فيها ؟

لا أريد لمطر أن يكتب رواية ولاغيرها من فنون الكتابة النثرية ، معظم الكتاب الذين يخرجون عن مجالهم الذين يبدعون فيه يفشلون ، ولا أريدُ له هذا , غير أن كتابة رواية صارت بضاعة من لابضاعة له هذه الأيام !

أسلوبك تغير ، صار أقوى وأجمل و فيه لمسة من الـ"شاعرية" إن صح التعبير ، قواك الله bp039 ،

يوسف
12-08-2009, 03:53 PM
لافندر
قرأت قراءة أحمد مطر للرواية " هنا (http://www.aljarida.com/aljarida/Article.aspx?id=49658) "
اتفق معك بشكل عام. لو قال أحداً ما أتمنى أن يكتب أحمد مطر رواية لقلت: من الأفضل أن يبقى أحمد مطر على ما هو عليه الآن, ولا يفكر مجرد تفكير أن يقتحم مجال الرواية الذي أصبح مهنة من لا مهنة له. ولكن السبب الذي يجبرني على دعوة أحمد مطر لكتابة رواية عن العراق هو حديثه الأخير في مقال ألف شمس مشرقة. يقول في نهاية المقال :" رواية الطيارة الورقية أصبحت، الآن، فيلماً سينمائياً، وستتاح للعرب قراءتها بالصورة والصوت، على الرغم من أنف مخترعي طالبان. أما ألف شمس مشرقة فإنني أتمنى من كل قلبي أن أراها، في أقرب وقت، تشرق لدينا مترجمة على الورق، لكي يداخلنا الأمل من جديد في أننا قادرون على امتلاك الشجاعة الكافية لاستخلاص ديننا وأخلاقنا وحياتنا كلها من كهوف مخلفات العصر الحجري."

خالد حسيني كما تعرفين يا لافندر تحدث عن أشياء لا أعتقد بأن القارئ في الشرق أو الغرب على علم بها, عن أفغانستان. لم أقرا رواية تتحدث عن العراق. هناك عبدالرحمن منيف عبر أرض السواد, وهي رواية معروفة ولا حاجة للإشارة إليها. ولكن, لم يكتب عبدالرحمن منيف على ما أعتقد رواية عن العراق في الثلاثة عقود الماضية, عن الإنسان العراقي زمن الحروب الغبية الثلاثة التي عصفت به وكيف يعيش حتى الآن رغم كل التفجيرات والقتل الذي يفتك بالأبرياء. لو كانت هناك رواية عن العراق أفضل أن يكون كاتبها أحمد مطر ليس إلا. أتمنى أن يكون أسلوبي كما قلتِ. كنت أعتقد أني بدأت أفشل في توصيل القراءة للقارئ. شكراً لافندر bp039

with ur self
12-08-2009, 04:29 PM
أرْصِفَه ..مُمَيْزهـ..
لِي عَودهـ بإكتمآإل قرأتي ..
دُمت ..نبعآإ

يوسف
12-08-2009, 04:43 PM
أرْصِفَه ..مُمَيْزهـ..
لِي عَودهـ بإكتمآإل قرأتي ..
دُمت ..نبعآإ



حياك بأي وقت.. شكراً لكِ

بتـّال
12-08-2009, 04:47 PM
السلام عليكم ,,

يوسف ..

ماني من المهتمين بالفلسفة .. لايماني العميق بان الايمان بالله عز وجل هو غذاء الروح .. وبالتالي

عبثية الفلسفة والمحرض الاول لضهورها هو نتاج طبيعي لعدام الايمان او ضعفه !

ماعلينا ..الي استوقفني هنا وجبرني على الرد من فتره طويله هو بكل امانه تساؤل يلح علي من فتره

ودار بيني وبعض الاصدقاء حوارات كثيره حوله ..

هو تساؤل بسيط جدا ..باختصار وش الي يحرض الانسان المؤمن بالله عز وجل على ولوج عالم

الفلسفة ؟

صياغتي متواضعة بسبب الوقت والمكان والحالة النفسية ..لكني اثق بقدرتك على فهم التساؤل .

فكن سخيا بحروفك !

والله يثبت قلبي وقلبك والمسلمين على دينه .

احترامي

يوسف
12-08-2009, 06:03 PM
بتّال

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
رغم أني لست على علم كبير بالفلسفة - ما أنا إلا قارئ بسيط لم يتم السنة في القراءة الفلسفية - ولم أكتب إلا قراءتين بسيطتين فقط في الفلسفة, إلا أني سأجيب حسب استطاعتي والله يوفق الجميع. أتذكر في بداية قراءة عالم صوفي, وهي رواية عن تاريخ الفلسفة, يبدأ المؤلف باقتباس للشاعر الألماني غوته يشرح تاريخ الفلسفة وعلاقتها بالإنسان بسطر واحد : "الذي لا يعرف أن يتعلم دروس الثلاثة آلاف سنة الأخيرة يبقى في العتمة." ما الذي يرمي إليه غوته؟ وهل يعني ذلك أن الغير عالم بأمور الفلسفة, أو الحكومات التي ترفض النقاش الفلسفي الحر, هل هي غير صالحة لأن تكون أرض عِلم وعلوم وثقافة مجيدة تستحق الإحترام أمام أمم الأرض؟

الفلسفة هي التاريخ, تاريخ البشرية, بل قل إنها هي التاريخ وقد تم تلخيصه في بضعة سطور. طوال التاريخ من العهد اليوناني وحتى عصر العقل, سار الفكر السياسي والعلمي والفيزيائي بمسارات كثيرة, عن طريق الهدم والتأسيس. الفلسفة بعمومها تقوم على الهدم والتأسيس من جديد. كل معلومة يتم نقلها من الجيل السابق يتم التحقق منها عبر نقدها وإخضاعها للفحص الدقيق والمنطقي. وحينما نعي هذه القضية سرعان ما يزول الشك من رؤوسنا عن سبب نقد سقراط لسابقيه, و نقد أرسطو لأستاذه أفلاطون, ونقد الغزالي لابن سينا, ونقد ابن رشد للغزالي, ونقد بيكون لأرسطو, ونقد كانط لكل من سبقه, إلى آخر الانتقادات. ولأن الفسفة ليست إلا تاريخ للعالم, فهي علم شامل يبقى لقرون طويلة كما هي حالة الكتب الأدبية العظيمة. الكتب الفلسفية في أغلب العصور أصبحت خالدة, لأنها عامة وشاملة, وأعني بالشاملة الادراك الكلي ولا تعني الثبوتية كما يفهمها البعض، وأيضا فإن هذه الشمولية تتنوع في كل مجال للفلسفة، فنجدها في الميتافيزيقا، وفي المنطق، وفي فلسفة العلوم، وفي نظرية المعرفة، وفي فلسفة الجمال، وفي فلسفة الاخلاق. استثني من ذلك الكتب العلمية القديمة لأن العلم تعدى المراحل السابقة حين كان الإختراع أو الإكتشاف مجرد نموذج أو "براديم" كما يطرح توماس كون في بنية الثورات العملية.


لا يوجد لدنيا كما هو مشاهد مساحة للتفكير الفلسفي أو حتى لتدريس الفلسفة نفسها. يتم تدريس الفلسفة في الغرب لأنها ببساطة أشمل المعارف وتقدم فرصة للطالب لكي تتسع آفاقه ويتحلى بالروح النقدية ولا يخاف من البوح برأيه أو التصريح بنظرته تجاه القضايا الكبرى. الفلسفة كما يرى برتراند راسل هي سلاح الإنسان ضد التطرف والاستبداد بالرأي , فحتى العلماء الذين لا يتحلون بالروح الفلسفية قد يقعون في الغلو والشطط في آرائهم, وبذلك تمنعهم الفلسفة من الاعتداد والزهو بما يصلون إليه من آراء وإنما تذكرهم دائماً بأن كل استنتاج هو عرضة للنقد والمراجعة.

التغيير السياسي والتطور العلمي المستمر هو نتيجة طبيعية لوجود الفلسفة. إذا لم توجد مساحة "للعقل" يطرح فيها أراءه لا أتوقع بأن يكون هناك تطور ملحوظ على كل الأصعده. الثورة الفرنسية - وهو أكبر تغيير سياسي وإجتماعي في القرون الثلاثة الماضية - لم تكن إلا نتيجة منطقية لضربات فولتير و روسو والموسوعة, أو كما يقول لويس السادس عشر وهو في الحكم: هذان الرجلان قد أفسدا فرنسا وتاريخها. أو حتى عبر الثورة الأمريكية حين تم الأخذ بفلسفة مونتسيكيو حول السلطات الثلاث " القضائية والتشريعية والتنفيذية - لمنع الإستبداد وبناء نظام حكم عادل للإنسان.

قد يكون سؤالك يرتكز حول نقطة أن بعض الفلاسفة ملحدين ومع ذلك لا فائدة للقارئ بأن يقرأ في علوم لا يأتي من وراها إلا الإلحاد. وكأن الفلسفة وتاريخها الطويل لا تعني إلا إنكار وجود الله. الكثير من الفلاسفة مؤمنين بالله, وإن توصلوا إلا الله بواسطة "العقل" كما ديكارت أو كانط وغيرهم. أغلب هذه الأراء صدرت بسبب بعض الترجمات العربية التي نشرت لبعض الفلاسفة وتركت البعض - كما في ترجمات نيتشه وتم ترك النقيض له / كيركيغارد.

هناك نقطة سلبية مع الاسف تظهر عند القراء بشكل عام, وبالتحديد عند قراءة الكتب الفلسفية. غالباً ما يكون هناك انجذاب وتلقف الأراء الفلسفية بشكل كلي وكأن ما يقال هو الحكمة الإلهية. وهذا خطأ فادح. شكراً بتال, ولعلها فرصة للحديث عن الفلسفة وتاريخ الفلسفة والفكر الإنساني مستقبلاً هنا.

يوسف
18-08-2009, 05:26 AM
في الثورة

http://abuwabdallh900.googlepages.com/Arendt.JPG

" أمضيت سنوات كثيرة من عمري، بالتحديد: ثلاثين سنة، في دراسة الشر ! "
حنة أرندت


حنة أرندت، فيلسوفة أمريكية من أصل ألماني. ولدت عام 1906 وتوفيت 1975. تخصصت في الفلسفة في جامعة مدينة ماربورغ، وخلال الدراسة ارتبطت بعلاقة غرامية مع الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر. اضطرت إلى ترك ماربورغ، لأن هايدغر الذي اعتبرته ملكاً خاصا في مملكة التفكير، كان متزوجاً في محيط كاثوليكي محافظ، لتكمل دراستها عند الفيلسوف كارل ياسبرز في جامعة هايدلبرغ، التي قدمت فيها أطروحة الدكتوراه عام 1928. جاءت صدمة وصول النازيين إلى الحكم في ألمانيا عام 1933 لتشكل نقطة تحوّل مركزية في حياة أرندت دفعتها إلى الابتعاد عن الفلسفة بمفهومها النظري البحت والتوجه إلى العمل السياسي بشكل عملي. ولأنها يهودية، كانت الحياة في ألمانيا ضيّقة عليها إبان صعود القوى النازية فهاجرت لفرنسا، وفي عام 1941 انطلقت للولايات المتحدة. بدأت فيها عملها السياسي الحقيقي، حيث عملت صحفية، ومراجعة لغوية ومحاضرة جامعية. لكن المكانة المرموقة، التي تبوأتها أرندت في حقل العلوم السياسية، تعود في المقام الأول إلى كتابها الموسوعي: أسس التوتاليتارية, والذي ترجم جزء منه الى العربية عن دار الساقي.

صدر عن المنظمة العربية للترجمة هذه السنة كتاب "في الثورة" لحنة أرندت، لمن يريد القراءة عن الثورة بشكل عام, عن ماهيتها وأفكارها ونتائجها, وعن الثورة الفرنسية والأمريكية والفرق بينهما, هذا الكتاب قد يقدم لك ما تحتاج إليه. أحب القراءة عن الثورة الفرنسية, قرأت كتاب لويس عوض"الثورة الفرنسية" قبل سنتين, وقرأت فترة الثورة في موسوعة قصة الحضارة للمؤرخ ويل ديورانت, ولكن أي من الكتابين لم يستطع أن يسبر غور الثورة الفرنسية بمثل ما استطاعت حنة أرندت. في كتاب في الثورة تحليل ذكي جداً للظاهرة السياسية الحديثة نسبياً، وفيه تنظر أرندت في المبادئ التي تشكل أساس الثورات جميعها، بدءاً من الأمثلة الأولى في أميركا وفرنسا، مروراً بكيفية تطوّر نظرية الثورة وممارستها، وصولاً الى توقعات التغيير في العلاقة بين الحرب والثورة، وما ينتج من هذا التغيير على صعيد العلاقات الدولية.



http://abuwabdallh900.googlepages.com/Bastille.JPG

في 13 يوليو 1789م لم تكن باريس تحلم إلا بالدفاع عن نفسها. كانت سماؤها لاتزال ملبدة بالشكوك. وفي 14 يوليو انتقلت من الدفاع إلى الهجوم, ولم تعد لديها شكوك! في المساء كان هناك اضطراب وهياج, وفي الصباح كان هناك صفاء رهيب. مع الصباح استولت على باريس فكرة, ورأى الجميع نفس الضياء. في كل نفس ضياء وفي كل قلب صوت يقول : قُم, وسوف تستولي على الباستيل!. كان ذلك شيئاً جنونياً مستحيلاً, غريباً أن يقال, ومع ذلك فقد آمن به كل الناس وقد تحقق. كانت الساعة 5.30, وارتفعت صيحة مدوية من ميدان الجريف تقول : الباستيل سقط. يختصر المؤرخ الفرنسي ميشليه هذا السقوط المدوي بهذه الرمزية لسجن الباستيل: "يجب أن يقال أن الباستيل لم يسقط ولكنه سُلم. سُلم لأن ضميره المفعم بالذنوب أقلقه! إلى حد الجنون, وجعله يفقد روحه المعنوية. "

حين سمع لويس السادس عشر من رسوله ليانكورت بسقوط الباستيل وتحرير بضعة سجناء منه, وتمرد القوات الملكية قبل وقوع الهجوم الشعبي, قال الملك في وجه رسوله "إنه تمرد", فصححه ليانكورت قائلاً : كلا يا صاحب الجلاله .. إنها ثورة!. حين قال لويس السادس عشر أن اقتحام الباستيل هو تمرد, قد أكد على سطته وعلى الوسائل المختلفة بين يديه لمواجهة المؤامرة والتحدي الواقع على سلطانه, أما جواب ليانكورت, ف تتساءل الفيلسوفة الأمريكية - من أصل ألماني - حنة أرندت في كتاب "في الثورة", مالذي علينا أن نراه أو نسمعه عند الإصغاء لذلك الحوار الغريب, والذي ظن ليانكورت أنه يتعذر تغييره وهو خارج عن سلطة ملك, نعرف نحن أنه لا يقاوم ويتعذر تغييره؟

إن الجواب كما تقول يبدو بسيطاً. من وراء هذه الكلمات يمكننا أن نسمع ونرى حشود الناس في مسيرتها, وكيف اقتحمت الجموع شوارع باريس التي لم تكن عاصمة لفرنسا, بل عاصمة العالم المتمدن بأسره, أن نسمع ونرى هيجان الأهالي في المدن الكبرى مختلطاً اختلاطاً عميقاً مع انتفاضة الشعب من أجل الحرية. إن هذه الحشد الذي يظهر لأول مرة في وضح النهار كان في واقع الأمر حشداً من الفقراء والمسحوقين الذين اختبأوا فيما مضى في زوايا الخزي والعار. حين نفكر بالثورة إنما نفكر بتلك السيول الثورية والتي على أمواجها المتلاطمة ولد رجال الثورة, فحملتهم بعيداً إلى أن امتصهم تيار الماء المعاكس إلى تحت الماء ليهلكوا هم وأعداؤهم رجال الثورة المضادة. تيار الثورة الجبار يتصاعد باستمرار بفعل جرائم الاستبداد من جهة, وبفعل تقدم الحرية من جهة أخرى. حركة و حركة مضادة. لم توقف إحداهما الأخرى. بل كوّنتا بطريقة غامضة تياراً واحداً من عنف يتقدم ويصب في اتجاه واحد بسرعة متزايده على الدوام. هذا التيار المهيب للحمم البركانية هو ما يعرف لا حقاً : بالثورة تأكل أبناءها. إذا أردنا أن نفهم ماهي الثورة, وما انطوت عليه عموماً بالنسبة إلى الإنسان ككائن سياسي وأهميتها السياسية بالنسبة إلى العالم الذي نعيش فيه, و دورها في التاريخ ف يجب علينا الرجوع الى اللحظات التاريخية حين بدت الثورة بأجلى مظاهرها وبدأت بنشر سحرها في عقول البشر. بعبارة أخرى علينا الرجوع الى الثورتين الفرنسية والأمريكية لفهم ماهية الثورة. كانت الثورة الفرنسية وليست الأمريكية هي التي أشعلت العالم. رغم أن الثورة الفرنسية انتهت بكارثة, فقد صنعت تاريخاً عالمياً, في حين أن الثورة الأمريكية التي كانت ناجحة بكل المقاييس قد ظلت حدثاً لا تتجاوز أهميته المحلية إلا قليلاً.

كل ظهور جديد للناس, كل فكرة جديدة تحدث تأثيراً مدوياً تحتاج إلى كلمة جديدة, سواءً جرى صياغة كلمة جديدة للتعبير عن التجربة الجديدة, أو تم استخدام كلمة قديمة وجرى إعطاؤها معنى جديداً تماماً. كانت الكمات التي تخطر على البال لوصف الثورة هي العصيان "Rebellion" أو التمرد "Revolt". ومعناهما قد تحدد و معروف منذ العصور الوسطى المتأخرة. ولكن هاتين الكلمتين لم تشيرا أبداً إلى تأسيس حرية جديدة. كانت النظرية في القرون الوسطى تعرف العصيان المشروع, والنهوض ضد السلطة القائمة, وتعرف التحدي والتمرد. ولكن الهدف من كل هذا لم يكن اعترضاً على السلطة أو النظام القائم, بل كان دائماً تبادلاً مع الشخص الذي في السلطة. كتبادل المغتصب بالملك الشرعي أو تبادل المستبد الذي أساء استخدام سلطته بالحاكم القانوني.

كلمة ثورة في الأصل كانت مصطلحاً فلكياً اكتسب أهميته المتزايدة من خلال العالم الفلكي نيكولاس كوبرنيكوس في كتابه De revolutionibus orbium coelestium. في الشئون العملية احتفظت كلمة الثورة بمعناها اللاتيني الدقيق, مظهرة بوضوح الحركة الدائرية للنجوم, وبما أن ذلك هو خارج تأثير الإنسان, وبالنتيجة فهو لا يقاوم. الكلمة لا تشير إلى العنف, بل تشير إلى حركة دائرية متكررة. كان أصل الكملة قد نشأ في علم الفلك واستخدم على سبيل التشبيه في السياسة, فإذا استخدمت الكلمة للتعبير عن شؤون البشر على الأرض, فهي إنما تفيد بأن أشكال الحكومة القليلة المعروفة تدور بين البشر الفاني بتكرار أزلي وبالقوة ذاتها التي لا تقاوم, وتجعل النجوم تسير في الدروب المرسومة لها في السموات. حين نزلت كلمة "الثورة" من السماء لأول مرة وأدخلت في الإستعمال لتصف ما حدث على الأرض بين بني البشر الفانيين, فقد بدت بوضوح كمجاز أو استعارة, وهي تحمل الفكرة التي تفيد بحركة أزلية متكررة باستمرار لتقلبات المصير الإنساني صعوداً وهبوطاً, والتي شُبهت بالشروق والغروب للشمس والقمر والنجوم منذ الأزل.

يتبع ..

يوسف
18-08-2009, 05:28 AM
http://abuwabdallh900.googlepages.com/Robespierre.jpg

إذا كانت هناك شخصية من شخصيات الثورة الفرنسية جسدت السيول الثورية تجسيداً كاملاً فهي في شخصية المحامي ماكسمليان روبيسبير. لم يعش سوى 36 عاما، وتولى حكم فرنسا بعد أن قتل دانتون, وبعد أن أعدم الملك لويس السادس عشر. خطيب مفوه ومنحاز للفقراء, ومؤمن بجان جاك روسو إيماناً أعمى. كانت الجماهير مفتونه به لكن كانت تخشاه لأنه كان يعرف نقاط ضعفها التي يمكن استخدامها ضدها. في كتاب الثورة الفرنسية للويس عوض تم ذكر بعض الخطب الرنانة التي كان يستخدما روبيسبير لتهييج الجماهير وإثارة مشاعرهم .

رغم أنه تولي السلطة ثلاث سنوات ثم انفرد بحكم فرنسا كحاكم مطلق لمدة عام واحد إلا أن فرنسا عاشت في ظل حكمه أسوأ عصور الإرهاب والطغيان، وأصبح الإعدام يومياً بالمقصلة من المشاهد المألوفة في باريس. وقال عنه المؤرخون أنه قتل ستة آلاف مواطن فرنسي في ستة أسابيع دون أن يهتز له ضمير!

يقول عنه المؤرخ الإنجليزي هربرت ويلز في كتابه موجز تاريخ العالم : أصبحت الثورة تحت سلطان زعيم متسلط شديد التعصب هو روبيسبير. ومن العسير علينا أن نفضي في هذا الرجل برأي. كان ضعيف البنية جباناً بفطرته، لكنه أوتي ألزم الصفات لبلوغ القوة وهي الإيمان، ومن ثم أصبحت عقيدته الراسخة أن بقاءه في الحكم هو السبيل لإنقاذ الجمهورية، وخيل إليه أن الروح الحي للجمهورية قد نشأ عن تذبيح الملكيين وإعدام الملك. ما هو الإيمان الذي أعطى روبيسبير هذه القوة الطاغية؟ حنة أرندت فندت أن تكون الثورة الفرنسية ذات صبغة دينية مسيحية. الثورات الحديثة لم تكن مسيحية في الأصل كما يقال. حجة هذا الزعم هو الطبيعة الثورية للطائفة السميحية الأولى التي أكدت على مساواة الأرواح أمام الإله, وعلى ازدرائها السلطات الدنيوية. إن العلمانية وفصل الدين عن السياسة وتصاعد دنيا المدينة ذات المنزلة الرفيعة هي عوامل جوهرية في الثورة, وعلى هذه الأساس, فالعلمانية, وليست المسيحية هي التي تشكل أصل الثورة. إذا الأصل ليس ديني صرف, ف أين يكون؟ الجواب عند روسو, ذلك الفيلسوف الذي كان روبيسبير مؤمناً به إيماناً أعمى! في الطرف المقابل للثورة الفرنسية, كان رجال الثورة الأمريكية قد اعتبروا نظرية مونتيسيكيو في الفصل بين السلطات الثلاث من أعظم الابتكارات التي طبقوها في الحكومة الجمهورية الجديدة, في حين أن هذه النظرية لم تقم إلا بدور بسيط جداًَ في فكر الثوريين الأوربيين في العصور كافة. يتساءل جون آدمز:" كيف تجعل خمسة وعشرين مليوناً من الفرنسيين الذين لم يعرفوا في السابق أي قانون سوى إرادة الملك أن يتجمعوا حول دستور واحد؟".

الجواب عند روسو. جاذبية نظرية روسو التي شعر بها رجال الثورة الفرنسية إنما نشأت حسب تعبير أرندت لأن روسو قد وجد لهم وسيلة رائعة لوضع جموع الشعب بأكملها بموضع شخص واحد منفرد. ينطلق روسو من التجربة المعروفة بأن مصلحتين متعارضتين ستلتقيان معاً حين تواجههما مصلحة ثالثة تعارضهما معاً بالتساوي. من الناحية السياسية يفترض روسو وجود قوة جامعة لعدو مشترك. بحضور العدو فقط يمكن أن يحدث الأمر القائل: أمة واحدة غير قابلة للتجزئة. ولكن هذا العدو لا يمكن أن يظهر إلا في حالة الحرب مع عدو خارجي. روسو يبتعد أكثر من ذلك. كانت مشكلته أن يبحث عن عدو مشترك خارج حدود السياسة الخارجية, وكان الحل لديه أن مثل هذا العدو موجود في صدر كل مواطن من المواطنين! أي في إرادته الخاصة ومصلحته. عدو خفي يمكن أن يرقى إلى مصاف العدو المشترك للأمة. العدو المشترك في باطن الأمة هو المجموع الكلي لصالح المواطنين. إن الامة ليست بحاجة إلى انتظار عدو خارجي حتى يوحد جموع الشعب. وحدانية الأمة مضمونة بالقدر الذي يحمل فيه المواطن بداخله العدو المشترك! العدو المشترك هو المصلحة المعينة, ولو أن كل فرد يهب ضد نفسه في خصوصيته فسيتمكن من أن يثير في نفسه خصمه بالذات, أي الإرادة العامة, ويصبح هذا المواطن من مواطني الكيان السياسي. إن القارئ في تاريخ الثورة الفرنسية ليأخذه العجب من نكران الذات الخاص بالثوريين. التجارب الحقيقية لنكران الذات الذي قال به روسو, وفضيلة الرعب التي قال بها روبيسبير لا يمكن فهمهما من دون الأخذ بالإعتبار الدور الحاسم الذي لعبته الشفقة في عقول و قلوب الذين أعدوا الثورة الفرنسية. القوة الوحيدة التي يمكن ويجب أن توحد الطبقات المختلفة للمجتمع فتجعلها قوة واحدة هي الشعور بالشفقة لدى أولئك الناس الذين لم يقاسوا عذاباً تجاه أولئك الذين قاسوا العذاب, أي الطبقات العليا تجاه أراذل الناس.

غالباً ما يعزى التمرد ضد العقل إلى رومانسية القرن التاسع عشر, كما فُهم القرن الثامن عشر بأنه عصر العقل و التنوير. ولكن, كما تكشف أرندت سر روبيسبير: أصبحنا نقلل من شأن الدعوات السالفة لمصلحة العاطفة, ولمصلحة القلب, ولمصلحة الروح المشقوقة إلى روحين. ولمصلحة ماسماه روسو "الروح الممزقة". إذا كان روسو هو الذي أدخل الشفقة في النظرية السياسية, فإن روبيسبير هو الذي أتى بها إلى السوق المفتوح للعموم بالعنف الذي اتسمت به خطبه الثورية العظيمة. إن الإشفاق بصفته ينبوع الفضيلة قد برهن على أنه يمتلك من طاقة القسوة أكثر من القسوة ذاتها. العلة في فضيلة وشفقة روبيسبير هي أنها فضيلة بلا حدود. ماكان ليرى في حكمة مونتيسكيو التي تقول بأنه حتى الفضيلة يجب أن تكون لها حدودها, سوى أنها رأي مأثور عن قلب بارد. إذا أخذنا الحكمة المشكوك بها الناشئة عن إدارك الأمور بعد حدوثها فسنتمكن من إدراك حكمة مونتيسكيو الناشئة عن التبصر بالأمور, ونرى كيف أن فضيلة روبيسبير الموحى بها من الإشفاق قد عاثت فساداً بالعدالة واستخفت بالقوانين منذ بداية حكمه.

دائماً ما يتردد في الفكر السياسي أن الثورة الفرنسية كانت نتيجة طبيعية لأفكار فلاسفة التنوير من فولتير و مونتيسيكيو و روسو و الموسوعة. قد لا يكون فولتير مثلاً فيلسوفاً بمعنى أنه صاحب منهج فلسفي ونظرية في الوجود والإنسان والحياة. ولا تقارن فلسفته مثلاً بفلسفات كبيرة أحدثت زلزالاً معرفياً. ولكنه بالتأكيد فيلسوف حين يمارس النقد انطلاقا من العقل. و يعتبر من الرموز الفكرية الكبيرة التي أسست لحركة التنوير الفكري الأوروبي. أرندت ترفض بالمجمل فكرة أن هؤلاء فلاسفة. أهميتهم في تاريخ الفلسفة يكاد لا يذكر. كما أن إسهامهم في تاريخ الفلسفة السياسية لا يساوي أصالة أسلافهم في القرن السابع عشر. بيد أن أهميتهم في سياق الثورة كبير جداً, وهنا تنبع شهرتهم وتأثيرهم الحاد. يكمن تأثيرهم في سياق الثورة أنهم استخدموا مصطلح الحرية بتأكيد جديد لم يكن معروفاً من قبل. الحرية العامة التي قالوا بها لم تكن حيزاً باطنياً يلجأ إليه الناس بإرادتهم فراراً من ضغوط الدنيا, إن الحرية بالنسبة لهم لا يمكن أن توجد إلا في العلن. إنها واقع دنيوي ملموس, شيء خلقه البشر لكي يستمتع به البشر وليس هبة أو قدرة. إنها المجال العام أو السوق الحرة التي كان يعرفها القدماء باعتبارها المنطقة التي تظهر فيها الحرية وتغدو مرئية للجميع. من هذا السياق نفهم هذا القول الشهير لفولتير: " إنني مستعد أن أموت من أجل أن أدعك تتكلم بحرية مع مخالفتي الكاملة لما تقول".

من أجمل الكتب التي تحدثت عن الثورة هو هذا الكتاب بلا شك. ولو كان لدي الوقت الكافي لتحدثت أكثر عن الفروقات بين الثورة الفرنسية والأمريكية وكيف أن الثورة الفرنسية تخطت حدود المعقول حتى أصبحت كل ثورة تقيس نفسها على المنوال الفرنسي, بينما يتم تناسي أو عدم الإكتراث للثورة الأمريكية التي كانت ناجحة, وتأثير الثورة الفرنسية في فلسفة هيجل, ودحض النظرية التي تقول بأن ماركس هو صاحب فكرة الثروة والحكم كما طرحت حنة أرندت.

أختم هذه القراءة عن الثورة الفرنسية من خالدة الروائي العظيم فيكتور هيجو" البؤساء", إن للثورة الفرنسية كما يعبر هيجو أسبابها. إن المستقبل سوف يغفر لها غضبها, أما نتيجتها فهي العالم الأفضل, ومن ضرباتها الأشد فضاعة تنبثق ملاطفة للجنس البشري. :" الثورة الفرنسية هي المثل الأعلى مسلحاً بالسيف لا أكثر, وبتلك الحركة نفسها أوصدت باب الشر وفتحت باب الخير. نستطيع أن نقول أنها خلقت الإنسان من جديد بأن منحته نفساً ثانية, منحنه حقوقه, فبفضل الثورة تغيرت الأحوال الإجتماعية. إن الأمراض الإقطاعية لم تعد في دمنا, لم يبق شيء من القرون الوسطى في دستورنا. إننا ما عدنا نعيش في العصر الذي كانت التحالفات الداخلية تشن الغارات فيه, العصر الذي كان الناس يسمعون فيه تحت أقدامهم, العصر الذي تشققت فيه الأرض, وانفتحت فيه أبواب الكهوف, إن المعنى الثوري معنى أخلاقي, ذلك بأن الإحساس بالحق يولد الإحساس بالواجب, وقانون كل شيء هو الحرية التي تنتهي حيث تبدأ حرية الاخرين "

نازفه كالمطر
21-08-2009, 09:23 PM
يوسف ..

قد جعلت العآبرين في ذهول من تلك الارصفه المكتظه بـ جمال ..

سعيده بارتطامي على اكتف المآره باندفاع

كل الشكر لك

..

يوسف
27-08-2009, 12:53 AM
يوسف ..

قد جعلت العآبرين في ذهول من تلك الارصفه المكتظه بـ جمال ..

سعيده بارتطامي على اكتف المآره باندفاع

كل الشكر لك

..



وكل الشكر لقراءتك هنا. حياك الله

يوسف
27-08-2009, 12:54 AM
علاقتي "معها" - سورين كيركجارد

http://abuwabdallh900.googlepages.com/RegineOlsen.jpg

ريجين أولسن. مجرد ذكر هذا الاسم يفتح الباب واسعاً لأكبر حادثة عصفت بكيركجارد, كانت ريجين بنت مستشار في البلاط الملكي. تعرف عليها كيركجارد في مايو سنة 1837م, فوقع سحر في قلبه موقع الصاعقة. راح يتردد عليها في منزلها بين يوم وآخر. يسجل في يومياته أن هذه الفتاة قد أصبحت"ملكة على قلبه". قرأت الفصل الخاص به في موسوعة الفلسفة لعبدالرحمن بدوي, وانتظر الوقت الذي سأتفرغ فيه لقراءة سيرة حياته, وكتاب إما/ أو, والذي قالت فيه سيدة دنماركية في رسالة للكاتب أندرسن تحكي فيه رأيها في الكتاب: ظهر في سماء الأدب نجم مذنب مشؤوم الطالع. الكتاب شيطاني إلى درجة أن المرء لا يدعه من يده إلا و يود أن يستأنف قراءته في الحال. انتبهت لشيء ما حين يحكي بدوي عن علاقة ريجين أولسن ب سورين كيركيجارد. كانت العلاقة محورها تلك المدونة التي نشرها كيركيجارد في يومياته ويسجل فيها رأيه في الخطبة ثم فسخ الخطبة من ريجين أولسن. قرأت هذه القطعة الأدبية حين نشرها الزميل عدي قبل فترة. هي بحق من أجمل القطع الأدبية العالمية:


ريجين أولسن- رأيتُها أولَ مرةٍ عندَ عائلةِ روردام. في الحقيقة، عندما رأيتها آنذاك، لم أكن أعرفُ عائلتَها. (بطريقةٍ ما، أشعرُ بالمسؤوليةِ تجاه بوليت روردام. في وقتٍ سابق، قامت بصنعِ أثرٍ في نفسي، و قمتُ بصنعٍ أثرٍ مماثلٍ في نفسها؛ و لكن بكلِ طهارةٍ، بطريقةٍ عقليةٍ محضة).

حتى قبلَ أن يموتَ والدي، عقدتُ عزمي في شأنِها. توفيَ والدي (أغسطس 9، 1838). أمضيتُ الوقتَ في القراءةِ لامتحاني. طوالَ تلك المدة، سمحتُ لكينونتِها أن تتغلغلَ في كينونتي.

في صيفِ 1840 قمتُ بالتقدمِ لآداءِ امتحاني في العلوم الدينية.

بدونِ احتفالٍ أو ضجة، قمتُ بالاتصالِ ببيتهم بمجرد إنهائي للامتحان. غادرتُ إلى جتلاند[2]، و حتى أثناءَ إقامتي هناك، كنتُ -ربما- أحاولُ الوصولَ إلى قلبِها؛ بإعارتهم كتبي أثناءَ غيابي، و باقتراح مقاطعَ معينة كي يقرأوها.

عُدتُ بحلولِ أغسطس. استخدمتُ الفترةَ الممتدة من التاسع من أغسطس حتى بداية سبتمبر للاقترابِ منها (بالمعنى المباشر للجملة).

في الثامنِ من سبتمبر، تركتُ منزلي و أنا كلي عزمٌ كي أن أسوي المسألة. قابلنا بعضنا في الشارعِ، خارجَ منزلِهم. أخبرتني أنهُ لا يوجدُ أحدٌ في المنزل. كنتُ أحمقاً كفايةً كي أعتقدَ أن ما قالتهُ دعوةٌ لي، الفرصةُ التي كنتُ أنشدُها بالضبط. دخلتُ المنزلَ معَها. وقفنا لوحدِنا في صالةِ المعيشة. كانت غيرَ مرتاحةٍ قليلاً. طلبتُ منها أن تعزفَ لي شيئاً كما تعودتْ أن تفعل. فعلتْ ذلك؛ و لكن ما قامتْ بهِ لم يجدي معي نفعاً. عندَها، فجأةً، تناولتُ كتابَ الموسيقى و أغلقته، ليسَ من دونِ بعضِ العنف، رميتهُ فوقَ البيانو، و قلتْ: "ما الذي يعنيني بالموسيقى الآن! إنها أنتِ التي تعنيني، إنها أنتِ ما كنتُ أبحثُ عنه لمدةِ سنتين." كانت ساكتة. لم أقم بأيّ شئٍ آخر كي أصنعَ أثراً في نفسِها؛ بل إني حتى حذرتُها مني، من كآبتي. و لكن عندما قامت بالتحدثِ عن شليجل[3] قلتُ لها: "اجعلي من تلكَ العلاقة جملةً معترضة؛ بعدَ كلِ شئ، أنا الأحرى بك." (ملاحظة هامة: لم تتحدث عن شليجل إلا بالعاشر من سبتمبر؛ بالثامن، لم تنبس بأي كلمة.)

بقيتْ صامتة طيلة الوقت. في الأخير غادرتُ المنزل. كنتُ قلقاً أن يأتيَ شخصٌ و يجدنا على هذه الحال، كانت مضطربةً بشدة. قصدتُ مباشرةً إتاتسراد أولسن[4] ، كنتُ أعلمُ أنه يجدر بي القلق بسببِ الانطباع الشديد الذي تركتهُ عليها. كنتُ أخشى أيضاً من أن تؤدي زيارتي إلى سوء فهمٍ، أو أن تؤدي إلى إضرارٍ بسمعتِها.

والدُها لم يقل لا "لا" و لا "نعم"، و لكنهُ كان مرحباً كفايةً كما استطعتُ أن أتبين. طلبتُ موعداً للمقابلة: أجابوا طلبي بتعيين مساء العاشرِ من سبتمبر. لم أقل أي كلمةٍ كي أقنعَها. لقد أجابت بِـ : "نعم."

مباشرةً، كونتُ علاقةً مع جميع أفراد العائلة، استخدمتُ جميعَ مهاراتي مع والدِها الذي لطالما أحببتهُ من قبل.

و لكن، في داخلي، و بمجردِ بداية اليوم التالي، استطعتُ أن أرى فداحة الخطوة الخاطئة التي اتخذتْ. رجلٌ يرزحُ تحتَ الإثم مثلي، كلُ الـ vita ante acta الخاصةِ بي [5]، كآبتي، كلُ ذلكَ يكفي.

تعذبتُ بصمتٍ في تلكَ المدة.

هيَ لم تلاحظْ شيئاً من ذلك. بل على العكس، معنوياتها كانت مرتفعةً جداً بحيثُ قالتْ في إحدى المراتِ أنها قبلتْ بي شفقةً عليّ. باختصار، لم أعرف أبداً شخصاً بمثلِ تلك الروح العالية.

بطريقةٍ ما، هذه هي المصيبة. لو أنني استطعتُ أن أجعلَ المسألة لا تتغلغلُ إلى قلبِها أكثر كما يظهرُ من كلامِها، فكرتُ: "لو أنها اعتقدتْ أنني تقدمتُ إليها لمجردِ مسايرةِ العادة، سوفَ تفسخُ الخطبةَ عندَها مباشرة"؛ لو أنني استطعتُ أن أجعلَها تتوقفُ عن أخذِ العلاقةِ إلى قلبها بهذا الشكل، عندَها سوفَ أنجو. بطريقةٍ أخرى، يجبُ أن أعترفَ بضعفي، أنها للحظةٍ أزعجتني.

بعدَ ذلك سخرتُ جميعَ قواي كي أجعلَ الأمرَ يحدث-هي استسلمت، وفي الحقيقة حدث العكسُ تماماً، منحتْ نفسها بالكاملِ و دونَ تحرزٍ لي، بدأت تعبدني. إلى حدٍ ما، أنا شخصياً من يتحملُ جرمَ ما حصل. بينما كنتُ أتبينُ بكل وضوحٍ صعوبةَ المسألة، و ألاحظُ أن عليّ تسخيرَ جميعِ قواي كي أخرجَ -إن أمكن- من كآبتي، كنتُ في نفسِ الوقت أقولُ لها: "استسلمي لي؛ كرامتكِ سوف تجعلُ كل شئٍ أسهلَ بالنسبةِ لي." جملةٌ صحيحةٌ تماماً؛ أمينة بالنسبة إليها، كئيبة و مخاتلة بالنسبةِ لي. (إلى حدٍ ما، كانت تشكُ بحالتي، إذ كانت تجيبني مراراً: "أنتَ دائماً غيرُ سعيد؛ و لذلك لا يفرقُ عندَك إن أنا بقيتُ معكَ أم لا." قالت لي أيضاً في إحدى المرات: أنها لن تسألني أبداً عن أي شئٍ بتاتاً، لو أنها تضمنُ فقط أن تبقى معي.)

و الآن، بالطبع، استيقظتْ كآبتي من النوم مرةً أخرى. ولائُها ألقى مرةً أخرى بالمسؤولية فوقَ عاتقي بالكاملِ و بوزنٍ هائل، في اللحظةِ التي كنتُ أرجو لكرامتِها أن تحررَني من المسؤوليةِ للأبد. رأيي هو، و أفكاري كانت، أن ما حصلَ عقوبةٌ من اللهِ تداركتني.

لا أستطيعُ أن أقررَ بوضوحٍ مقدارَ ما هو عاطفيٌ فقط في الأثر الذي تركتهُ في نفسي. أمرٌ واحدٌ مؤكد: أنها أعطتْ نفسَها لي، كادت أن تعبدَني، سائلةً إيايَ أن أحبَها، مما حركني بقدرٍ كنتُ معهُ على وشكِ أن أضحي بكلِ شئٍ من أجلِها. مقدار حبي لها كان جلياً في حقيقةِ أني كنتُ أخفي عن نفسي إلى أي مدى كانت تحركني بهِ كلماتُها، و الذي، في حقيقة الأمر، ليس له أي علاقةٍ بالعواطف. لو لم أكن رازحاً تحت الإثم، لو لم أملك الـ vita ante acta الخاصة بي، لولا كآبتي، لجعلَني الزواج منها أكثر سعادةً مما قد حلمتُ بهِ طوال عمري. لكن، بما أني أنا -يا للأسف- هو أنا، توجبَ علي أن أعترفَ أني سأُسَرُّ بعدم سعادتي من دونِها أكثرَ من عدمِ سعادتي لو كنتُ معَها؛ لقد حركتني، و لكم كان بودي، أكثرَ من ودي، أن أفعلَ كلَ شئٍ من أجلِها.

و لكن كانت هناكَ معارضةٌ إلهية، هكذا فهمتُ ما جرى. الزواج. كان عليَّ أن أخبئَ مقداراً عظيماً عنها، كان عليَّ أن أحملَ الأمرَ جميعَه على شئٍ غيرِ صحيح.

كتبتُ إليها، و أرجعتُ لها الخاتم. الرسالةُ يمكنُ أن يُعثرَ عليها كلمةً كلمةً في "التجربة السيكولوجية" [6]. استعملتُ كلَ قواي كي أجعلَ من المسألة تاريخاً؛ لم أتحدث مع أيّ أحدٍ عنها، و لا أيّ شخص؛ أنا الذي في صمتي أتجاوزُ صمتَ القبر. و لذا، لو وقعَ الكتابُ بين يديها، أردتُ أن تتذكرَ الرسالة.

ماذا صنَعتْ؟ وسطَ يأسِها الأنثوي قامت بتخطي الحاجز. اتضحَ أنها تعرفُ أنني أنا الكآبة؛ أرادت أن تستخدمَ القلقَ كي توصلَني إلى أقصى حد. العكسُ هوَ ما حصل. لقد أوصلتني بالتأكيدِ إلى النقطة التي جعلتِ القلقَ يوصلَني إلى أقصى حد؛ و لكن بعد ذلك، ركزتُ جميعَ كياني كي أجعلَها تبتعدُ عني. لم يبقَ إلا شيئٌ واحد يمكنني أن أفعلَه، هذا الشئُ هو أن أجعلَها تنفرُ مني بكلِ قواي.

أثناءَ هذين الشهرين من الخداع توخيتُ مقداراً معيناً من الحذرِ في كلِ ما أقولهُ مباشرةً لها من وقتٍ لآخر: استسلمي، دعيني أرحل؛ لن تستطيعي أن تتحملي. الأمر الذي جعلَها تجيبُ بحرارةٍ أنها ستتحملُ أيّ شئٍ على أن تدعني أرحل.

اقترحتُ أيضاً أن نظهرَ للناس أنها هي التي فسخت الخطبة، الأمر الذي من شأنهِ أن يقيَها من أية إهانة محتملة. رفضتْ ذلك بشدة. أجابت: أنها استطاعتْ أن تتحملَ فسخَ الخطبة، فإنها ستتحمل الإهانة. و بطريقةٍ لا تخلو من بعض السقراطية قالت: في وجودِها، لن يجرؤَ أيّ أحدٍ على إظهار الأمر، أما ما يقولهُ الناسُ بغيابِها فليس يعنيها بالمرة.

كانَ وقتاً من العذابِ الرهيب: أن يتوجبَ عليكَ أن تكونَ قاسياً، و في نفسِ الوقت، أن تحبَ مثلما كنتُ أفعل. قاتلتْ كالنمرة. لو لم أؤمنْ أن اللهَ صوتَ بالمسألة لكانت هيَ المنتصرة.

و من ثمَّ، و بعدَ ما يقارب الشهرين، فُسختْ الخطبة. أصابها اليأس. لاولِ مرةٍ في حياتي أنهرُ أحداً. كان الشئ الوحيد الذي بإمكاني أن أفعلَه.

يتبع ..

يوسف
27-08-2009, 12:54 AM
عندما تركتها، ذهبتُ مباشرةً إلى المسرح لأني أردتُ الإلتقاء بإميل بوسين[7]. (هذا ما دفعَ إلى الشائعة التي انتشرت في كوبنهاجن، أنني نظرتُ إلى ساعتي و قلتُ للعائلة أنهُ لو بقي عندهم أي شئٍ يقولونه فمن الأحرى أن يتعجلوا لأنه يتوجبُ علي أن أذهب إلى المسرح). انتهى الفصل الأخير. بينما كنتُ أهمُ بمغادرةِ الإسطبلات لحقَ بي إتاتسراد أولسن و قالَ لي: "هل بإمكاني أن أتحدثَ إليك؟" ذهبنا سويةً إلى منزلِه. "ما صنعتهُ سيكونُ موتَها، إنها في يأسٍ هائل." قلتُ له: "سوفَ أهدئُ من روعِها؛ و لكن المسألة منتهية." هوَ قال: "أنا رجلٌ فخور، و أجدُ أنه من الصعبِ أن أقول ما أنا على وشكِ أن أقولَه، و لكني أرجوك، لا تتركها." لقد كانَ بكلِ تأكيد رجلاً نبيل القلب؛ حركني ما قالهُ كثيراً. و لكني لم أسمح لنفسي بأن أضعف. بقيتُ مع العائلة حتى العشاء. تحدثتُ معَها و أنا أهمُ بالمغادرة. في الصباح التالي، استقبلتُ رسالةً منه تخبرني أنها لم تنمْ طوالَ الليل، و تسألني أن آتي لأراها. ذهبتُ و حاولتُ أن أقنعَها. سألتني: "ألن تتزوجَ أبداً؟" أجبتُها: "بلى، ربما بعد عشر سنوات، بعد أن أنثر حبوب شوفاني الهائجة، عندَها سأحتاجُ إلى دمٍ يافع كي يرجعَ الشبابَ إليّ." كانت قسوةً ضرورية. بعدَها قالت: "سامحني على الألم الذي سببتهُ لك." أجبتها: "أنا الذي يتوجبُ عليه أن يطلبَ منكِ الصفح." قالت: "عِدني أن تفكرَ بي."، و عدتُها. "قبلني" هي قالت. قمتُ بتقبيلِها، لكن من دونِ عاطفة. رحماكَ يا رب!

و هكذا افترقنا. أمضيتُ الليلةَ كاملةً و أنا أبكي فوقَ سريري. و لكن في اليوم التالي، تصرفتُ كما في السابق؛ أكثرَ مرحاً، و بمعنوياتٍ لم يسبق أن امتلكتُ أفضلَ منها من قبل. كان ذلكَ ضرورياً. أخبرني أخي أنهُ يريدُ أن يذهبَ إلى العائلة ليظهرَ لهم أنني لستُ خسيساً. "لو قمتَ بذلك، سوفَ أضعُ رصاصةً في رأسك،" و هو أفضلُ برهانٍ على أهمية المسألة بالنسبة لي[8]. غادرتُ إلى برلين. تألمتُ كثيراً. كنتُ أفكرُ فيها كلَ يوم. إلى هذا الوقت و أنا أحافظُ على وعدي، و أدعو لها مرةً على الأقل، و في الغالب مرتين، كل يوم، إضافةً إلى المرات الأخرى التي أمضيها بالتفكيرِ فيها.

عندما انفصلت العرى، كانت أفكاريَ هذه: إما أن ترميَ نفسَكَ وسط أكثر أنواع الحياةِ صخباً و لهواً- أو أن تغدوَ متديناً بالكامل، و لكن ليسَ كتدينِ الرهبان.

لم أبقَ في برلين سوى ستة أشهر. في الواقع كانت نيتي أن أبقى هناك لمدةِ سنةٍ و نصف السنة. لا بدَّ أن حقيقة عودتي بهذه السرعة جذبت انتباهها. و بالفعل حدث ذلك، كانت تنتظرني بعد خطبة ماينستر، في الأحدث الأول، بعد عيد الفصح. و لكني رفضتُ جميع محاولاتها. نيتي كانت أن أنفّرَها. لم أرد لها أن تعتقدَ أنني كنتُ أفكرُ فيها أثناءَ غيابي. و فوق ذلك، علمتُ من سايبرن، أنها هي نفسها قالت أنها لا تستطيعُ أن تحتملَ رؤيتي ثانية. الآن بعد أن اتضحت لي الأمور لم تكن المسألة، و لكن كان من المشروع لي أن أعتقد أنها لم تكن تستطيع أن تتحمل الحديث معي.

للبقية، سوف يبدو كما لو أنها اتخذت أكثر قرارات حياتها أهميةً تحت رعايتي. بعدَ وقتٍ قصيرٍ من خطبتها بشليجل صادف أن وجدتني في كنيسة. لم أتجنب نظرتها. هزت برأسها نحوي مرتين. هززتُ رأسي. هذا يعني: "يجبُ أن تستسلمي بشأني." أشارت برأسها مرةً أخرى، أشرتُ برأسي بطريقة أردتُ أن تكون وديةً ما أمكن. هذا يعني: "لقد احتفظتَ بحبي."

بعد ذلك، عندما أصبحتْ مخطوبةً لشليجل (1843)، قابلتني في الشارعِ و حيتني بطريقةٍ هي الأكثر وداً و عفوية. لم أفهمها، إذ أني حينها لم أسمع بخبر خطبتها. قمت فقط بالنظرِ بتسائلٍ نحوَها، و هززتُ رأسي. هي بالطبع كانت تعتقدُ أنني سمعتُ عن خبر الخطوبة و تريدُ أن تطلبَ موافقتي.

عندما أُذيعت أخبار الزواج (1847) كنتُ متواجداً في الكنيسة.


سورين كيركجارد



[1] هذه الصحفات مأخذوة من مجلة سورين كيركجارد الشخصية، و لقد طلبَ قبل وفاته أن تُرسل إلى ريجين أولسن، المرأة الوحيدة التي أحبها، و فسخ خطبتها معها، كما سيتبين من الأحداث الواردة في المجلة.
[2] جتلاند هي المنطقة الشمالية و القروية من الدنمارك، و التي ينحدر منها أبو سورين كيركجارد. بعد نجاح سورين في امتحانه الديني في زمن قياسي، قام بزيارة تلك المنطقة فيما يشبه الحج الروحي، كي يتتبع خطوات أبيه الشاب، الذي كان يؤمن أن الله كتب عليه أن يرى أولاده يموتون جميعاً أمامه بسبب لعنة أطلقها في صباه نحو السماء.
[3] القنصل شليجل، أحد معارف عائلة أولسن، و الذي تزوج ريجين فيما لاحقاً، بعد أن فسخ سورين خطبته بها. يُقال أن ريجين في أواخر حياتها، كانت تبدأ جميع أحاديثها بالتحدث عن زوجها الراحل شليجل و الثناء عليها، و لكنها كانت تنهينها دوماً بالتحدث عن سورين كيركجارد، حبيب شبابها.
[4] ولد ريجين أولسن.
[5] عبارة لاتينية تعني "حياةٌ انقضت من قبل".
[6] التجربة السيكولوجية هو أحد الكتب غير المعدودة التي استطاع الفيلسوف النرويجي كيركجارد أن يكتبها في فترة حياته القصيرة. في أحد الفصول، يورد كيركجارد رسالة فسخ الخطبة مع ريجين دون أن يشير إلى حقيقة ذلك صراحةً.
[7] في رسالة إلى صديقه إميل بويزون، منعَ كيركجارد صديقه من أن يناقض أو ينفي جميع الشائعات التي انتشرت في كوبنهاجن، و التي تحكي عن فسخ الخطبة، و عن قسوة و خساسة الشاب سورين كيركجارد.

ترجمة / عدي الحربش

يوسف
02-09-2009, 02:07 PM
المحاضرة الأخيرة

http://abuwabdallh900.googlepages.com/RandyPausch.jpg

الكتاب : المحاضرة الأخيرة the last lecture
المؤلف : راندي بوتش
ترجمة وإصدار : مكتبة جرير

كيف تحقق ذاتك, كيف تطور ذاتك, عدة طرق لتغيير حياتك للأفضل, الطريقة المثلى للتوفير, كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الآخرين. وغيرها وغيرها, أسماء كتب كثيرة تمتلئ بها رفوف إحدى المكتبات, وكأن الإنسان لوحده لا يستطيع أن يتصرف بنفسه ويتكيف في هذه الحياة دون شخص يقرص أذنه ويعلمه الطريقة المثلى للعيش في هذه الحياة. هل يحتاج الإنسان الفرد لتوجيه في حياته العلمية والعملية من أجل أن يسير في هذه الدنيا المضطربة ويحقق ذاته بنفسه دون تدخل من أحد؟ لا أقصد التدخل الذي يأتي من التربية, فكل مظاهر التربية والتعليم التي انطبعت في أذهاننا منذ الصغر ستكون ذات تأثير جزئي أو مفصلي في حياة كل فرد, ولكن تبقى هناك مساحة بيضاء لم يمسها السواد بعد, تحتاج لأوامر من العقل نفسه, ومن الذات نفسها للسير قدماً في الحياة.

كنت في مكتبة جرير قبل أيام, وشاهدت ملصق دعائي كبير عن كتاب راندي بوتش "المحاضرة الأخيرة". ابتسمت حين شاهدت هذا الملصق الذي تحول لدعاية لكتب تطوير الذات. لو كان راندي حياً لرفض أن يكون كتبه من هذه الكتب التي أرى - رأي شخصي - أنها لا تفيد ولا تحقق المنفعة من عدمها. لماذا ابتسمت؟ مم تذكرت فقط راندي بوتش حين أقام في المحاضرة الأخيرة حفلة عيد ميلاد لزوجته في وسط قاعة تضم 500 شخص, فقط لأنه لم يستطع أن يقدم حفلة ميلاد يرى أنها لم تكن جيدة لمن كانت معه طيلة أيام حياته التي أنهاها مرض سرطان البنكرياس المميت.

لعل الجميع قد سمع عنه, مجرد ما تكتب المحاضرة الأخيرة, ستجد رابط اليوتيوب في المقدمة و يحوي تسجيلاً لتلك المحاضرة التي تحولت من محاضرة أخيرة لإنسان مقبل على الموت إلى كيفية تحقيق راندي أحلام طفولته, وكيف حققها للآخرين. راندي بوتش أستاذ جامعي في علوم الكومبيوتر في جامعة كارنيجي ميلون. من الأساتذة الجامعيين الذين ألهمت ابتكاراته في العوالم الإفتراضية شركات التكنولوجيا المتقدمة وعوالم ديزني لاند, حتى أصبحت طريقة تدريسه في الجامعة مثالاً يحتذى في أغلب جامعات الولايات المتحدة الأمريكية.

قبل أن أشاهد المحاضرة قبل خمسة شهور تقريباً, كنت على يقين بأن المحاضرة ستكون حزينة لرجل مقبل على فراق الأهل والأصدقاء. ولكن كان هناك العكس بالتمام, كان ساخراً يتمتع بروح الفكاهة, ويحكي سيرة حياته, كيف استطاع أن يركب إحدى طائرات ناسا التي تنعدم فيها الجاذبية, ثم حلمه الأكبر, أن يكون من ضمن مبتكري عالم ديزني لاند.

أنا أؤيد نصائحه في الكتاب والمحاضرة لأنها ليست توجيه من عقل كتب ثم انتحر لاحقاً, بل كتب لأنه عاش وذاق كيف تكون إحدى المصاعب طريقاً آخر للنجاح بدل أن تكون طريقاً للفشل. المكان الذي لا يعنفك فيه أحد ولا تتعرض للإنتقاد فيه هو المكان الخطأ, لأنك لست بكامل, لا يوجد كمال مطلق في حياة الفرد. هي تلك القاعدة الأزلية حول الصواب والخطأ. أن تخطئ لا يعني أنك فشلت, وأن تخطئ ولا تتعرض للنقد لا يعني أنك على صواب.

يذكر راندي حكاية في الكتاب تحكي تلك العلاقة بين الصواب والخطأ. رأى راندي نادلة في شهور حملها الأولى. كانت صور أطفال راندي على شاشة الحاسب المحمول. تلمكها الإعجاب بالأطفال. ولكن, حين بارك لها راندي حملها قالت :" كلا .. ليس كما تعتقد, فقد كان حملاً غير مقصود ". حادثة عرضية قد تكون سبباً في وجود إنسان على وجه الأرض. لعبت المصادفة دوراً في أن تحمل هذه المرأة بطفل لم تكن تتعمد أن تحمل به, والذي ستحبه بلا شك فور إنجابها له, أما راندي, فلعبت المصادفة دوراً مختلفاً حيث أصيب بمرض السرطان, وسيضطر للرحيل عن هذه الدنيا تاركاً ورائها أطفال سيحرمون من حبه. ما الذي يجعلني أرفض أن تكون المحاضرة الأخيرة من ضمن قائمة تطوير الذات: الموسيقي سيصنع موسيقى لأبناءه, الرسام سيرسم لوحة لأبناءه, أما المحاضر, سينشر محاضرة لأبناءه, محاضرة أخيرة سوف يعودون إليها لاحقاً ليعرفوا كيف تحقق حلم راندي بوتش.

http://abuwabdallh900.googlepages.com/ABeautifulMind.jpg


لم أستطع أن أمنع خيالي من التحليق بعيداً. راندي أصيب بمرض مميت رحل بسببه, وأحد العلماء كما في هذا الفيلم أعلاه, عاش مع العذاب طيلة سنين طويلة حتى أصبح العذاب مرافقاً له طيلة الحياة. ولم يمنعه من تحقيق ذاته حتى فاز بجائزة نوبل في الإقتصاد. لا زلت أتذكر تلك الساعتين التي شاهدت فيها فيلم راسل كرو "A Beautiful Mind". نشاهد في البداية شخصيات أعتدنا وجودها في الفيلم وكأنها حقيقة, ثم ينقلب الحال حتى تُكسر جميع القوانين الرياضية وتصبح تلك الحقيقة مجرد كذب. ياللرعب! أن لا تعرف أبداً ما هو حقيقي وما هو كذب, من هو الصديق ومن هو العدو. يصبح العالم الواقعي والخيالي واحداً حتى لا تستطيع التمييز أبداً. من هو مصاب بهذا المرض, وتلقى تلك الصدمات الكهربائية من أجل التخلص من هذا المرض اللعين, هل سوف تفيده بضع أحاديث عن تطوير الذات وما شابه ذلك. إن لم يبدأ الفرد تطوير نفسه بنفسه, فلن يحقق ذاته, وإن لم يكن لديه حلم, فلن يكون لديه أشياء يستطيع التفاخر بها لاحقاً, لأن لا حلم لديه. امتلك حلمك الخاص, وحقق ذاتك بنفسك.

في آخر دقائق في المحاضرة الأخيرة لراندي بوتش, حين أنشد الحضور تهنئة عيد الميلاد لجاي, زوجة راندي, ذهبت جاي وضمت زوجها وهي تبكي. قد يكون المشهد هوليودياً بإمتياز. نعم, ذلك صحيح, كنت أفكر وأنا أشاهد هذا العناق بين زوجين سيفرقهم الموت, ماذا قالت جاي لراندي في ثانية واحدة تحديداً عندما تميل ناحية أذنه, في الكتاب كانت هناك تلك الكلمة, قالت : أرجوك.. لا تمت!. لا أنسى بالطبع أغنية All love can do في فيلم راسل كرو, بلا شك, من أجمل أغاني الأفلام التي لا تملك عند الإستماع إليها إلا أن تحلق بعيداً .. بعيداً بعيداً .. !

I will watch you in the darkness
Show you love will see you through
When the bad dreams wake you crying
I’ll show you all love can do
All love can do

محـروت
02-09-2009, 02:42 PM
8
لتو كُنت في المدونة كُنت أقرأها ولتو كذلك إنتهيت منها أتعبتنا يا يوسف pb030

CAN
11-09-2009, 06:55 PM
عرفت اسم راندي بعد محاضرته المشهورة رغم اني لم أشاهدها حتى، اقتنيت الكتاب بعد
قراءتي لعرضك مباشرة. بالفعل الكتاب ملهم بدرجة كبيرة ومن واقع تجارب خاضها راندي، وليست مجرد إملاءات.


لكن ليت الترجمة والطباعة لغير جرير! أخطاء مزعجة.. لغوية ومطبعية بكثرة، أجزم أنها لم تكلف
نفسها حتى بقراءة واحدة مابعد الطباعة.

شكراً يوسفbp039

يوسف
16-09-2009, 01:15 AM
محروت
تعبك هو غايتنا :D .. حياك أيها الرفيق.bp039


CAN
ترجمة جرير ينقصها أشياء وليست شيء واحد. حرف الياء طبعاً غير موجود, ويتم استخدام الألف المقصورة بدلاً منه. اتفق معك بأن ترجمات جرير تحتاج لإعادة صياغة من جديد حتى تتحقق الفائدة من الترجمة. حياك أيها الصديق bp039

يوسف
16-09-2009, 01:16 AM
السيميائية

http://abuwabdallh900.googlepages.com/Semiotics.jpg


الكتاب : أسس السيميائية
المؤلف : دانيال تشاندلر
إصدار : المنظمة العربية للترجمة


ماهي السيميائية؟ وماهي أسس هذا العلم؟
من قرأ يوماً مقالة أو رواية للمفكر والروائي الإيطالي أُمبرتو إيكو سيجد أن هذا المصطلح يحتل حيزاً كبيراً من أعماله الفكرية والأدبية. في رواية اسم الوردة تبدأ الرواية بتمرين سيميائي, حيث يؤول المحقق الفرنشسكاني غوليالمودا علامات مختلفة للإستدلال منها على حادثة لم يكن حاضراً فيها, وهي فرار جواد رئيس الدير, ويتضح من خلال شرح الإستراتيجية التي اتبعها أن العلامات تكون محملة بعدة معان إذا ما كانت موجودة مسبقاً في تجربة الشخص, أو إذا ما كان لها مقام يوافقها في المعرفة الموسوعية للشخص, وأن علامة ما قد تكون عديمة المعنى إذا ما كانت لوحدها, أي منعزلة عن شبكة العلامات المحيطة بها. إذا تم ربط العلامة في علاقة مع علامات أخرى, قد تنتمي إلى أنظمة سيميائية مختلفة, وتصبح ثرية بالمعاني وقابلة لأن تؤول. بينما لم ينتبه بطل رواية اسم الوردة الراهب المبتدئ أدسو إلى وجود علامات وآثار الوبر الأسود والآثار على الثلج والغصن المكسر, انتبه غوليالمودا لوجود هذه العلامات ووضعها بحكم تجربته في علاقاتها المتبادلة ليستدل منها على مرور جواد, وعلى خاصية ذلك الجواد من لون وقامة ورشاقة, ثم تكهن بمالكه, واسمه, وبالوجهه التي اتخذها من خلال علامات أخرى تتماشى مع العلامة الأولى.

المحقق في الجريمة, سواءً كان غوليالمودا أو روبرت لانغدون بطل دان براون الشهير, ينطلق من فرضية اعتماداً على العلامات التي اكتشفها, ثم يتأكد من صحة تخمينه عند معاينة الأمر الواقع. كما حصل لروبرت لانغدون عندما شاهد علامة المتنورون تخرج من الفاكس, وهو الذي تناسى هذه الجماعة ولم يفكر يوماً بأنها سوف تعلن عن نفسها عندما يتم قتل أحد العلماء الفيزيائيين في بداية رواية ملائكة وشياطين.

يقول غوليالمودا لأدسو في رواية اسم الوردة: كنت مستعداً لتقبل كل أجناس الخيول, لا لإتساع إدراكي ولكن لضعف حدسي. لم أشف غليلي من المعرفة إلا عندما رأيت ذلك الجواد بالذات يقوده الرهبان من لجامه. عندها فقط تحققت من أن تخميني الأول قادني قريباً من الحقيقة. وهكذا كانت الأفكار التي خطرت لي في البداية, تصور جواداً لم أره من قبل, كانت دلالات بحته, كما كانت الآثار فوق الثلج دلالات لمفهوم جواد: نحن نستعمل الدلالات, ودلالات الدلالات فقط عندما تنقصنا الأشياء.

في مدخل كتاب أسس السيميائية, يطرح المحاضر بجامعة أبيريستويث دانيال تشاندلر عدة تعاريف للسيميائية, وأقصر وأشهر تعريف للسيميائية هو: دراسة الإشارات. وأحد أوسع التعريفات للسيميائية في الوقت الحاضر هو تعريف أُمبرتو إيكو: تعنى السيميائية بكل ما يمكن اعتباره إشاره. لكن ما هي الإشارات؟ لا يتعلق الأمر بإشارات السير ولا بالنجوم باعتبارها إشارات. بل يتعدى ذلك إلى كل شيء: تشمل الكلمات والأصوات ولغة الجسد واللوحات و النصوص, وكل ما ينوب عن شيء آخر. يقول بيرس: أنه لكي يصبح أي شيء إشارة يجب أن يفسر على أنه إشارة. وأي شيء يمكن أن يصبح إشارة, شرط أن يعتبر أحدنا أنه يعني أمراً, أي يحيل إلى شيء آخر أو ينوب عنه. هذا الإستخدام الدلالي للإشارات هو الموضوع الأساس في السيميائية.

ظهرت النظريات عن الإشارات عبر تاريخ الفلسفة منذ القدم وحتى أيامنا. وردت أول إشارة بينة إلى السيميائية باعتبارها فرعاً من فروع الفلسفة في مؤلف جون لوك: مقالة في الطبيعة البشرية. ولكن التقليدين الأساسيين في السيميائية المعاصرة مصدرهما السويسري درينان دو سوسور, والأمريكي تشارلز ساندرز بيرس. بالنسبة إلى سوسور السيميائية هي علم يدرس دور الإشارات كجزء من الحياة الإجتماعية, أما بالنسبة إلى بيرس, فالسيميائية هو الدستور الشكلي للإشارات, مما يقربها من المنطق. هناك عدة فروقات بين نموذج سوسور السيميائي, ونموذج بيرس. نموذج سوسور يحدد الإشارة بأنها تتكون من دال و مدلول, كلاهما نفسي محض, وتسمى العلاقة بين الدال والمدلول بالدلالة. مثال على هذا النموذج : كلمة ادفع على باب محل. كلمة ادفع هي الدال, أما المدلول فهو المفهوم الذي تولده هذا الكلمة: بمعنى أن المحل مفتوح للبيع والشراء وليس مغلقاً. أما نموذج بيرس فهو يتكون من ثلاث: من الشكل الذي تتخده الإشارة, ويسمى بالمُمثل, والمعنى الذي تحدثه الإشارة, ويسمى بتأويل الإشارة, والمرجع إليه, ويسمى بالموجودة. المُمثل شبيه في معناه بالدال عند سوسور, والتأويل شبيه بالمدلول, لكن يملك التأويل صفة لا توجد في المدلول: إنها إشارة في فكر المؤول. لا يمكن لمقال صغير أن يشرح هذه التقسيمات بين صفوف السميائيين, لمن يريد المعرفة أكثر, والقراءة عموماً عن السيميائية يجب أن يقرأ كتاب تشاندلر لأنه يؤسس لقاعدة فكرية مميزة عن السيميائية بطريقة جذابة ومبتكرة.

كقارئ احتل تركيزي الفصل الأخيرة من الكتاب, والمعنون بالتفاعل النصي. وتحديداً جزئية التناص. يرتبط مفهوم التناص السيميائي الذي استحدثته جوليا كريستيفيا بالدرجة الأولى بمنظري ما بعد الحداثة. تتحدث كريستيفيا عن النصوص باعتبارها تتضمن محورين: الأول أفقي يربط بين مؤلف النص وقارئه, والثاني عمودي بين النص والنصوص الأخرى. ويجمع بين المحورين شيفرات مشتركة, بحيث يستند كل نص وكل قراءة إلى شيفرات معروفة مسبقاً. تقول كريستيفيا : إن كل نص خاضع منذ البداية لتشريع خطابات أخرى تفرض عليه عالماً منا. تعتبر أننا بدل أن نحصر اهتمامنا في دراسة بنية لنص, يجب علينا أن ندرس عملية بنائه, عن الكيفية التي دخلت فيها هذه البنية حيز الوجود, يستلزم ذلك وضعها ضمن مجمل النصوص التي سبقته أو تزامنت معه.

ماهو أكثر اهتزازاً لبنية النص هي أراء رولان بارت, الفيلسوف الفرنسي والمنظر السيميائي المعروف, صاحب فكرة موت الكاتب, وولادة القارئ. يطرح منظروا التناص إشكالية حقيقة التأليف, فيعتبرون مثلاً كاتب النص منظم ما يطلق عليه رولان بارت "ماسُبق وكُتب", ولا يعتبرونه واضعه : النص .. مساحة متعددة الأبعاد تختلط فيها عدة كتابات وتتواجه, ليس أي منها مُبتكراً. النص مزيد من الإقتباسات .. لا يتستطيع الكاتب سوى تقليد إيماءة سابقة, وليست أبداً مبتكرة, وتقتصر مقدرته على خلط الكتابات ومواجهتها مع بعضها بطريقة لا يركن فيها إلى أي منها.

في كتاب رولان بارت S/Z يفكك بارت قصة لبلزاك ويسعى إلى الكشف عن غياب الإبتكار فيها, وعن أنها تعكس عدة أصوات وليس فقط صوت بلزاك. وعلى هذا المنوال من التفكيك في بنية النص يرى المنظرون السيميائيون أن النصوص تصل إلينا باعتبارها دائماً الذي سبق وقرأناه. نتناولها من خلال تكدس طبقات من التفسيرات السابقة. يملك النص المشهور تاريخ قراءات. تعيد المجتمعات ولو بشكل غير واع كتابة جميع الأعمال التي تقرؤها. لا يتستطيع أحد اليوم أن يقرأ رواية أو قصيدة مشهورة, أو أن ينظر إلى لوحة أو رسم, أو أن يستمع إلى قطعة موسيقية أو يشاهد فيلماً, حتى لو كان يفعل ذلك للمرة الأولى من دون أن يعي السياقات التي أعيد فيها انتاج النص, أو استوحى منها, أو ألمح إليها. تشكل هذه السياقات إطاراً أولياً لا يمكن أن يتحاشى القارئ الاستيحاء منه في تفسيره النص.

يقول فوكو في كتاب أركيولوجيا المعرفة : ليست حدود الكتاب أبداً واضحة المعالم. هي تتجاوز العنوان والسطور الأولى ونقطة التوقف الأخيرة والترتيب الداخلي والشكل المستقل. إنه يدخل في منظومة من الإرجاعات إلى كتب ونصوص أخرى. إنه عقدة في شبكة, ليس هو فقط الموجودة التي نمسكها بين يدينا .. وحدته متغيرة ونسبية.

هناك سؤال مهم يطرحه دانيال تشاندلر, وأعتقد بأن كل قارئ سوف يطرح هذا السؤال: ماهي فائدة السيميائية؟ وما أهمية هذا الفرع من الفلسفة. أحد النقاد وصف السيميائية ببراعة: تخبرنا السيميائية عن أشياء نعرفها, لكن بلغة لن نفهمها أبداً. هذا واقع, وأنا أقرأ كتاب دانيال أعرف الفكرة المطروحة, ويستطيع أي قارئ أن يتقبلها, لكن ما إن تتوسع في القراءة حتى تجد مصطلحات وأفكار وتقسيمات متشعبة مطروحة بلغة لا يفهمها إلا أصحاب نادي معين, هو نادي السيميائية.

يجيب تشاندلر على السؤال المطروح, بأن السيميائية نتعلم منها أننا نعيش في عالم من الإشارات, لا يمكننا فهم أي شيء إلا بواسطة الإشارات والشيفرات التي تنظمها. عند دراسة السيميائية نعي أن هذه الإشارات والشيفرات تكون شفافة وتُخفي أننا نقوم بقراءتها, ولأننا نعيش في عالم تتزايد في الإشارات المرئية, نحتاج أن ندرك أنه حتى الإشارات الأكثر واقعية ليست كما تبدو: إن الإستغناء عن دراسة الإشارات يعني أننا نترك للآخرين التحكم بعالم المعاني الذي نعيش فيه.

يوسف
23-09-2009, 03:49 PM
أُمبرتو إيكو

http://abuwabdallh900.googlepages.com/UmbertoEco.JPG

من المربك حقاً كتابة مقال عن موسوعة فكرية بحجم أُمبرتو إيكو, إذ كيف يمكن الإحاطة برجل مثل قامته الشمولية! فهو منظر وناقد أدبي, وباحث في الفلسفة وعلم الجمال والشعر ووسائل الإعلام والترجمة, وعالم بالرموز والعلامات, وروائي وفيلسوف, و مؤرخ, وصحافي, وأستاذ جامعي, وناشر كتب للأطفال, ومؤلف قصص مصوّرة, ومؤسس مجلات أدبية, وأخيراً: أحد أبرز رموز السيميائية في القرن العشرين.

ولد أُمبرتو إيكو في ألساندريا بإيطاليا عام 1932، وفي بداية حياته درس الفلسفة فحصل على إجازة في الفلسفة من جامعة تورينو عام 1954 عن بحث بعنوان القضية الجمالية عند القديس توما الأكويني. ثم وجه اهتمامه بعد أن أصبح عام 1961 أستاذا للجمالية في جامعة تورينو إلى الشعر الطليعي والثقافة الجماهيرية، وبعد ذلك تخصص في علم السيميائيات والأبحاث المتعلقة بنظريات الأدب, ومنذ عام 1975 أصبح أستاذ جامعياً في علم السيميائيات بجامعة بولون. وأثناء هذه المسيرة ألف أُمبرتو إيكو مجموعة من الأعمال الروائية التي لفتت الانتباه وطرحت الأسئلة. من أهم مؤلفاته النقدية: العمل المفتوح, والبنية الغائبة, تاريخ الجمال, و العلامة تحليل المفهوم وتاريخه, والسيميائيات وفلسفة اللغة, وحدود التأويل, وست رحلات في أدغال السردية, والقارئ في الحكاية. أما في مجال الرواية فقد نشر روايته الأولى اسم الوردة التي قضى في كتابتها خمس عشرة سنة. عندما نشر أُمبرتو إيكو رواية اسم الوردة كان نجاحها العالمي مفاجأة بكل المقاييس. فلم يسبق لشخص متخصص بأحد أصعب العلوم الإنسانية الحديثة أن أنتج عملاً أدبياً مهماً. وأصدر في فترة لاحقة روايته الثانية بندول فوكو, كما أصدر عدة روايات: جزيرة اليوم السابق, باودلينيو, كيفية السفر مع سلمون, اللهب الغامض للملكة لوانا.

ماسر هذا التنوع والغزارة في نتاج أُمبرتو إيكو؟
هناك إجابتان على هذا السؤال حسب تصور أُمبرتو إيكو, الأول علمي والثاني فلسفي. أما العلمي فهو في بداية أبحاثه الجمالية بدأ يهتم بالشعر والفنون, وبينما هو منكب في هذا الاتجاه حاول إيجاد طريقة تجمع مختلف كل هذا الإتجاهات عن طريق أنظمة التواصل الجماهيرية والشعبية. يبدأ الشيء صغيراً جداً حتى يكبر ويحتاج لنظرية تحتوي جميع أنظمة التواصل والجماليات والفنون, فوجد هذه النظرية في علم الرموز والعلامات والسيميائيات. ثم فُتح باب الرواية ليكون ميداناً عملياً لتطبيق مختلف الأفكار النقدية التي يحمل. أما الإجابة الفلسفية, فيقول إيكو: أعطاني إياها أحد أساتذتي عندما كُنت فتياً. إذ قال لي يوماً : يجب أن تعرف يا أُمبرتو أننا نولد وفي رأسنا فكرة واحدة, وأننا نعيش كل حياتنا ساعين وراء تلك الفكرة بالذات. أذكر أني أعتقدتُ يومذاك أن أستاذي هذا في غاية الرجعية, لإلغائه كل احتمالات التغيير لدى الإنسان. لكني إذا رحتُ أنضج, اكتشفتُ أنه على حق, وأني طوال حياتي لم أسع إلا وراء فكرة واحدة فقط لا غير: المشكلة هي أني لم أعرف بعد ماهي تلك الفكرة! لكني متفائل وآمل في اكتشافها قبل موتي.

إيكو عاشق للكتابة ومغرم بها، وله آراء قيمة تتعلق بالكتابة مفهوماً وممارسة. وفي هذا الصدد يقول: أكتب لأنني أحب أن أكتب. والكتاب هو عشيقة تعيش معكم دون أن يعلم أحد شيئا. إنه سركم الصغير. إننا نتألم في البداية لأننا لا نعرف من أين نبدأ، ونتألم في الوسط لأننا لا نعرف كيف نجعل الحكاية تتقدم، ولكن ذلك يصبح متعة حقيقية. وحين ينتهي الكتاب لن يبقى إلا الحوارات وهي بالنسبة لي عبارة عن مأتم.

شغف إيكو بالكتابة حوّل أغلب أعماله النقدية إلى قصص, في كتاب العلامة تحليل المفهوم وتاريخه على سبيل المثال نقرأ في الفصل الأول قصة رمزية تبين الطريقة التي يريد بها المؤلف أن يصل إلى أكبر شريحة من القراء عن طريقة قصة السيد سيغما, سأتحدث عن هذه القصة لاحقا, ولنكتشف سر الإثارة القصصية في أبحاث إيكو النقدية. عندما قدم إيكو أطروحة الدكتوراة حول القضية الجمالية عند القديس توما الأكويني لاحظ أحد المشرفين على البحث أن البحث كُتب وكأنها قصة بوليسية وليست بحث علمي. يعترف إيكو بأنه يفضل هذه الطريقة من كتابة البحوث. الباحث المتمرس والبارع يجب ألا يكتفي بعرض استنتاجات بحوثه, بل عليه أن يروي قصة البحث. ولهذا السبب توصف كتابات إيكو النقدية بأنها تنتمي إلى الكتابة الروائية, يقول : إنها القصة البوليسية التي أنكب على حلها في تلك اللحظة, والتي ينبغي لي إبراز الحبكة فيها, والضحايا, والمذنبين وعواقب أفعالهم.

وبين النقد وعلم الرموز تبرز في الأفق رواية اسم الوردة التي أكسبت الأستاذ الجامعي صفة البروفيسور النجم. فهو لم يكتب الرواية وهو في سن متوسطة أو صغيرة, بل في خمسينيات العمر, أصدر روايته الأولى التي أكسبتها شعبية جارفة. ما يلفت الانتباه إلى هذه الرواية أن أُمبرتو أراد في البداية أن تصدر الرواية في سلسلة خاصة بالكتب النخبوية وذات الطابع الخاص الغير جماهيري. هذا أمر في البداية غير مستغرب, فالرواية قصة بوليسية تدور أحداثها في القرون الوسطى, وعنُيت بشكل خاص بإعادة بناء تاريخ تلك المرحلة واستعادة جدالاتها الإيديولوجية. بالإضافة لصعوبة الإمساك بزمام الرواية في المائتين الصفحة الأولى من الرواية. ولذلك نجد بعض القراء يتركون الرواية إما لصعوبتها, أو بسبب إمساك أُمبرتو إيكو للسرد بشكل كثيف وعالي. عندما قرأ أحد أصحاب دور النشر الرواية قبل إصدارها, تحمس لها بشكل شديد وقرر طبع ثلاثين ألف نسخة في الطبعة الأولى, كان رد إيكو على هذا العرض بأن الناشر فقد صوابه. الصحيح أن أُمبرتو تفاجأ بهذا النجاح الباهر لإسم الوردة, قد يكون مرد ذلك إلى الفيلم الذي حقق شهرة واسعة للرواية, ولكن, إن لم تكن الرواية قائمة على أسس قوية, من الغير الممكن أن تحقق النجاح المرجو.

القراءة لإيكو متعة لا يوجد مايضاهيها. يعود السبب في ذلك إلى ثقافة أُمبرتو الموسوعية بلا شك, وهناك جانب ثاني يختص بالقارئ, تسمى هذه الحالة : إنهاك القارئ. يعترف إيكو بداية أن أعماله الروائية صعبة, ومع ذلك تحقق النجاح. القارئ حسب إيكو يجب أن يتعرض للإنهاك. مل الناس الأعمال الروائية السهلة. هم في حاجة إلى تجربة معقدة ومتعبة, تنطوي على تحديات كفيلة أن تشعرهم بالرضا عن أنفسهم وعن قدراتهم الفكرية. القارئ المثقف القادر على قراءة الأعمال الصعبة يجب عليه حين يقرر قراءة رواية أن يقرأ رواية صعبة ليكتشف نفسه, يجب أن يقرأ يوليسس لجويس, والبحث عن الزمن الضائع لمارسيل بروست.

يوسف
23-09-2009, 04:05 PM
التأويل بين السيميائيات والتفكيكية

الكتاب : التأويل بين السيميائيات والتفكيكية
المؤلف : أُمبرتو إيكو
ترجمة : سعيد بنكراد
إصدار : المركز الثقافي العربي

لم يقدم أُمبرتو إيكو تعريف محدد للتأويل, ولكن, بالإمكان استخراج هذا التعريف من المحاضرات التي ألقاها في جامعة يال الأمريكية, والتي تناول فيها التأويل, والعلاقة بين المؤلف والنص, والتأويل المضاعف للنصوص. التأويل كتعريف كما جاء في محاضرات إيكو : هو تفاعل مع نص العالم, أو تفاعل مع عالم النص عبر إنتاج نصوص أخرى. فشرح الطريقة التي يشتغل من خلالها النظام الشمسي, استناداً إلى قوانين نيوتن, يعد شكلاً من أشكال التأويل, تماماً كما الإدلاء بسلسلة من المقترحات الخاصة بمدلول نص ما. لم تعد القضية هي هل العالم نص قابل للتأويل أم لا, بل أصبحت هل هناك مدلول ثابت أم هناك مدلولات متعددة, أم على العكس من ذلك, أي لا وجود لأي مدلول على الإطلاق.

ينطلق إيكو في معالجته لقضايا التأويل من تصور يرى في التأويل وأشكاله صياغات جديدة لقضايا فلسفية ومعرفية موغلة في القدم. ومن أجل ذلك, يقود أُمبرتو إيكو القارئ في رحلة فكرية داخل دهاليز التاريخ والأساطير والفلسفة والمنطق بحثاً عن جذور خفية لكل أشكال التأويل التي مورست وتمارس حالياً على النصوص, وهنا يقف عند حالتين يرى فيهما أرقى أشكال التأويل من حيث العمق والمردود : الحالة الأولى يكون فيها التأويل محكوماً بمرجعياته وحدوده وقوانينه وضوابطه الذاتية. التأويل وفق هذه الصياغة يتشكل من سلسلة قد تبدو لا متناهية. كل علامة تحيل على علامة أخرى. إلا أن ما يحدد اللامتناهي هو في ذات الوقت ما يقف حاجزاً أمام التأويل ويخضعه لإرجاعات تدرجه ضمن كون متناهي. يرد إيكو هذا النموذج إلى أصول حضارية تمتزج داخلها السياسة بالمنطق والتاريخ. الحدود هي أصل البناء: بناء المدينة وتحديد حدود الإمبراطورية وتعيين عاصمتها. الإمبراطورية موجودة لأن هناك حدود ترسم هويتها. وإذا حدث أن سقطت هذه الحدود تسقط الإمبراطورية, ويحق لأي كان أن يعين من المدن ما يشاء, وستكون العاصمة في أي نقطة على الأرض. المتناهي هو الذي يستقر على حالة بعينها ويتحدد بحدود وينتهي عند غاية. وإلى هذا التصور استندت فكرة التأويل المتناهي, أي التأويل المحكوم بغاية.

الحالة الثانية يدخل فيها التأويل متاهات لا تحكمها أي غاية. النص نسيج مركب من المرجعيات المتداخلة فيما بينها دون رقيب, ولا يحد من جبروتها أي سلطان. التأويل من هذه الزاوية لا غاية له. الغاية الوحيدة هي الإحالات ذاتها, اللذة, كل اللذة, أن لا يتوقف النص عن الإحالات وألا ينتهي عند دلالة بعينها. ولكن, هذه اللانهائية تقود إلى تدمير المبادئ التي قامت عليها العقلانية الغربية. أن يكون التأويل لا متناهياً معناه أن كل الأفكار صحيحة حتى لو تناقضت فيما بينها. وكل الإحالات ممكنة حتى لو أدت إلى إنتاج مدلولات عبثية. يجد إيكو لهذا النموذج أصولاً في تيارين فكريين بارزيين : الهرمسية والغنوصية.

في محاضرة التأويل والتاريخ يقدم إيكو مقاربة الهرمسية للنصوص. فهم يعتبرون أن النص كون مفتوح, بإمكان المؤول أن يكتشف داخله سلسلة من الروابط اللانهائية. يقول إيكو : من أجل إنقاذ النص, على القارئ أن يتخيل أن كل سطر يخفي دلالة خفية. فعوض أن تقول الكلمات, فإنها تخفي ما لا تقول. إن مجد القارئ يكمن في اكتشاف أن بإمكان النصوص أن تقول كل شيء بإستثناء ما يود الكاتب التدليل عليه. في اللحظة التي يتم الكشف عن دلالة ما, ندرك أنها ليست الدلالة الجيدة, الدلالة الجيدة ستأتي بعد ذلك. إن الأغبياء هم الذين ينهون التأويل قائلين : لقد فهمنا. إن القارئ الحقيقي هو الذي يفهم أن سر النص يكمن في عدمه.

في المقال السابق "السيميائية" ذكرت فكرة السيميائي الفرنسي رولان بارت حول موت المؤلف وولادة القارئ. إذا كان النص يفتح الباب لتأويلات متناهية أو لا متناهية, أين يكون موقع المؤلف داخل التأويل؟ هناك حالة يستحب فيها استحضار قصدية المؤلف حسب إيكو. حين يقوم النقاد بتأويل نص ما, سيكون من المفيد مساءلة المؤلف إلى أي مدى كان واعياً, باعتباره مؤلفاً محسوساً بمجمل التأويلات التي تعطى لنصه, وذلك من أجل تبيين الإختلافات بين قصد المؤلف وقصد النص. نرى هذه الإحالة إلى المؤلف إلى أُمبرتو إيكو نفسه. أحد القراء سأل أُمبرتو إيكو حول الفرق بين عجلة غيوم المذكورة في رواية اسم الوردة, وعجلة بيرنار المذكورة في نفس الرواية, ولم يستطع الإجابة! يقول إيكو في محاضرة بين المؤلف والنص : من حق القارئ أن يتساءل هل يتحدث الرجلان عن نفس الشيء؟ هل فضاعة العجلة التي يعبر عنها غيوم لا تختلف كثيراً عن فضاعة العجلة عند بيرنار؟ لقد قضي الأمر, فالنص أنتج واقعه المعنوي الخاص, وسواءً أردت ذلك أو لا, فإنني في الحالتين معاً أمام سؤال, بل استفزاز غامض. إني أشعر بحرج في تأويل ما حدث, حتى وإن كنت مقتنعاً بوجود دلالة مختفية لهذا الأمر.

هذه هي مجمل التصورات التي خرج بها إيكو السيميائي حول التأويل. ولكن, من الجانب الآخر للسيميائية, هناك جماعة ما بعد حداثية ترفض أفكار إيكو حول التأويل وتدافع بشدة عن التأويل المضاعف للنصوص. أقصد التفكيكية. في مقال لـ جاناتان كالر, أحد ممثلي التفكيكية في الولايات المتحدة رد فيها على مجمل تصورات إيكو حول التأويل.

التأويل في ذاته حسب كالر ليس في حاجة إلى من يدافع عن عنه. فهو يعيش معنا في كل لحظة, إلا أنه لا يثير اهتمامنا إلا حين يبلغ حدوده القصوى, شأنه في ذلك شأن كل الأنشطة الثقافية الأخرى. تأويل الأعمال الأدبية يجب أن لا يكون هو الهدف الأسمى للتأويل. إذا كانت مهمة النقاد هي بلورة واقتراح تأويلات فعليهم أن يمارسوا ضغطاً تأويلياً لا هوادة فيه, وأن يطلقوا العنان لأفكارهم لتجوب كل الآفاق.

التأويلات المتطرفة والمعتدلة كثيرة, إلا أنها في كلا الحالتين لم تخلف أي أثر يذكر حسب كالر. غير مقنعة ومليئة بالحشو ومملة. أما إذا كانت قصوى فإنها ستحظى بمزيد من الإهتمام وسستكون لها القدرة على الكشف عن العلاقات والترابطات التي لم يُكشف عنها من قبل, أو التي لم يُفكر فيها من قبل. إنها علاقات وترابطات ما كان من الممكن الحصول عليها لو بقي التأويل في حدوده الدنيا. التأويل المضعاف أكثر أهمية من غيره, ويعد الأصلح من التأويل الأدنى أو المعتدل. يقول كالر: لا يمكن لإنسان لم يعشق بعمق جاذبية التأويل المضاعف أن يكون قادراً على خلق شخصيات, وخلق ذلك الهوس التأويلي الذي يسكن رواياته - يقصد إيكو -.

يوسف
23-09-2009, 04:30 PM
اسم الوردة

http://abuwabdallh900.googlepages.com/Eco2.JPG

الرواية : اسم الوردة
المؤلف : أُمبرتو إيكو
ترجمة : أحمد الصمعي
إصدار : دار أويا

كنت قد قرأت اسم الوردة قبل سنتين من الآن, وأعدت قراءة الرواية من جديد بعد أن استوعبت ولو قليلاً أفكار إيكو حول التأويل, وكيف يتم تحويل قطعة أدبية إلى مجال خصب لنثر الأفكار النقدية. لن أفسر عن ماذا تحكي الرواية, أترك هذا المجال للقارئ لكي يكتشف ذلك بنفسه, ولكن أتوقف عند عنوان الرواية الملفات للإنتباه. العنوان هو أحد المفاتيح التأويلية الأولى للنص. أكثر العناوين إثارة لاحترام القارئ حسب إيكو هي تلك التي يتم تكثيفها في اسم دال على البطل :ديفيد كوبرفيلد, أو روبنسون كروزو. وحتى في هذه الحالة فإن الاسم/العنوان يمكن أن يؤول على أنه تدخل مبالغ فيه من لدن المؤلف. إن العنوان يجب أن يشوش على الأفكار لا أن يقولبها.

الرواية كانت انعكاساً إبداعيا لفلسفة الرمز و نظريات التأويل من خلال معرفة تفصيلية بأدبيات القرون الوسطى. وذلك يظهر بقول الراوي نفسه في ختام الرواية بأن اسم الوردة عمل مفتوح, وبإمكان كل قارئ مهما كان انتسابه أن يجد فيها صورة من نفسه وعالمه. أي بما معنى أن الرواية لاتقص في حقيقية الأمر إلا مايجري من حولنا. بينما الوقائع التاريخية المذكورة في الرواية والجرائم والمتاهة المذكورة في الرواية لاتعدو أن تكون رموزاً ينبغي فك أسرارها وفهم دلالاتها.

بالتأكيد, ليس من حق المؤلف أن يؤول. ولكن من حقه أن يحكي لماذا وكيف كتب ما كتب. انطلقت فكرة كتابة الرواية لدى إيكو من فكرة بسيطة: تسميم راهب. أتمنى أن يقرأ بعض الكتاب السعوديين كيفية تحويل نتاج القراءة لديهم إلى مصدر يستمدون خلاله القوة الدافعة لإنتاج نص سردي قوي ومحكم. حين أقرأ تفاصيل كتابة الرواية لدى إيكو في حاشية على اسم الوردة للمؤلف, أعرف أن المؤلف قضى وقتاً طويلاً لإعداد تفاصيل حية تجعل النص وكأن القارئ يشاهد فيلماً سينمائياً.

يقول إيكو في حاشية على اسم الوردة : إن القرون الوسطى ظلت حاضرة في ذهني إن لم يكن ذلك كمهنة، فإنها ظلت هوايتي المفضلة. إنها غوايتي الدائمة، فهي حاضرة بوضوح في كل شيء، أراها في الأشياء التي أهتم بها والتي لا تبدو في الظاهر أنها تنتمي إلى القرون الوسطى إلا أنها كذلك في العمق. يجب بناء هذا العالم، وستأتي الكلمات فيما بعد من تلقاء نفسها، فامتلاك الأشياء سابق على وجود الكلمات، وهو عكس ما يحدث في الشعر حيث امتلاك الكلمات سابق على امتلاك الأشياء. قضيت السنة الأولى من العمل في بناء هذا العالم : لائحة طويلة من الكتب التي يمكن العثور عليها في خزانة قروسطية، لائحة من أسماء وشهادات ميلاد لمجموعة من الشخصيات التي سأقوم فيما بعد باستبعاد مجموعة كبيرة منها, ذلك أنه كان علي أن أعرف من هؤلاء الرهبان الذين لن يظهروا في الكتاب، ولم يكن من الضروري أن يتعرف عليهم القارئ ولكن كان علي أن أعرفهم. من قال إن السردية في حاجة إلى شهادات ميلاد؟ ربما هي في حاجة إلى وزارة للتعمير أيضا، وهذا ما يفسر الأبحاث الكثيرة التي قمت بها حول المعمار، في الصور وفي الموسوعة المعمارية، وذلك من أجل تحديد تصميم الدير وكذا المسافات، بل وصل الأمر إلى تحديد عدد درجات السلم اللولبي. ولقد قال أحد النقاد إن حواراتي كانت سينيماتوغرافية لأنها كانت صحيحة من الناحية الزمنية. ولقد كان الأمر كذلك فعلاً. فعندما كنت أصور شخصيتين تتجاذبان أطراف الحديث وهما تقطعان المسافة الفاصلة بين المطعم والرواق، كنت أكتب والتصميم أمام عيني. وهكذا فعندما يصلان إلى الرواق يكون الحوار قد انتهى. يجب أن نقيد أنفسنا بإرغامات لكي نبدع بحرية. إن الإرغامات في الشعر وليدة الشطر والبيت والقافية، أي ما سماه المعاصرون بالهمس عن طريق الأذن. أما في السرد، فإن الإرغامات متولدة عن عالم ضمني، ولا علاقة لهذا بالواقعية, حتى وإن كان هذا يشرح ذلك إلى حدود الواقعية. فبإمكاننا أن نبني عالماً لا واقعياً بشكل كلي حيث الحمير تطير وتبعث الأميرات بفضل قبلة. ولكن على هذا العالم المحتمل فقط واللاواقعي أن يوجد وفق بنيات محددة منذ البداية. يجب التأكد هل يتعلق الأمر بعالم تبعث فيه الأميرة بفضل قبلة أمير أم قبلة ساحرة. ولقد شكل التاريخ أيضا جزءا من عالمي، وهذا ما جعلني أقرأ وأعيد قراءة الوقائع القروسطية. وأثناء قراءتي لهذه الوقائع تبين لي أن علي أن أدخل إلى عالمي أشياء لم تخطر لي على البال أبدا. مثال ذلك النضال من أجل الفقر أو المحاكم الدينية ضد الهرطوقيين.

كرواية بوليسية مشوّقه تمضي على عدة مستويات من الاغتيالات المتسلسلة حسب سفر الرؤيا. و كرواية تاريخية وفلسفية مشوقة تفتح المجال لمعرفة الكثير عن الحركات المسيحية القديمة وتاريخ الهراطقة الشهير في التاريخ المسيحي. وعن قرارات مجمع بروجيا وحركة دولتشينو الهرطيقي الذي عُذب تعذيباً شديداً في القرون الوسطى بعد اتهامة بالخروج عن التقاليد المسيحية, وارتكبت في حق جماعته أكبر مذبحة عرفها تاريخ الصراعات المسيحية. ولاينتهي الحديث عن الرموز إبتداءً بلغة الجواهر, والحديث عن الطبيعة والكون وضحك المسيح, وانتهاءً بالحوار الذي دار بين جماعتين في الدير عن فقر المسيح, وغنى المسيحية والصراعات الدائر بين الامبراطور والبابا. إذاً نحن أمام كتاب ضخم وروائي فذ, يجعلك تغوص في بحر الرواية بحثاً عن أجوبة مشتتة عن الكتاب السري, عن القاتل, عن المكتبة, عن التاريخ, ومن ثم يطير بك في فضاءات شاسعة من العلوم و الآداب ليلقي بك أخيراً على شاطئ مقفر لنهاية غير متوقعه مرهقاً ومثقلاً بكمٍ هائل من المعلومات.

قارئ اسم الوردة يحتاج لصبر كبير حتى يجتاز أو مائتي صفحة من الرواية. كان هناك مطالبات من قبل الناشر لأُمبرتو إيكو بحذف المائة صفحة الأولى لأنها مرهقة ومتعبة, وكان الجواب قوبل بالرفض القاطع: " كانت حجتي أن من يرغب في الدخول إلى الدير والمكوث به سبعة أيام، عليه أن يتحمل هذا الإيقاع. وإذا لم يكن ذلك في استطاعته، فإنه لن يتمكن من قراءة الكتاب في كليته. والحاصل أن وظيفة المائة صفحة الأولى كانت امتحاناً واستئناساً. ولا أبالي بالذين لا يحبون ذلك، إنهم سيقفون عند بداية الهضبة"

لعل المفارقة الأكبر في تجسيد هذه الرائعة الإيطالية للفيلسوف الإيطالي أُمبرتو إيكو, أن شهرة الفيلم كانت هي البوابة الأولى لشهرة الرواية لدى الجمهور العادي الغير مهتم بكتابات إيكو السيميائية. الرواية كانت معروفة لدى الطبقة الأكاديمية المثقفة و كانت صدمة للأوساط الأكاديمية ظهور رواية لشخص مختص بعلم الرموز, و حاصل على أستاذية الفلسفة عن جماليات القديس توما الأكويني في القرون الوسطى. الفيلم هنا كان مساعداً بشكل رئيسي في شهرة الرواية, و لكن هل كان الفيلم مطابقاً للرواية, كما كتبها امبرتو أُيكو؟

من الصعب القول أن كل ما في الرواية تم ذكره, هناك أحداث و أفكار لا يمكن لها أن تجسد سينمائياً, خصوصاً في حقول الفلسفة و التاريخ و علم الرموز و الجماليات, رغم أن الفيلم نجح قليلاً في اقتباس الفكرة الأكثر تأثيراً من الرواية, وهي المتعلقة خصوصاً بضحك المسيح, و تطرف الأب يورغ الأعمى في حفظ كتاب فن الشعر لأرسطو. الفصل الأخير من الرواية تم تجسيده في الرواية ببراعة, وهي الخاصة بحريق المكتبة الأكثر شهرة و ثراءً في العالم. الممثل شون كونري برع تماماً في تأدية دور المحقق الفرنشسكاني غوليالمودا, و كذلك الممثل كريستيان سلاتر أبدع في تمثيل دور الراهب المبتدئ أدسو. لكن الاكثر براعة في التمثيل, في تطرفه و حماقاته في الرواية هو دور سيلفاتوري الذي جسده الممثل رون بيرلمان. كان رائعاً رغم كمية القرف التي تحيط به وهو يجسد دور الراهب المختبئ من اضطهاد رجال الدين.

بالتأكيد الرواية تأتي في المقام الأول لجمالها و كمية المعلومات التاريخية و الفلسفية التي طرحها إيكو, و الفيلم لم يكن مطابقاً للرواية, و لكن كان يستحق المشاهدة. وكان رائعاً على أية حال.

يوسف
24-09-2009, 01:02 AM
North & South

http://abuwabdallh900.googlepages.com/NorthSouth1.JPG

شاهدت بالأمس مسلسل North & South من إنتاج الـ BBC وتأليف الروائية الإنجليزية إليزابيث غاسكل. عندما يعجبني عمل فني مبدع وذكي لا أستطيع أن أجمع محاور الحديث عنه لأن الكلمات تفر ولا أجد كلمات تستطيع أن توفي العمل الفني حقه الكامل. أعتقد بأن رأيي كان صائباً عندما قلت أن تجسيد الرواية العظيمة عبر حلقات مطولة هو الترجمة المميزة لعمل فني مكتوب على الورق. وإصدارات البي بي سي بالتحديد عبر تجسيد أغلب الروايات الإنجليزية الكلاسيكية عبر عدة حلقات تعطي الرواية حقها الكامل: بالحوارات والمونولوج والوصف الفني والطبيعة والشخصيات.

أبدأ بعنوان الرواية/ المسلسل, الشمال والجنوب, North & South. ترتبط شخصيات العمل الفني روحياً وعاطفياً وأخلاقياً بروح المدينة واتجاهاتها وعلاقة السكان بعضهم ببعض. سكان الجنوب يميلون للتدين والعطف على الفقراء, وأغلب أعمالهم تتعلق بالزراعة والحصاد. وهم إلى ذلك شخصيات تعبر عن عواطفها مباشرة رغم حدتها, فلا مجال للكذب أو المراوغة. وكل ذلك يتأتي من طبيعة تلك الأرض الخضراء الممتدة. سكان الأرياف كما يقول هيجو هادئون, ميالون للسلام والإبتعاد عن المنغصات مهما كانت. أما الشمال فهو يشير إلى عالم الثورة الصناعية, عالم المال والأعمال والدخان المنبعث من المصانع, إنه عالم أسود, عالم العلاقة السيئة بين سيد العمل والعمال, هذا العالم في حالة حركة دائمة ومستمرة وعاصفة, تأثير رجل الأعمال يمتد ليشمل جميع العمال العاملون في المصنع بعكس الجنوب الذي يركن فيه كل إنسان لوحده.

يقرر القس ريتشارد هايل التخلي عن العمل الكنسي ومغادرة أرض الجنوب الإنجليزي إلى الشمال بسبب عدم موافقته الإنصياع لرأي قس صغير في السن أصبح مسؤولاً عنه في تلك المنطقة. بطلة الرواية / المسلسل مارغريت هايل, ابنة القس السابق حين تفد إلى أراضي الشمال تتفاجأ بهذا العالم الذي لا يحكمه ضمير, العمال يعملون بصورة رهيبة ولوقت طويل, وفي ظروف طبية وصحية سيئة. لم يعد هناك الطبيعة الخضراء, بل ماكينات المصانع والمداخن التي تلوث الجو وتعبث بالجميع. تستطيع مارغريت بشعور أهل الريف الجنوبي تكوين صداقات مع بعض عمال المصانع وأهاليهم, ومنهم نيكولا هيقنز, العضو بالإتحاد العمالي والعامل في مصنع جون ثورنتن.

أعجبتني المؤلفة جداً حين قررت أن يكون صدام الشمال والجنوب عبر شخصيتين تمثلان هذه المناطق, مارغريت هايل مقابل جون ثورنتن, رجل الأعمال المتشدد. تخوض هاتين الشخصيتين صراعات منطقية حول صواب رأي كلاً منهما, جون ثورنتن رجل أعمال بنى مصنع القطن من اللاشيء, ويمارس القسوة تجاه العمال خوفاً من الفشل والسقوط المريع الذي ذهب ضحيته والده وهو صغير. أما مارغريت على العكس من ذلك, فهي تقابل الشدة والضرب من قبل جون ثورنتن تجاه العمال بالعطف عليهم والإحسان والتبرع لهم.

ترفع غاسكل من وتيرة الشمال والجنوب حين يقرر عمال المصنع بقيادة هيقنز الإضراب عن العمل في مصنع جون ثورنتن من أجل زيادة الرواتب وتحسين شروط العمل. أصبح الموضوع الآن الصدام بين رأس المال والعمل, الثورة الصناعية, لماذا يتحتم وجود البطالة, وكيف يجب أن يتصرف العمال عندما يجدون عائلاتهم تهلك جوعاً؟ الثورة الصناعية لم تغير شيئاً, لكنها أطلعت الجمهور على مساوئ كانت موجودة دائماً. كان هناك سكر, ومصانع تعمل في القباء وتسيء استغلال العمال, واستغلال الاطفال في الصناعة, لكن وجودها على هذا النطاق الهائل لم يدع هناك مهرباً من الإحساس بها. كان الفساد وشعور التعاسة اللتان نجمتا عنها من العظمة بمكان بحيث لم يكن بمقدور أي إنسان أن يتأملها دون أن تنتابه قشعريرة. في القرن الثامن عشر كان طغيان الإنسان على الإنسان هو الأكثر تأثيراً, أما في القرن التاسع عشر فحل طغيان أكثر تعقيداً: طغيان القوى الإقتصادية. وهذا ما نشاهده بالتحديد في هذا المسلسل.

ما يمثل حدود إليزابيث غاسكل كروائية هو أنها بالرغم من تصويرها الجيد لنتائج أمانة ريتشارد هايل, من حيث اليسر المادي, فهي لا تعطينا أية فكرة عن طبيعة حيرته الفكرية, حتى أن الحيرة نفسها في الواقع تبدو غير حقيقية لنا. لكن سلوكه يأتي بمارغريت ذات الإنتماء الأصيل إلى مانشيستر ونحن نجد الصراع بينها وبين ثورنتن دراسة من الدرجة الأولى, للصراع بين الشمال والجنوب. يبدو الشمال لمارغريت همجياً غريباً. إنها ترفض الحضارة. لا يستشعر القارئ لروايات العصر الفيكتوري ذلك الإحساس القوي بان انجلترا عبارة عن أمتين: أمة الشمال الصناعي, وأمة الجنوب الريفي. القارئ والمشاهد سوف يكتشف الشمال انطلاقاً من الجنوب, من مارغريت هايل نفسها. نكتشفه على نحو خاص في شخصية جون ثورنتن, صانع القطن الواثق من نفسه. جون ثورنتن هو أنجح شخصيات إليزابيث غاسكيل من الذكور, وهو بالنسبة لي كرجل يفوق أياً من رجال تشارلوت برونتي وجين أوستن اقناعاً بكثير. هو ليس شخصية خيالية, فهو نتاج ملاحظة امرأة تعرف العالم, وتحكم عليه في الرواية فتاة ذات شجاعة فائقة وذكاء وقيم راسخة. وينشأ عن الصراع بين قيم مارغريت وقيم ثورنتن جزء كبير من حقيقة ثورنتن. وتحقق غاسكل نجاحاً خاصاً في تصوير جزء من جوانب ثورنتن الإجتماعية, بما في ذلك الصفات التي تجعل منه واحداً من أصحاب المصانع في تلك الفترة. وهناك على سبيل المثال, المشهد البالغ الدقة, والذي يلتقي فيه رجل الأعمال ثورنتن وزعيم الإضراب هيجنز كنتيجة لمساعي مارجريت في نوع من الصداقة الحذرة تقوم على معرفة كل واحد منهما بأن الآخر عدواً له. مسلسل بديع, وقصة رومانسية ناتجة عن صراع طبقي بين الغنى والفقر, بين الشمال والجنوب.

يوسف
14-10-2009, 04:29 AM
واترلو

http://abuwabdallh900.googlepages.com/Bonaparte.jpg

هل يجب أن نتخيل نابليون كما في لوحة أنطوان جروس, يحملُ علماً في إحدى يديه وسيفاً مشهراً في يده الأخرى, بزيه المزخرف بالأحزمة الملونة والشارة الرسمية للسلطة, وشعره الكستنائي الثائر بفعل الرياح, وعينيه وحاجبيه وشفتيه المضمومتين بما توحيه هيئة كل هذه الأعضاء من عزم وتصميم؟ اللوحة جميلة بلا شك, وإن كانت هناك لوحة أخرى تنافس هذا اللوحة جمالاً لن تكون إلا لوحة الفنان الشهير جاك لويس ديفيد وهو يصور نابليون ممتطياً خيله, عابراً جبال الألب. هذا التصور حسب المؤرخ المعروف ويل ديورانت أبعد ما يكون عن التصور الحقيقي لنابليون. كانت اللوحة تمثل حباً شديداً مفعماً بالحماسة: إنه الفنان عندما يتعبد في محراب رجل الإنجازات.

مالم يستطع الفن أن ينقله كما هو مجسداً على أرض الواقع, هو العقل! روح القيادة تتجلى في عينيه. أحد الجنرالات يعترف بخوفه من أثر عيني نابليون الشبيه بأثر التنويم المغناطيسي. يقول : هذا الشيطان الآدمي يمارس معي سحراً يجعلني غير قادر على التعبير عما في نفسي. ورغم أني لا أخاف الله ولا الشيطان, فإنني أخشاه لدرجة أنني أرتعد كالطفل عندما أكون في حضرته, وهو يستطيع أن يجعلني أمرق من ثقب الأبرة لألقي نسي في النار.

من هو نابليون ؟
كان جوته يظن أن عقل نابليون هو أعظم عقل أنجبته البشرية. حتى معارضيه, كان متفقين أن ليس هناك عقل كعقله من حيث التنظيم والإنضباط. أما ديورانت, في كتابه قصة الحضارة, فيوافق على أن عقل نابليون كان من بين عقول كل من تبوأ منصباً تنفيذياً هو العقل الأكثر إدراكاً ووعياً وحدة, وقدرة على التذكر, وبراعة في استخدام المنطق.

هذا الذي ملئ أوروبا رعباً لعشرين سنة ليس فيه من الفرنسيين في شيء, لا في تكوينه الجسماني, ولا في عقله, أو شخصيته. قصير, وأصبح في وقت لاحق بديناً, كانت ملامحه أقرب ما تكون إلى الصرامة الرومانية, وكان ينقصه ما يتمتع به المثقفون الفرنسيون آنذاك من مرح وتسامح وأناقة. كان ميالاً إلى السيطرة على العالم أكثر من ميله للإستمتاع به : " ليس لي إلا عاطفة حب واحدة وخليلة واحدة, إنها فرنسا, إنني أنام معها, فلم تخذلني أبداً. لقد ضحت بدمائها وأموالها من أجلي, فإذا طلبت منها خمسمائة ألف مقاتل قدمتهم لي". كان يطلق عليه المتحالفون الأوروبيون أنه ابن الثورة الفرنسية, أي ورث كل آثامها وجرائهما وأنه واصل مهمتها في إبعاد أسرة البوربون التي كانت حاكمة. أما هو نفسه فيقول أنه كان سبباً في إنهاء الثورة الفرنسية وماسببته من فوضى وعنف. يقول عنه ديورانت في قصة الحضارة : " كان كميكافيللي, لكن حذره بمقدار النصف, وإرادته تزيد على ما أوصى به ميكافيللي مئة مرة. كان إيطالياً, لكن فولتير جعله شكاكاً, كما جعلته الثورة الفرنسية التي شهد وقائعها حاذق الذهن محتالاً. وأصبح لماحاً حاد الذهن بدخوله في مناقشات يومية مع المفكرين الفرنسيين اللامعين. ظهرت فيه كل صفات ايطاليا في عصر النهضة: الفنان والمقاتل والفيلسوف والقائد. لقد كان كما يقول توكويفيل كأفضل ما يكون الرجال, لكن دون فضيلة. وكأحكم ما يكون الرجل, لكن دون تواضع. ومع هذا فقد كان نابليون في نطاق ما هو معقول محتمل عندما توقع أن العالم قد لا يشهد نظيراً له لقرون كثيرة قادمة.

في عام 1861م, ذات صباح جميل, كان أحد المسافرين يرتحل سعياً على قدميه بعيداً عن وطنه. يتمهل المسافر وينظر إلى البقعة التي حل فيها. يتأمل الحجر على يسار إحدى الأبواب. في لحظة تأمله تلك فُتح الباب مصراعاً وخرجت منه امرأة ريفية. شاهدت المسافر وأدركت ماذا كان يتأمل. قالت له : إن إحدى قذائف المدفعية الفرنسية هي التي فعلت ذلك. فقال المسافر: وما اسم هذا المكان ؟ فقالت الفلاحة الريفية : هوغومون. رفع المسافر رأسه, خطا بضع خطوات, وأنشأ ينظر من فوق الأسيجة, لقد رأى عند الأفق, مع بعيد, شيء شبيه الأسد. كان هذا المسافر, ويا للحظ: في ساحة القتال بواترلو, وكان هذا المسافر, ويا لحظ عشاق أعماله :هو أديب فرنسا الكبير, فيكتور هيجو.

http://abuwabdallh900.googlepages.com/Waterloo1970.JPG

في القراءات الأدبية الشهيرة لرواية البؤساء غالباً ما يذكر في هذا العمل حديث هيجو عن نابليون و أفول نجمه في فرنسا. واللوحات القصصية التي تحكي تاريخ فرنسا في حقبة من أخطر الحقب لا في حياة هذا البلد - فرنسا - .. بل في حياة أوروبا كلها. رواية البؤساء رغم أنها معروفة على مستوى العالم بأنها تحكي حكاية البؤساء من جان فالجان إلى كوزيت ومسيو مريشيل و تينادريية إلا أنها كذلك كانت تحكي حكاية فرنسا الإمبراطورية, فرنسا نابليون بونابرت, و فرنسا الثورة الفرنسية الكبرى. أولى هذا النقاط التاريخية التي تحدث عنها هيجو في روايته البؤساء , معركة واترلو, إحدى أكبر المعارك الأرضية التي خاضها البريطانيون ضد جيش نابليون في تاريخهم الحديث. في منتصف السنة الماضية, حين كنت أقرأ البؤساء بترجمة منير البعلبكي الكاملة, قرأت أكثر من سبعين صفحة من رواية البؤساء, مخصصة بالكاملة لمعركة واترلو. قرأت هذه الصفحات مرتين, المرة الأولى كانت القراءة سريعة ولم أفهم شيئاً مما يجري في هذه الصفحات من الرواية. وأعدت القراءة بعدما تيقنت أن هذه عادة هيجو في الكتابة: يخرج متى ما أراد عن أبطال الرواية ويتحدث عن فرنسا والثورة والتاريخ .. ونابليون. لمن أراد أن يعرف عن واترلو, الحرب التي قصمت ظهر نابليون, لديه ثلاثة خيارات, إما أن يقرأ خمسة مجلدات من قصة الحضارة لويل ديورانت الخاصة بعصر نابليون, لكي يعرف القضية من البداية. أو أن يقرأ رواية البؤساء بترجمتها الكاملة ويعيش أجواء واترلو العاصفة كما كتبها هيجو شعراً ونثراً. الخيار الثالث مرتبط بالخيار الثاني, إذا قرات عن واترلو من رواية البؤساء, شاهد فيلم Waterloo للمخرج الأوكراني سيرجي بوندارشوك, الصادر عام 1970م.

شاهدت الفيلم قبل أسبوع وأنا أعرف ماذا يجري عبر بؤساء فيكتور هيجو, وشاهدت الصورة وكأن هيجو هو الكاتب والمخرج والسيناريست. يبدأ الفيلم بتوقيع نابليون للمعاهدة الشهيرة التي ألقت به في منفياً في جزيرة ألبا, وهو يتملكه الغضب الشديد نتيجو انهيار كل شيء أمامه. انهيار فرنسا والإمبراطورية والإمبراطور. العرش: ليس العرش مجرد قطعة أثاث مزينة جيداً, بل ماوراء العرش كما يرى نابليون: ذكائي، طموحاتي، رغباتي، أملي، خيالي. بعدما ملئ أوروبا رعباً لخمسة عشر سنة أصبح حاكما لجزيرة صغيرة لا يوجد فيها إلا ثلة من حرس الشرف الخاصة به. أشيد بذكاء المخرج الذي اقتبس كلمات نابليون نفسها عندما ودع جنوده وهو يهم بالمغادرة إلى جزيرة ألبا : أيها الجنود, يا حرسي القديم, بعد 20 سنة جئت لأقول لكم: وداعاً. فرنسا سقطت. من أجل ذلك تذكروني, مع أني أحبكم جميعاً, لا أستطيع معانقتكم جميعاً.. تذكروني بهذه القبلة لهذا العلم, علم نابليون, علم فرنسا, وداعاً، جنودي, وداعاً، أبنائي, ووداعاً، يا أطفالي. فى مايو1814م أبحر نابليون إلى منفاه في جزيرة إلبا الصغيرة فى البحر المتوسط. بعد 10 شهور هرب نابليون من إلبا فى مغامرة مجنونة, بأقل من ألف رجل يريد أن يغزو أوروبا من جديد, ومن هنا تبدأ المعركة, معركة واترلو, بعنيدين اثنين: نابليون, والدوق الحديدي, الإنجليزي ولينغتون. اقتبس هذه السطور البسيطة من فصل معركة واترلو لفيكتور هيجو, لأنها من أجمل الصفحات التي قرأت عن تلك المعركة المجنونة :

يوسف
14-10-2009, 04:31 AM
واترلو - " فيكتور هيجو "

http://abuwabdallh900.googlepages.com/Waterloo2.jpg

" .. هوغومون, كانت تلك هي البقعة المشؤومة, وبدء المقاومة. أول عائق لقيه في واترلو حطاب أوروبا العظيم , نابليون بونابرت, أول عقدة تعترض سبيل الفأس. ذلك هو الفناء الذي كان احتلاله حُلم نابليون, ولو قد وفق إلى الإستيلاء على تلك الزاوية من الأرض لكان من الجائز أن تهبه الدنيا كلها. إن عاصفة الصراع لا تزال في هذا الفناء, وإن الهول لا يزال مشهوداً هناك. إن الدمار الناشيء عن القتال لمتحجر في تلك البقعة. هذا يحيا, وهذا يموت, لكأن ذلك كان بالأمس. إن الجدارن لتتساقط, وإن الثلم لتصيح, إن الحفر جراحات, وإن الشجر وقد انجنت وارتعشت تبدو و كأنها تبذل جهدها لكي تفر.

هذا البستان سريع الإستجابة, شأن غيره من البساتين. إن له براعمه الذهبية وأقاحية الصغيرة. إن العشب هناك عال, وخيل المحراث ترعى. إن هياكل الأشجار الميتة العظيمة لتكثر في هذا البستان, وإن الغربان لتطير على الأغصان, ووراء هذا البستان ملأى بالبنفسج. الحريق, المجزرة, المذبحة, جدول يتكون من دم إنجليزي, ومن دم ألماني, ومن دم فرنسي, امتزجت في غضب عارم, بئر مليئة بالجثث, إصابة الحرس الإنجليزي بالتشوه الجسماني, هلاك عشرين فوجاً من أصل أربعين فوجاً من قوات راي الفرنسية, ثلاثة آلاف رجل قتلوا بحد السيف, في طلل هوغومون هذا وحده, وأثخنوا بالجراح, و ذبحوا, وصرعوا برصاص البنادق, و أحرقوا النيران .. وكل ذلك يستيطع ريفي أن يقول اليوم لأحد السياح : سيدي أعطني ثلاث فرنكات إذا أحببت و أشرح لك مسألة واترلو!

لو أن المطر لم يهطل ليل 71 حزيران 1815م لكان مستقبل أوروبا قد تغير. إن بضع قطرات من الماء جنحت بنابليون إلى السقوط. فلكي تكون واترلو خاتمو أوسترليتز لم تكن العناية الإلهية في حاجة إلى غير قليل من المطر, فإذا بسحابة تجتاز السماء في غير أوانها تكفي لإنهيار عالم. لو كانت الأرض جافة و تمكنت المدفعية من التحرك لكان في إمكان القتال أن يبدأ في السادسة صباحاً. ولكانت المعركة كُسبت و اختتمت في الساعة الثانية.

إلى أي مدى تقع مسؤولية الإنهزام في هذه المعركة على عاتق نابليون؟
هل كان انحطاط نابليون المادي الواضح مصحوباً آنذاك بانحطاط ذهني ما ؟
هل استطاعت العشرون سنة التي عاشها في ميدان القتال أن تبلي النصل كما أبلت الغمد وتوهن الروح كما أوهنت الجسد ؟

كان نابليون ضابط مدفعية, وهو لم ينس ذلك قط. كان يعامل استراتيجية القائد العدو معاملته لقلعة على مدينة, فهو يهاجمها بالمدافع. إن تحطيم القوات المتجمعة في مربعات و سحق الكتائب و قطع الخطوط و تفتيت الحشود و بعثرتها, كل ذلك كان نابليون يتوسل إلى تحقيقه بأن يضرب و يضرب و يضرب من غير انقطاع. وكان يعهد في هذا الواجب إلى قذيفة الدفع. طريقة رهيبة استطاعت و قد أردفت بالعبقرية أن تجعل من جبار ملاكمة الحرب هذا, الكالح الوجه رجلاً لا سبيل إلى قهره طوال خمسة عشر سنة. لقد تعود أن يحدق إلى الحرب تحديقاً. إنه ما كان يجري جميع التفاصيل الموجعة رقماً رقماً. فلم تكن الأرقام لتهمه إلا إذا أعطت هذا الحاصل : النصر! على رغم من أن طلائع المعركة كانت سيئة فلم يزعجه ذلك, و كيف يزعجه وهو الذي اعتقد أنه سيد النهاية ومالكها. كان يعرف كيف ينتظر معتبراً نفسه في عصمة الطوارئ, معاملاً القدر كما يعامل الند للند. لقد بدأ وكانه يقول لهذا القدر : أنت لن تجرؤ.

http://abuwabdallh900.googlepages.com/Waterloo3.jpg

أما ولينغتون, القائد الأنجليزي فكان حكيما متبصراً. وقد درس هذا السهل في السنة المنصرمة بوصفه موقعاً يمكن أن تدور فيه رحى معركة عظيمة, وعلى هذه الأرض ومن أجل هذه المبارزة كان ولينغتون في الجانب الأفضل وكان نابليون في الجانب الأسوأ. كان قلقاً بعض الشيء لكنه ثابت الجنان. كان ممتطياً صهوة جواده وقد ظل هناك طوال نهار محتفظاً بالوضح نفسه. كان باسلاً على نحو خال من الشعور. لقد انهمرت القذائف إنهمار المطر, وكان غوردن أحد قواده العسكريين قد صرع اللحظة في جانبه, وقال لأحد قواده اصمدوا هنا حتى الرجل الاخير, كان واضحاً في مسار الحرب الأولية أن كفة الفرنسيين هي الراجحه, فصاح ولينغتون برفاقه القدماء : أيها الغلمان, يجب أن لا نهزم, فكروا بإنجلترا العجوز! يجب أن نموت فوق هذه الأرض التي نحتلها الآن!

أكان من الممكن أن يكسب نابليون هذه المعركة؟
نحن نجيب بقولنا لا. لماذا ؟
بسبب من ولينغتون, بسبب من بلوخر؟
لا, بل بسبب من الله.

فلأن ينتصر نابليون في واترلو شيء لم يكن في قانون القرن التاسع عشر. كانت سلسلة جديدة من الوقائع على وشك الوقوع, سلسلة لم يكن نابليون أيما مكان فيها. وكانت نية الاحداث السيئة قد تجلت منذ زمن طويل. لقد حان سقوط هذا الرجل الهائل. إن وطأة هذا الرجل المفرطة على المصير الإنساني قد أخلت بالتوازن. فقد كان هذا الفرد يساوي وحده المجموع الكوني. وهذا الفيض من كامل الحيوية البشرية المركز في رأس واحد, وهذه الدنيا الممتطية دماغ رجل واحد, خليق بهما أن يصبحا شؤوماً على الحضارة إذا استمرا. لقد آن للعدالة العليا النزيهة أن تتدبر الأمر, وأغلب الظن أن المبادئ و العناصر التي تقوم عليها الجاذبيات القياسية في النظام الأخلاقي وفي النظام المادي جميعاً قد بدأت تتذمر. فالدماء التي يتصاعد منها البخار, والمدافن المزدحمة بسكانها, و الأمهات السافحات الدمع, كل أولئك محامون مخيفون, حين تشكو الأرض ضيقاً شديداً, تسمعها السماء, لقد شُكي نابليون إلى اللانهاية, وكن سقوطه مقرراً.

لقد أغضب الله.
إن واترلو ليست معركة على الإطلاق, إنها تغير في جبه الكون.
في ذلك اليوم تغير مستقبل الجنس البشري. إن واترلو هي مفصل الباب الذي دار عليه القرن التاسع عشر, فكان زوال الرجل العظيم ضرورياً لمجيء القرن العظيم. لقد تولى هذا المهمة كائن ما لا يناقش في إرادته, وهكذا يفصح ذعر الأبطال عن نفسه. إن معركة واترلو أكثر من سحابة, إن فيها شهباً, لقد مر الله من فوقها.

ماهي واترلو؟
إنها يانصيب ربحته أوروبا و دفعته فرنسا. و واترلو فوق هذا أعجب معركة في التاريخ. نابليون و ولينغتون: إنهما ليسا عدوين, إنهما نقيضان. فلم يقم الله مغايرة أكثر روعة والتقاء أشد خروجاً على نسق العادة. فمن جانب كانت الدقة و التبصر و الهندسة و الفطنة و التقهقر المضمون والإحتياطي المقتصد فيه, ورباطة الجأش العنيدة و طريقة ثابتة الجنان, واستراتيجية تقوم على الاستفادة من الأرض, و فن حربي يهدف إلى إقامة الموازنة بين الأفواج, ومجزرة تساق إلى خط القتال, و حرب تدار والساعة في اليد, وعدم ترك شيء للمصادفة, وشجاعة كلاسيكية قديمة و الضبط المطلق .. ومن جانب آخر كان الحدس والإلهام والأعجوبة العسكرية والغريزة فوق البشرية واللمحة المتهبة, وشيء خفي يحدث كالنسر ويعصف كالصاعقة, وفن مدهش في اندفاع ينضح بالإحتقار, وجميع أعاجيب النفس البعيدة الغور, والألفة مع القدر, ودعوة النهر والسهل والغابة والكثيب, بل إكراهها بمعنى من المعاني على الخضوع, وذهب الطاغية إلى حد فرض طغيانه في ميدان المعركة, والإيمان بطالع مقرون إلى العلم الإستراتيجي فهو يزيده, ولكنه يكدره. كان ولينغتون باريم الحرب, وكان نابليون ميكال آنجلها, وهذه المرة غلب الحساب العبقرية.

إن واترلو معركة من الطراز الاول كسبها قائد من الطراز الثاني. إن ما ينبغي أن نعجب به في معركة واترلو هو إنجلترا, هو الصلابة الأنجليزية, هو العزم الإنجليزي, هو الدم الإنجليزي. لقد كان ولينغتون عنيداً وتلك موهبته, بيد أن أصغر جندي من جنوده تكشف عن صلابة لا تقل عن صلابته. كان الجندي الإنجليزي يعدل الدوق الحديدي ولينغتون. "

أشعار
04-11-2009, 03:26 AM
http://farm3.static.flickr.com/2146/1780635445_3b9ea406b8_o.jpg


بيني و بينها مئة عام . قرن كامل ! , لكنني حين أقرأ شعرها أشعر أنه بُعِث من روح قريبةٍ مني عُمراً و مكاناً و دماً و فقداً .
أتذكر كلام أحد الأعزاء عن الصدفة في معرض حديثي معه عنها بدءً , كان يذكِّرني برواية كونديرا .. قال : ( في رواية ( كائن لاتحتمل خفته ) الصدفة كان لها الدور الأبرز في العلاقة بين توماس وتريزا حين كانت تتأبط رواية ( آنا كارنينا ) ..
يقول ميلان كونديرا :
ألا تقاس أهمية حدث , وكثرة معانيه بارتباطه بأكبر عدد من الصدف ؟
وحدها الصدفة يمكن أن تكون ذات ذات مغزى . فمايحدث بالضرورة , ماهو متوقع ويتكرر يومياً
يبقى شيئاً أبكم . وحدها الصدفة ناطقة .
نسعى لأن نقرأ فيها كما يقرأ الغجريون في الرسوم التي يخطها ثفل القهوة في مقر الفنجان )

, هل هناك إشارة كون بيني و بينها مئة عام تامَّة ؟ ثمَّ كونها كتبت شِعراً كنت قد كتبتُ كلاماً يماثله في " القصة " قبل أن أعرفها , مثل قصيدتها الحزينة التي أوردها أسفل هذه الأسطر . استطعت أن أحصي 12 كلمة متماثلة تواجدت في نصي القديم و قصيدتها . ربما هي قرينتي الكبيرة التي ماتت , لذا لست أشعر بالحماية اليوم , لأن شيطاني الطيب / البارع .. مات منذ مئة عام ! .

عانَت أخماتوفا ( و هو لقبها المستعار الذي أخذته من جدتها أخماتوفا لأن والدها منعها من النشر باسمها الحقيقي غورينكو ) من تكميم السلطة لإبداعها و منعهم له . دواوين عديدة نُشرَت حوال العالم بدءً من فرنسا التي عاشت بها عقداً مع زوجها لكنها مُنِعت من النشر في روسيا , لأنها كانت فترة الحرب الوطنية التي جارت و طغَت . كما عانت من اعتقال طليقها الأول نيكولاي غوميليوف ثم إعدامه على يد البلشفيين في حرب أكتوبر البلشفية ثم اعتقال ابنها لسنوات طويلة حاولَت فيها إخراجه بلا جدوى , إلى أن أفرج عنه شرط التحاقه بالجيش و هكذا كان .

كغيرها من الأدباء الروس , الحزن و المعاناة هي سر إبداعهم و خلود كلامهم في ذاكرة العالَم حتى الآن و غد .

_

كم من الأحجار رُميت عليّ

كثيرة حدّ أنّي ما عدتُ أخافها

كثيرة حدّ أنّ حفرتي أصبحت برجا متينا،

شاهقا بين أبراج شاهقة.


أشكر الرماة البنّائين

- عساهم يُجنَّـبون الهموم والأحزان -


فمن هنا سوف أرى شروق الشمس قبل سواي

ومن هنا سوف يزداد شعاع الشمس الأخير ألقاً ..

ومن نوافذ غرفتي

غالبا ما سوف تتغلغل النسمات الشمالية

ومن يدي سوف يأكل الحمام حبوب القمح.


أما صفحتي غير المنتهية

فيد الإلهام السمراء

ذات الهدوء والرقّة الالهيين

هي التي سوف

من هنا

من علٍ

تنهيها.


سوف تأتي في كل الأحوال يا أيها الموت

فلِمَ ليس الآن؟

انني انتظرك وقد نفد صبري.

من أجلكَ أطفأتُ الأضواء

وفتحتُ الباب

يا بسيطا كأعجوبة ..

فتعال من فضلك

تعال بأي قناعٍ ترغب:


إنفجر فيّ كمثل قنبلة غازية

أو تسلّل واسرقني على غرار رجل عصابة،

سمّمني بدخانك التيفوسيّ

أو كن الأسطورة التي حلمنا بها أطفالا

والمألوفة حد الاشمئزاز من الجميع ..

الأسطورة التي ألمح فيها طرف معطف أزرق باهت

ووجه خادمٍ شاحب من فرط الخوف.


لم يعد ثمة ما يهمّني بعد الآن

فنهر الينيسي يجري

ونجمة الشمال تلمع

والرعب الأخير يُـبهِت

البريق الأزرق للعينين المعشوقتين.

سوف أشرب نخبا أخيرا لمنزلنا المدمَّر

لحياتنا التعيسة

لوحدةٍ عشناها اثنين

وسأشرب نخبكَ أيضا:


نخب خداع شفتيك اللتين خانتا،

نخب جليد عينيك الميت،

نخب هذا العالم الوحش

ونخب إلهٍ لم يعرف أن يخلّصنا.

الحنان الحقيقي لا يشبه شيئا:


صامتٌ هو.

بلا جدوى إذا تغطي كتفيّ

وصدري بمعطف الفرو.

وبلا جدوى كلماتك المهموسة

عن روعة الحب الأول:


كم بتّ أعرفها جيدا

نظراتك هذه العنيدة والجشعة!


لا أعلم هل أنتَ حي أو ميت

هل على هذه الأرض أستطيع البحث عنك

أم يمكنني فقط

عندما يخبو المغيب

أن أندبكَ بصفاء في أفكاري؟


كلّ شيء لك: صلاة النهار

حرّ الليل الأرِق

والأبيضُ من سرب أشعاري

والأزرقُ من نار عينيّ.


لم يُعشَق أحد أكثر منك،

لم يعذّبني أحد اكثر منك،

ولا حتى ذاك الذي خانني حتى كدتُ احتضر

ولا حتى ذاك الذي غمرني ورحل.


لقد علّمتُ نفسي أن أعيش ببساطةٍ وحكمة

أنظر الى السماء وأصلّي للرب

أتنزّه طويلا قبل نزول المساء

كي أُنهك همومي الباطلة.

وعندما الأشواك تصنع حفيفها في الوهد

وعندما تتدلّى عناقيد السّمَّـن الحمراء

أكتب أبياتا فرحة

عن انحطاط الحياة،

عن انحطاطها وجمالها.

ثم أعود من نزهتي.

الهرّة الكثيفة الزغب تلحس راحة يدي،

تخرخر بنعومة

والنار تتوهج فجأة

على برج المنشرة الصغير عند البحيرة.

وحدها صرخة لقلاق يحطّ على السقف

تكسر الصمت من حين الى حين:

لقد علّمتُ نفسي أن أعيش ببساطةٍ وحكمة:

حتى إذا قرعتم بابي

لن

أسمعكم

ربما.

هكذا هو الحب:


تارةً يتلوّى كمثل أفعى

ويمارس سحره في أنحاء القلب

وطوراً يهدل كيمامةٍ

على حافة نافذتي البيضاء.



هكذا هو الحبّ:

قد يبرق على الجليد المتلألئ

أو يتراءى لي في غفوة القرنفلة

لكنه بعنادٍ وصمت

يخطف منّي راحة البال.


أسمعه ينتحب برقّة

في صلاة كماني المعذّب

وكم أخاف حين يعلن قدومه

في ابتسامة رجلٍ غريب.


أنا صوتكم يا عشّاقي الكاذبين،

وحرارةُ لهاثكم

وانعكاسُ وجوهكم في المرآة

والخفقان الباطل لأجنحتكم الباطلة...


لا يهمّ من أنا،

فحتى اللحظة الأخيرة سأرافقكم.

لهذا تدّعون حبّي بجشعٍ

رغم ذنوبي وشروري

ولهذا تعهدون إليّ بخيرة أبنائكم.

لهذا لا تسألون عنه قط

وتلفّون منزلي الخالي على الدوام

بمدائحكم الدخانية.


لهذا تقولون: لا يمكن اثنين أن يلتحما أكثر منّا،

وتقولون: لا يمكن أحدا ان يحبّ امرأة بجنون أشدّ.


مثلما يتوق الظل الى الانفساخ عن الجسد

مثلما يتوق الجسد إلى الانفصال عن الروح

هكذا أنا اليوم

أتوق يا عشّاقي الكاذبين

إلى أن تنسوني..

يوسف
05-11-2009, 06:34 PM
آنّا أخماتوفا؟! وكيف يكون الحديث عن هذه الشاعرة العظيمة, بعيداً عن لوحة بورتريه الشاعرة آنّا أخماتوفا للفنان الروسي ناثان آلتمان. أستطيع أن أصف أخماتوفا بجامعة الفن العظيم, كانت أجمل إمراة في زمانها, وكتب الشعراء قصائد عديدة عنها, نشرت فيما بعد بعنوان صور أخماتوفا عام 1925. كما عمل الفنانون صوراً عديدة لها, من هؤلاء الرسامين: مودلياني, فودكين, انينكوف, سارايان, وما آلتمان ببعيد عن هؤلاء, حتى الموسيقى, هناك من الموسيقين من حول قصائدها إلى أعمال موسيقية, مثل : بروكوييف, لوريا, فيرتبنسكي. وبعيداً عن صورة أخماتوفا في الفن, هي أحد ثلاثة كانوا مرآة للأدب والجمال في العصر السوفييتي: سولجنتسين, وباسترناك, وأخماتوفا.

ألكسندر سولجنتسين فضح معسكرات الإعتقال الرهيبة في سيببريا في عمله أرخبيل الجولاج. الشاعر الكبير ليونيد باسترناك, أو كما يصفه ستالين بشاعر الغيوم شن هجوم ضارياً ضد الثورة البلشفية في الرواية الشهيرة دكتور زيفاجو, تحدثت عن هذه الرواية في الصفحة الأولى هنا. والثالثة آنا أخماتوفا. لا أجد كلمات تصف مسيرة أخماتوفا أفضل من قصيدة مارينا تسفيتايفا عن آنا:

ياربة البكاء ..
أيتها الأجمل بين ربات القصيد!
يا وليدة الليلة البيضاء الطائشة
نقسم لكِ ألف مرة يا آنّا أخماتوفا :
اسمك هذا حسرة هائلة
تسقط في أعماق لا إسم لها.

من اعتقال الزوج والإعدام, وسجن الإبن, وسجنها هي نفسها من قبل النظام السوفييتي. واتهامها كذلك من طرف الحزب الشيوعي بتسخير شِعرها للترويج للإباحية واللامبالاة السياسية، الأمر الذي أدى إلى طردها من اتحاد الكتاب السوفيات.

تعرفت على أشعار أخماتوفا عندما قرأت صدفة جزء صغير من موسيقى القداس - قصيدة لأخماتوفا - في ملاحظات علي عزت بيغوفيتش في كتابه هروبي إلى الحرية. موسيقى القداس هو النشيد السري لأولئك الذين قضوا نحبهم في العهد الستاليني الرهيب, وهي إلى ذلك مهداة إلى ابن الشاعرة عندما كان في معتقلاً :

سبعة عشر شهراً وأنا أنادي عليك ..
بأن تعود إلى بيتك
وركعت .. يا ولدي, وكل عذابي
ركعت تحت أقدام الجلاد .. كل الأشياء تلاطمت
لم أعد أعرف: من هو الإنسان؟ ومن هو الشرير؟
ولم أعد أعرف كم بقي من الوقت لتنفيذ حكم الإعدام؟


يطول الحديث عن آنا أخماتوفا, هي حسرة هائلة بالفعل!
والقصيدة جميلة يا أشعار.

يوسف
08-11-2009, 05:58 AM
هروبي إلى الحرية

http://abuwabdallh900.googlepages.com/Alija.JPG


توصف آداب السجون بأنها آداب حية لا تموت, هناك من عبر عن ذلك بأعمال أدبية أصبحت معروفة على نطاق واسع ويحتفى بها بأنها أعمال صدرت من إنسان معذب مطحون في مساحة لا تزيد عن مترين أو ثلاثة. من مؤلفات عائلة أوفقير إلى تلك العتمة الباهرة ويوميات الواحة وشرق المتوسط وغيرها الكثير. ولكن كتاب عزت بيغوفيتش - هروبي إلى الحرية - , الرئيس البوسني والمناضل الإسلامي يختلف عن ما غيرها من آداب السجون العربية. لو تم تخيير أي سجين بين الهروب الجسدي أو الهروب العقلي سوف يختار بالتأكيد الهروب الجسدي, ولكن, إن لم يكن ذلك ممكناً, فإن الهروب إلى العقل والأدب هو الهروب المجدي, هو هروب إلى آفاق مجهولة لا يوجد فيها معتقلات ولا سجون, وإنما أدب وأفكار, وحرية إلا يقف في طريقها شيء, لأنها من العقل الذي لا يُعتقل. طريقة كتابة المذكرات جداً ممتعة, لأنها عبارة عن اقتباسات ومدونات تحمل ملاحظات في الأدب والفكر والسياسة والتاريخ والدين. أُعجبت بملاحظات بيغوفتيش كثيراً, أغلب الكتب التي تحدث عنها امتلك معرفة مسبقة عنها وأعرف خباياها. رغم أنه مفكر إسلامي وقائد دولة, خاض غمار الحرب مع شعبه لتحرير البوسنة, إلا أنه يعطي للأدب قيمة حقيقية, من يقرأ الملاحظات سيجد القارئ كيف يفلسف الأدب في روايات هيرمان هسه ودستويفسكي وهيجو وتولستوي. وبعيداً عن الكتاب وهذه المدونات القيمة, أنا أحب بيغوفيتش, على روحه الرحمة والسلام.



- القراءة المبالغ بها لا تجعل منا أذكياء. بعض الناس يبتلعون الكتب وهم يفعلون ذلك بدون فاصل للتفكير الضروري.

- كان نيتشه إنساناً مرهف الشعور. في السنة الرابعة والأربعين من عمرة تعتم عقله، ووفقا لكتاب سيرته, كان السبب المباشر لذلك مشهد في ميدان تورينو, عندما خرج الفيلسوف من منزله، ليرى حوذياً وهو يضرب حصانه بلا رحمة، تقدم من الحيوان وعانق رقبته، وانخرط في البكاء وهوى، عاش بعدها اثنا عشر عاماً، لكن عقله لم يعد إليه أبداً. ما نحن .. هو نحن ، وليس ذاك الذي نعتقده، أو نرغب في أن نكونه.

- لماذا لا يمكن ترك الوطن؟ لا يمكن لأنني لا أستطيع أن أحمل معي القبور. قبور آبائنا وأجدادنا هي جذورنا! النبات المخلوع من جذوره لا يستطيع العيش. يجب علينا إذن أن نبقى هنا!

- لا كراهية لدي .. ولكن لدي مرارة.

- عندما تكون في السجن تكون لك أمنية واحده: الحرية. وعندما تمرض في السجن لا تفكر بالحرية, وإنما بالصحة. الصحة إذاً تسبق الحرية.

- القراءة المبالغ فيها لا تجعل منا أذكياء. بعض الناس يبتلعون الكتب, وهم يفعلون ذلك بدون فاصل للتفكير الضروري, وهو ضروري لكي يهضم المقروء ويبني ويفهم. عندما يتحدث إليك الناس يخرجون من أفواههم قطعاً من هيجل وهايدجر أو ماركس في حالة أولية غير مصاغة جيداً. عند القراءة, فإن المساهمة الشخصية ضرورية مثلما هو ضروري للنحلة العمل الداخلي والزمن, لكي تحول رحيق الأزهار المتجمع إلى عسل.

- في تراجيديا الملك لير, يبين شكسبير كيف أن لير حتى وهو في حالة جنون يفهم الحياة, وجلوستر حتى وهو أعمى يرى الحياة. العقل والعيون غالباً لا ترى. الروح هي تلك التي تفهم وترى!

- ليست القضية في احترام الحياة, وإنما في احترام الموت. هذان الأمران مترابطان. عدم احترام الموت نتيحة لعدم احترام الحياة.

- قرأت اعترافات تولستوي وهوغو ودستويفسكي وروسو, واستنتجت بأن الجميع، و حتى أولئك الذين نعتقدهم عباقرة, لم يكونوا متحررين من العيوب والضعف. الفرق هو بمدى استعداد الناس لأن يعترفوا بذلك أمام أنفسهم وأمام الآخرين. بالمواجهة الشجاعة للأخطاء و الخيبات للحياة التي تفسد وتطهر الروح معا . ويمكن أن يقوم بها الإنسان الكبير والشجاع فقط. لا يوجد بين البشر إنسان كامل, ولكن هناك من هو غير صادق.

- ماالذي يميز الكاتب الأصيل ؟
قبل كل شئ القدرة على الملاحظة. هناك أناس يعيشون الحياة وكأنهم يعبرونها مغمضين. الكاتب الأصيل هو تناقض خالص. حساس مثل الصورة الخام.

- لا تهمني أفكارك وقناعاتك المذكورة ولا نظرتك للعالم ولا كيف تسمى كل ذلك ..المهم هو كيف أنت ؟ هل أنت إنسان جيد أم سيئ ؟

- هاملت متجه إلى ذاته تحديدا .. أناني. ودون كيخوته متجه إلى الناس, ولذلك فهو رجل أصيل.

- في بداية خمسينيات هذا القرن, كان رئيس محكمة العدل الدولية في لاهاي، ورئيس الهيئة التي أنهت الخلاف بين الايرانيين والبريطانيين، بريطانياً. وصوت في هذا الخلاف ضد دولته, فغضب البريطانيون، ولكنهم لم يعلنوه خائنا لوطنه.

- لو قُدر لي, سأدخل في جميع مدراس الشرق الاسلامي دروساً عن الفكر النقدي. فالشرق على خلاف الغرب, لم يمر بهذه المدرسة القاسية, وهذا هو مصدر معظم ظواهر قصوره.

- في زمن السجن لم ألاحظ لدى ذاتي هبوط الرغبة في الحياة, ولكنني كنت أجد نفسي غالباً أمسك بأمل كبير, وأن الموت ليس بعيداً. كانت هذه الفكرة تجلب لي الراحة, واحتفظت بها كسِر كبير.

- يمكن أن يبدو الأمر غريباً, لكن الشر هو الذي يعطي معنى لوجودنا. إذا لم يوجد الشر فلا وجود للخير. وإذا لم يوجد الخير والشر, فكل شيء ينحدر إلى اللا وجود.

- من قرأ سيرة حياة تولستوي سوف تهزه قصة النضال الذي استمر ثمانين عاماً, والذي شاركت فيه كل الفضائل والرذائل .. كل الرذائل, باستثناء الكذب.


- السؤال: لماذا يكون الشيء موجوداً. ولماذا يوجد شيء وليس لا شيء؟ بالنسبة لي, فهذا أعمق سؤال يمكن للإنسان أن يلقيه يوماً على نفسه. أسأل: كيف قدر للإنسان القائم في الواقع كجزء منه وبشكل عام, على أن يهتدي إلى هذا السؤال؟ وكيف قدر له أن يتذكره؟ عندما سمعت عنه أول مرة كنت مشدوهاً.


- هذا هو عصرنا, إنه صعب. ولكنه ممتع إلى ما لا نهاية. يمكننا أن نتحسر بأنه لم يكن سهلاً, ولكننا لم نمل منه. يمكنني أن أتحسر لأنني لن أعيش حتى أرى الخاتمة. إنني أتحدث عن الموت. ربما لا تكون هناك خاتمة أو موت, قد تغلق عين ترى ذلك من حولها, ولكن الحياة ستستمر. ولادة جديدة, عيون جديدة تتفتح على غرار الأزهار, عقد جديد وهكذا بلا نهاية. إلهي .. أنت كبير, وكبير هو العالم الذي خلقته.


- الأخلاق إذا كانت حقة فإنها ترتبط دائماً بالتضحية والمعاناة, وإلا فهي تمثيل ونفاق.


- ليسامحني الله إذا أخطأت, ولكنني أقدر المسيحي الجيد أكثر من المسلم السيء. لا أستطيع أن أدافع عن شيء فقط لأنه يخص المسلمين, وأن أتجاهل شيئاً حسناً لأنه يخص الآخرين.


- تبدو لي أحياناً تلك الحقائق القديمة والكبيرة عن الله وكأنها جبال كبيرة وراسخة سامقة, وفي هدأتها لا تعبأ بالإضطراب العام أو المشاحنات, أو بسبب أن مبشراً رمى عليها حجراً! أحياناً تظهر الغيوم وتزيلها, ويلمع البرق والرعد, ثم يهدأ بعدها كل شيء, وهذه الجبال بقممها المغطاة بالثلج الأبيض ترتسم بوضوح في السماء الزرقاء.


- هبت الريح, وسقطت على يدي بعض أوراق الازهار. هي تلك الأزهار الصفراء المملوءة بالإخضرار في الربيع. عندما تجف, فإنها تشبه الكرات الرخوية الرمادية. هذه الكرات تتكون من عشرات أو مئات بذور الأزهار القادمة. أتأمل واحدة منها من تلك التي جلبتها الرياح إلى يديّ. تشبه واقية شمس صغيرة من مادة رخوية عنكبوتية, والتي تنتهي بالتجمع على شكل كرات مطولة. إنها البذور .. وهي هدف النباتات ووجودها. يوجد فيها وبقوة نبات جديد كامل, وفيه البذور بأعداد محددة لأجيال قادمة للنبات نفسه. وهكذا إلى ما لانهاية. كل شيء هنا في انسجام مع غايته, لا شيء فائض أو عبثي. أفكر بهذا: إذا اجتمعت في مكان واحد كل معارف الأرض, كل العقول الذكية, كل الكتب من جميع أنحاء العالم, وإذا تم تثقفيف فريق من علماء الأحياء .. إذا وضعت في كل هؤلاء كل الوسائل التقنية التي يريدونها ويرغبونها, وكذلك الأموال والزمن المطلوب, كل تلك العبقرية المجتمعة وقدرة العالم بأكمله, كل تلك العبقرية المجتمعة لا يمكن أن تنتج بذرة واحدة مشابهة. الصورايخ التي أرسلها البشر إلى الفضاء, هي أدوات قاسية وبربرية بالمقارنة مع هذه البذرة الصغيرة. كلما تفكرت بهذه الزهرة يخفق لها قلبي. كان ذلك حدثاً دينيا بامتياز. التأمل بهذه الزهرة بالنسبة لي صلاة صادقة وحقيقية أكثر من أي صلاة قمت بها في حياتي. عندما يسألوني ماهو تناقض العالم والدين, فإنني أعرض عليهم هذا المثال: مكان غير محدد للبحث الإنساني, وهو سر في النهاية على غرار السماء اللانهائية.


- البعض يأسف لعدم الشكر الإنساني، يخافون ألا يستعاد حبهم. وأن تبقي طيبتهم غير معترف بها، وبلا مكأفاة. وفي الأمر هنا سوء فهم واضح لأنه ليس من فعل حسن وحقيقي أبداً. كان يمكن أن يبقى بلا مكأفاة, لأن المكافأة لحظية. عمل الخير وجائزته لا يمكن فصلهما, فهما مثل الشيء وظله, وإذا لم تشعروا بهذه المكافأة، فان عملكم لم يكن حقيقيا. أنه يبدو كذلك فقط. الجائزة التي تتحدثون عنها يمكن أن تخفض من قيمة عمل الخير. انظروا إلى الطفل الذي يطعم الطائر الجريح أو يطعم كلباً صغيراً يمر بمحاذاته في الشارع. هل يبحث عن أي مكافأة خاصة, أم انه يشعر بأنه كوفئ ؟ انظروا إلى السعادة في عينيه.

يوسف
30-11-2009, 09:32 AM
مئوية غوغول الثانية

http://abuwabdallh900.googlepages.com/Gogol.jpg

في بداية القرن التاسع عشر, في الجزء الجنوبي الغربي من الإمبراطورية الروسية, في إقليم غني بالأساطير والحكايات الشعبية والنوادر, في إحدى مناطق ما تعرف الآن بجمهورية أوكرانيا, ولد الأديب العظيم الذي أقيمت على شرفه السنة المنصرمة احتفالات كبرى لتخليد ذكراه: الأديب الواقعي الروسي نيقولاي غوغول.

من هو غوغول؟
"كلنا خرجنا من معطف غوغول"
تلك هي جملة دستويفسكي الشهيرة التي تختصر فنية وعبقرية غوغول: دستويفسكي, وتولستوي, وتشيخوف, وغوركي, وغيرهم .. كل هؤلاء خرجوا من رحم تلك القصة الذائعة الصيت: المعطف. يعتبر غوغول مع الشاعر الشهير بوشكين من مؤسسي المدرسة الواقعية في الأدب الروسي. وهو يسبق بوشكين إلى مرحلة أعلى ليصبح رائداً للواقعية النقدية وواحداً من كبار ممثلي المدرسة الواقعية النقدية في الآداب العالمية. إذا كان بوشكين أول من اكتشف الروح الروسية, فإن غوغول غاص في أعماقها, ودرسها وتغنى بها.

انهيت هذا الأسبوع بعض أعمال غوغول القصيرة ورواية الأرواح الميتة. أول بداية مع غوغول كانت مع قصة المعطف, تلك الرواية التي قال عنها دستويفسكي أن الرواية الروسية خرجت منها. القصة حزينة جداً وتعيسة, إنها تحكي حكاية أكاكي أكاكيفتش الذي لا يعرف الحديث مع العامة, لا يعرف أية سعادة أو تسلية. وعندما كان يعود إلى البيت كان يفكر بأن سعادته كامنة فقط في الحصول على معطف. كان يشعر بأنه أخ لجميع الناس وأن أساس الحياة هو الخير. يقرر شراء معطف جديد بدل الذي تمزق, وتحدث الحادثة المفجعة بسرقة المعطف في أول مساء. القصة الثانية هي قصة الأنف, وهي لا تقل روعة عن المعطف إن لم تتفوق عليها. تحكي حكاية مفتش روسي استيقظ من النوم ولم يجد أنفه, ما يرفع وتيرة الإثارة في القصة هي أن الأنف تحول إلى شخصية إنسانية ويتجول في بطرسبورغ وكأنه شخصية مستقلة بحد ذاتها. القصة الأخيرة هي مذكرات مجنون, وهي بالفعل مذكرات مجنون. يعمل في مكتب شخصية كبيرة, ثم ينصب نفسه ملكاً لإسبانيا. طريقة كتابة المذكرات تجعلك تصدق أن من كتب المذكرات هو بالفعل مجنون. الجامع المشترك لكل أعمال غوغول هو الضحك. تضحك من أعماقك وكأنك تشاهد كوميديا ساخرة, وخلف هذا الضحك تكمن الواقعية في أعمال غوغول.

يوسف
30-11-2009, 09:33 AM
الأرواح الميتة

http://abuwabdallh900.googlepages.com/DeadSouls.jpg

عندما قرأ بوشكين الفصول الأولى من الأرواح الميتة, شاهده غوغول وهو يعبس وجهه شيئاً فشيئاً, وهو الذي كان يضحك عالياً عندما يقرأ أعمال غوغول. أصبح في منتهى القتامة عندما أكمل القراءة, وما إن انتهى حتى قال بصوت مسموع: يا إله السموات .. ما أتعس بلادنا الروسية!

نستطيع أن نقسم الأرواح الميتة إلى قسمين, القسم الأول هو القصيدة, والقسم الثاني هي الأزمة التي عصفت بالقصيدة. كانت حياة غوغول مكرسة لعمله الضخم الذي أسماه القصيدة. كان لهذه القصيدة هدف ورسالة واحدة, هي كشف معالم سر الحياة الروسية, ورسالة روسيا في التاريخ المعاصر. ولكن ما هي طبيعة هذه الرسالة التي يريد غوغول أن يكتب عنها؟ إنها ليست بيان سياسي, وإنما أعمق من ذلك بكثير, كان هدف غوغول هو فضح الإنحلال الأخلاقي والروحي الروسي في الحياة المعاصرة عبر نظام القنانة. بينما كان هذا النظام يسير على قدم وساق, هز غوغول أسس هذا النظام وشن هجوماً عليه. بطل الرواية, أو البطل الروسي كما يسميه دستويفسكي: بافيل تشيتشيكوف, ينتقل في رحاب الأرض الروسية من أجل هدفه الوحيد: شراء الأرواح الميتة ليتاجر بها. تبدو الفكرة ما يمكن أن يوصف حالياً بالواقعية السحرية - نفس الثيمة التي يكتب فيها أدباء أمريكا اللاتينية -. ليس هذا بشيء غريب, ف غوغول هو مؤسس هذا المذهب الواقعي الأدبي, والذي تفرع منه لاحقاً الواقعية السحرية والواقعية الرمزية, والواقعية الخيالية.

يبدأ غوغول في القسم الأول من الرواية بتصوير قصة عمل تشيتشيكوف ومقابلاته للإقطاعيين بهدف شراء الأرواح الميتة للفلاحين الذين في حوزتهم, وذلك لكي يقوم بعد شرائها بتسجيلها بعقد تمليك كما لو كانوا أحياء. وبناء عليه يستطيع أن يحصل على قرض من مجلس الوصاية مقابل رهن هذه الأرواح, ويستطيع بذلك أن يصبح مليونيراً. من خلال مقابلات تشيتشيكوف لخمسة أنماط من الإقطاعيين يعري غوغول بشدة الوجه الحقيقي لهؤلاء الذين تجردوا من كل ما هو إنساني, والذين يظهر عالمهم كعالم غريب يسوده الخداع والنفاق والفقر الروحي, رغم أن الشخصيات الإقطاعية في الرواية تظهر باستقلالية عن بعضها إلا أنها تلتقي جميعاً في تجسيدها للجشع في أبشع صوره, واللإنسانية في منتهاها. بعد أن يتم بطل الرواية إتمام الصفقات المزمعة, يأتي القسم الثاني من الرواية, وهي المرحلة اللازمة لإتمام الصفقات وتسجيلها ورهنها. وهنا يصطدم البطل بالعالم الثاني الذي يحاول غوغول كشفه أيضاً بالرواية, ألا وهو عالم الموظفين والجهاز الإداري البيروقراطي .. وكل هؤلاء, كل شخصيات المرحلة الأولى والثانية من الرواية, يمثلون الأرواح الميتة التي وصلت إلى الدرك الأسفل من النذالة والحقارة.

أسلوب كتابة الرواية متنوع رغم قتامة الفكرة و الموضوع. عبر شراء الأرواح الميتة يصور غوغول واقعه الروسي المعاصر. وهو أبرز مثال على فكرة الواقعية النقدية التي أرسى دعائمها. الحدث غير طبيعي - شراء الأرواح - وعبر هذا الحدث يرسم غوغول صورة للواقع الروسي المستعبد والمشغل للفلاح, والتي كانت علاقته بالملاك الإقطاعيين التناقض الرئيسي في ذلك العصر. لم يكن الإهتمام في الرواية منصباً على تقديم بطل نموذج, ولكن, عبر واقعيته النقدية, يفضل غوغول تقديمها على أنها نمط سائد وواقعي في المجتمع.

استخدم غوغول الضحك كوسيلة لفضح الحياة الواقعية وكشف عيوبها, وإبراز تفاهة الحياة التي كان يعيشها السادة الإقطاعيون. أشار غوغول إلى ذلك وهو يتحدث عن خصائص روايته, الحياة الضخمة التي يتناول تصويرها تبرز من خلال الضحك المرئي للعالم, والدموع الغير المرئية والخفية بالنسبة له. سخرية غوغول تحتل كل ركن من أركان فصول الرواية. ف مثلاً, أحد الشخصيات كان بخيلاً جداً إلى درجة أن مروره في شارع ما يعني تنظيف الشارع بكل ما فيه, وليس بحاجة للتنظيف. كان يسرق ويأخذ حتى الأشياء التافهه من الأرض, ويدعي لاحقاً أنها ورثها من أبائه وأجداده. وهناك شخصية أخرى ثانية - نوزدريف - يسخر من خلالها غوغول من الطبقة الراقية وألعاب القمار والمراهنات. نوزدريف يجد سعادته الكبرى في اللعب والسكر إلى درجة الإنقلاب على أعز أصدقاءه, ولعل أشهر مثال على السخرية في رواية غوغول هي في فصل الحفلة الراقصة وشتائم نوزدريف تجاه بطل الرواية :

"إيه يا ملاك خارسون العظيم, هل مر عليك عهد طويل وأنت تتاجر بالأرواح الميتة التي انتقلت إلى رحمة الله؟ اسمع يا تشيتشيكوف, أني أقولها لك بروح الصداقة المخلصة, إن كل الموجودين هنا ليحبونك حتى سعادة حاكم الولاية, ولكن الأمر لو كان بيدي, لشنقتك بيدي, أقسم بالله, وإني لأفعل ذلك. هل تصدقني يا صاحب السعادة, إن هذا الإنسان طلب مني أن أبيعه ما لدي من الأروح الميتة, كان الضحك يقتلني ويا للعجب! ما أكاد أصل إلى هذا البلد حتى أسمع أنه أشترى أرواحاً بثلاثة ملايين روبل! لقد ساومني على أرواحي الميتة! اسمع يا تشيتشيكوف, إنك لخنزير, أقسم بالرب, أنت خنزير صرف. لن أدعك تفلت من يدي, لا , إلا إذا علمت ما هو معنى شراء الأرواح الميتة. استمع إلي, يجب أن تخجل من نفسك, أقول هذا لأنك أوفى الأصدقاء إليّ, هل تعلم ياسعادة الحاكم, لو جئت تسألني يوماً وقلت : استحلفك بشرفك أن تخبرني أيها أحب إلى قلبك, أباك أم تشيتشيكوف؟ قلت : تشيتشيكوف, أقسم بالله على ذلك!"

هناك ثيمات ورموز جعلت من الرواية عمل روسي كامل, مثل موضوع اللغة الروسية عند الطبقة الرفعية, وكيف أصبحت تستخدم للشتائم بشكل حصري, أما الكلمات الرائعة والغزل وكلمات العشق والحديث في السياسة, فيجب أن تُستخدم الكلمات الفرنسية والألمانية والإنجليزية التي أصبحت تعبر عن روح العصر والجمال. هناك ثيمة مشتركة غالباً ما يستخدمها الكتاب الروس في أعمالهم, أقصد الحفلات الراقصة, تولستوي استخدم هذه الثيمة في آنا كارينينا بشكل راقي ومذهل, ودستويفسكي استخدمها كذلك في الشياطين بشكل ساخر وعنيف, أما غوغول, فشن هجوماً عنيفاً على هذه الحفلات التي تقام في قصور حكام الولايات والطبقة الراقية. بقراءة فصل الحفلة الراقصة بإمكاننا أن نعرف لماذا قال بوشكين أن روسيا متوحشة, ولماذا قال الناقد الشهير بيلنسكي أن الأرواح الميتة عمل جبار لا مثيل له في الآداب الروسية. لن أخرج عن نطاق الحفلة الراقصة لأنها تستحق الكتابة عنها أكثر, هناك صوت واحد بالتأكيد في فصل الحفلة الراقصة, هو صوت بطل الرواية تشيتشيكوف. ولكن هناك صوت ثاني, هذا الصوت مخفي لا يظهر للعيان إلا إذا أعلن عن نفسه, هو صوت المؤلف بالتأكيد, ولكن إن لم يعلن عن نفسه, هل بالإمكان أن نقول أن هذا الصوت هو لصوتين وليس صوت البطل فقط. أعترف أن تحليل إيكو للأصوات الروائية استحوذ على تفكيري وأنا أقرأ في العمل الأدبي, أحاول اكتشاف الأصوات لأعرف كم صوت يتشارك في الحديث الدائر, وهل المؤلف هو أحد المشاركين في الصوت أم لا, في أحد صفحات فصل الحفلة الراقصة مونولوج داخلي للبطل يلعن فيه الحفلات الراقصة ويشن هجوماً عليها. ما لفت انتباهي هو أن تشيتشيكوف أصبح بصورة أو بأخرى مدافعاً عن الفلاحين العبيد, وهو في الرواية أبعد ما يكون عن خط الدفاع عنهم. إنه يشتري الأرواح لكي يكسب من ورائها, هل هذا الصوت دخيل على النص أم ثغرة وقع فيها غوغول؟ في الحقيقة أعتقد أن النص سليم لا تشوبه شائبة, وليس هناك ثغرة في النص كذلك, ولكن اختلط صوت المؤلف بصوت تشيتشيكوف.

" سحقاً لمن اخترع الحفلات الراقصة! أي إنسان يمكن أن يشعر فيها بالبهجة الخالصة؟ العوز والفاقة ماثلان في كل بقعة من هذه الولاية, والناس يقيمون الحفلات الراقصة! وهؤلاء النسوة السخيفات اللواتي يرتدين أغلى الملابس! إن كل واحدة منهن لا تحمل أقل من ألف روبل على كتفيها, ألف روبل جاءت من عرق الفلاح المثقل عبؤه بالضرائب, أو ما هو ألعن من ذلك ... الخ "

يوسف
30-11-2009, 09:34 AM
http://abuwabdallh900.googlepages.com/Repin.jpg
- لوحة للفنان الروسي ريبان, تمثل غوغول وهو غارق في أزمته الروحية ويحرق المخطوط الثاني من الأرواح الميتة -

أما القسم الثاني, والذي وصفته بالأزمة التي عصفت بالقصيدة, فهي تتعلق بالمجلد الثاني من القصيدة. والذي ذهب مع صاحبه إلى القبر. كان غوغول قد صرح بأن الأرواح الميتة ستتكون من عدة مجلدات, وشبه المجلد الأول بمقدمة القصر. وحين صدرت الرواية عرف القارئ من الفصل الحادي عشر أن الرواية أو القصيدة كما يحب غوغول أن يسميها مكونة من ثلاثة مجلدات. في أربعينيات القرن التاسع عشر حدث الشيء الذي سلط الضوء أكثر على أزمة غوغول الروحية والدينية, ألا وهو حرق الجزء الثاني بالكامل تعبيراً عن عدم رضاه عنها. يكتب غوغول وهو يتحدث عن حرق الجزء الثاني: ثمة ساعات لا يمكن فيها أن تحث المجتمع أو حتى جيلاً كاملاً إلى الرائع والجميل, إلا إذا أظهرت بكل عمق وضاعته الراهنة. ثمة ساعات لا ينبغي فيها حتى التحدث عن الرفيع والرائع دون أن تشير بوضوح كوضوح النهار إلى السبل والطرق التي يسلكها كل إنسان إليه. كانت هذه الناحية قليلة أو ضعيفة التطور في الجزء الثاني, ولذلك أحرقته.

أعاد غوغول كتابة القصيدة مرة أخرى, وفعل الشيء نفسه إذ قام بحرق المخطوط الثالث بعد كتابة استمرت سبع سنوات. ولكن, ماهي طبيعة تلك الأزمة التي تجبر غوغول على حرق مخطوطات أعماله؟

هنالك عدة إجابات, إما بالرجوع إلى كتابات غوغول الأدبية وتحديداً "أماكن مختارة من رسائل مع الاصدقاء" والنقد الهائل الذي تعرض له من بيلينسكي, أو بالرجوع إلى تفاصيل الأزمة الروحية التي عصفت بغوغول وأجبرته على حرق المجلد الثاني من الأرواح الميتة. عندما نشر غوغول" أماكن مختارة من رسائل مع الاصدقاء" تعرض لنقد هائل وقاسي جداً من قبل الناقد الروسي الشهير بيلينسكي, لتضمن هذا العمل - حسب بيلينسكي - أفكار رجعية لا يجوز لغوغول أن يدعو إليها. بعث بيلينسكي رسالة شهيرة إلى غوغول قال فيها : لقد أدى ظهور كتابك إلى استياء وسخط عميقين من جانب القلوب الطيبة جمعاء, وحتى أنه يعتبر تراجعاً عن مواقف كتاباتك السابقة كلها. إنك تعرف روسيا بعمق ولكن كفنان فقط وليس كمفكر. إن روسيا لا ترى أن انقاذها يتم عن طريق التصوف والتنسك والزهد, بل في التقدم وفي نجاحات الحضارة والتربية والروح الانسانية. فهي ليست بحاجة إلى الأدعية فيكفيها ما سمعته، ولا الصلوات فيكفيها ما صلته. إنها بحاجة إلى ايقاظ مشاعر الكرامة الإنسانية في الشعب. إن المسألة الملحة الآن في روسيا هي الغاء نظام القنانة والغاء العقاب الجسدي. إنك تريد تعليم الملاك البربري طريقة نهب الفلاح بقدر ما يستطيع وذلك باسم المسيح والكنيسة. وهل تريد مني أن لا أستاء..؟ إنك لو كنت ممتلئاً فعلاً بحقيقة المسيح وليس بالتعاليم الشيطانية لما كتبت ما كتبت في كتابك الجديد عن أن الفلاح أخو الملاك. وهل يمكن للأخ أن يكون عبداً لأخية...".

أما عن تفاصيل الأزمة الروحية, ف أفضل من يجيب عن هذه التفاصيل هو غوغول نفسه, في رسالة إلى الكاتب الروسي جوكوفسكي نهاية 1850م يكتب غوغول التالي: لقد قمت برحلتي إلى فلسطين بالضبط لكي أعرف شخصياً ولكي أدرك بنفسي كم كان قلبي ممتلئاً بالقسوة. كم كانت كبيرة تلك القسوة، يا صديقي ! لقد كان لي الشرف بأنني أمضيتُ ليلة قرب قبر المخلِّص، كان لي الشرف بأن انضممتُ إلى تلك الأسرار العظيمة المقدسة القائمة فوق ذات الضريح، ورغم ذلك لم أصبح أكثر نقاء، في حين كان من الضروري أن يحترق كل ما هو أرضي عندي فلا يبقى سوى ما هو سماوي.

فهد وَلَد ناصر
02-12-2009, 11:54 AM
هل يمكنُ لي أن أكتُبَ هنا كلمَتَيْنِ؟ ولأنني أدركُ أنه لا ضَيْرَ في هذا، فسأكتُبُ. وما كان السّؤالُ إلّا استشرافًا أدلِّلُ به أنَّ هذا المكانَ يحتاجُ إلى خطابِ شُكرٍ لكَ يا يوسُف: شُكرًا لك.

أنتَ مُثقَّفٌ وافرُ العطاء، وجمالُ ما تكتُبُ يبينُ بتلقائيَّةٍ تُشيرُ إلى أنكَ شخصٌ تلقائيّ، ولستُ إذ أكتُبُ هذا أحاولُ سبرَ غورِ شخصيَّتِك، إنما هذا ما أقرأهُ في كتاباتِك. أنتَ كالطفل يا يُوسُف تِجاهَ القراءة، إذِ الطفلُ هو تِجاهَ أفلامِ الكارتُون.

يوسف
04-12-2009, 12:42 AM
هل يمكنُ لي أن أكتُبَ هنا كلمَتَيْنِ؟ ولأنني أدركُ أنه لا ضَيْرَ في هذا، فسأكتُبُ. وما كان السّؤالُ إلّا استشرافًا أدلِّلُ به أنَّ هذا المكانَ يحتاجُ إلى خطابِ شُكرٍ لكَ يا يوسُف: شُكرًا لك.

أنتَ مُثقَّفٌ وافرُ العطاء، وجمالُ ما تكتُبُ يبينُ بتلقائيَّةٍ تُشيرُ إلى أنكَ شخصٌ تلقائيّ، ولستُ إذ أكتُبُ هذا أحاولُ سبرَ غورِ شخصيَّتِك، إنما هذا ما أقرأهُ في كتاباتِك. أنتَ كالطفل يا يُوسُف تِجاهَ القراءة، إذِ الطفلُ هو تِجاهَ أفلامِ الكارتُون.



أنا الذي يجب أن يشكرك يا فهد.
شكراً جزيلاً يا فهد, والمكان مكانك مايحتاج تستأذن أبداً. حياك في أي وقت.

يوسف
04-12-2009, 12:43 AM
من رسائل تولستوي

http://abuwabdallh900.googlepages.com/Repin22.jpg

( 1 )

" أصدقائي يديرون ظهرهم لي, وبعض الليبراليين يعتبرونني مجنوناً, أو قليل العقل كـ غوغول. والثوار والراديكالييون يعتبرونني ثرثاراً غامضاً. ورجال الحكومة يعتبرونني ثائراً مفسداً. أما المسيحيون الأرثوذكس فيعتبرونني شيطاناً. أعترف بأن هذا صعباً علي.لذلك, اعتبرونني من فضلكم محمدياً طيباً. عندها, سيكون كل شيء على ما يرام "
من رسالة غير منشورة لتولستوي.



( 2 )

إيلينا فيكيلفيا, امرأة روسية مسيحية تزوجت من مسلم وأنجبت منه أطفال. كبروا الأطفال ويريدون باستقلالية اعتناق دين, وتحديداً الدين الإسلامي, إيلينا كامرأة روسية توجهت لكاتب كلاسيكي له مكانته تستشيره حول هذه المسألة, رد عليها تولستوي بهذه الرسالة :

" بالنسبة لتفضيل المحمدية على الأرثوذكسية, أستطيع فقط أن أبدي تعاطفي وألمي من هذا الإنتقال. فمع غرابة الأمر, بالنسبة لي, كإنسان يبجل المُثل والقيم المسيحية في معناها الحقيقي, لا يوجد أي شك بأن المحمدية بأشكالها الخارجية أعلى بكثير من الأرثوذكسية. إذا كان أمام الإنسان خياران فقط : الأرثوذكسية أو المحمدية, فلا يمكن أن يظهر لدى أي إنسان متعقل شك في الخيار الصحيح. أي إنسان سيفضل المحمدية التي تعترف بإله واحد وبرسوله, بدلاً من الإعترافات الربانية المعقدة وغير المفهومة, المتمثلة بثلاثية وغفران وأسرار المقدسين وطقوس عبادة صعبة جداً."

تولستوي
15 أذار 1909



( 3 )

" مما لا ريب فيه أن النبي محمد من عظماء الرجال المصلحين الذين خدموا الهيئة الإجتماعية خدمة جليلة, ويكفيه فخراً أنه هدى أمته برمتها إلى نور الحق وجعلها تجنح للسكينة والسلام, وتفضل عيشة الزهد ومنعها من سفك الدماء, وتقديم الضحايا البشرية, وفتح لها طريق الرقي والمدنية, وهو عمل عظيم لا يقوم به إلا شخص أوتي قوة, ورجل مثل هذه جدير بالإحترام والإكرام. "

من كتاب حكم النبي محمد وشيء عن الإسلام
تولستوي

يوسف
06-01-2010, 04:59 AM
الفن والحرب

http://abuwabdallh900.googlepages.com/EnglandsPrideandGlory.jpg

لوحة انجلترا الفخر والكبرياء لتوماس ديفيدسون لا تختلف عن لوحات لويس ديفيد وهو يرسم نابليون بشكل مذهل وخيالي, إلا أن لوحة توماس ملهمة أكثر. في اللوحة شاب صغير يرتدي زي البحرية البريطانية, وتربت على كتفه أنثى قد تكون والدته, ويشاهدون لوحة لأعظم القادة البحريين في التاريخ: الأدميرال نيلسون, والذي قاد البحرية الإنجليزية لانتصار مدوي في معركة طرف الغار ضد نابليون.

في العقد الأول من القرن التاسع عشر, كانت القوة العسكرية الضاربة في أوروبا تحت قيادة نابليون, في حين كانت البحرية البريطانية مهيمنة بشكل شبه مطلق على البحار. كان نابليون يحاول استدراج الأسطول البريطاني للوقوع في الفخ لكي يتمكن نابليون من تحقيق طموحاته وغزو انجلترا. أخفق الأسطول الفرنسي في جر الأسطول البريطاني إلى المصيدة, فقرر الأسطول الفرنسي مهاجمة الأسطول البريطاني مستعيناً بالأسطول الإسباني. عددياً, كان الأسطول الفرنسي يتفوق على الأسطول البريطاني من ناحية عدد البوارج الحربية والقوات البحرية. تفاجأ الأسطول الفرنسي بالضربة القاصمة للبحرية البريطانية تحت قيادة نيلسون, حيث اخترق الصفوف وزعزع الترابط والقوة الضاربة العددية التي كانت للفرنسيين. لم يفقد الأسطول البريطاني ولا سفينة, بعكس الفرنسيين الذين فقدوا ثلثي البوارج.

في اللوحة, الشاب الصغير, بفخر وكبرياء يتمنى أن يكون في نفس مكان نيلسون, أن يكون خالداً بانتصاره وقوته وإرادته, ولكن, ما لم يشاهده هذا الشاب هي اللوحة الثانية المجاورة للوحة نيلسون, أصوات القصف والهروب تدوي من السفن التي يقودها نيلسون. لو كان الشاب ووالدته يشاهدون اللوحة الثانية لأنزلت الأم يدها عن كتف ولدها وأبعدته عن هذا المكان الذي لا يعرف صوت سوى صوت المعركة.


http://abuwabdallh900.googlepages.com/Vasili.jpg

" إهداء إلى جميع الغزاة في الحاضر والماضي وإلى أولئك الذين سيأتون في المستقبل".
هذه الإهداء موجود في لوحة فاسيلي فيرتشاغين: تمجيد الحرب. الحرب لا يمكن أن تأتي بأي فائدة, حتى لو كان السبب أخلاقي ووطني, سوف تتسبب بالآلام لجميع من شارك فيها, وجميع السكان, وحتى النباتات والحيوانات والأرض, كل شيء قائم في الأرض التي تدور حولها الحرب, تصرخ وتلعن تلك الحروب العبثية التي يتسبب بها واحد أو اثنان, ويجروا معهم مئات الألوف في مغامرة درامية هوجاء. لا أحب لوحة فيرتشاغين لأنها مرعبة, وأحب فلسفتها لأنها إنسانية عميقة. إنها تشبه بكل تأكيد لوحة الجورنيكا لبيكاسو, ووجه الحرب لدالي ومعركة انغياردي لدافنشي والثالث من مايو لفرانشيسكو دي غويا. في الحرب كما في أي نشاط إنساني مختلف, يقابله الفن بعدة اجتهادات وليس شرطاً أن يكون واحداً. هناك الخلود للقادة والتعبد في محراب القائد. هناك تخليد للمعارك, وهناك بؤس الحروب, وهناك عبثية الحرب والموت, وأخيراً التأمل في الحرب. سأتحدث عن بعض هذه التأثيرات في المقال القادم.

يوسف
06-01-2010, 05:00 AM
رومانسية الممالك الثلاث
- ذكريات طفل في العاشرة من العمر -

http://abuwabdallh900.googlepages.com/Threekingdoms.jpg

يحكى أن: في أواخر القرن الثاني الميلادي, انخفضت السلطة المركزية والإدارية لأسرة هان الإمبراطورية الصينية. نتج عن هذا الضعف اضمحلال الإمبراطورية وتأسيس الممالك الثلاث الشهيرة. في الشمال كان يحكم كاو كاو مملكة وي, في الغرب كان يحكم ليو بي مملكة شو, في الجنوب الشرقي كان سون شيوان يحكم مملكة وو. في العام 208 شن كاو كاو هجوماً ضارياً ضد مملكة شو. لم يواجه كاو كاو بمقاومة تذكر من قبل حاكم المملكة ليو بي. قام باحتلال أغلب المناطق الرئيسية وأجبر ليو بي على الإنسحاب إلى منطقة تدعى شيا. بعد هذا الهجوم الكاسح من قبل كاو كاو أجبر ليو بي على إقامة تحالف مع سون شيوان حاكم مملكة وو لمواجهة كاو كاو.

وجد كاو كاو نفسه في موقف لا يحسد عليه. معظم قواته, والتي تعتبر الأكبر بين الممالك الثلاث من الشمال ولا يعرفون أصول المعارك البحرية بعكس مملكة وو التي تعتبر القتال البحري اختصاصهم الرئيسي والمهم في أي انتصار سيتحقق على قوات كاو كاو. إحدى أكبر المعضلات الي واجهت كاو كاو في البداية هو دوار البحر الذي أصاب جنوده. إذا كان الجنود يقاتلون في البر, لما لا يتحول البحر إلى أرض برية. عبر هذا الجنون يقرر كاو كاو ربط معظم السفن بسلاسل حديدية لتصبح جزيرة عائمة متحركة يتحرك منها الجنود بكل يسر وسهولة. كل شيء في صف كاو كاو: الجزيرة العائمة التي أصبحت مثل أرض برية يسهل القتال عليها, والرياح الشمالية الغربية التي كانت في صالحه.

ولكن, عند البداية الحقيقية للمعركة تهب فجأة رياح جنوبية شرقية تقلب أساس المعركة وتنسف مخططات كاو كاو: الخبير في أمور البر ليس بالضرورة أن يعرف أصوات الطبيعة التي هي ضرورية للقائد البحري. قد تكون الرياح شيئاً عادياً في البر, لكن في البحر هي أهم ركن من أركان الحرب: هي جنرال خفي يخدم في حضرة من يصاحبهم تجاه الطرف الآخر. أصبحت الجزيرة العائمة شراً بدل أن تكون عاملاً مساعداً في تقوية شوكة قوات كاو كاو. عشرة قوارب صغيرة تسير نحو معسكرات كاو كاو بسرعة كبيرة تحت تأثير الرياح. عندما اقتربت هذه القوارب الصغيرة من مقدمة قوات كاو كاو اشتعلت فجأة فيها حرائق شديدة واقتحمت مجموعة السفن الكبيرة المربوطة في معسكرات كاو كاو, حتى اشتعلت النار بسرعة فى الاخيرة، وأحاطت بمعسكرات كاو كاو بأكملها. صدم كاو كاو من انقلاب الموازيين المرعب . هرب تاركاً السفينة إلى البر بسرعة هروباً من الموت. وهكذا حققت قوات التحالف نصراً عظيما على قوات كاو كاو. أصبحت تلك المعركة خالدة متى ما ذكر تاريخ الممالك الثلاث الصينية, ومعروفة في الصين والعالم أجمع باسم معركة الجرف الأحمر.

قبل خمسة عشر سنة بالتحديد كانت هذه القصة هي أجمل ما شاهدت على شاشة التلفاز. عندما كنت في العاشرة كنت مغرماً بمشاهدة المسلسلات الكرتونية القديمة. اختفت هذه المسلسلات الآن ولم يعد لها صدى, ولكن, بالنسبة لمن عاش وشاهد الروائع التلفزيونية القديمة لن يتناسى روائع الفن الياباني المعاصر الباقي في ذاكرة من هم في سني بالتحديد. كانوا أبطالي هم الأصدقاء الثلاثة: ليو بي, وزانغ في و جوان يو. ثلاثة رجال أقسموا ذات مساء تحت ظلال شجر الدراق أن يخلصوا الصين من الظلم وأن يحاربوا العدوان ويكونوا مملكة يسودها العدل والحب والوئام. أحد الرجال الثلاثة هو ليو بي وهو من سلالة هان، وسرعان ما يرتقي في المناصب ليحاولَ استرجاع مملكة هان، وزانغ في وهو سكير عربيد ولكنه طيب القلب ورابط الجأش، ثم أخيراً جوان يو الشخصية الأشهر في القصة والتي تعتبر في الصين بمثابة الإله، وهو ذو اللحية الطويلة السوداء، وصاحب الرمح الطويل. كان كاو كاو بالنسبة لي القائد الأكثر شراً وتوحشاً على الإطلاق. وفي الأدب الصيني الكلاسيكي يتم تصويره كجنرالٍ مخادعٍ ومحتال. وكذلك يُعتبر في رواية رومانسية الممالك الثلاثة شخصيةٌ محتالة وشريرة. ليو بي في مواجهة كاو كاو. لهما غايه يريدان إدراكها. كل واحد منهم يريد توحيد الصين على طريقته الخاصة بعد أن تمزقت إلى ممالك كثيرة كبيرة وصغيرة. لم أتأثر في يوماً ما بأي مشهد تلفزيوني. ولكن: في أحد مشاهد هذا الفيلم بالتحديد, هناك مشهد أتذكر أني حزنت حزناً شديداً بعد أن شاهدته. والآن, بعد مرور خمسة عشر سنة من مشاهدة أولى لا زال هذا المشهد يعبث بي ويقدم لي صورة سينمائية فنية خالصة لا أتوقع في يوم من الأيام أن يأتي مشهد آخر ليقارعه في القوة والحبكة. المشهد هو مقتل لي هوا زوجة ليو بي في قلعة زوجها. اقتحم سون شيوان حاكم مملكة وو قلعة تابعة لـ ليو بي وعاث فيها فساداً. كان هدف سون شيوان أكبر من احتلال قلعة ليو بي, كان يريد أخذ زوجة ليو بي التي هي شقيقته. لكنها رفضت. لن تترك قلعه عهد إليها زوجها بحمايتها, واندلعت النيران في القلعة.

كانت تتخيل والدموع في عينينها زوجها في وسط النار وهو ينادي عليها. ويجري عليها وهي تجري عليه بالثياب اللتي كانا يرتديانها في أول لقاء لهما. كانت تتمنى أن ترقص لزوجها ولكن القدر لم يمهلها. اندلعت النيران بشكل أكبر واحترقت القلعة ولم تخرج لي هوا بإرادتها. بل جلست فيها, تنتظر زوجها وسط اللهب. وراحت تتخيل نفسها ترقص لزوجها رقصه السيف الشهيره. كنت أظن أني الوحيد الذي يعترف بجمال هذا المشهد ودرجة تأثيره. قمت بالبحث عن قراءات لهذا العمل ووجدت الجميع, أو بمعنى أصح أغلب من شاهد هذا العمل أحب هذا المشهد وأحدث فيه التأثير الذي أثر فيّ. على أنغام تاكيو وبصوت الياباني المذهل كيوتاكا سوجياما ترقص لي هوا وهي تحترق رقصة السيف الشهيرة:

أبحرت في قارب أحلامك الحزين
سمعت أنغام ألحانك الحزينه
حين تكسرت الأمواج على شواطئك في لحظه الغروب
والرياح تجفف دموعي

أحبك يا آنستي الحالمه
في أرض الأحلام .. مع مرور الايام:
كنت احتضنكِ بقلبي
كنت ارسم في بحر لطفك وجه فتاة بريئه
أنتِ كل ذكرياتي التي حلقت إلى السماء :
مثل طير حلق من غير وعود
سأراك مر أخرى .. إلى اللقاء يا آنستي الحالمة

وأنا بجانبك ..
لن أعشق مرة أخرى
أي فتاة تحمل صفاء عينيك البريئتين ؟
لأني أؤمن بالحب : سأنظر بعيداً
بعيداً بعيداً
أحبكِ يا آنستي الحالمة

يوسف
06-01-2010, 05:00 AM
رومانسية الممالك الثلاث
- معركة الحافة الحمراء -

http://abuwabdallh900.googlepages.com/Redcliff1.jpg

بعد خمسة عشر سنة من المشاهدة الكرتونية تغير الشيء الكثير, ولدي أسئلة لا أملك إجابة عليها الآن, وقد أجدها عند قراءة رومانسية الممالك الثلاث. في منتصف السنة الماضية صدر فيلم الحافة الحمراء للمخرج جون ووه. كنت متحمساً للفيلم لأني سأشاهد شيئاً أعرفه جيداً - الممالك الثلاث - ومعكرة الحافة الحمراء والتخطيط العبقري والجنوني للتنين النائم جوكيه ليانغ, والذي كان كبير المخططين الإستراتيجيين وصاحب أفكار عبقرية لا تخطر في بالي أي قائد من قادة الممالك الثلاث.

عند مشاهدة الجزء الأول الذي صدر في 2008م, قلت : الخلود عبر الفن, هذه الجملة تختصر حالة هذا الفيلم التاريخية والفنية. شخصيات الفيلم الشهيرة الثلاثة ظهرت كما كان تصوري عنها مسبقاً: الجنرال زانغ في بصرخته المرعبه قادر على شق صفوف العدو. تبدو هذه الشخصية لأول وهلة بأنها عدوانية وشريرة, ولكنها تحمل طيبة قلب كبيرة مليئة بحب الفقراء, والقتال والتضحية من أجلهم. الشخصيات الأخرى ظهرت بشكل لم أكن أتوقعه. تم تقديم شخصية الجنرال جوان يو بشكل مذهل يدعو للإعجاب. جوان يو: ذو اللحية الطويلة السوداء، وصاحب الرمح الطويل المرعب. والتي تعتبر في الصين بمثابة الإله. آخر شخصية وهي التي أثارت إهتمامي هي شخصية الجنرال ليو بي: لم أكن أتوقع أن تظهر هذه الشخصية بمثل هذا الضعف. أعتقد أن المخرج إستعان بشخصية الحكيم المشهور صاحب ليو بي في القصة : زوجيه ليانج, للتدليل على ضعفه. فكرة المخرج جوان يوو ذكية جداً. بما أن ليو بي ليس منتصراً, وهو في حالة الحرب تلك من فشل إلى فشل فلا داعي لإعطاءه دور مركزي في القصة, وإنما للمخطط والمفكر في معركة الجرف الأحمر.

لا أتوقع أن هذا الفيلم سيحظى بإعجاب الكثيرين. الفيلم ملحمة حربية من بدايتها لنهايتها, وأنا متأكد بأن غير العارف بحكاية الممالك الثلاث سيخرج بعد مشاهدة هذا الفيلم وهو يلعن الوقت الذي أضاعه في مشاهدة فيلم لم يفهم منه شيء, ولم تثير اهتمامه سوى صورة التخطيط العسكري الرهيب, وجوان يو, وزانغ في وهم يحاربون بشكل مذهل وخارق للطبيعة البشرية. هناك شخصية أخرى كذلك مركزية استطاع المخرج تقديمها كما يليق, وهي شخصية الجنرال كاو كاو, الرجل العصامي الذي سرعان مايصبح وزيراً، ثم يقوم بإسقاط مملكة "هان". ومن ثم يبدأ الصراع بين "ليو بي" بمساعدة رجاله الأبطال و"كاوكاو" برجاله أيضا. جسد شخصية كاو كاو الممثل المخضرم فينجيياي زهانج.

هناك أشياء تغيرت: كان ليو بي هو القائد المفضل لي في مرحلة العشرة أعوام, في الفيلم هو شخصية ثانوية, حتى حاكم مملكة وو سون شيوان لم يكن ذا تأثير حقيقي أو ظهور حقيقي. زج المخرج بنائب حاكم ووه زهو يو كقائد أساسي لمعركة الجدار الأحمر. بما أن الفيلم يتحدث عن حرب ف بالتأكيد سوف يكون الفيلم سريعاً ومليئ بالحركة والإثارة. في الجزء الأول تم تقديم مقدمة للحرب التي بدأت تعصف بالجزء الثاني من الفيلم والذي صدر عام 2009م.

http://abuwabdallh900.googlepages.com/Redcliff2.jpg

في الجزء الثاني أظهر المخرج كاو كاو كرجل يحمل صفات مختلفة, هو شهير كقائد عسكري يبطش بالخصوم, ولكن كما يعرف محبي تاريخ الممالك الثلاث كان كاو كاو شاعراً وأديباًَ وسياسي حذق لا يترك شاردة ولا واردة إلا ويحسب لها ألف حساب. في أحد مشاهد الفيلم - وهو الذي أثار الأسئلة في عقلي - بعد هزيمة كاو كاو, كان كاو كاو يشاهد خريطة الممالك الثلاث. كان يتفاخر بأنه تخلص من أمراء الحرب في كل المناطق, ولم يستطع التخلص من أمراء الحرب في هذه المنطقة فقط. لو تخلص من أمراء الحرب في هذه المنطقة, هل سيعم السلام والوئام الإمبراطورية الصينية من جديد؟ هل كان كاو كاو يطرح نفسه كموحد للإمبراطورية بعكس ليو بي الذي يريد استعادة مجد هان؟ إنها أسئلة كبيرة وليست صغيرة, الإجابة عن هذه الأسئلة يكشف كم هي قوية سلطة الأدب عندما يتولى إعادة كتابة التاريخ من جديد وتقديم رؤية رومانسية قد تكون بعيدة عن الواقع لكن تحظى بشعبية عارمة عند القراء. حتى الرؤية الكونفشيوسية للأحداث كانت تلوم كاو كاو لعدم مقدرته على تحطيم أمراء الحرب وفرض سلطة واحدة للإمبراطورية الصينية. في قصة المكتباتي للأديب عدي الحربش نجد مثل هذا التساؤل كذلك: " من هي الشخصية الشريرة، و ما هي القوانين التي تضبط إطلاق هذه الصفة عليها؟ هل هو روبن هود الذي يسرقُ لإطعام الفقراء، أم شريف نوتينجهام الذي يحاول ضبط القانون و الإيقاع بهذا اللص الخارج عن العدالة؟ هل هو ليو بي الذي يحاول أن يعيد مجد إمبراطورية هان، أم كاو كاو الذي لا يرى أملاً للبلاد إلا تحت رايته؟ "

ما أنا متأكد منه الآن والكثير من الأسئلة لا أجد لها أجوبة, أن ليو بي مثل كاو كاو. كان ليو بي يسعى لنفسه مثلما كاوكاو يسعى لنفسه. في فترة ضعف إمبراطورية هان كان كاو كاو هو من انقذ الإمبراطور رغم تحكمه فيه. أخمد الثورات في الشمال وفرض الأمن وحول المملكة الشمالية إلى مملكة مزدهرة.

شيء واحد كنت أتمنى أن يكون موجوداً بالفيلم: لي هوا. أنا متأكد بأن مؤلف الفيلم الكرتوني أضاف قصة لي هوا من عقله وأبدع فيها إبداعا شديداً بلا شك. في الفيلم تم استخدام لي هوا ولكن بصورة أخرى, عبر زوجة نائب الحاكم والبطل الرئيس الثاني في الفيلم: زوجة نائب الحاكم تشو يو. لي هوا قدمت نفسها لكاو كاو حتى يحقن الدماء, في الفيلم نفي الشيء: قدمت زوجة نائب الحاكم نفسها لكاو كاو حتى يحقن الدماء, ولا مفر من المعركة. وكما يقول كاو كاو: رفعت كأسي وغنيت الأغنية, ولا أعرف سوى كائن واحد, إلهُ الشراب!

* يجب أن أشكر المترجم المميز فيصل الظفيري على براعته وتفانيه في ترجمة هذه الملحمة العظيمة ترجمة تليق بها. في بعض مقاطع الفيلم كان كاوكاو يتحدث شعراً, وترجمها فيصل كما يجب أن تترجم: شِعر.

يوسف
12-01-2010, 12:42 PM
Two Women

http://i790.photobucket.com/albums/yy185/joseph-99/Two.jpg?t=1263199812


مآسي الحروب في الآداب والسينما لا تظهر إلا من خلال رؤية الجندي أو الإنهزامية والإنهيار الذي يحل في جانب عسكري مقابل الطرف الآخر. هذه الرؤية تم تقديمها لسنوات طويلة وتحظى بشعبية كبيرة إذ يتعاطف الجمهور من خلالها مع هذا البطل الذي أنقذ رفاقه, أو هذا القائد الذي اقتحم معسكر الطرف الآخر وعاث فيه قتلاً ورعباً حتى انتصر. عند هيجو لم يكن الطرف المنتصر في واترلو نابليون المنقلب على عقبيه, وليس الدوق الحديدي ولينغتون المنكفئ في الساعة الرابعة, اليائس في الساعة الخامسة, وليس بولخر الذي لم يقاتل قط, إن الرجل الذي كسب معركة واترلو هو كامبرون, فقط لأن القائد الإنجليزي كولفيل عند نهاية المعركة, وعندما حاصر الجنود الفرنسيين صاح فيهم: أيها الفرنسييون البواسل, استسلموا! فأجابة كامبرون: هراء.

انتصار كامبرون هو انتصار رومانسي غير واقعي أراد من خلاله هيجو أن يظهر مأساة الحرب بعيداً عن الكر والفر بين نابليون وولينغتون. قد يكون الميدان مناسباً لتكون النزعة الرومانسية هي المتحكمة بالنص والمشاعر بين الطرفين نظراً لأن المكان مكان حرب لا وجود لسكان فيه. الرؤية الواقعية لا تصلح هنا. ولكن, قد تصلح في القرن العشرين عبر الحرب العالمية الأولى أو الثانية.

ألبرتو مورافيا, الأديب والقاص الإيطالي الشهير التزم بالخط الواقعي المحكم عبر روايته الشهيرة" امرأتان", والتي حولت للسينما في فيلم إيطالي من بطولة صوفيا لورين وإخراج فيتوريو دي سيكا. بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وانهيار امبراطورية موسوليني تحولت ايطاليا من بلد كانت له سطوة سياسية وتحالف قوي مع النظام النازي الألماني إلى دولة منهارة لا مكان فيها إلا لأصوات الكلاب تنهش بقايا جندي هنا ومدني هناك, وفقراء يبعثون عن ما يسد رمقهم من النفايات التي يتقاتل عليها الجميع.

هذه الأحداث الكبيرة والإنهيار الكبير لا تفسح المجال لظهور أصوات رومانسية تناجي المشاعر والآهات وتتحسر على أيام مضت, بل عن كشف معالم هذه الحياة التعيسة وإظهار الجرم الذي ارتكب بواقعية مجردة ومشرط سينمائي وفني لا وجود لمساحة الترفيه فيه: يجب أن تخرج بعد أن تقرأ امرأتان أو تشاهد الفيلم كذلك أن تقول أني لم أقرأ أو أشاهد إلا ما يعيشه السكان الهائمون على وجوههم في القرى والمدن يبحثون عن أبسط سبل الحياة لكي يعيشوا. عبر هذه الرؤية الواقعية نستطيع أن نفهم الأدب الواقعي بصورة مصغرة ومرحلة الواقعية الإيطالية الجديدة في السينما.

شيزيرا, امرأة فلاحة إيطالية, لا يوجد فيها ماهو مميز في حياتها سوى أنها تزوجت من رجل لا يوجد فيه شيء مميز , وأرملة تعيل طفلة مراهقة - روزيتا - من زوجها السابق. مثلها مثل بقية السكان. تهرب من روما التي تتعرض للقصف من قوات الحلفاء إلى قريتها الأصلية حماية لها ولإبنتها. عبر هاتين الشخصيتين - روزيتا و شيزيرا - يظهر مورافيا الأديب و فيتوريو دي سيكا المخرج, المأساة التي تخلفها الحرب على الإنسان البسيط العادي, والذي لا شأن له في الحرب ولا يعرف إلى من ينتمي. هم ليسوا بنازيين وفاشيين لكي يحملوا تأييد لدول المحور, وليسوا بأمريكيين أو بريطانيين لكي يصبحوا من أتابع الحلفاء. هم مستعدين للتحالف مع الشيطان, لو استطاع إيقاف نزيف الدم المرعب الذي يحطم علاقات الحب بين الرجل والأنثى ويرفع قيمة السلع الأساسية حتى تصل إلى قيمة يستطيع فيها الفرد أن يشتري منزلاً بدلاً من الخبز.

يوسف
15-01-2010, 04:52 PM
الطريق

http://abuwabdallh900.googlepages.com/TheRoad.jpg

لا أعتبر نفسي مغامراً بقراءة شيء لا أعرفه. هذه المرة قررت المغامرة بقراءة إحدى روايات الخيال العلمي الشهيرة والتي تحضى بشهرة كبيرة ومتابعة غير مسبوقة من جمهور القراء الذي يفضل الإثارة والغرائب. مكارثي لم يقدم رؤية لماهية الكارثة التي حلت على كوكب الأرض ودمرت كل شيء حتى عاد الإنسان لحالته البدائية, عندما يأكل الإنسان لحم أخيه الإنسان من أجل سد رمق الجوع فقط لا غير. بشكل مباشر يسير القارئ في رحلة البحث عن الطعام والحياة مع الأب والابن الصغير عبر الطريق في رحلتهم نحو الجنوب الغير معروف في الولايات المتحدة.

رغم أن الرواية لا يوجد فيها هذا الكم من الفلسفة التي أعشقها في الأعمال الأدبية إلا أنها بصورة أو بأخرى أثارت انتباهي. أنا لا أنصح بها, قد لا تعجب الكثيرين نظراً لأنها خيال علمي. ما أثار انتباهي عدة نقاط سأوردها بشكل موجز. في الرواية لا توجد سوى شخصيتين فقط, الاب والابن. ولم يذكر قط اسم الأب أو الابن, وما فائدة الأسماء إذا كانت في مكان لم يعد يستخدم الأسماء! قد يستطيع المؤلف أن يتقمص روح الرجل ويعبر عن أراءه بكل سهولة نظراً لأنه رجل, ولكن أن يتقمص روح طفل فتلك هي البراعة والذكاء. ليس شرطاً أن يكون الطفل في الرواية فيلسوفاً أو شخص ذو رؤية خارقة أو شيء من هذا القبيل, إنه طفل, يفكر, يأكل, يعيش, يلعب, يحب, يكره, كطفل, لا كرجل مكتمل النمو والعقل. حين نقرأ حوارات الأب والابن مثلاً نجد مكارثي يستخدم تعبيرات مألوفة بين الأب والابن. قد يصر الطفل على شيء ويكرره عدة مرات حتى يقبل الأب برأي الطفل, وكما هو معروف أو طبيعي, العلاقة بين الأب والابن في عالم محكوم بالدمار مشبعة بالعاطفة والحب.

ما يميز روايات الخيال العلمي هي القدرة الهائلة على وصف الأماكن بألوانها وروائحها والتفصيلات الصغيرة المكونة للأشياء, والتي تكون عادة غير موجودة في الروايات المعروفة. هذا التميز له ما يبرره, المؤلف لا يستطيع أن يحول كل الرواية إلى حوار طويل وممل بين الأب والابن, في هذه الحياة الغير طبيعية هناك دمار وهناك شخصيتين, عبر الشخصيتين يكون الحوار, وعبر الدمار والطريق يكون الوصف الذي قد يستغرق صفحات طويلة.

يقول المترجم في مقدمة الكتاب أن الرواية تطرح بعض القضايا المهمة مثل قضية الشر والخير, والموت والحياة. في منتصف الرواية قلت لا بد أن المترجم تحمس كثيراً حتى يطرح هذا الرأي. وحتى بعد أن أنهيت القراءة لا زلت على رأيي. ولكن لما لا يكون رأي المترجم صحيحاً؟ لن اختلف حول قضية الحياة, فالرواية بأكملها انتصار للحياة مقابل الموت. ولكن, هل يجب أن يكون الموت في الأدب شيء يتعدى طابع الفقد ليصل إلى حالة تشمل كل شيء, تشمل الفقد, والألم, وحتى التضحية, والكبرياء؟ أليست حياة إنسان - الأب مثلاً - عزيزة على طفل إلى حد أن الطفل يتمنى أن يموت مع أبيه؟ هناك موت لا أعرف كنهه في الأدب, يستطيع بقدرة ذكية وقاتلة أن يعرفك على هذا الحضور الأبدي للموت, يجعلك تحس بطعمه و مرارة الفقد, مثل موت مريم في رواية خالد حسيني ألف شمس مشرقة. في هذه الرواية البسيطة كل البساطة نلحظ هذا النوع من الموت, عندما يموت الأب في الطريق, والابن يقضي ثلاثة أيام مع أبيه الذي تجمد وأصبح في مهب الريح.

نقطة أخرى تطرح غالباً في روايات الخيال العلمي, وقد تكون واقعية, لما لا. أتحدث عن قتل الإنسان, وأكله, فقط لأن ضرورات الحياة أصبحت غير موجودة وانهارت. لا يوجد أبشع من منظر مجموعة من الناس يقتلون طفل صغير, ويأكلونه. نلحظ مثل هذه البدائية من الإنهيار في رواية ساراماغو : العمى. إنهارت الحضارة وعاد الإنسان إلى حياته البدائية المتوحشة, لم يعد للموسيقى أو أي شيء من كماليات الأرض حضور, ما يهم هو البحث عن الأكل, القدرة على تنظيم الحياة في عالم لا يرحم. قد تكون هذه الرؤية كما قلت تطرح بقوة في روايات الخيال العلمي, ولكن, هل بمقدور الكائن البشري أن يصل إلى حالته البدائية بدون انهيار وسائل الحضارة؟ لن أفصل كثيراً لأن الجواب متوفر ومختصر جداً. الجواب لدى الرجل "الفيل" جون ميريك في فيلم The Elephant Man, حين يُحاصر من قبل مجموعة من المتطفلين والغوغاء في إحدى محطات السكك الحديد, ويطلق صرخته القادرة على إعادة التوازن لهذا الإختلال المرعب في النفس البشرية : أنا لست فيل .. أنا لست حيواان .. أنا إنساان .. أنا رجل !

عن المؤلف: كورماك مكارثي, العمر، من أهم الروائيين الأمريكيين المعاصرين. ومن الذين ترشحوا لجائزة نوبل في الأدب. نُشرت روايته الأخيرة الطريق في عام 2006م لتعتبر واحدة من أهم الروايات التي صدرت في العقود الأخيرة. ويكافأ مكارثي على روايته المذكورة بجائزة جائزة بوليتزر عام 2009م.

http://abuwabdallh900.googlepages.com/TheRoad2.jpg


لدي شروط لتجسيد النصوص الأدبية في السينما, لا يسع المجال لذكرها الآن, ولكن في روايات الخيال العلمي سأنتصر للتجسيد الفني لأن النص في الأصل سينمائي تصويري. الغير مفهوم في النص قد يكون واضحاً وبقوة في الصورة. شاهدت الفيلم بعد قراءة الرواية. لن أقول بأن الفيلم أفضل ما شاهدت, ولكن في الحقيقة استمتعت بالفيلم لأن كل ماهو موجود مقتبس من الرواية بحذافيرها وإن كان هناك تفوق للصورة على النص فهو في حالة واحدة: الموت.

في نص مكارثي تكررت كلمة الموت مرات كثيرة حتى أصبحت كلمة الموت لا معنى لها. في الصورة السينمائية الوضع مختلف. هذا الدمار المرعب والسير في الطريق عبر المجهول لا يتوفر إلا شيء واحد يتكرر بكثرة, الموت, ذلك الفراغ الأسود الممتد على طول الطريق, بين الأشجار وأسطح البيوت والأقبية والبحر, إن تأكد حضوره فلا يمكن إلا مقاومته عبر السير في الطريق, ونحو الجنوب!.

يوسف
19-01-2010, 02:19 AM
http://abuwabdallh900.googlepages.com/Mandela1.JPG

لا أستطيع أن أحدد بدقة اللحظة التي تحولت فيها إلى السياسة وأيقنت بأني سأكرس بقية حياتي للنضال من أجل التحرير. أن يكون المرء أفريقياً في جنوب أفريقيا يعني أنه يولد مُسيساً سواءً أقر بذلك أم لم يقر. الأفريقي يولد في مستشفى خاص بالأفريقيين فقط, ويسكن في حي للأفريقيين فقط, ويتلقى التعليم - إن تلقاه - في مدارس للأفريقيين فقط. يكبر الأفريقي ويترعرع لكي يشغر وظيفة خاصة بالأفريقيين فقط, ويتسأجر بيتاً في ضاحية للأفريقيين فقط, ويركب وسائل مواصلات مخصصة للأفريقيين فقط, وهو معرض للتوقيف والمساءلة في أي ساعة من ليل أو نهار ليُسأل عن بطاقة الهوية, وإن لم يبرزها يعتقل ويزج به في السجن. حياة الأفريقي كلها مكبلة بالقوانين والأنظمة العنصرية التي تعوق نموه وتبدد إمكانياته وتشل حياته, هذه هي حقيقة الأوضاع آنذاك في جنوب أفريقيا وكانت أمام المرء طرق محددة للتعامل معها.

لم تظهر أمامي علامة من السماء, ولم أتلق وحياً, ولم ألهم الحقيقة في لحظة معينة, ولكنها آلاف الإستخفافات وآلاف الإهانات وآلاف اللحظات المنسية تجمعت لتثير في نفسي ذلك الغضب وروح التمرد والرغبة في مناهظة النظام الذي عزل قومي واستعبدهم. لم أقل لنفسي في يوم من الأيام إنني من الآن فصاعداً سأنذرك أيتها النفس لتحرير أبناء شعبي, ولكنني - على العكس من ذلك - وجدت نفسي منخرطاً بكل عفوية ويسر في تيار لم أجد بداً من الإنطلاق به.

* نيسلون مانديلا / رحلتي الطويلة من أجل الحرية.

يوسف
19-01-2010, 02:20 AM
زهرة الربيع السوداء

http://abuwabdallh900.googlepages.com/Mandela2.jpg

مجرد ذكر اسم هذا الأفريقي الذي قضى سبعة وعشرين سنة في غياهب السجون يعطي الإنسان صورة صافية لتأمل الحرية في أبهى تجلياتها وقوتها. الحرية ليست شعارات براقة ترفع في أوقات وتخفت في أوقات, وليست قضية يرفعها اليمين, ثم يقمعها ويحاربها, ويرفعها اليسار ثم يقمعها ويحاربها. أن تصرخ بكلمة الحرية في جموع شعب مضطهد يعني أن الحرية أصبحت أكبر من فكرة, وأكبر من حقيقة, إنها قضية إيمان, تترسخ في أعماق الإنسان كفكرة جمالية يستمد منها قوته ليأخذ ما سُلب منه في زمن أحمق اغتصب فيه الكبير المستعمر, الصغير المؤمن بأرضه.

ما هي فائدة القراءة لمانديلا في الوقت الحالي, وهل سيضيف لي الشيء الذي كنت ابحث عنه؟ لم اطرح هذه الأسئلة لأنها لا تعني شيئاً. الأجوبة محسومة من زمن ليس بالطويل, حين رفع تولستوي شعار المقاومة السلمية اتهم بالجنون والغير واقعي, ولكن النتيجة كانت على غير ما هو معقول, حين قامت الثورة البلشفية الروسية قال لينين أن تولستوي هو مرآة الثورة الروسية الحقيقة بأفكاره العظيمة. سار على خطى تولستوي العظيم غاندي وحرر شعبه من نير الإستعمار بدون رصاصة, واحدة, وفي نهاية القرن العشرين أثمرت هذه المقاومة كذلك على تحرير شعب قضى ما يزيد عن قرن تحت نيران الأقليلة البيضاء المتحكمة بالأرض والناس. قبل أن أقرا لمانديلا كان مانديلا أيقونة للحرية والعدالة عبر نضاله الذي امتد لأكثر من ستين سنة, والآن وبعد, أن قرأت الصفحة الأخيرة من مذكرات مانديلا تعززت الصورة هذه أكثر من ذي قبل, ولد عظيماً, وعاش عظيماً, وناضل بعظمة, وسيموت عظيماً, وتبقى سيرة مانديلا شاهدة على تحول الحرية إلى فكرة جمالية أكبر من السياسة, وأكبر من الحقيقة نفسها.

http://abuwabdallh900.googlepages.com/Invictus.jpg

شاهدت فيلم Invictus وهو يحكي جزء من سيرة مانديلا بعد خروجه من السجن. الفيلم يقدم مانديلا كما هو في مذكراته وإن بصورة مختلفة. كان مانديلا يبغض البيض حين دخل السجن, وفي أيامه عندما كان يكسر الصخر في جزيرة روبن تحول هذا الكره إلى النظام ذاته وليس الإنسان الأبيض. ومن هو الإنسان الأبيض لكي يستحق الكره, الفكرة ليست في إنسان أبيض أو أسود, الفكرة في الأفكار العنصرية ذاتها التي تحولت إلى عقيدة يجب تحطيمها مهما كان الثمن, حتى لو فقدت الروح وسالت الدماء في الشوارع, العقيدة المميتة يجب أن تموت, لا أن تموت من أجل قتل إنسان آخر يختلف معك في اللون, لو أصبحت كذلك لأصبح مانديلا من كبار العنصريين إذ سيصبح متحكم بالأقلية البيضاء يفرض القوانين العنصرية المكبلة لهم, وهو ما لم يكن, وهنا منبع الاحترام الذي يتمتع به مانديلا, لم يناضل ويسجن من أجل الإنسان الأفريقي الأسود, بل من أجل الأبيض, والهندي, والقبائل وكل سكان جنوب أفريقيا.

بداية الفيلم القصيرة تحكي الجزء الأكبر بصورة مانديلا. عندما يطلب الحرس الخاص بمانديلا الرئيس - وهم من السود - موظفيين إضافيين يفاجئون بمجموعة من البيض ينضمون للأفريقيين السود. النتيجة كانت مثلما هو متوقع, كيف يكون السجان السابق مؤتمن على حرية أسود تحرر للتو؟ كيف يمكن رسم العلاقة بين الأبيض والأسود في العهد الجديد. الفيلم بوجه عام يسير على فكرة تحطيم العنصرية عبر رياضة الركبي. فريق لكرة الركبي - أغلبهم من البيض - لا يتمتعون بشعبية في أوساط الأفارقة السود. يفاجأ مانديلا الجماهير التي انتخبته بتشجيعه الفريق في كل المناسبات ويطلب منهم بإصرار الفوز على المنتخب النيوزيلندي باسم أمة جنوب أفريقيا. هنا أكثر من مسار حول محاربة الأفكار العنصرية. الأفريقيين السود يعتبرون الفريق من مخلفات النظام العنصري البغيض ويجب أن يرحل مع النظام المنحط, وبالنسبة لمانديلا الفريق يمثل دولة جنوب أفريقيا وليس فريق للبيض أو للسود. هنا تظهر صورة مانديلا المناضل العظيم حول محاربة الأفكار العنصرية وليس محاربة الإنسان لأخيه الإنسان. قد يأتي أحد المشاهدين ويقول أن صورة مانديلا مثالية بدرجة كبيرة, بالنسبة لي يجب أن تكون كذلك, ولا تكفي. سيرة مانديلا أكبر من ذلك بكثير, تخيل فقط : في ذلك العهد الغابر في جنوب أفريقيا, كان الدخول من باب مخصص للبيض جريمة, ركوب الحافلة العامة الخاصة بالبيض جريمة, الشرب من الحنفية المخصصة للبيض جريمة, المشي على شط البحر المخصص للبيض جريمة, الخروج إلى الشوارع بعد الحادية عشر جريمة, عدم ملكية جواز مرور جريمة, وجود توقيع غير صحيح جريمة, الإقامة في أماكن محددة جريمة, العمل في وظائف معينة جريمة, والتشرد جريمة .. ثم يأتي المحامي الشاب ويزج به في السجن, ثم يخرج ويبقى مطارداً في بلده لمدة سنتين, ينام في مدينة, ويصبح في مدينة, يتم اتهامه بالخيانة العظمى ويحكم عليك بالسجن المؤبد في جزيرة مقطوعة عن العالم, تقابل زوجتك كل سنتين في السجن ولا تستطيع لمسها, تُجبر على تكسير الصخور في الصباح والعيش مع الحشرات في الحبس الإنفرادي, تموت والدتك ولا تستطيع أن تزور قبرها إلا بعد ثلاثين سنة, يموت طفلك في الحادية عشر من العمر ولا تستطيع تأبينه, تُطارد زوجتك, يتم فصلها من عملها, ويحرق منزلها, أن تقطع أوصالك في كل مكان وأنت لا تستطيع أن تفعل شيئاً, هل يتخيل أحد مقدار هذا الكم الهائل من العذاب؟

قد يُجبر على تقديم تنازلات ويذهب مواطناً هادئاً لا يهمه العذاب الذي يرزح تحته شعبه, ولكن, مانديلا لا يستطيع, روح روليهلاهلا مانديلا لا تستطيع لأن تراث الأفريقيين ينير عقله نحو الطريق الصحيح : أماندلا, انغاويتو, إيافريكا, مايوبوي. أماندلا, انغاويتو, إيافريكا, مايوبوي. أماندلا, انغاويتو, إيافريكا, مايوبوي. أماندلا, انغاويتو, إيافريكا, مايوبوي. أماندلا, انغاويتو, إيافريكا, مايوبوي.

في الفيلم, حين يخرج مانديلا في ساعة متأخرة من الليل لممارسة رياضة المشي يسأله أحد الحراس البيض, كيف حال عائلتك ياسيدي الرئيس, ينقلب وجه مانديلا ويتملكه الغضب, ثم يهدئ ويجيب بصورة رمزية بأن عائلته هي أمة جنوب أفريقيا. يتلقى الحارس تعنيف من حارس آخر لأن الرئيس في هذه الفترة ليست لديه عائله, حدث طلاق بينه وبين زوجته, لو كنت بدل كلينت ايستوود مخرج الفيلم, كنت سأضيف هذا المقطع من المذكرات كـ فلاش باك. إنه أكثر مقاطع المذكرات حزناً, يقول مانديلا: في مايو 1984م حدث أمر أنساني كل المتاعب السابقة. زارتني زوجتي ويني وابنتي زيني وحفيدتي الصغرى, وبدلاً من قسم الزيارة المعتاد أخذني الضابط إلى حجرة مستقلة بها منضدة صغيرة وخالية من الحواجز. أخبرني بصوت خافت أن السلطات غيرت سياسة الزيارات, وكانت أول مرة تسمح بما عرف بالزيارات المفتوحة. تركني في الغرفة وذهب ليحضر زوجتي زيني. وفجأة دخلت عليّ. ووجدتها بين أحضاني. عانقت زوجتي وقبلتها لأول مرة بعد تلك السنوات الطويلة. إنها اللحظة التي راودتني في الحلم ألف مرة ومرة, وأحسست أنني لا زلت في حلم. أسلمت نفسي لها ونسيت كل ما حولي, وصمت كل شيء عدا قلبي وقلبها. ما كنت أرغب أن أدعها تفلت من ذارعي لولا شوقي لعناق ابنتي فأخذتها في أحضاني, ثم حملت حفيدتي في حجري. لقد مرت إحدى وعشرون سنة لم ألمس فيها زوجتي لمسة واحدة!

لمن يريد قراءة أي شيء عن مانديلا, أول كتاب هو مذكرات مانديلا بعنوان رحلتي الطويلة من أجل الحرية, إصدار مكتبة العبيكان.



* أطلقت الصحافة على مانديلا عندما كان مطارداً في بلده لقب زهرة الربيع السوداء, وهو عنوان لفصل من رواية للبارونة إموسكا أوركزي نشرت عام 1905م, ويرمز بها لمن يتقن تفادي الخطر والتخفي عن العدو.

* أماندلا, انغاويتو, إيافريكا, مايوبوي.تعني القوة, القوة لنا, اللهم احفظ أفريقيا, فلتعد أفريقيا لنا.

حلمـ
19-01-2010, 02:56 AM
سلامــ يليق بكــ"...
بصراحه كنت سأخرج من متصفحكــ بصمت مثل دخولي تماما..
لكن ((ماشالله)) نظرتكــ الأدبيه الفذه وكم معلوماتكــ أجهضت كلماتي ..
ان شالله ما اكون أزعجت هدوئكـ الروسي..
بس من جد من زوايتكــ قررت أدخل العالم الروسي>>الله يعيني ع اساميهم..
ومعليش حست عليكــ تسلسل أرصفتكــ المذهلة..
ما اقول الا الله يزيدكــ ..

يوسف
27-01-2010, 11:24 AM
يوميات دراجة نارية

http://abuwabdallh900.googlepages.com/Che1.jpg

- لم لا نذهب إلى أمريكا الشمالية؟
- أمريكا الشمالية؟ لكن كيف؟
- على متن الدراجة يارجل!

في أكتوبر 1952م يرسم إرنستو جيفارا وصديقه ألبيرتو جرانادو خطة للقيام بجولة تشكل أمريكا اللاتينية بواسطة دراجة ألبيرتو النارية. مايقارب الـ 4500 كلم على دراجة. نشرت المغامرات التي مروا بها في هذه الرحلة في كتاب لجيفارا بعنوان "يوميات دراجة نارية", وفي كتاب لألبيرتو بعنوان "السفر مع جيفارا: صناعة ثائر".

هل نستطيع قراءة يوميات جيفارا "يوميات دراجة نارية" بعيداً عن صورة الأسطورة التي تخطت الزمن بإنسانيتها وشعبيتها الجارفة وكفاحيتها الشهيرة؟ عند تحييد البعد الأسطوري لشخصية تتمتع بكاريزما طاغية مثل جيفارا لا يمكن أن نقبل تلك اليوميات البسيطة المفعمة بروح الشباب والسخرية الحادة. تلعب الأسطورة سطوة عنيفة على القارئ لمعرفة البداية الحقيقية لهذا الشخص الأيقونة في القرن العشرين. قد تكون قراءة اليوميات سبيلاً لمعرفة المكون الأساسي لروح الثوري جيفارا, وقد تكون مرآة لفحص جيفارا تاريخياً من الصفر وحتى مقتله. بالنسبة لي, لم اعترف بكلا المسارين. قرأت هذه اليوميات التي تنتمي لأدب الرحلات, فقط, لمعرفة جنون هؤلاء الذين قرروا في لحظة بسيطة أن يقوموا بجولة تشمل قارة بأكملها على دراجة نارية.

دراجة نارية! سوف أسأل لاحقاً: هل أعجبتك هذه اليوميات؟ وهل توصي بها؟ قبل أن أجيب يجب أن أضع كل شيء في نصابه, هذه اليوميات ليست رواية تروى يوجد فيها أبطال وسرد تفصيلي وبداية للنص ونهاية لحضور الشخصيات. الكتاب يصنف تحت باب أدب الرحلات, وأدب الرحلات يتضمن عدة أشياء: الشخصية الجوالة, وصف الأماكن والطرق, وقد يستغرق هذا الوصف صفحات متعددة إن لم يكن ثلاثة أرباع الكتاب, وهناك سرد للحالة المادية والنفسية للشخصيات وكيفية تكيفهم مع البيئة الجديدة, تأمل جمال الطبيعة وإعطاء وصف تفصيلي لسكان المدن وطريقة تعاملهم مع المسافرين والغرباء. بين هذه الأشياء هناك أشياء أساسية يهتم بها القارئ - وينتبه لها المؤلف خضوعاً لقارئه وإرضاءً لذاته بالتأكيد -, وهي : ذكر بعض القصص التي صادفت الشخصية في الرحلة, وتحمل هذه القصص غالباً طابعاً حزيناً, أو قد تكون مضحكة, وأخيراً, وهو أهم ما في أدب الرحلات: تأملات الرحالة, وماذا خرجت الشخصية الجوالة من هذه الرحلة. السفر لمسافة طويلة دون هدف معين هو عبث بكل تأكيد, تقابل أناس, تقرا أفكار, تعرف سياسات وقوميات, أي رحالة عند زيارته لأي دولة أخرى هو نظرياً يفتح كتاب التاريخ على مصراعيه ليتعرف ويفهم كيف تشكلت الأمم والحضارات.

أعود للسؤال السابق وأضيف له هذا السؤال الجديد: هل أعجبتك هذه اليوميات؟ وهل توصي بها؟ وماذا خرجت الشخصية الجوالة من هذه الرحلة؟

كـ رواية, أعطيها 0/10, لانها ليست رواية, وكأدب الرحلات - وهو التصنيف الذي يجب أن يصنف به الكتاب - أعطيها 10/10. لمن يعشق أدب الرحلات فقط, ويعشق الخوض في تفاصيل المدن واكتشاف عادات الشعوب وتقاليدهم, هذا الكتاب مناسب. يبقى السؤال الأخير, وهي نتيجة هذه الرحلات على جيفارا, أترك ذلك لجيفارا الشاب ذو الأربعة عشرين ربيعاً ليتحدث عن النتيجة في نهاية اليوميات: " علمت أنه حين تشق الروح الهادية العظيمة الإنسانية إلى شطرين متصارعين, سأكون إلى جانب الشعب. أعلم هذا, أراه مطبوعاً في سماء الليل, وأنا, المدعي الإصطفائي للمذهب, والمحلل النفسي للعقيدة, الذي يعوي كشخص مسكون, سأهاجم المتاريس أو الخنادق, وسأحمل سلاحي الملطخ بالدم, سأذبح - أنا الذاوي في السخط - أي عدو يقع بين يدي. أرى, كما لو أن تعباً هائلاً يكبح هذا الشعور غير السوي بالقوة. أرى نفسي قرباناً في الثورة الحقيقية, المعادل العظيم لإرادة الفرد, المقر باقتراف أفدح الأخطاء سابقاً. أشعر أن أنفي يتسع ليستنشق الرائحة اللاذعة للبارود والدم وموت العدو. أفعم جسدي بعزم فولاذي, وأعد نفسي للمعركة لتكون فضاءً مقدساً.

http://abuwabdallh900.googlepages.com/che2.jpg

في القراءة حاولت بقدر ما أستطيع تحييد البعد الأسطوري لجيفارا, ولكن ما أن قرأت لجيفارا وهو يقول "أنا .. لم أعد أنا", حتى انهارت سبل تحييد الأسطورة وظهرت صورة المصور الكوبي ألبرتو كوردا كبيرة في عينيّ. بداية, مجرد التفكير في القيام برحلة طويلة على دراجة نارية يعني أن الكوميديا ستكون حاضرة وبقوة, وكيف ستتحمل دراجة نارية تلك المسافات الطويلة: صحاري وجبال, أنهار وطرق تعيسة, عندما تشاهد فيلم والتر ساليس المقتبس من كتابي جيفارا وألبيرتو سوف تضحك كثيراً على الشخصية الثالثة في الرحلة, أقصد الدرجة النارية, عندما تسقط بحامليها, وتقتحم بقرة في الطريق, عندما تتكسر وتعود إلى أصلها القديم, إلى لا شيء. وخلف هذا الضحك والكوميديا يبقى الألم المسكون بذاكرة جيفارا!

" خلال رحلتنا الطويله يا صديقي..
كان هناك شيئاً واحد دائماً ما نراه,
شيئاً أخذت أفكر فيه طويلاً وكثيراً ..
إنه الظلم .. العالم مليئ بالظلم! "

هناك قصتين في اليوميات تحكي قصة هذا الظلم, وتم تجسيدهم في الفيلم ببراعة. زوجين شيوعيين في صحراء التشيلي الرهيبة, لا يملكان من متاع الدنيا إلا ما يغطي أجسادهم فقط, هم ليسوا شيوعيين على المقاييس اللينينية أو التروتسكية, لا يعرفون من هذا اللفظ إلا هذه الجملة "الخبز للفقراء"

" كان الزوجان فاقدا الحس ويرتجفان من البرد, جاثمين متقابلين في ليل الصحراء تجسيداً للطبقة العاملة في أي جزء من العالم. لم يملكا غطاءً بائساً واحداً يغطيهما, أعطيناهما واحداً منا, ولففنا أنا وألبيرتو الآخر حولنا قدر المستطاع. كان ذلك واحداً من أكثر الأوقات التي عرفتها في حياتي برداً, لكنه واحد أشعرني بأخوة أكثر مع هذه الكائنات البشرية, على الأقل بالنسبة لي."

المعاناة بلا شك. معاناة الإنسان الفقير المعدوم. لم يكن الإنتساب للحزب الشيوعي من أجل العقيدة الفكرية ذاتها, بل بسبب العمال الذي يقاسون العذاب في الصحراء التشيلية الرهيبة, في الهروب عبر جبال الأنديز, تحت المطر المنهمر منذ شهور. في نهاية مذكرات نيرودا قرأت جملة لخصت رحلة جيفارا وألبيرتو. تلك الجملة كان يعني فيها مباشرة الشعب التشيلي والطبقات العاملة في أمريكا اللاتينية, حين قال : كان شعبي, الشعب التشيلي أكثر شعب تعرض للغدر في هذا الزمن!. كان يقصد بعبارته تلك الإنقلاب العسكري الذي أطاح بحكومة سلفادور الليندي الشرعية ومقتله, وسقوط تشيلي تحت رحمة سلطة الديكتاتور الشهير أوغستو بينوشية. وفرض الحظر على أغلب الأحزاب خصوصاً تلك التي تتمتع بشعبية لدى الفقراء. لا أنسى كذلك عبارة تصلح مقدمة ليوميات جيفارا, في إحدى حوارات ماركيز الصحفية قال: أسمع كثيراً هذا القول: يقال بأن سكان أمريكا اللاتينية فرحون ومرحون ومنفتحون على العالم. والحقيقة أننا الأكثر انغلاقاً, والأكثر حزناً بين كل الشعوب. ما الذي يجعل مثل هذه الشعوب الشهيرة بمرحها الأكثر حزناً وتعاسة على وجه الأرض؟ لم تنعم بالإستقرار طوال القرن الماضي, كانت الإنقلابات تنتقل من الجنوب إلى الشمال بلمح البصر, كانت الشركات المتعددة الجنسيات تضغط على رجال السلطة العسكرية خوفاً من تأميم مصالحها, كان العمال والمواطن المنزوي في إحدى ضواحي تلك البلدان هو الأكثر تعاسة و حزناً جراء ذلك. يحسب للفيلم الابتعاد عن تقديم شخصية جيفارا كبطل أسطوري، والالتفات الى البعد الإنساني وما هو طبيعي وتلقائي في شخصيته.

الطـــفران
29-01-2010, 06:45 PM
.
.
.

منذ ستة أشهر تقريبا وأنا أتابع موضوعك على فترات متقطعة .. رائع ، رائع يا يوسف .
لا أريد أن أتطفل عليك في مكان خلوتك .. ولكن ثمَّة فكرة ألحت على الخروج ولم أجد بدا من الإذعان لها .


نقطة أخرى تطرح غالباً في روايات الخيال العلمي, وقد تكون واقعية, لما لا. أتحدث عن قتل الإنسان, وأكله, فقط لأن ضرورات الحياة أصبحت غير موجودة وانهارت. لا يوجد أبشع من منظر مجموعة من الناس يقتلون طفل صغير, ويأكلونه. نلحظ مثل هذه البدائية من الإنهيار في رواية ساراماغو : العمى. إنهارت الحضارة وعاد الإنسان إلى حياته البدائية المتوحشة, لم يعد للموسيقى أو أي شيء من كماليات الأرض حضور, ما يهم هو البحث عن الأكل, القدرة على تنظيم الحياة في عالم لا يرحم. قد تكون هذه الرؤية كما قلت تطرح بقوة في روايات الخيال العلمي, ولكن, هل بمقدور الكائن البشري أن يصل إلى حالته البدائية بدون انهيار وسائل الحضارة؟ لن أفصل كثيراً لأن الجواب متوفر ومختصر جداً. الجواب لدى الرجل "الفيل" جون ميريك في فيلم The Elephant Man, حين يُحاصر من قبل مجموعة من المتطفلين والغوغاء في إحدى محطات السكك الحديد, ويطلق صرخته القادرة على إعادة التوازن لهذا الإختلال المرعب في النفس البشرية : أنا لست فيل .. أنا لست حيواان .. أنا إنساان .. أنا رجل !


عندما قرأت الطريق ، ومن قبلها العمى ؛ كانت أكثر المحاور التي استوقفتني وكبلتني وداهمت أحلامي وتموضعت في صلب أفكاري هي هوية الإنسان "المدنية" و "الحيوانية" !
هذه النقطة تعقدني كثيرا ، وربما ترعبني أيضا ! ، منذ النبش في أوراق التاريخ وقراءة أخبار الحروب والفتوحات والثورات والانقلابات على مدى التاريخ الطويل .
مشكلة الإنسان ، أنه منكر لأصله دائما ، ينسى كثيرا بأنه "حيوان" ، يستسلم لرخاء "المدنية" بمختلف صورها الحضارية وقوانينها الأخلاقية .. يخلق أوهاما لنفسه ، لا اقول بأنها أخلاقيات مختلقة كما يقرر نيتشه أحيانا ، ولكنه يعشق السمو ، يعشق فرضية العيش في رداء الإنسان بعيدا عن عباءة الحيوان .
الطريق ، والعمى .. هما عملان يصب جوهرهما في هذه النقطة .. إلى أي حد قد يصل الإنسان في حيوانيته ؟!
هذا السؤال يطرحه مثلا دو ساد ثم بازوليني من بعد ، ولكن في إطار الحضارة وعلى شخصيات شديدة الشذوذ .
لكن في الطريق والعمى ( وفي بعض أعمال الحروب ) ، وهنا جمالية الفكرة المغلفة برعبها ، هذه النظرية مطبقة على أشخاص عاديين ..
فلان ابن فلان ، إلى أي حد سيصل في "حيوانيته" إذا سقطت قوانين "مدنيته" ؟!

في فيلم "العار" لبيرجمان ( أنصحك أن تشاهده بقوة إن لم تكن شاهدته من قبل ) ، نشاهد البطل يتحول بفعل الحرب وتفضيل المصلحة الشخصية والنجاة إلى شخص مختلف تمام ، يلقي بكل قوانين المدنية وأخلاقيات الأيديولوجية ويعود إلى أصول الإنسان الحقيقية ، مجرد حيوان يضطرب في قانون الغابة ، غريزة النجاة الحيوانية تعيد "برمجته" من جديد إلى شخص مختلف !
هنالك كمية من الرعب في هذه الفكرة ، كمية من الصراحة التي تبدو ثقيلة على كاهل الشخص الذي يقرأها على كرسيه المريح وأمام طاولته وبجانبه كوب الشاي وهواء المكيف البارد يداعب جسده .. مرعبة لأنها تطيح بكل شيء ثابت في مخيلته ، مرعبة لأنها تعيد "برمجة" كثير من افكاره ، مرعبة لأنها تهدد القانون الأخلاقي في أعماقه .
إلى أي حد سيصل الإنسان في حيوانيته ؟!
صحيح أنك ربما تجدها كثيرا في أعمال الخيال العلمي كما تفضلت ، سواء سينمائيا أم روائيا ، ولكنها قليلا ما تطرح بنفس "الشراسة" التي تجدها في العمى أو الطريق وأعمال الحروب الموغلة في تجردها ، الشراسة التي ربما بدت لكثير من قراء الطريق تحديدا بأنها إثارة أو رعب أو ما إلى ذلك ..
لا أظن أن مكارثي أراد أن يطرحها بطريقة فلسفية أو أنه حاول تدعيمها بالافكار ، ولو فعل ذلك لاختربت تماما في رأيي .. إذ أنه رسم "التجربة" دون الالتفات إلى "قوانين العمق" الفكرية لدى الإنسان المتحضر ، وضعنا أمام الحدث بطريقة مباشرة ، جعلنا نشاهد صورة لما يحتمل أن يحدث ، أن نعايش الفكرة بطريقة حيوانية مباشرة .. إلى أي حد سيصل الإنسان في حيوانيته ؟!

الرواية ممتازة .. لا أظنها بلغت فنيا ما نالته من شهرة عارمة .. ولكنها تستحق كثيرا من الإشادة .
بالنسبة لي ، هذه الفكرة هي أقوى ما تملكه بطريقة طرحها وتناولها المباشر .

آسف يوسف على الخطمة .. لكن كان لا بد مما كان pb192

واصل .

أنديرا غاندي
29-01-2010, 07:15 PM
في القراءات الأدبية الشهيرة لرواية البؤساء غالباً ما يذكر في هذا العمل حديث هيجو عن نابليون و أفول نجمه في فرنسا. واللوحات القصصية التي تحكي تاريخ فرنسا في حقبة من أخطر الحقب لا في حياة هذا البلد - فرنسا - .. بل في حياة أوروبا كلها

وهذا مايُميز الأدب العالمي , ثمة ثقافة تقدم وليست سردا تخيليا وحسب كما يفعل أخوتنا العرب على الأغلب !

ثم إني لا اعلم إن كان المكان يتسع لأي تعليق , وإن لمْ , فعذرا ... bp039

:

وحقيقة , هذه أرصفة لها هيبة الصالونات الأدبية في الستينيات الميلادية / شكراً فقد اتخذتُ مقعدا !!

.
.

أشعار
24-02-2010, 10:15 PM
كولاج أفكار مستخلصة بعد قراءة كتاب ” بوزانكيت / قمة المثالية في انجلترا “


في انجلترا ,
بإمكانك أن ترى الكونَ إبداعاً مثالياً دون أن يدلَّك أحد الفلاسفة على النظر و التفكير بشكلٍ مثالي .

كل شيء مثالي في انجلترا و معها . حتى عندما كانت محتلة . لم يستطِع النورمانيوون ولا الساكسونيوون ولا حتى الرومان إلا التعامل معها بسلاح القيَم ؛ المثالية !
ليس معرض حديثنا عن التناقض ما بين مثالية الغزو و حركة الغزو نفسها . لكنني أؤكد أنكَ مع انجلترا لا يُمكن أن تكون مبتذلاً أرعناً لا في كرهك ولا احترامك لهذه البلاد .
في انجلترا كان التجريب هو طابع فلسفتها و فكرها و طريقتها الثقافية , لكنني كما قلت لأن انجلترا يختلط مع طينها جينٌ مثاليّْ لم تستطِع إلا استقبال النزعة المثالية التي اجتاحتها في القرن التاسع عشر و أفادتها و طورَت أنظمتها السياسية و الفلسفية .
لا بد أنني أتحدث عن مثالية أخرى تختلف عن نظرية هيجل و بوزانكيت ! لكنها تقصِد تماماً ما عبَّر عنهُ شعراء المثالية الانجليزيين ” كولردج , شيلي , كيتس ” .

ليس أقرب من هذا المقطع مِن قصيدة The Rime of the Ancient Mariner أو أنشودة الملاح العجوز لصموئيل كولردج مثالية للتمثيل , مثالية في بنائِها السمفوني و تهذب لغتها في الحزن و نقد الحزن !


, The sun came up upon the left
!Out of the sea came he
And he shone bright, and on the right
. Went down into the sea
, Higher and higher every day
Till over the mast at noon
. The Wedding-Guest here beat his breast
. For he heard the loud bassoon
, The bride hath paced into the hall
؛ Red as a rose is she
Nodding their heads before her goes
The merry minstrelsy.
, The Wedding-Guest he beat his breast
, Yet he cannot choose but hear
, And thus spake on that ancient man
. The bright-eyed Mariner
“And now the storm-blast came, and he
Was tyrannous and strong:
He struck with his o’ertaking wings,
. And chased us south along
, With sloping masts and dipping prow
As who pursued with yell and blow
, Still treads the shadow of his foe
..And foward bends his head
The ship drove fast, loud roared the blast
. And southward aye we fled
, And now there came both mist and snow
: And it grew wondrous cold
, And ice, mast-high, came floating by
.As green as emerald
And through the drifts the snowy clifts
Did send a dismal sheen:
- Nor shapes of men nor beasts we ken
.. The ice was all between


لكن ما هي المثالية ؟

تلك المقدمة عن مثالية انجلترا و التعامل معها بمثالية لم تكن سوى تعريف للفلسفة المثالية بعيداً عن إطار الفلسفة . لستُ معجبةً بهذه النظرية . الفلسفة المثالية هي فلسفة الثابت . و هي فلسفة واقعية ليست وثيقة الصلة بالواقع ! هناك من يرى أنَّ الواقعية هي الاعتقادات الثابتة , و بالطبع الثوابت هي إيمانياتٌ قوية . كخالق الكون مثلاً , هنا نخلُص ليس إلى واقع صرف . بل إلى واقع غير مرئي , غير ملموس , غير ” مادي ” . و هذه هي فلسفة المثالية . أن تعترف بمحركات الكون اللا مادية لأنك ترى نتاجها ” صورياً ” و هذه تسميتي الخاصة لهذا النتاج , الذي هو الأخلاق مثلاً , القيَم التي تغنى بها شعراء المثالية . قيمة الإيمان , التفاؤل , الأمل , إبداع الكون .

في المقابل ؛ فإن للواقعية فلسفتها المستقلة التي تنسِف مفهوم المثالية للواقعية كلياً . فهي ترى أن ما تراه المثالية واقعاً هو في الحقيقة محض وهم أو بناء تخلَّق عن اعتقاد ثابت مما لا يتيح للوعي المتفاوت بين البشر أن يتحرك أو يبحث عن الحقيقة وفقاً للواقع المتحرك أمامه . الواقع المادِّيْ , المرئي و المسموع و الملموس و المحسوس . لهذا فإن الفلسفة المثالية عند بداية اجتياحها لإنجلترا واجهَت مصاعب من خصومها ” أصحاب النزعة المادية ” , أو التجريبية .. و هي نزعة الفلسفة الإنجليزية الأصيلة أو التراثية . هذا مع أنني لم أجد فرقاً كبيراً بين التجريبية و المثالية الجديدة في ذلك الحين . التجريبية كانت متشبثة بتراث الفكر الإنجليزي ترفض أي تيارات أو أفكار أجنبية دخيلة , بينما المثالية قامت بتجديد تلك الأفكار لكنها اعتمدت على قوالب ثابتة ” لا مادية ” تطرقت لها قبل قليل . كأنها إذاً امتداد للتيار التجريبي بصيغ جديدة .
في أواخر القرن التاسع عشر كان سطوع الفلسفة المثالية المُطلقة معتمداً على رموزها الكبار أساتذة جامعة اكسفورد ” بوزانكيت , برادلي , كيرد ” حتى أن فلسفتهم شكلَت حركةً مدرسيَّةً فلسفية قوية ما زالت تعرف حتى اليوم باسم ” مدرسة اكسفورد ” , و أحياناً تسمى ” الهيجلية الإنجليزية ” لأنها كانت ذات الصدى الأقوى .
يرى برتراند راسل أن الفلسفة المثالية الإنجليزية هي ألمانية + أفلاطونية الأصل و المنبع , هي إذاً فلسفة أجنبية دخيلة على انجلترا لهذا هاجمها رواد الحركة التجريبية . و قد أثرت على جميع من قرأ عنها و خاض في محاولة تحليلها و فهمها و تطبيقها في تلك الفترة حتى راسل نفسه و باعترافه في كتابه الشهير تاريخ الفلسفة الغربية .

في كتاب قمة المثالية في انجلترا الذي يتناول ” بوزانكيت ” أحد رموز الفلسفة المثالية , نجد أننا لا نستطيع تحديد هوية النظرية الفلسفية المثالية التي يتبعها بوزانكيت فلا هي بالضبط هيجلية ولا هي باركلية ؛ لكنها دمجَت و جمعَت بين النظريتين لهذا كان بوزانكيت يستحق أن يُدرَس اتجاهه لا أن يُطوى تحت جناح هيجل كما هو مدوَّنٌ عن سيرته اليوم في كتب الفلاسفة الإنجليزيين .

الجيد هو أنَّ بوزانكيت لم يتأثر تأثيراً قوياً بنظرية باركلي اللامادية باعتبار اللامادية ركناً أساسياً يقوم عليه الاعتقاد المثالي بالثابت اللامادي . أي مُوجِد الوجود . لكن ليس لهذا السبب كان عدم تأثر بوزانكيت بباركلي جيداً . بل لأن باركلي نفسه قد تأثر بفلسفة ديكارت عن الوجود و قضيته الأساسية الأولى التي عبر عنها بأنا أفكر إذن أنا موجود . و هذا لا تدعمه الفلسفة المثالية التي تدعم الثابت و توهِن عملية التفكير و التحرك مع متغيرات الواقع المادي .

في الوقت الذي يقول راسل أنَّ “هيجل هو أصعب فيلسوف على الفهم من بين الفلاسفة العظماء ” , أرى أنَّ باركلي لا يقل عنه صعوبة لكن يعيبه أيضاً _ باركلي _ أن فلسفته المثالية مليئة بالتناقضات التي لم يكن يشذبها كلما طوَّر أفكاره عن النفس و العالَم و الأجسام .
فلسفة هيجل هي خليط مجموعة من الفلسفات و الأفكار . تأثر بكانط , و اسبينوزا , و أفلاطون , و أرسطو . و كلهم عظماء ما زالت فلسفاتهم تدرَّس حتى اليوم . فكيف لا تكون الفلسفة الهجينة عن فلسفاتهم شديدة الصعوبة و الفهم ؟

هذا ما يجعل بوزانكيت فيلسوفاً صعباً أيضاً . و أنا لا أقصد بالصعوبة هنا جودة هذه الفلسفة أو مدى قابليتها للاعتناق كنظرية و هيولا عقليّْ . بل أعني أن الحجج التي قامت عليها فلسفاتهم صلبة و لها قوتها و قيمتها الدينية ( باعتبار أنَّ اللادينية دين أيضاً ) و الوجودية و النفسية أيضاً . ليست تلك الحجج مكونة من خلية واحدة أو تعريف واحد يحددها بل كل واحدة منها عبارة عن مجموعة تعريفات قابلة لمجموعة تحليلات و تفكيكات و أبحاث تُعنى بمدى ماديتها من اللامادية .

قام بوزانكيت بترجمة كتاب هيجل ” مدخل إلى فلسفة الفن الجميل ” و لهذا انطبع في أذهان الفلاسفة و المفكرين بالمتأثر بهيجل أو المنطوِ تحت جناحه .
لكنه بعد كتابه ” المنطق أو مورفولوجيا المعرفة ” أثبتَ أنه هيولي مثالي كامل الاستقلالية .
اتسم بوزانكيت بالموسوعية . جاء بعد عظماء الفلاسفة فدرَس مؤلفاتهم و استخرج ما تعارض بين بعضها البعض و حاول التقريب بينها ثم اتسم بالتعمق لأنه لم يكُن يبين أفكاره إلا بعد دراسة كل ما شابهها و تعارض معها من أفكار . كما كان ودوداً كثير العلاقات كما ذكر المؤلف الباحث في سيرته عكس باركلي الذي كان منغلقاً على نفسه و هي سمة كثيرون يعتقدون أن الحكمة و التربص الفلسفي لا يأتيان بالانخراط مع الناس بل بتأمل حركتهم عن بُعد كي لا تفسد الحركة عليهم صفاء صفة التأمل و تسقِط أهم شروطها : الهدوء و العزلة .

يقول بوزانكيت :

” لقد أخبرني فيلسوف صديق ذات يوم بأنهُ لم يفهم تمام الفهم نظرياتي الاجتماعية و السياسية إلا حينما قام بزيارة منزلي القديم في مزرعة Norlhum Brain , و منزلي القديم في تلك المقاطعة كان مأوى لأسلافي و أجدادي , و كان يسوده تعاون في العمل و محبة في العلاقات و تعاطف متبادل . كما كان لا يُسمح فيه بظهور أية نزعات أنانية فردية تشذ عن الروح الجماعية و الكلية السائدة . و في مثل هذا البيت العائلي الكبير , كانت الرعاية و العناية تحوط الطفل الغرير , حتى إذا ما شب و أصبح كبيراً يافعاً اندمج في الإطار الكلي للعائلة . و مارسَ فيها دوراً متوافقاً و متناسقاً مع أدوار الآخرين . و هنا يتعلم الشاب اليافع فن الحياة مع الآخرين . و هنا يقرُّ بوزانكيت : بأن فن الحياة مع الآخرين هذا كان بمثابة اللبنة الأولى و نقطة البداية في نظريتي الاجتماعية و السياسية , كما كان له تأثيره الكبير على تفكيري في مجالات المنطق و الأخلاق و الجمال و الدين , كما يقرر من ناحية أخرى أنه يمكن استخلاص بعض المبادئ الأخرى من هذا النظام العائلي المترابط مثل ذوبان الإرادة الفردية في بوتقة الإرادة العامة , و مثل الحياة العضوية و الوظيفية المتكاملة , و مثل ذوبان التنافس في وحدةٍ أعلى “

إن كنا نريد أن نفهم فكرة بوزانكيت المثالية الأولى _ قبل أن يطورها _ يكفينا أن أذكر حادثته هذه مع الدكتور مورهاوس أحد الذين جادلوه في نقده لقصة العهد الجديد . يقول أن الدكتور مورهاوس قال له بعد صولات وجولات من الجدل :

” و لكن ما معنى كل هذا الجدل معي , إنَّني أعلم أن هذه الأمور صادقة .. و هذا يكفي ”

أشعار
24-02-2010, 10:18 PM
من هنا نشأت لدى بوزانكيت فكرة أننا لا يجب أن نتناول مسائل الدين بالتحليل و التفسير , و أن الدين يجب أن يكون في منأى عن الاستدلال العقلي الذي يجزيء عملياته و يفكك وحدته . و أنهُ يكفي أن نعتقد فقط في الدين , و أن هذا الاعتقاد لوحده كافٍ .
لكن هذه كانت بداية فقط , تغيرَت و أثار بوزانكيت حولها تساؤلات كثيرة بعد ذلك و غلف المثالية بالمنطق و كانت وجهة نظره في ربطهما : ” هذه المعرفة بروح المنطق على أنه المعيار للقيمة و الحقيقة خلال تجاربنا و خبراتنا و على أنه متوافق مع المبدأ الذي يربط الحقيقة كلها بالعقل كله ” .
حتى أنه في مرحلة ما بعد نضوج أفكاره الفلسفية و اتساع صيتها كان قد تأثر بالنزعة التحليلية عند الإنجليز و تبناها في مختلف المجالات التي طبق عليها نظرياته .

الفلسفة المثالية تناسب المتدينين و الباحثين عن الطمأنينة من اللادينيين أيضاً رغم أنها لا تدعم مبدأ الشك الذي تتبناه اللادينية , اللادينية التي تعتقد أن الطمأنينة هي في التحرر من مبدأ الإيمان بدين ما . أو حقيقةٍ ما . لكنها لا تتنبَّه جيداً أنها تقيد نفسها بمبدأ الشك و بهذا هي تفقد طمأنينتها في موضع آخر .
و رغم أنني لستُ متفقةً مع الفلسفة المثالية , إلا أنني أتفق كثيراً مع المنطق المثالي . و هو حصولك على حق تبرير أفكارك التي تؤمن بصوابها _ إيماناً مؤقتاً أو دائماً _ تبريراً منطقياً يكسبها القوة و الاحترام .

أخيراً ,
يتبنى بوزانكيت هذه الفكرة أيضاً :
” الدين أعلى من الفكر و من التعقل و من المنطق لأن مقره القلب و الوجدان “
هل نتفق معه ؟


بل اعتماد الموضوع ,
سأتحدث قليلاً عن سبب عنواني ( هل المثالية تهمة ) _ السؤال البسيط / المباغت _ إن قارنَّا بين المعنى الأول المتعارف عليه لدينا عن المثالية و بين المحتوى الذي يوضح المثالية المقصودة بالسؤال , و المعنيان بالمناسبة مرتبطان ببعض . لكننا نعبر عن المثالية بلهجتنا الشعبية تعبيراً يمكن اعتبارهُ ثقافياً و أحياناً نفسياً أكثر مما هو فلسفيّْ .

فلسفة كانط الأخلاقية و تأثر بوزانكيت بها في البداية قبل أن يبتعد عنها هي التي استحضرت هذا السؤال في ذهني : هل المثالية تهمة ؟

المثالية التي تُعنى بمقولة الخير ( الخير المقولة , القيمة المقولة )
المقولة التي لا تأخذ حيزاً على الواقع إلا بعمل مادِّي يُفسر شكلها أو درجتها . يريد بوزانكيت أن يقول أنَّ المثالية ليست معطيات يتصرف وفقها الإنسان , بل هي مقولة ينشأ قبلها الفعل المادي ( التصرف , العمل ) و هو الذي يوقظها كمعنى و تصنيف لتلك الأفعال .

و هذه في الأصل أفكار كانط عن الإرادة و الخير و أنها أشياء غير كاملة ولا يمكن أن نجدها كاملة في أي شيء لأنها في الأصل أقوال و ليست معطيات .

هناك من يتبع هذه الأفكار دون أن يعرفها أو يقرأها . يدله عقله إليها بحيث يسعى إلى بلورة هذه المقولات إلى ماديات . لكنه يُتهم بالدرامية و التعقيد لأن العقل الطبيعي يميل إلى جعل القيَم العائمة تستمر في عومها دون السعي إلى إعادة خلقها على اليابسة إن لم تؤدِّ إليها الظروف . أي إن لم تكُن نتيجة , لا هدف .

أشعار
22-2

يوسف
25-02-2010, 07:05 PM
الطفران
حين قرأت تعقيبك لم تظهر أمامي إلا لوحة الأسباني غويا, "Saturn Devouring His Son", أي بشاعة تظهر منها هذه اللوحة؟ رجل يفترس طفلاً عارياً، أكل رأسه وذراعه وأخذ يلتهم الذراع الباقية وهو يرش الدم من حوله. ولكن, ربما تكون اللوحة رمزاً مجنوناً لأمم مجنونة تأكل بنيها في الحرب. هذه رؤى رجل تعذبه أطياف الموت المروعة فهو يرسمها في جنون ليطردها من ذاته ويثبتها على الجدار. الأكثر رعباً أن تظهر الحيوانية في رداء المدنية والحضارة, وكأنها عمل إنساني سوي أو بشري طبيعي لا يدخله الشك, بينما هو في الأساس تصرف حيواني . والماركيز ساد في عمله جوستين مثال على ذلك. عندم تنتقل هذا الفتاة البريئة من حيوانية إلى حيوانية أخرى, كأنها كرة قدم يتاقاذفها اللاعبون في المرمى.

وبمناسبة الحديث عن بيرجمان, أعتقد أني يجب أن أحصل على إجازة لمدة شهر حتى أشاهد مجموعته التي حصلت عليها قبل أسبوعين, هل سيكون بيرجمان - بالنسبة لي - مثل دستويفسكي في الأدب؟ لا يمكن أن أحكم الآن وأعطي رأي حول إنجمار. ولكن من مشاهدات بسيطة وقراءة بعض الأراء حول سبر بيرجمان لغور النفس البشرية, أعتقد بأنه معلم في مدرسة التحليل النفسي.أتابعك هنا وهناك. خلك قريب يا سي أحمد. المكان مكانك.

أنديرا غاندي
المكان مفتوح للتعليقات بالطبع. أظن أن هذا الإقتباس من قراءة فيلم واترلو. ليت غالبية القراء يعيدون قراءة البؤساء بترجمتها الكاملة, فهي بالفعل عمل نادر رغم قدمه, رغم الصفحات الطوال إلا أن هيجو يجبرك على المتابعة والقراءة والقراءة حتى تصل إلى الختام. شكراً أنديرا.


أشعار
يجب أن أطبع المقال لأن القراءة فخمة. هل عادت كتاباتك الفلسفية من جديد؟ أتمنى ذلك. وبمناسبة ذكر كانط في حديثك, أتذكر أنك طرحتي سؤال في منتدى مجاور عن كانط السياسي أو عن فلسفة كانط السياسية. هناك كتاب قيم وجيد جداً من تأليف السيد المحمودي, وهو أستاذ في الفلسفة إيراني الجنسية, اسم الكتاب فلسفة كانط السياسية, في ثمانمائة صفحة, يتناول فلسفة كانط السياسية من مصادرها ويشرحها ويبين نتائجها, ثم في نهاية الكتاب يقدم نقد لها. سوف يعجبك الكتاب, المؤلف لغته رصينة وممتعة ولا يوجد فيها أي صعوبة, وكذلك استعانته بمؤلفات كانط الثقيلة نسبياً كان واضحاً جداً. المكان مكانك يا أشعار, شكراً جزيلاً.

أشعار
27-02-2010, 07:01 PM
أشعار
يجب أن أطبع المقال لأن القراءة فخمة. هل عادت كتاباتك الفلسفية من جديد؟ أتمنى ذلك. وبمناسبة ذكر كانط في حديثك, أتذكر أنك طرحتي سؤال في منتدى مجاور عن كانط السياسي أو عن فلسفة كانط السياسية. هناك كتاب قيم وجيد جداً من تأليف السيد المحمودي, وهو أستاذ في الفلسفة إيراني الجنسية, اسم الكتاب فلسفة كانط السياسية, في ثمانمائة صفحة, يتناول فلسفة كانط السياسية من مصادرها ويشرحها ويبين نتائجها, ثم في نهاية الكتاب يقدم نقد لها. سوف يعجبك الكتاب, المؤلف لغته رصينة وممتعة ولا يوجد فيها أي صعوبة, وكذلك استعانته بمؤلفات كانط الثقيلة نسبياً كان واضحاً جداً. المكان مكانك يا أشعار, شكراً جزيلاً.


اتصلت بمكتبة الساقي و أفادوا بعدم توفر الكتاب لديهم .
سيكون بحوزتي ان شاء الله يا يوسف , لأنني مهتمة بفلسفة كانط السياسية نظراً لأن السياسة و التفنن في إدارة الأنظمة السياسية و تطبيقها على الشعوب بدلاً مِن الدساتير هي طابع السياسة اليوم . أصبحنا طُعماً لشبكة الصيادين .

كانط له فضل كبير على اتجاه الفلسفة السياسية الغربية من بعده . هو من قام بتحليل و تعريف التنوير . هذا المصطلح الذي يستخدم اليوم في الأوساط الفكرية العربية بتخبط و حيرة و عشرات التأويلات لمعناه تماماً مثلما كان يحدث في فترة فورة استخدامه في الخطابات الإصلاحية و المعارضات قبل سطوع نجمة كانط .

و هو الذي قام بالربط بين السياسة و الأخلاق فنقض بهذا قول مفكرين ساروا على خط ميكافيللي الذي فصل بينهما حتى أنهم كانوا يبررون لفساد بعض الأنظمة السياسية كسياسة بوش الإبن في عهد توليه رئاسة أميركا بالقول أن هذه السياسة .. عمل لا أخلاقي ؛ ولا ينبغي إسقاط وزر اللعبة السياسية على الأخلاق . و رغم هذا , من هي أكثر دولة تبنت مشروع السلام بين الأمم ؟ هذا على اعتبار أن الأمم بحاجة إلى مشروع سلام سياسي بين الحكومات يُفضي إلى سلام الشعوب مع بعضها و يخلق مجتمعاً ديموقراطياً يسهِّل مهمة رفض الأمم الاستبدادية و القمعية لأنها عدوَّة الديموقراطية و هذا امتداد لفكرة كانط عن ركيزة السلام في مشروعه السياسي .

العقلانية في فلسفة كانط تستحق التأمل أزماناً و عصور .
أعود و أقول أن انجلترا مثالية عقلانية بطبيعتها و طبائع شعبها و كانت تتجلى عقلانيتها في لندن و هو سبب رئيس للحضارة و النهوض السريع في العاصمة سياسياً و اقتصادياً بعد انتهاء الغزو الروماني . قبل حتى أن تعرف كانط و هيجل و بوزانكيت .

لم أتوقف عن التفكير و القراءة الفلسفية , الفكرية أيضاً أو أكثر . لكن ما أكتبه غالباً هو مسودات لا تصلح للنشر لأنها ليست مرتبة . مع هذا سأريك قريباً إحدى خرائطي العشوائية بعد الانتهاء من قراءة كتاب " المحاورات الجديدة / دليل الرجل الذكي إلى الرجعية و التقدمية و غيرهما من المذاهب الفكرية " :sm12:

الشكر الجزيل المستمر دوماً دوماً لك يوسف bp039

يوسف
28-02-2010, 05:20 AM
أشعار
كانط بلور مفهوماً جديداً من نوعه لطبيعة العلاقات بين الدول على أرضية تقوم على القانون الدولي، كما سعى إلى إقامة السلام الدائم بين الشعوب عن طريق عدم اتخاذ الإنسان وسيلة وإنما دائماً غاية، وهو ما يعني إحترام الكرامة الإنسانية لدى الآخر بأي شكل كان. وانطلاقا من هذا المفهوم الذي يرى أن تحقيق السلام لن يتم إلا عبر تغيير الإنسان وتربيته أخلاقياً بهدف جعل الحرب أمراً مستحيلاً. يذكر أن هذه النظريات الفكرية المثالية أدت لاحقاً إلى تشكيل عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى من أجل حل الصراعات بين الدول على أساس القانون الدولي. وفي النهاية أدت أطروحاته التي لم تفقد أهميتها حتى الوقت الحاضر إلى تطوير عصبة الأمم لتتحول إلى الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. بخصوص الكتاب, نسختك من الكتاب وصلت بالفعل. أشعار.. هل تذكرك هذه الصورة بشيء؟

http://abuwabdallh900.googlepages.com/VirginiaWoolf33.jpg

السيدة دالاوي عندما قررت شراء الأزهار بنفسها, هل كانت في الحديقة, هادئة مطمئنة مثل فيرجينيا وولف في هذه الصورة؟ من يعتقد أن صاحبة هذه الصورة هي كاتبة مانفيستو الكتابة النسوية"A Room of One's Own"؟ أنا سعيد لأني لم أغامر بقراءة سيرة وولف بقلم لي حتى الآن. حين شاهدت هذه الصورة قلت أنها تمثل وولف الحقيقية, بعيداً عن صورتها الشهيرة وهي تعرض الجزء الأيسر من وجهها, وكأن ظلمات فوق ظلمات الأصوات البعيدة بدأت تهطل من جديد. أحاول استفزازك بكل صراحة حتى تحكي حكاية فيلم السيدة دالاوي للمخرجة النيوزيلندية مارلين غوراس.

أشعار
02-03-2010, 08:04 AM
http://f9wl.com/up//uploads/39a9e24786.jpg


ايطاليا 1918

ايفانز .. لا تتقدم , لا تأتي هنا ..
نهاية الحرب العالمية الأولى .
مات ايفانز .


لندن 1923

are seriously put out if all the same , you behave like a lady of course ,now i think there are no Gods and there's no one to blame !

إنها ليست بداية متفائلة و إن كانت السيدة كلاريسيا تفتتح صباحها بلونٍ زاهٍ و أناقة تشي عن رغبتها في متابعة حياتها بتعقل .

Its so very dangerous to live for only one day .

أليس كذلك ؟
أوافق كلياً ! الحاجة إلى حرية وعي كهذه تبدو خطرة إن تحركَت بلا لوم أو تأنيب ليوم واحد . خاصةً إن خطرَت هذه الفكرة أثناء النزول من السلِّم في صبيحة اليوم ! ليس أي يوم , يوم الحفل . كما أن مشوار الصباح هو لشراء الزهور , خطةٌ جميلة . لا حاجة للرقيب إذن ! لن نجزم أن خطأً جسيماً قد يحدث في هذا اليوم دون توفره .

السيدة الخمسينية الارستقراطية كلاريسيا دالاواي تخرج لشراء الزهور بإشراقة فتاة في العشرين , حتى أنه يعوزني ثوبٌ بلون باعث على الفرح و البشائر مثل ثوبها ذي اللون الأزرق المعشب .
أنا لم أتعجب من الأقاويل التي اندلعت بعد رواية السيدة دالاواي تلك التي قالت أنها هي نفسها السيدة وولف , السيدة فيرجينيا التي كتبَت سيرة يوم من أيام حياتها أو أنها شكلَت هذه الشخصية بنفس خصائص شخصيتها و يبقى احتمال أن يكون يوم السيدة كلاريسيا مختلقاً خاصاً بها _ بطلة الرواية _ لم أشعر أنني أشاهد سيرة كلاريسيا غريبة عن فيرجينيا . إنهما توأمتان في السمات و الوعي و الأفكار الخلاقة و الهواجس الداخلية و خصوبة المخيلة التي لم يمنحها الواقع فرصة للنمو ولا الحركة . توأمتان في الانهيار و اليأس و الحزن , في التفكير بالانتحار , توأمتان في الحلم الذي لم يُبعدهما عن الوعي . حتى أن السيدة دالاواي أصبحَت مدرسة لتيار الوعي في الأدب البريطاني في القرن العشرين .

مستر هوغ : ربما الحرب انتهت . لكن ما يزال صداها قائماً .

إنه الشخص الأول الذي تلتقِ به السيدة دالاواي في طريقها إلى متجر الزهور . يتبادلان حواراً عن الحرب و آثارها , عن ابنته الممرضة القريبة جداً من زوجة أحد سكان الحي المستشهدين في الحرب " السيد بوكس بروف " . يقول أن ابنته تأخذ الأمور بجدية و استياء بالغين !
السيدة كلاريسيا واعية و متفهمة , تجيبه أن هذا طبيعي الحدوث لدى واحِدة ما تزال تستمع إلى قصص الحرب المروعة !


http://www.up-00.com/Feb10/pP302509.jpg

دقيقة وفاء للذكريات ..
كلاريسيا و صديقها بيتر ( هل كان صديقها فحسب ؟ ) تسترجع إعجابها القديم بهوغ , و حوارها مع بيتر الذي أضحكني في ذمه لهوغ . يقول أن هوغ رجل بارد بطبعه حتى أنه عندما يلعب التنس لا يتحرك شعره : D
تكرر كلاريسيا إعجابها به فيعلق بيتر : كيف يمكنكِ ذلك , إنه لا يقرأ أبداً , لا يفكر بأي شيء غير ملابسه , حتى أن الفتيان الصغار قابلين للانجذاب أكثر من هوغ ! : d
تدافع كلاريسيا عن هوغ بإفشاء أحد أسراره العاطفية مع صديقتها سالي !

http://f9wl.com/up//uploads/2316fb2e68.jpg

و حين يعود الوقت إلى السيدة كلاريسيا الخمسينية التي تكمل مشوارها إلى متجر الزهور لشرائهم من أجل حفلها في نفس اليوم / الحادية عشرة مساء . تجُول بها ذكرياتها إلى الحفلات القديمة برفقة سالي .. و احتفائهن بالزهور .. كم تشكل لهن زينةً معنويةً عظمى ! إنها أنثويةٌ أيضاً . الزهور تجعل تصرفات المرأة مثل تصرفات السيدات ! هذا ما تريد السيدة دالاواي أن تظهر به في حفل الليلة التي تقصها لنا فيرجينيا .

تصرفات بيتر الطريفة أضحَكتني و أدمعت عيني . حين نكبر و نتذكر أوقاتنا الجميلة في الصغر , لا بد أن نبكي , بينما تلك الأوقات السيئة , إن كنا بحال أفضل بعد أن كبُرنا , سنبتسم إن عاودت ذاكرتنا .

لما قام و فحص الزهور بعدسته المكبرة أدمعتُ ضحكاً .

لحظة التقاء السيدة كلاريسيا بالرسام اليافع سابتموس , كانت لحظة قوية , خاطفة , هزتني بسرعة معهما . ليس بفعل الرعدة المنذرة بالمطر , بل هو اهتزاز قلبيهما عندما التقت عينه سابتموس بالسيدة كلاريسيا قبل أن تلتفت و تنظر إليه .
شخصية سابتيموس مفصلية في رواية السيدة دالاواي . الأعراض التي تنتاب سابتيموس ثم ما يصيبه بعد ذلك يؤكد أن موضوع الموت و وضع حد " يدوي " لحياتها كان هاجساً قوياً و دائماً و ملحاً على فيرجينيا . لكنها في الرواية أرادت لبطلتها أن تكون صاحبة النفَس الأطول في التفاؤل و الصبر على الملل و الانهيارات علها تتوقف أو تحتفل مع المدعووين في حفلة تلك الليلة ! و أي ليلة طبيعية بعدها .

Mrs. Dallaway , Mrs. Dallaway .. i'm not even Clarissa anymore !
بلا زواج , بلا أطفال , فقط السيدة دالاواي .

و ماذا في السيدة دالاواي أيتها الارستقراطية ؟! أنا أيضاً أحببته أكثر من كلاريسيا . لكنة السيدة دالاواي انجليزية أكثر . أصيلةٌ أكثر ! فكري بها من هذا الجانب , ستتعلقين بهذه الكنية .

http://img.slate.com/media/51000/51706/03-Dalloway02.jpg

مريرٌ منظر سابتيموس و هو يحرض نفسه على اغتياله !
Make it now .. Make it now
ثم تحاول نفسه ردعه :
But there is a God ! no one kills from hatred .

و يظهر لهُ صديقه ايفانز و هو مقبلٌ نحوه ببدلة الحرب و وجهه الفاحم من آثار القنابل و الغازات فيصرخ محذراً كما فعل أول مرة : لا تأتي هنا ايفانز .. لا تتقدم .
لكن الانفجار الذي أودى بإيفانز كان أسرع من صوت سابتيموس الجندي ( الرسام ) الذي كانت له أول شارة و مشهد في الفيلم . ثم أصبح الصديق البطل المتوفى يتراءى لصديقه البائس الحي في يقظته و نومه و أصبح وسواسه القهري الذي يلح عليه باللحاق بصديقه , لن تلحق به إن انتظرت الموت و أنت لا تعرف متى يصطحبك إليه . اذهب بنفسك !

وفاة Evans في الحرب أمام عيني سابتيموس هي الصدمة التي قصمَت كل ما تبقى لديه من حب و تفاؤل بالحياة ؛ أو حتى رغبته بها .

إن كنت سأعدد أقسى 10 مشاهد في القصة / الفيلم , فإن هذا المشهد أحدها .
تناقض مظهر ايفانز حين يتقدم نحو سابتيموس في الحديقة الغناء الرقيقة تلك التي يرتادها الناس في حلل بسيطة و أنيقة ..
كان المشهد لوحة كابوسية في قلب الظهيرة !



تعبت .
يتبع لاحقاً ,
ها يوسف , هل ندمت على الدعوة ؟ pb094
أخبرتك كيف أصبح حين أتكلم بعد صمت , ما زال هناك الكثير و حديقة صغيرة في آخر الكلام .
ربما كان من اللائق أن لا أكتب الرد إلا بعد اكتماله , لكنني أحببت أن يكون الذي انتهيت منه الآن مثل
ملاحظة في مفكرة التنبيه , تنبهني كيما أنسى . bp039

.

يوسف
02-03-2010, 11:55 PM
كيف يستطيع القارئ أن يكتب عن عمل من المستحيل أن تفصل فيه؟ أن تتحدث بكل أريحية وكأن هذا العمل يمثلك؟ من الصعب أن تكتب عن نص مستحيل التلخيص إلا أن تكون وصلت لدرجة الإندماج الكامل مع العمل. لقد قرأت السيدة دالاوي السنة الماضية, وخشيت أن أفصل لأني قد أخطئ في سبب ما, أو شخصية ما. ولكن قراءتك يا أشعار أنصفت السيدة دالاوي وفيرجينيا وولف. ولا أبالغ إن قلت أن هذه القراءة هي أول قراءة حقيقية تقدم رواية السيدة دالاوي بشكل رائع ومذهل. بل وحتى الفيلم, قد لا يعلم الأغلبية عنه هنا. حتى أسلوب القراءة مختلف وفريد, القراءة شبيهه بالنص: تداعي الذاكرة الحر الذي يحطم كل ما أمامه.

هل ندمت على الدعوة ؟

أنا نادم لأني لم أخبرك عن الفيلم إلا من فترة قصيرة. رواية تحمل تقنية مذهلة, وكاتب مذهلة, وفيرجينا وولف. والسيدة دالاوي على الشاشة, ماذا أريد أكثر من هذا؟ تابعي .. تابعي, وإني لمن المستمعين. على فكرة, قراءتك بالفعل هي أول قراءة عربية للسيدة دالاوي. لم يتحدث أحداً عنها من قبل بهذا التفصيل. bp039

أشعار
04-03-2010, 03:36 AM
لا تركضي كلاريسيا ..
السيدات الصغيرات لا يركضن !

قراءة عن الحب . هذا الشغف البرئ عند الأرستقراطيات لأنهن مطوقات ببروتوكولات العلاقات و الكلام الذي يجوز أن يقال , و الكلام الذي يعيب على هذه الطبقة أن يتداولوه بحرية أمام الجميع .. إلا خلسة .
سالي فتاة مشاغبة , هي التي علمَت كلاريسيا كيف تشعر بالحب , كيف تفهمه كما يفهمنه المراهقات , كما يحلمن به !
تقول كلاريسيا أن الزواج كارثة للنساء . فتسألها سالي : لكنه أمرٌ لا مفر منه , أليس كذلك ؟
صورةٌ تباغت كلاريسيا فتقولُ بقوة : سالي .. سوف نبقى دائماً معا . حسناً ؟
إنها تخاف من الزواج لأنه يبدد صداقة النساء ببعضهن تلك التي كانت أجمل ما لديهن من علاقة قبل الزواج . و هي نفسها أكثر ما يحتجن إلى بقائه بعد الزواج . إن هذا يحدث بسبب شخصية الأزواج . إنهم قياديين بشكل يربك معيشة المرأة كما تقول كلاريسيا , إنَّ الزوجات عادةً لا يجدن هذه القيادة في حضور الزوج القيادي . هذا هو نفسه رأي فيرجينيا وولف في مؤسسة الزواج . ليست المسؤوليات هي التي تحد من حرية المرأة , إنها تقصد شخصية الزوج و طلباته و حقوقه .. هي التي تحد .

سالي المليئة بالحيوية و حب الحياة و .. حب " كلاريسيا " تؤكد لها : بالطبع سنبقى دوماً مع بعضنا . سنفعل كل شيء مع بعضنا , سوف نغيِّر العالَم !

بعض زملائي في الكلية من القراء الإنجليز الذين قرأوا رواية السيدة دالاواي و أحبوها , قالوا عن سالي أنها فتاة غريبة الأطوار , غريبة في علاقتها بكلاريسيا . بينما كان واضحاً لي أنها تعشق كلاريسيا .. لم تكن علاقتها بها صداقة فحسب . كلاريسيا لم تكن تفهم , حتى أنني شككت في ذكائها بعد تلك القُبلة الصريحة أثناء رقصة كلاسيكية في إحدى حفلاتهم . لولا نظرة الارتياب و التفاجؤ تلك .. أعادت إليَّ وثوقي بنباهتها .
ترى هل شاهدهما بيتر ؟ لا تستطيع التنبؤ بمعنى نظرته الجامدة إلى كلاريسيا .

* أنا لا أريد أبداً أن أغيِّر أحداً , أنا آمل فقط أن يكون كل واحد هو نفسه.

السيدة كلاريسيا ذات مبادئ مناسبة للتبني في كل وقت . كنت أتمنى لو أنها تعيش بيننا الآن , أجزم أنها كانت ستستطيع تغيير شيء ما في وعي من حولها . فقط لو أن أحداً لا يعلم أن كل هذا الوعي لم يفلح في إبعاد فكرة الانتحار عنها . أنا أقصد السيدة كلاريسيا دالاواي تحديداً , لست أقول السيدة فيرجينيا وولف !

بيتر رجل صعب . الإغراق في قراءة الفلسفة و تحويل تفاصيل الحياة إلى مواد بحث و تنظير حتى فيما يخص العاطفة و الحب , بل و المرأة .. هو أمرٌ ممل . تحاول كلاريسيا أن تشرح لبيتر كيف أن ما يريده منها كثير جداً , يتركها بلا شيء لنفسها . لكنه يحاول إقناعها أن هذا هو ما يريده , يريد أن يكونا كل شيء لبعضهما . إنه شديد العصبية , لكن كلاريسيا كانت تحبه .. إلا أنها هي التي هجرته في آخر الأمر .

هذه الرواية .. رواية استدعاء للذاكرة . السيدة دالاواي استدعت ماضي صباها في يوم واحد أثناء ترتيبها للحفلة , كان هذا لأن هذه الحفلة نفسها مثار بعث للذكريات . أرادت أن تكون للصفوة .. شخصيات سياسية و ثقافية يمكن وصفهم أيضاً بالطبقة النخبوية , كانت تتوق إلى إحياء حفل مثل حفلات عائلتها في الماضي .

لقد عاد بيتر . كانا يتراسلان في السنوات الماضية بعد افتراقهما . في الحقيقة تفاجأت بعودته , لكن تفاجئي أقوى قليلاً من تفاجؤ دالاواي . لأنني لم أتوقع أن فراقهما كان جسدياً فقط . هو أيضاً فاجأ كلاريسيا بعودته .. في يوم الحفل . لم تكن تعلم .

إنه يبدو بخير .. كلاريسيا سعيدة . تشعر أنه هبة القدر لها في ذلك اليوم .
ما زال يحبها . في الأصل بيتر أحبَّ كلاريسيا حقاً , أحبها أكثر مما أحبته . تشعر كلاريسيا أن هذا الصباح غير عادي , لقد حمل إليها أشياء غير عادية ! لكننا هنا نكتب , لسنا بحاجة إلى استعادة ما حصل منذ بداية الصباح , أليس كذلك ؟

لقاء بيتر بكلاريسيا بعد فراق سنوات طوال أستطيع وصفه بحوار خاص . كان اللقاء عبارة عن حوار خاص جداً . استمرار لاستدعاء الذكريات و الماضي لكنك حين تفعل هذا و أنت تتكلم مع حبيبك القديم سيكون له طعم التوت الأسود , ذلك الذي كان يشبه طعم شفاه البطلة العاشقة في الرواية التي قرأتها سالي مع كلاريسيا في حديقة القصر في شبابهما .
في هذا الحوار تتضح ملابسات فراقهما , ظهور ريتشارد , زواج بيتر ..
والد كلاريسيا لم يكن يحب أحداً ممن أرادوا الزواج بها .

تسأله عن الأشياء الجديدة في حياته ..

" أنا أحب , أحب فتاةً في الهند "
بيتر كان قد رحل منذ سنوات إلى الهند , للعمل طبعاً , للدراسة , و البحث و العمل . إنه لا يكف عن البحث و التنظير !
تحاول أن تعرف من المرأة التي وقع في حبها . و بعد مراوغة قصيرة يخبرها أنها لسوء الحظ .. امراة متزوجة ؛ لديها ابنان . صبيٌ و فتاة .
لقد جاء بيتر إلى لندن لرؤية محامٍ يستشيره حول الطلاق . إنه يكره أن يظهر ضعيفاً و عاطفياً . يرى أنه أحمق حين يبدو هكذا . يقول لكلاريسيا ربما أزعجتك , لكنني أخبرتك كل شيء .. كما كانَ معتاداً ! يسألها إن كانت سعيدة .. إن كانت سعيدة مع زوجها ريتشارد .

ربما كانت ستجيب , تستفيض , تبكي مثلما بكى بيتر قبل أن يسألها بثانية , ربما كانت سترتمي بين ذراعيه و تطلب أن يسامحها , أن يعود إليها , أن ينتهزا هذه الفرصة .. فرصة رغم كل شيء . تقدم العُمر . تغضن البشرة , و بقاء الحب حياً في فؤاديهما .
لولا أن أحد المرموقين طرق الباب وقاطعهما .
غادر بيتر . لكنها استطاعت أن تهتف له و هو ينزل السلم بسرعة : حفلتي الليلة . تعال إلى حفلتي الليلة .

تعود الذاكرة إلى الماضي .
حفلٌ بهيج .. رقصةٌ ثنائية مرحة , حيوية , يشرق فيها بيتر بعاطفيته التي تجعل منه رجلاً جذاباً خفيف الظل و وسيماً حقاً !
إنه يحب كلاريسيا . يحبها جداً . بيتر هذه المرة هو الذي استدعت ذاكرته ذلك الحفل , ليست ذاكرة كلاريسيا .

يتوقف بيتر للاستراحة في الحديقة العامة التي ما زال يجلس فيها سابتيموس . سابتيموس البائس .. يا إلهي !

" أحدهم يمشي على قبري "

إنه ريتشارد . ريتشارد الذي قدمته كلاريسيا لبيتر في إحدى حفلات والديها بلقبه عائلته فاعترض قائلاً : أنا السيد دالاواي .

كلاريسيا قامت بما عليها . كانت شفافة مع ريتشارد , قالت له أنا على علاقة بصديق آخر .

سابتيموس ,
أنتَ مُتعب جداً .. لقد حان وقت الذهاب إلى الطبيب الذي سيساعدك .

_ لا مزيد من الأطباء , لا مزيد من الكذب . لا مزيد . يصرخ سابتيموس المسكين .

يمر بيتر من أمامه , يظنه ايفانز . يناديه .. يناديه ملياً , يصرخ بذلك الكابوس مجدداً ..
بحق الله , لا تتقدم .. لا تتقدم ..

لست أعرف كيف أثني على زوجة سابتيموس لأنها احتملت كل هذا العذاب . كانت عكازاً قوياً لزوجها . قدَرٌ حنون .

السيدة كلاريسيا تحب اللون الأخضر . لون المحيط , النهر .. البحيرة . في شبابها كانت لا ترتدي غير الأبيض . في خمسيناتها ارتدت الأخضر كثيراً . الفستان الذي جهزته للحفل أخضر اللون . و الثوب الذي ارتدته طوال اليوم أيضاً . لكنه بدرجة أفتح .

زوجة سابتيموس تستشير طبيب آخر غير الدكتور هولمز الذي استقبل سابتيموس في الجلسات الماضية :

لقد قال الطبيب في آخر مرة أن لا خطب خطير مع سابتيموس . لكنه عاد يتكلم مع الرجل الميت ايفانز ؛ صديقه الذي قتل في الحرب . ثم أنَّ سابتيموس لم يكن هكذا حين قابلته أول مرة . لقد حدث هذا في الشهور الأخيرة فقط . يقول أن البشر يتكلمون خلف حائط غرفة النوم . يقول أنه على وشك القيام بتصرفات إجرامية .. لكنه طبعاً لم يقم بفعل شيء .
كنا نتنزه و كان يرغب في شراء ورد أصفر و أحمر , يقول أنه يشبه الأضواء الساطعة .. كان سعيداً و كنت حقاً سعيدة في ذلك اليوم . لكن فجأة و نحن نقف أمام البحيرة .. قال " سوف نقتل بعضنا " .
ثم حمل يدي و قال أنه يشعر بلهب يحرقه . ثم بدأ يبكي و يبكي .

يقول لها الطبيب أن مصاب زوجها هو صدمة متأخرة إثر ما فعلته القذيفة في الحرب مِن قتل صديقه ايفانز .
إنها هي التي تصاب بالحيرة الآن . لكن سابتيموس حقاً بحاجة إلى الراحة . راحة تامة .
تحبه , تقول للطبيب حسناً , فليسترح لكن ليس بعيداً عني .
هنا نصيحة نفسية , إنها طبية أيضاً :

" أحياناً نحن بحاجة إلى الابتعاد عمَّن نحبهم ليكونوا بحال أفضل . ليصبحوا بحالٍ أفضل " .

كلاريسيا في سنواتها الأخيرة كانت مصابة بالاكتئاب . حين يسأل ريتشارد عنها يقول أن الطبيب نصحها أن تأخذ الأمور ببساطة .

ريتشارد ..
كم أنتَ بليد ! طيب لكنك بليد . لست أفهم كيفَ كنت تعلم أن كلاريسيا و بيتر متحابان ثم تقبل أن تخطفها منه . هل يفعل هذا فرد من طبقة النبلاء ؟!

في ظهيرة يوم الحفلة , يذهب ريتشارد و هوغ لشراء بعض الهدايا . يفكر هوغ في شراء قطعة ذهب لابنته .. يقول أن قيمة الذهب لا تنطفئ أبداً . بينما يقول ريتشارد : أفكر بشراء بعض الزهور لكلاريسيا .
إنه يعرفها جيداً . يهتم بما تحب و تكره .

بالزهور أيضاً استطاع أن يخطف قلبها من بيتر . يا لله .. انظر ماذا باستطاعة الزهور أن تفعل . تستطيع أن تجعل امرأةً تعشقك فقط إن أهديتها باقة من الزهور الطبيعية .. حبذا إن كانت حمراء .

" عندما تكون كل النساء جميلات , يصبح كل الرجاء جذابين "

كلاريسيا .. يا لكِ من شاعِرة ..

الجميع الآن يجهَز للذهاب إلى الحفل . لكن هل نسيت أن أخبركم أنَّ سابتيموس قد انتحر قبل قليل ؟!
في لحظة خاطفة , هرباً من الدكتور هولمز الذي زاره في المنزل و أصر أن يراه بينما كانت زوجة سابتيموس تمنعه لأن زوجها لم يعد يرغب بالمزيد من العلاج . هو يرى أنه برفقة زوجته يستطيع أن يكون بخير .
كان يطل من النافذة , ينظر إلى المشاة , إلى رؤوس السور الحادة , إلى الحياة ! و حين قاوم الطبيب زوجته و دخل الغرفة .. بهدوء قال له سابتيموس :
هل تريد حياتي ؟ سأعطيك إياها كلها .. خذها .
لحظة غير مؤثرة ! قفز من النافذة , كان معروفاً أنه سيفعل هذا منذ دارت الكاميرا إلى المقص .
حتى حين قرأت الرواية , كنت أعرف أنه سينتحر لأنني أعرف كيف هو نصل الضمير حاداً قاسياً و قاتلاً حين يعمل كالمنشار على قلبك و عقلك و تفكيرك و أنت تشعر بالذنب . ذنب لخطأ غير مقصود , لكنه أودى بحياة أحد تحبه .

أشعار
04-03-2010, 04:14 AM
يقول سابتيموس أنه يشعر بالعذاب لأنه لم يفعل شيئاً و هو يرى ايفانز يتمزق بفعل القذيفة . ماذا كان بإمكانه أن يفعل وهو رابض في موقعه بعيداً بعدة أمتار عن ايفانز ؟ ربما كان يؤنب نفسه لأنه أسرع في الاحتماء خلف التل قبل ايفانز بدقائق . بشعة هي وطأة التأنيب حين يكون صديقك الوحيد القادر على إزالتها .. قد مات .


هنالك اختلاف زمني بين الرواية و الفيلم يتعلق بانتحار سابتيموس . في الرواية يلقي سابتيموس بنفسه من النافذة أثناء حفل السيدة دالاواي . تلمحه و هو يفعل . تحاول أن تقلده لكن وعيها في تلك الليلة كان متألقاً معها . لم يخذلها و لم يخذل أصدقاء طفولتها الذين حضروا لأجلها . بيتر و سالي .. و السيد هوغ أيضاً .

كانت تراودها نفسها على الانتحار . تقول لها لمَ نستمر في الحياة إن كانت ستمنحنا ألماً و مأساة ؟ لكنها استطاعت أن تتذكر الأشياء الجميلة التي تحب أن تظل معها أطول وقت ممكن .. أصدقاؤها , زوجها , ابنتها .. و كل تلك الباقات من الزهور !

لا يمكن إغفال اللعبة الزمنية في رواية السيدة دالاواي . في الأصل كان الزمن مأساة الروائية الإنجليزية فيرجينيا وولف جنباً إلى جنب مع مأساة طفولتها ؛ تلك التي كانت سبب نكسات عقلية كثيرة أصابتها في مراحل متعددة من حياتها بعد أن وعَت , و فهِمت .. و عرِفَت أنها كانت تعيش مع رجال أنانيين أفقدوها كرامتها .

السيدة كلاريسيا كانت بقعة دم على قلب بيتر الأبيض . بينما كان الخوف من سطوة بيتر مقطوعة تعاسة رافقت كلاريسيا طوال حياتها بعد ذلك . إننا حين نفضِّل الأمان على الحب , لا نضمن سعادتنا . نحن نضمن راحة المعيشة فقط ؛ لكن القلب لن يكون سوى مريضاً إن افترق عمَّن يُحب .

دقيقة بعد دقيقة , صورة بعد صورة , فكرة بعد فكرة , خيال إثر خيال .. كل هذا كانت السيدة وولف .. فيرجينيا وولف .. عبقرية فيه , خلاقة , مبتكِرة و فنانة .. تجيد كتابة الواقع دون إملال . دون رتابة في القصّْ . لكنني أحزن دوماً حين أتذكر أن هذه المواهب لم تجعلها تحتمل ألم حياتها أكثر . فوضعت لها حداً بنفسها .

ـــــــــــــ

لم اقرأ رواية السيدة دالاواي بالعربية أبداً . كنت قد قرأت مقاطع منها بالعربية في المنتديات . مقاطع لا تتجاوز العبارة الواحدة من عدة صفحات ! كانت أيضاً بداية معرفتي بفيرجينيا وولف التي أصبحَت فيما بعد أديبتي العالمية الوحيدة من النساء . ثم تعرفت بعد قراءتي عن سيرتها و بعض قصصها .. على الروائية السعودية رجاء عالَم . كان هذا منذ سنوات قليلة . لكنني لا أستطيع التحديد بدقة , بين 2004 و 2006
حين قرأت ستر , خاتم , و طريق الحرير لرجاء عالَم أحببتها جداً . أنا لست من أنصار تيار الوعي و الواقعية فقط . روايات ماركيز مثلاً لم أحبها مثلما أحبب روايات فيرجينيا وولف . لكنني من أنصار اللغة الرمزية أيضاً . في الأدب لا أتقبل اللغة المباشرة , ليس كثيراً . مع فيرجينيا وولف و عظمائي الروس فقط أحببت اللغة البسيطة و الواضحة . كان هذا سر قوتها . لأن بساطتها لم تؤد إلى ترهلها . لكن لغةً مثل روايات كافكا , امبرتو ايكو , ابراهيم الكوني من العرب و حسن مطلك ؛ هي لغتي المفضلة في القراءة , و التي أحاول اتباعها في الكتابة . أستلذ بمحاولة فك ما وراء العبارات و تأويل الاستعارات و مقاربة التشبيهات . لكل هذا كانت فيرجينيا وولف الروائية الفريدة بواقعيتها التي توازَت مع الرمزية في توهجها و نفاذها .

هذه هي النسخة الوحيدة التي قرأتها لرواية السيدة دالاواي :

http://i384.photobucket.com/albums/oo285/ash3ar_photo/mrsdalloway.jpg

يوسف , هل تعرف ما هذا ؟

http://i384.photobucket.com/albums/oo285/ash3ar_photo/908.jpg

إنه متجر الزهور في لندن , متجر باسم السيدة دالاواي , إحدى صديقاتي الإنجليزيات تقول أن فيرجينيا وولف كانت قد اعتادت شراء زهورها من ذلك المكان . و قد قامت بإهداء صاحبة المشتل و زوجها نسخ من رواية السيدة دالاواي .
قامت برسم اللوحة فنانة مغمورة لكن لوحتها هذه خالدة في قلبي لهذا يجب أن أنوه عن مدونتها الفنية :

http://janabouc.eqla3.com/2008/02/25/mrs-dalloways-bookstore-berkeley/

http://abuwabdallh900.googlepages.com/VirginiaWoolf33.jpg

هذه الصورة حين رأيتها يوم الإثنين أوقعت في نفسي أثراً لم ينفك إلا بعد ساعات حين رن جرس جهاز النداء الطبي يستدعيني إلى المستشفى لمعاينة حالة مرضيَّة طارئة .

أنا لا أعرف كيف أتكلم عمَّن أحب يا يوسف . أحبها .. أحب فيرجينيا وولف و أشعر كما لو أنني ابنتها . لم أشعر مرةً أنها صديقتي رغم أنني كنت أحاول أن أصفها بالصديقة في بعض كلامي عنها فيما مضى . لكن الأثر الذي يغمرني بعد كل قراءة لمذكراتها , قصصها , رواياتها .. يشبه أثر أم تركَت إرثاً أدبياً لابنتها تتعرف به عليها و تتلمس من خلاله ملامح قلبها و تستشعر نبرة صوتها .

أتخيلها بصوت يشبه صوت صوفيا لورين . لكن سبباً آخر أوغل الصورة في نفسي .. أنها هنا تشبه أمي رحمة الله عليها . الصحيح أن أمي كانت تشبهها . ليس عامةً , في هذه الصورة فقط . نفس تسريحة الشعر و الوشاح و الجسم النحيل . نفس إحدى صور أمي و هي تمسك بيديها باقة ريحان .

شكراً جزيلاً يوسف , نادراً يعجبني فيلم مقتبس عن رواية . لأن من النادر أن ينجح فيلم يجسد رواية . خاصة إن كانت رواية عظيمة و صعبة بسبب بساطتها الفائقة .. مثل السيدة دالاواي . لكنك وثَّقت في قلبي حباً لا يخفت . حب للسيدة وولف و أبطالها .bp039

يوسف
04-03-2010, 05:17 AM
أقرأ .. وأُصفق.
والله يا أشعار أقرأ وأُصفق .. رائع إلى حد الذهول
عادت لي جميع الذكريات الأولى للسيدة دالاوي. كانت هناك أبواب استعصت عليّ, ولم أحاول تفسيرها. مثل هذا النص لوولف لا يحتمل التفسير. فقط: تأمل في غنائية فيرجينيا وشاهد واسمع كيف تعزف هذا البحر الهائج المتلاطم الأمواج. في هذه القراءة كشفت لي أشياء غابت عن ذهني تماماً. لست الوحيد الذي كنت انتظر هذه القراءة. أحد الزميلات طرحت استفسار حول فيرجينيا وولف والسيدة دالاوي. قلت أني كتبت بشكل عام عن الرواية, ولكن .. هناك من سيكتب عن السيدة دالاوي بكل أريحية ويستطيع كشف معالم كلاريسا دالاوي .. كنت أقصدك يا أشعار ولم تخيبي الظن.

عندما فتح معرض الرياض أبوابه كان هدفي الأول هو كتاب كوينتين بيل, ابن فينيسا شقيقة فيرجينيا. نظراً لقرب كوينتين من العائلة أعتقد بأنه قادر على كشف إبداعات فيرجينيا وسيرة حياتها بشكل عام. كنت محظوظاً بحصولي على نسخة واحدة من نسختين فقط متوفرة في المعرض.

رغم أن هذا الامر جد خطير إلا أني سألتزم به: أعدك يا أشعار بتقديم قراءة معمقة حول فيرجينيا وولف ورواية الأمواج. كتبت هذا الوعد هنا حتى ألتزم به. وأتمنى أن يحين هذا الوقت قريباً.

من فترة طويلة لم أقرأ مثل هذه القراءة. قراءة عاشق لأعمال مؤلف, وللمؤلف نفسه.. شكراً أشعار.. شكراً ولا تكفي .. هذه القراءة طرب من البداية وحتى النهاية bp039

أشعار
04-03-2010, 11:40 PM
معذرة ,

عدت لتصحيح خطأ هام .
المتجر في الصورة السابقة هو متجر كتب باسم السيدة دالاواي و ليس متجر زهور .
كان يقع مكانه بالضبط مشتل زهور تشتري منه فيرجينيا وولف زهورها و بعد صدور رواية السيدة دالاواي قامت بإهداء نسخ منها لبائعة المشتل و زوجها .

شكراً مستمراً لا يتوقف لك يوسف , و سأتمسك بوعدك

Salieri
15-03-2010, 04:53 PM
من يخاف من فرجينيا وولف؟
http://z.about.com/d/classicfilm/1/0/R/B/-/-/virginia_woolf.jpg
- من يخاف من فرجينيا وولف؟
من الذي يخافها ؟
- أنا جورج , أنا

أول مسرحية طويلة يقوم بكتابتها الكاتب المسرحي " إدوارد البي " بعد مجموعة من الأعمال المسرحية القصيرة و تعد مسرحية من يخاف من فرجينيا وولف أفضل أعمال الكاتب الأمريكي إدوارد فبعد عرضها الأول استمرت تعرض لعامين كاملين و بعد العروض المسرحية أقتبس من نص المسرحية فيلمنا هذا و حقق الفيلم أيضاً نجاح منقطع النظير و ترشح لعدة جوائز أوسكار و يعد من أفضل أعمال السينما الأمريكية ولا يتوقف نجاح إدوارد لهنا فقط بل مازالت المسرحية تعرض ليومنا هذا و منهج تعليمي لمن يقوم بدراسة المسرح .

عنوان المسرحية قائم بالأساس على أغنية أطفال لديزني " من الذي يخاف من الذئب الكبير السيء ؟ " ولأن تكلفة شراء عنوان الأغنية كان باهظ الثمن أعتمد إدوارد على سخريته و حول اسم العنوان لاسم الكاتبة الكبيرة و رائدة تيار الوعي بجانب جيمس جويس فرجينيا وولف و بشكل أو آخر العنوان أصبح ملائم للمسرحية بشكل أفضل من عنوان أغنية ديزني خصوصاً أن المسرحية تسير على نهج فرجينيا بالكتابة أسلوب تيار الوعي .

و المعروف عن هذا الأسلوب حسب الرؤية النقدية الغربية: بالمنهج السردي المستحدث. يعرض المؤلف من خلاله المحتوى الذهني للشخصية الصامتة عرضاً فورياً مباشراً من الذهن نفسه. ومن كافة مستويات الوعي نفسه. بدءاً من مستوى ما قبل الكلام وهبوطاً إلى أدنى درجات اللاوعي ملتزماً في ذلك حيادية نسبية. إذ يقتصر تدخله على تقديم التعليقات الإرشادية والتفسيرية والوصفية. لكنه يحرص حتى في هذه الحالات على الإيهام بأن المادة الذهنية تنبع من ذهن الشخصية مباشرة وفوراً, وهي تتخذ في جميع الحالات لغة لفظية صريحة ومباشرة أو صورية رمزية. وهذه المباشرة والفورية هما السبب فيما يتسم به تيار الوعي من مجافاة للتنظيم المنطقي والقواعد النحوية واللغوية عامة لتمثيله مستويات وعي سابقة لمرحلة الكلام وبدرجات متفاوتة * .

http://www.la.cityzine.com/wp-content/uploads/2008/08/whos-afraid.jpg

أصبح العنوان ملائم للعمل بشكل أفضل لان الكاتب إدوارد أراد أن يسبر أغوار النفس البشرية بطريقة هلامية غامضة تجعل المشاهد يتساءل طوال الوقت عن سبب حزن و بؤس أبطال العمل فكان أسم فرجينيا وولف يشرح حالة العمل بشكل دقيق و مفصل
تدور قصة الفيلم حول زوجين بالعقد الرابع من العمر , جورج أستاذ تاريخ متزوج من مارثا سيدة أرستقراطية ولدها رئيس جورج بالعمل أو بمعنى أدق مدير للجامعة التي يُدرس فيها جورج التاريخ , يخرجون بعد منتصف الليل من حلفة يقيمها والد مارثا كل ليلة سبت متجهيناً للمنزل فتصعق مارثا جورج بأنها قامت بدعوة ضيوف والدها للمنزل فتدور أحداث الفيلم بتلك الساعة المتأخرة من الليل بغرفة المعيشة .

أسلوب تيار الوعي يغزو الفيلم غزو كاملاً فلا نعرف عن علاقة جورج و مارثا أي شئ إلا أننا نعرف أن بين جورج و مارثا حزن و حزن فحزن كما ذكرت مارثا بالفيلم إلا أننا نعرف بعض خفايا العلاقة الحزينة بين جورج و مارثا بسبب الصراع الذي الدار بينهما فنجمع تلك الكلمات و نحاول ترتيبها كالكلمات المتقاطعة لنعرف ماهية العلاقة بين جورج و مارثا إلا أن المشهد يظل بدائرة الشك و الغموض حول علاقتهما الحقيقة .

و بينما لا تزال السهرة بأشد ذروتها بالنسبة لمارثا حيث تحتسي الشراب بشكل مفرط و تضحك و تسخر من جورج و حياته و تتغزل بالمدعو الشاب زوج هوني فيشتد الصراع بين جورج و مارثا غير مبالين بالضيوف تحت تأثير الكحول و الضيوف كذلك فيأخذ الصراع مجرى أقوى عن اسرار فردية خاصة وعائلية و نحاول إيجاد الحلقة المفقودة بعلاقة جورج و مارثا إلا أن المشاهد لا يزال يلهث محاولاً كشف حقيقة العلاقة .

فتتحول السهرة من كونها سهرة مرحة يتجذابون أطراف الحديث عن الفن و التاريخ و الأحياء لسهرة مصارحة فحتى الضيوف نيقولا و هوني يكشفون حقيقة علاقتهم بعد تأثير الكحول و المصراحة الجارية بين جورج و مارثا , فيصارح نيقولا جورج بسبب ارتباطة بزوجتة و على عكس جورج أتضح للجمهور و بسرعة باهرة حقيقة العلاقة بين نيقولا و هوني و على العكس جورج أيضاً نيقولا أصبح راضياً بنصيبه و قدرة ولا نعلم هل لانه لا يزال ببداية المشوار أم أقتنع بالفعل ؟

http://www.legalmoviesdownloads.com/still-frames-movie-pictures/whos-afraid-of-virginia-woolf/whos-afraid-of-virginia-woolf-4-richard-burton-elizabeth-taylor-martha-george.jpg

المسرحية قسمت لثلاث فصول , الفصل الأول تحت عنوان " اللهو واللعب " أما الفصل الثاني " التطهير " و الفصل الثالث " الخلاص " , بالفصل الثاني وهو فصل التطهير يحاول إدوارد بشرح أن المشاجرة و النزاع في العلاقات ماهو إللى وسيلة و طريقة من طرق الحب و التواصل بالفصل الثاني نكتشف بعض الأسرار من علاقة مارثا و جورج فنعلم أن لدي جورج و مارثا أبن يبلغ من العمر 16 عاماً إلا أن جورج يرفض التحدث عنه و بمجرد يكذر أسم الطفل يشتط غضب ليس له مثيل بينما مارثا تظهر على تجاعيد وجهها علامات الحزن و الحنين فيسألون الضيوف أن كان ابنهم موجود بالمنزل إلا أن مارثا يجن جنونها و تخبر الضيوف بالحقيقة جورج جعل طفلنا الوحيد يهرب من البيت لانه يعتقد بأنه ليس من صلبه و بهذا الوقت يحاول جورج عدم الأصغاء و مقاطعة مارثا بأي طريقة كانت و مع أننا اكتشفنا اكتشاف من شأنه أن يضعف العلاقة بين جورج و مارثا إلا أننا لم نكتشف الحقيقة الكاملة بعد ولم نعلم بعد لماذا مارثا تستهزئ من زوجها و تقلل من قدرة و شأنه أمام ضيوفها و تتغزل بضيفها ولا نعلم من أين جورج يأتي بهذا الحلم و الصبر على وقاحة زوجتة و تسير الأحداث على هذا النهج و مع كل تقدم نكتشف الحزن الذي يخنق شخصيات الفيلم شيئاً فشيئاً إلا و مع أننا نعرف بنهاية المطاف سبب حزن و ألم و ضعف الشخصيات لا يزال هناك غموض مغلف الفيلم غموض لا يتخلص منه الفيلم حتى بعد طرح الأجوبة و هذا مايجعل للفيلم قيمة فنية ممتازة بجانب النص و الأخراج و الأداء بالتأكيد .

بنهاية الفيلم نكتشف أننا أمام شخصيات مثيرة للشفقة شخصيات كانت تحاول إيجاد أي طريقة لتحريك الحزن الكامن بداخلها الحزن الذي يخنقها و يقتلها فشخصيات هنا لا تؤمن بأن المياة السكنة أعمق من غيرها فلطالما ظلت مياهها ساكنة و حان وقت هيجانها بنهاية المطاف نكتشف بأن جورج و مارثا لم يرزقا بأي طفل و أن الطفل من نسج خيالهما فقط و كأن إدوارد يجعل الطفل هو الحلقة المفقودة بعلاقة جورج و مارثا و بنهاية الفيلم يصدم جورج مارثا بأن أبنهم الوحيد قد مات و قد وصله طرد من عجوز أخبره بأن أبنهم قاد مات و كأن جورج هنا ضاق ذرعاً بعلاقته بمارثا و يحاول تحطم الحلقة المفقودة أبنهما فيقتله لانه حان وقت أنهاء هذي العلاقة المثيرة للشفقة و لا ينفك الغموض بالفيلم فنحن لا نعلم كيف جورج و مارثا لم ينجبا طفل هل هي رغبة منهما أم أن مارثا عاقر أما أن جورج هو العقيم أم أن المشكلة من كلاهما أعتقد أن إدوارد قام بأختيار أسم فرجينيا لسببين الأول بسبب أسلوب تيار الوعي المسيطر على الفيلم و الثاني بسبب تلك المشاعر الذي يخفيها أبطال القصة عن بعضهما طوال حياتهم و الاوهام التي يعيشون من أجلها و أعتقد أن سبب الخوف هو بشكل أخر من يستطيع أن يعيش بلا أوهام ؟ .

فجورج و مارثا لم يستطيعا العيش دون أوهامهم التي عشعشت في رؤوسهم و ينتهي الفيلم على صوت جورج وهو يغني فوق رأس مارثا من يخاف فرجينيا وولف ؟ فتجاوب بكل هدوء و خوف أنا يا جورج أنا .

* منقول من يوسف

H A I F A
17-03-2010, 12:13 PM
طالما عكست لنا الاعمال الادبيه كثيراً من حياة الكاتب

أشعار .. يوسف

اسمحوا لي بمشاركتكم في أحد روائع فيرجينا وولف " مسز دالوي "

كم تذمرت من كتاباتها !
اعتبرتها ممله جداً !
then I recognised that her novels are dealing with the actions of the mind not the actions of the body

بعد قراءه الرواية أكثر من مره وخصوصاً ما بين السطور
عكس لنا الكثير من حياتها !

رأيت فيرجينا كثيراً في "سبتيمس "

صوّرت معاناتها ومرضها وعزلها في " الهاوسز : دور لمن لديهم مشاكل نفسيه "

و مدى بشاعه تعامل الاطباء مع المرضى النفسيين ذلك الوقت !

لم ارها كثيراً في مسز دالوي !

مسز دالوي شعرتها امرأة بلغت الخمسين أحسّت بقرب موتها باتت تهرب من فكره الموت باقامة حفلات ؟

اما فيرجينا سئمت حياتها وحاولت الانتحار مرات عديدة حتى نجحت !!

ايضاً أحداث الروايه عكست معاناة الكثير بعد الحرب من خلال سبتيمس



طيّب ممكن اشارككم بعض الاقتباسات اللي حافظتها لها ؟ :$

مشاهد حبيتها كثير:
-1-
لما فتحت الشبابيك الصباح وقالت : What a lark! What a plunge!

-2-

"And how are you?" said Peter Walsh, positively trembling; taking
both her hands; kissing both her hands. She's grown older, he
thought, sitting down. I shan't tell her anything about it, he
thought, for she's grown older. She's looking at me, he thought,
a sudden embarrassment coming over him, though he had kissed her
hands.
بعد لقاءها بـ بيتر عندما عاد من الهند
قبّل كفيها ثم اخذت تتفحصه
كل الذكريات القديمه والعتب رجع بهالمشهد
خصوصي لما بكى وراح للشباك =(

-3-

"Holmes was coming upstairs. Holmes would burst open the door.
Holmes would say "In a funk, eh?" Holmes would get him. But no;
not Holmes; not Bradshaw. Getting up rather unsteadily, hopping
indeed from foot to foot, he considered Mrs. Filmer's nice clean
bread knife with "Bread" carved on the handle. Ah, but one mustn't
spoil that. The gas fire? But it was too late now. Holmes was
coming. Razors he might have got, but Rezia, who always did that
sort of thing, had packed them. There remained only the window,
the large Bloomsbury-lodging house window, the tiresome, the
troublesome, and rather melodramatic business of opening the window
and throwing himself out. It was their idea of tragedy, not his or
Rezia's (for she was with him). Holmes and Bradshaw like that sort
of thing. (He sat on the sill.) But he would wait till the very
last moment. He did not want to die. Life was good. The sun hot.
Only human beings--what did THEY want? Coming down the staircase
opposite an old man stopped and stared at him. Holmes was at the
door. "I'll give it you!" he cried, and flung himself vigorously,
violently down on to Mrs. Filmer's area railings".

the Suicide scene, the heart of the novel !! i </3 i

تظهر رائحه الموت بهالمشهد
ما رضى ان الاطباء يسيطرون على حياته ويبعدونه ما رضى أحد يحرمه حريته
انسان أغرقته همومه بعد الحرب تكملون الناقص وتبعدونه عن زوجته ؟

"I'll give it you!"

عطاهم حياته بس ما رضى يسلم لهم روحه

He is the master of his fate .. and the captain of his soul




كنت بكتب قرائتي للرواية لكن لا ابداع بعد ابداعك يا اشعار pb189
اشتهيت أرجع اقراها ثانيه واكتب نوتس عليها pb030
واحدد اقتباساتك


برضو اذا تهمّكم الافلام فيه فلم The Hours لـ

Nicole Kidman as Virginia Woolf

Julianne Moore as Laura Brown

Meryl Streep as Clarissa Vaughan

The story of how the novel "Mrs. Dalloway" affects three generations of women, all of whom, in one way or another, have had to deal with suicide in their lives. i



يوسف - اشعار - ساليري

استمتعت بما قرأته pb189

Salieri
25-03-2010, 09:09 PM
http://www.conservapedia.com/images/thumb/4/43/115523-004-FA619CA3.jpg/251px-115523-004-FA619CA3.jpg
"إذن، تقولين إن طريقة تفكيري لا يمكن قبولها... وهل تظنين إني اهتم لذلك؟ يقينا أنه أحمق بائس ذلك الذي يتبنى منوالا للتفكير من أجل الآخرين. إن أسلوب تفكيري ينبع مباشرة من تأملاتي.. إنه يحتوي وجودي؛ الطريقة التي خُلقت بها. ليس في قوتي أن أغيرها، حتى لو كان في إمكاني ذلك، فلن أفعلها. فطريقة تفكيري هذه والتي تستهجنيها أنتِ، هي ملاذي الوحيد في حياتي. إنها تخفف كل معاناتي في سجني. إنها تكوّن كل متعتي في العالم الخارجي. إنها أكثر رفقة لي من الحياة نفسها. ليست طريقة تفكيري هي ينبوع تعاستي إنما الطرق التي يفكر بها الآخرون. فالإنسان المدرك - والذي يزدري التغرصات الساذجة سيصبح بالضرورة عدوا للسذاجة- عليه أن يتوقّع شيئا ما. عليه أن يسخر من المحتوم. هاك مثلا: مسافر يرحل على امتداد طريق جميل، لكنه مليء بالفخاخ. يسقط في واحدة منها. أستقولين أنه خطأ ذلك المسافر أم خطأ ذلك النذل الذي وضع الأفخاخ؟
إذن، وكما قلت لي بأنهم يرغبون في أن يعيدوا حريتي، إذا كنت مستعدا أن أدفع من أجل ذلك مبادئي ونزوعاتي. سيكون وداعا بيننا، دون أن أفترق عن أي منهما. سأضحي بألف حياة، سأضحي بألف حرية إذا ما قدر لي أن أحتفظ بها. أنا متعصب لا أحيد قيد شعرة عن تلك الميول والمعتقدات، وتعصبي هذا هو نتاج كل الاضطهادات التي تحملتها من مضطهدي. أكثر فأكثر يستمرون في تكديري أعمق فأعمق تترسخ جذور تلك المعتقدات في قلبي. وها أنا أعلن على رؤوس الأشهاد بأنه ليس هناك جدوى في أن يحدثني أحد عن الحرية إذا ما عرضت علي مقابل تدمير معتقداتي".

Salieri
25-03-2010, 09:10 PM
http://img.allposters.com/6/LRG/17/1752/1BS3D00Z.jpg

سبعة و عشرين عاماً من الحبس , سبعة و عشرين عاماً من الاضطهاد , سبعة و عشرين عاماً من محاولة سلب الحرية التعذيب الجسدي و النفسي الحبس الأنفرادي إلا أن ريشة الماركيز دي ساد ظلت حره و لم تأثر مدة سبعة و عشرين عام بحريتها و فكرها بل زاد إبداع و جنوناً " في ظروف المحنة , يزدهر الفنان " ولد الماركيز دي ساد عام 1740 إلا أنه كان سابقاً لعصره بألف سنة ضوئية كان ماجناً فيلسوف على طريقته الخاصة حراً ملحداً مؤيداً للثورة الفرنسية بل حتى أنه أسس أسلوب يختص بفكره وحده الساديه فمصطلح السادية تم اشتقاقه من أسمه دي ساد و بمجرد ذكر أسلوب الكتابة السادية يأتي ببال القارئ تلك الصور الجنسية التي تجرد الإنسان من إنسانيته ليتحول لبهيمة .

كان الماركيز دي ساد يدعو الأنسان لسعي وراء متعته ضارباً بعرض الحائظ دينه و أخلاقه التي نشأ عليها أثارت هذي الفكرة الجدل بذاك الوقت اهتزت فرنسا من تصريح الماركيز إلا أن تصريحه الآخر كان الصفعه الكبيرة لفرنسا صرح ماركيز أن الشذوذ الجنسي و الأفعال الاجرامية موجودة بالطبيعة و هي من طبائع الإنسان كان التصريح منافى تماماً لروح عصره أمر نابليون بحرق جميع مؤلفات الكاتب ماركيز دي ساد إلا أن حرق مؤلفاته زاد من عزيمته و إصراره على نشر أفكاره فالأفكار و الكتابة لاترتعدها النيران .

"نعم ، أنا ركبت المعاصي ، وقد تخّيلت بكتابات كل ما يمكن تخيّله في هذا المجال، لكنني بالتأكيد لم أفعل كل ما تخيّلته ولن أفعل أبدا. أنا فاجر، لكنني لست مجرما أو قاتلا"

قام الماركيز دي ساد بممارسة الجنس مع شقيقة زوجته أثارت هذي الفضيحة ضجة و قام أيضاً بممارسة الجنس مع عدة خدامات من البيت الدعارة قام أيضاً بجلد فتاة مع الإساءة الجنسية لها و قامت الفتاة برفع قضية على الماركيز إلا انها سحبت قضيتها فيما بعد تحت ضغوطات عائليه , بعد أنتشار هذي الفضائح سجن الماركيز دي ساد بعدة سجون مختلفة و على سنوات متفرقه حكم عليه بالأعدام بالمقصلة أنذاك إلا أن الماركيز أستخدام ذكائه مسبباً ثوره من نافذة سجنه حيث صرخ مراراً و تكراراً بأعلى صوته "إنهم يقتلون السجناء هنا!" , بعد ذلك تم نقله لمصح للأمراض العقلية و قضى ما تبقى من حياته هناك

لمعلومات أكثر عن الكاتب ماركيز دي ساد
http://www.elaph.com/Web/Culture/2009/3/423638.htm

Salieri
25-03-2010, 09:11 PM
http://3.bp.blogspot.com/_cudK8MwW64I/SizKDkFyofI/AAAAAAAASaY/bpHno26GvgY/s400/quills.jpg

شاهدت فيلم بالأمس مقتبس من مسرحية الكاتب " دوغ رايت " و من إخراج المخرج " فيليب كوفمان " قام باقتباس النص كاتب المسرحية نفسه دوغ رايت , تدور قصة الفيلم عن أيام الكاتب الماركيز بمصح الأمراض العقلية " شارنتون " الفيلم لا يعتبر فيلم وثائقياً مقتبس بالتفصيل من فترة حياة الكاتب ماركيز بدهاليز و عنابر مصح الأمراض العقلية فكاتب النص دوغ رايت يعتمد على الحدس حتى أن الفيلم لم ينصف تحت تصنيف و ثائقي أو حتى سيرة ذاتية بل تاريخي القصة صحيحة لكن الأفعال و الأحداث تعتمد على حدس الكاتب .

الكاتب ماركيز دي ساد محجوزاً بمصح الأمراض العقلية إلا أنه يختلف عن باقي المجانين بالمصح فهو يعامل معاملة خاصة يقدم له النبيذ و وجبات فاخرة أثاث و حبر و ريشة و مكتبة , المسؤولة عن النظافة شابة صغيرة و بريئة عاشقة لكتابات الماركيز تقوم بنشر أعماله سراً معرضه نفسها للخطر فقط لأن اعمال الماركيز تلامس شئ فيها لا تعلم ماهو و مدير المصح الراهب الشاب متسامح و متواضع يعامل المجانين و الخدم على أنهم جميعاً اخوته إلا أن سياسته لا تعجب نابليون خصوصاً بعد نشر كتاب جريئاً للكاتب ماركيز عن طريق المسؤولة عن النظافة يرسل للمصح دكتور في العقد الخامس من العمر على مايبدو يمتلك الدكتور شخصية عدائيه و صلبة جداً يقوم بتعذيب المجانين بعدة أساليب قام هو نفسه بأكتشافها من أجل الخضوع لقوانينه .

http://images.allmoviephoto.com/2000_Quills/joaquin_phoenix_quills_001.jpg

الفيلم يعتمد على احدى نظريات الكاتب الماركيز دي ساد و الذي أصبح أسمه مرادفاً للانحراف و السادية و الفكر المتحرر حتى بعصور و عقليات ترفض هذا الفكر المتحرر و تحاول الزج به بمصح للأمراض العقلية لخروجه عن المتعارف عليه ولأن الفيلم عبارة عن ملحمة لصراع الدين و الروح الطبيعية للإنسان فالكاتب نجح باختيار فترة حياة الماركيز دي ساد بمصح الأمراض العقلية لتكون محور القصة فمصح الأمراض العقلية هو مايظهر الإنسان على صورته الحقيقة تلك البهيمة الناطقة تخلع جلباب إنسانيتها هناك تغتصب تمشى عارية بدهاليز المصح تمارس الجنس أمام الملأ و هناك رجل الدين رجل الله يمر بهم دون أن يحرك ساكناً " تذكر أخلاقك " هذي الكلمة التي كان يرددها طوال الفيلم على أناس فقدت معنى مصطلح الأخلاق و هناك بغرفة فخمة لا تمت للمصح العقلي بصلة وجد الماركيز ضالته فبدل أن يتخيل شخصيات فقدت إنسانيتها أصبح يشاهد الإنسان على حقيقته من نافذة صغيرة مستمتعاً بما يرى يتناول ريشته و يكتب ما يرى يكتب عن الجنس عن الشذوذ عن عنف الإنسان عن حقيقته كما يراها يقوم بنشر رواياتها عن طريق شابة جميلة بريئة تعشق مايقوم بكتابته الماركيز تسافر مع تلك الشخصيات فحين يكتف عن عاهرة تتخيل نفسها تلك العاهرة و حين يكتب عن سفاحة تتخيل نفسها تلك السفاحة بعد نشر روايات الماركيز خارج أسوار المصح يتأخذ الحاكم نابليون حكماً بأسكات هذا الرجل للأبد فيقوم بإرسال دكتور يتلذذ بالتعذيب إلا أنه لايزال متنكراً تحت جلباب الإنسانية فيجتمع تحت سقفاً واحد رجل الدين و رجل العلم و رجل الطبيعية الإنسانية .

http://images.allmoviephoto.com/2000_Quills/geoffrey_rush_quills_001.jpg

" أنا أكتب عن الحقائق الأبدية العظيمة التي تربطناً معاً كبشر في كل أرجاء العالم نحن نأكل , نتغوط , نمارس الجنس , نقتل , ونموت "

هناك ثلاث شخصيات بالفيلم تتأثر بما يكتب الماركيز بشكل أو آخر مادلين الفتاة الجميلة فهي تتلذ بما يقوم بكتابته الماركيز إلا أنها لا تعرف لماذا و البابا الذي يرفض بما يقوم بكتابته الماركيز لانه منافي للدين و الاخلاق و الدكتور لانه يعلم أم مايكتبه ماركيز حقيقي إلا أنه لايزال يتختبى تحت عباءة الإنسانية و البعض بالخارج يتلذذ بما يكتبة الماركيز و البعض يلعن و يشتم من ما يكتبه أؤلئك الذين لا يريدون أن يعرفوا حقيقتهم المرة و الذين لا يريدون لتلك المشاعر بداخلهم تتحرك و تقودهم حيثما تشاء .

بعد نشر روايات الماركيز و استياء البعض منها يقوم الدكتور بأمر سحب الريشة و الحبر من الماركيز و هي متنفسه الوحيد بوحدته و عزلته و اتهامه بعدة جرائم و الجنون " لماذا تفعل بي ذلك ؟ , سأموت من الوحدة ليس لي رفقة إلا الأشخاص الذين أختلقهم " و يقوم الكاتب هنا بأن سبع و عشرين عاماً من الحبس و الاضطهاد لم تؤثر على أفكار الماركيز و لم تحبط عزيمته فيقوم بأختراع عدة طريق للكتابة مرة عن طريق النبيذ و مرة آخر يقوم بحرج نفسه و الكاتبة بدمه و هناك دائماً تلك الفتاة الصغيرة تقوم بمساندة الماركيز و تكتب جميع ما يكتبه و تقوم بنشره , بعد الانتصاف بالفيلم تبدأ أفكار و كتبات الماركيز حقيقة جداً تظهر غرائز البابا و يقوم بعشق تلك الفتاة الصغيرة إلا أنه يحاول السيطرة على غرائزه و يتضح أن الدكتور مجرد حيوان متنكراً فيقوم بممارسة الجنس بطريقة وحشية خالية من الإنسانية التي يختبأ تحت ظلالها بالصباح و عوضاً عن هذا يتزوج زوجة تصغره سناً و الشابة مادلين تجد نفسها منجذبة انجذاب كلي للبابا و تدرك أخيراً لماذا تقوم روايات الماركيز بمس مشاعرها .

أما الماركيز حزيناً واهناً بعد أن قام الدكتور بسلب جميع كتابته و و ممتلكاته على طريقة محاكم التفتيش و بكل همجية أخذ يعذب الماركيز بعد أن أكتشف أن زوجته التي تصغره سناً و التي تربت في دير مسيحية متشددة و حافظة للانجيل قامت بقراءة رواية للماركيز و أكتشفت بأنها تمتلك تلك الغرائز و الروح الطبيعية للإنسان و هربه مع شاب حرم الماركيز من الكتابة حرقت جميع كتبه إلا من أحتفظ بها بعيداً عن متناول يد الحكومة الفرنسية أصبح الماركيز مكتئباً غير قادر على الكتابة إلا أن تلك الشابة قامت بزيارته و رجته أن يحكى لها قصة أخيرة قبل أن يقوم بنقلها البابا لأنه فتن بجمالها .


الليلة الاخيرة .

http://2.bp.blogspot.com/_X6Isw4ybb4U/R_DoGFxDk_I/AAAAAAAAKKA/nNWozp4eTi0/s400/d%C3%BC%C5%9Flerin+efendisi3.jpg

يقوم الماركيز بكتابة روايته الأخيرة من أجل مادلين بمشهد سينمائي رائع فهو لا يمليها مباشرة و لم يكتب النص بالنبيذ أو دمه بل صنع ثقب بالجدار و أمر جميع المجانين بشق ثقب بجدارهم إلا أن يصل الثقب لجدار غرفة الجميلة مادلين و يقوم الماركيز بنطق كلماتها و يقوم بنقلها المجنون إلى مجنون آخر إلا أن تصل أخيراً لمادلين و تقوم أخيراً بتدوينها يقول الماركيز " نثري المجيد يمر عبر عقول المجانين إنهم قد يحسنونه " تثير الرواية آخر مجنون يقوم بنقل الرواية إلى غرفة مادلين و يحاول اغتصابها و آخر من المجانين يقوم بأشعال النيران من تأثير النص عليه فتصبح تلك الليلة ليلة ظهور الأنسان على حقيقته ما ظل يكتبه الماركيز بروايته طوال أعوامه أصبح يتحول لحقيقة هذي الليلة نيران مشتعلة محاولة اغتصاب ممارسة الجنس أمام الملأ ممارسة الجنس الجماعي و صور عديدة تظهر الإنسان بأقبح صورة ممكن تخيلها .

بعد سماع صراخ مادلين ينهض البابا و يقوم بالحبث عنها بطريقة جنونية بين مجانين يقومون بممارسة الجنس هنا و الاغتصاب هناك ينهض الدكتور كذلك ليستمتع بما يشاهد و بسرعة البرق يجد الدكتور مادلين إلا أنه لا يقرر إنقاذها ينظر للمشاهد مستمتعاً و يغلق البابا أخيراً الكتور يظهر حقيقته بليلة تجردت من الكذب و خلع الجميع بها جلباب الإنسانية تقتل مادلين فيجد البابا جثتها غارقة بالدماء بعد تلك الليلة تنتصر أخيراً غرائز البابا على أخلاقيته تنتصر أفكار الماركيز على عفة البابا و يظهر البابا هو الآخر ذلك الجانب المخيف يظهر روحه الطبيعية بعيداً عن الدين و الأخلاق ليقوم بتعذيب الماركيز لسبب قتله مادلين بشكل أو آخر فيقطع لسان الماركيز الذي كان السبب لانحرافه و عشقه لمادلين و بسبب تلك الكلمات التي جعلت مادلين تفقد برائتها و بعد انتحار الماركيز بسبب فقدانه لريشته و لسانه وهما أعظم مايملك ينتحر بعد أن يقوم البابا بزيارته متأسفاً و يضع الصليب على شفتيه ليقوم بتقبيله إلا أن الماركيز يقوم ببلعه و يدرك حينها البابا و بعد تلك الليلة تحديداً أن جميع مذكره الماركيز كان حقيقاً لا محالة فينخرط بحزنه و عزلته مكتئباً و منعكف إلا أن يصاب بالجنون و يقطن بغرفة الماركيز دون أي مميزات كما كان الماركيز .

و يقوم هو الآخر بكتابة قصص و أفكار و حقائق لا تتقبلها النفس البشرية و يحرم كذلك من الريشة إلا أن تقدمها له أم مادلين من تحت الباب كما كانت تفعل مادلين و تقول له أكتب من أجلها .

قارئ العزيز :
سأتركك الأن مع حكاية كتبها " أبي دي كولمير "
الرجل الذي وجد الحرية في أشد الأماكن إستحالة
في قاع قنينة حبر و طرف ريشة , على أي حال
كن حذراً فحبكتها منقوعة بالدم و أشخاصها منحرفون
و مواضيعها مؤذية في أحسن الأحوال لكن لنعرف الفضيلة
يجب أن نحاط بالرذيلة
عندها فقط يمكننا معرفة مدى إنضباط شخص
لذلك , تعال , أتحداك , اقلب الصفحة

Salieri
25-03-2010, 09:12 PM
http://www.philipkaufman.com/pics/MichaelCaine.jpg

أريد أن أتحدث عن السناريو المدهش بالفيلم سناريو الفيلم كما ذكرت سابقاً يعتمد على الحدس كما في فيلم " شكسبير في الحب , أماديوس " فالشخصية حقيقة هنا إلا أن الأحداث كانت من حدس كاتب النص فقد يكون الكاتب ماركيز دي ساد لم يقم بجرح نفسه من أجل الكتابة أو حتى أنه لم يلتقى بتلك الشخصيات الثلاث بالفيلم وهذي هي الحقيقة فالسناريو هنا يتبع أسلوب حدس المؤلف فهو يفترض بأن ماركيز دي ساد قام بمقابلة البابا الشاب هناك و تلك الفتاة الجميلة و الدكتور الحاد المزاج و الطبع هو يعلم أن الماركيز كتب روايات بمنفاه قبل أن يمنع عنه الحبر حقاً لكنه تخيل انه كتبها عن طريق دمه و النبيذ بمساعدة تلك الجميلة .

السناريو أقتبس من مسرحيته التي تحمل نفس الأسم " ريشة " سناريو الفيلم بجانب أنه يتبع أسلوب الحدس بطريقة احترافية قام بكتابة تلك الشخصيات بطريقة مؤلمة تعري النفس البشرية و تسبر أغوارها أولاً شخصية ماركيز دي ساد وهي الشخصية الحقيقة بالفيلم و التي يرتكز عليها الفيلم و ثانياً تلك الشخصيات التي كتبت بكل احترافية .

فاختار الكاتب تلك شخصية تناقض أفكار ماركيز تماماً شخصية ذاك الشاب المتدين المتصوف فهو يرفض جميع مايقوم بكتابته ماركيز سواء كانت أفكار إلحادية أو جنسية و هذه الشخصية بالذات قدمت للفيلم عمق لا متناهي أولاً لمناقضة الماركيز بجميع مايكتب و ثانياً وقوع الشخصية بالحب و كبح غرائزه الجنسية اتجاه مادلين و هذا التحول المهدش بشخصية البابا فبعد أن كان ينافي جميع مايكتبه أسيره الكاتب ماركيز يجب نفسه واقع بما كان ينهى عنه و أخيراً ظهور حقيقته و إنسانيته بعد سنوات من كبحها ذاك التحول المخيف للمشاهد فمشاهدة إنسان يدعو إلى الإنسانية طوال الفيلم هي الشخصية الوحيدة التي تبعث الأمل للمشاهد طوال مشاهدة الفيلم إلا أن جنونه بالأخير و جريمته و أحلامه المقززة أظهرت حقيقته فشخصية البابا كانت إضافة جميلة جداً بل أنها لب الفيلم بجانب الماركيز دي ساد و أعتقد بأن الكاتب قام بقراءة مكثفة جداً لكتب الماركيز دي ساد ليضيف شخصية مثل هذي الشخصية .

السناريو مؤلم من حيث إظهار حقيقة البشر و كذلك مقززاً بتلك الصور و الأفكار الجنسية سار الكاتب هنا على نهج الكاتب ماركيز نفسه سواء بدراسة النفس البشرية أو الجنسية فكلهما تسيران على نفس النهج المؤلم و المقزز و الحقيقي الذي صنعه ماركيز اختيار الكاتب لتلك الفترة من حياة ماركيز دي ساد و أقصد فترة عزله و حبسه بمصح الأمراض العقيلة نقطة ذكية جداً كما ذكرت فذاك المكان يظهر الإنسان على حقيقته تلك الدهاليز المخيفة تحمل بين طياتها حقيقة الإنسان على مدى العصور و كأن الكاتب يريد توصيل هذه الفكرة للمشاهد و ليس كل مجنون بالمصح مجنوناً بمعنى الكلمة قد يكون البعض منهم كالكاتب ماركيز فيظهر الكاتب أن المجانين ليس كما نتخليهم فهم يتذوقون الكلمات التي يقوم بكتابتها ماركيز يقوفون على خشبة المسرح حافظين نصوصهم عن ظهر قلب .

أعتقد أن سناريو الفيلم أتى تكريماً بشكل أو آخر للكاتب ماركيز دي ساد فبعد كل هذي السنوات من موته أصبحنا نشاهد السادية تقتحم الأعمال الفنية سواء كانت الرواية أو السينمائية .


http://img232.imageshack.us/img232/2709/1802761117p.jpg

أعتقد بأن شخصية كشخصية الكاتب ماركيز دي ساد يصعب اتقانها ذاك الشخص الثائر على جميع الأفكار المتعارف عليها المتمرد و الوقح كما يصفه البعض الصبور الذي استحمل زياراتها المتفرقة للسجن و كان حصيل تلك الزيارات سبعة و عشرين عاماً من سجن إلى مصح للأمراض العقلية أتهم بالجريمة فصبر أتهم بالجنون و رضى فقط لكي يمرر تلك الأفكار التي كانت متعته و متنفسه و عذابه و حزنه بنفس الوقت .

إلا أن جيفري روش كسر جميع توقعاتي فما قام به كان أداء يلامس النجوم و السماء لا بد أن جيفري روش قام بقراءة جميع ماكتب ماركيز دي ساد أثناء قيامه بهذا الدور جنونه صعلكته ثورته و عجرفته و ذاك الجانب الجنسي المخيف بشخصية ماركيز دي ساد أستطيع القول بأنه واحد من أفضل الأدوار التي شاهدتها بحياتي ذلك الفم القذر و العقل الحاذق الثائر و الجنون الطبيعي هناك عدة مشاهد تألق جيفري روش بأدائها أتذكر المشهد الذي قام بكتابة روايته من دمه على بذلته فخرج يجري فرحاً يرقص على مائدة المجانين و يتفوه متحدياً كل من قام بمنعه من الكتابة" كتابتي تعيش " , أيضاً ذلك المشهد الذي قام به بخلع بذلته بعدما كتب عليها ليخرج عارياً تماماً و يتفوه بكلمات قذرة تجعل البابا متسمراً بمكانه أداء سيظل بالذاكرة للأبد , أداء سيخلده التاريخ للأبد و بالنسبة لطاقم العمل الباقي كانوا جميعهم متألقين إلا أن أداء جيفري روش سرق جميع الأضواء ليقوم بتسليطها جميعها باتجاهه .

http://img221.imageshack.us/img221/8/katewinslet6.jpg

هناك عدة لقطات صورها المخرج بشكل ممتاز بل أنها من أفضل المشاهد السينمائية ليس لخروجها عن المألوف أو استخدامه تقنية جديدة لم يستخدمها أحد من قبله بل لمصداقيتها و نقلها كما أرادها الكاتب مشهد الليلة الأخيرة كان مشهداً مخيف سوادياً بكل لحظاته تلك الصور المخيفة عن الإنسان جعلت شعر جسمي يقف طوال تلك الدقائق هناك من يمارس الجنس بطريقة مقززة و هناك من استغل اشتعال النار لمصالح شخصية سواء الهرب أو القتل أو التكتم على أمر ما ذاك المشهد الذي يجرد الإنسان من إنسانيته و يظهره على حقيقته مؤلماً و مخيفاً و مقززاً و نجحت عدسة المخرج بإخراجه بأفضل صورة .

إخراج الفيلم بشكل عام ممتاز جداً سواء بتسلسل الأحداث بشكل تصاعدي على الكلمات التي يقوم بكتابتها ماركيز دي ساد و نقل المشاهد بصورة مباشرة و حقيقة منذ الدقائق الأولى من الفيلم لدهاليز مصح الأمراض العقلية و هناك مشهد آخر أريد ذكره هنا لما يحتويه من جمال ثم و بلمحة سريعة يتحول هذا الجمال لخوف مشهد حلم البابا حيث يمارس الجنس مع جثة مادلين بالكنيسة و بمثواها الأخير هناك فوق قبب الكنيسة كانت كاميرا المخرج معلقة بالأعلى لتظهر جمالية المشهد و مادلين تدب بها الحياة من جديد فتبادل هي الأخرى الحب للبابا و بعد عدة دقائق يشاهد البابا المسيح يبكى دماً و مادلين ميته و ملطخة بالدماء .

Anthony
31-03-2010, 02:40 AM
ياصاحب الرصيف تعب العابرون من الانتظار
ليل الأرصفة يطول ويطول حين تطيل الغياب
عُد ياصاحبي إلى أرصفتك هنا أو هناك
عُد فللرصيف سطوته
عُد فالرصيف أنطقنا وسحبنا إلى هذه الأراضي
عُد هنا أو هناك وأعد إلى الرصيف الحياة
أخبرنا عن دستوفيسكي وعن تولستوي
احكِ لنا ماقال دانتي
واذهب بعقولنا بحديثك عن كانط
حدثنا عن هيغو وعن واترلو ونابليون
حدثنا عن اللاشيء ياصاحبي
حدثنا عن اللاشيء ولكن عد
هنا أو هناك ...

bp039

يوسف
25-04-2010, 04:43 AM
الموت في البندقية

http://lh3.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/S8hWgkp0E-I/AAAAAAAAAEw/Ex0RHtFyKcw/Death%20in%20Venice.jpg

إذا تأملت في نص ما, بديهياً, يجب أن يكون النص مكتوباً بالحروف المعدودة, سوف يفتح النص أبوابه للتأويل والتأمل إلى مساحات شاسعة منه, وقد يصل التأويل إلى التأويل المضاعف, سوف يتحطم النص ساعتئذ. ولكن كيف يمكن للفيلم أن يكون تأملياً وعدد الحوارات الرئيسية لا تتعدى الخمسة دقائق. رغم أن مدة الفيلم ساعتين بالتحديد؟ قد تعطي هذه الحوارات الخيوط الرئيسية لمساحة التأمل تلك, ولكن كيف تستغرق في التأمل بدون وجود عامل مساعد.

الورقة البيضاء لا يمكن البناء عليها. لنحاول أن نضيف كلمات للنص بدون كتابة, ولكن كيف؟ بالموسيقى. الموسيقى هي المساعد الرئيس الوحيد القادر على فتح ثغرات وأبواب للنص حتى ولو لم يكن مكتوباً. ولكن سيكون النص مسموعاً وليس مقروء. ليجرب أي أحداً ما أن يكتب نوتات موسيقية. السطر الأول, ثم السطر الثاني, والثالث, حتى تصل إلى نهاية مبتغاك. وتأكد أنك لن تستطيع التحكم بالموسيقى حتى تصل إلى نهايتها, إذ لا وجود لا نهاية لها. حين تعزف الآلات, السطر الأول ماذا يقول لك؟ ماذا تفهم؟ قد لا تفهم شيئاً, وقد ترتبط بذكرى قديمة أو حلم ما. استمر بالسطر الثاني, والثالث والرابع حتى ينتهي النص/ العزف, ثم أخبرنا ماذا حدث في هذه الصفحات؟ كيف لنوتات موسيقية أن تبني قيم, وتكتب تاريخ. تنسف فلسفة, وتمجد كاتب. تعلن نهاية عصر, وبداية عصر مليئ بالظلام.

- الفن غامض. والموسيقى هي أكثر الفنون غموضاً. إنها غموض تم تحويله إلى علم. استمع لهذا اللحن, أو لهذا .. يمكنك أن تفهمهما بأي طريقة تريدها. أمامك سلسلة كاملة من التركيبات الرياضية. غير متوقعة ولا نهائية -


http://lh6.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/S7QbZgAPBhI/AAAAAAAAADE/TRkc7OvwMqo/Morte%20a%20Venezia.jpg

فيلم الموت في البندقية للمخرج الإيطالي لوتشينو فيسكونتي, والمقتبس من رواية الروائي الألماني توماس مان death in venice مثال حي لقوة لا نهائية الموسيقى في إحداث فتح مساحات للنص/ الفيلم, وكيف يمكن من خلالها بناء حوار صامت بين أبطال الفيلم, وإعطاء الوصف السيكولوجي للشخصيات, وسبر غور النفس البشرية بكل يسر. الموسيقار الألماني غوستاف آشنباخ الذي يزور مدينة البندقية لمحاولة ترميم النفس وإعطاء دفعة فكرية لإبداعه الذي يتعرض للإنهيار, يتعرض لهزيمة فكرية وانهيار داخلي يطرق أبواب أوروبا في بداية القرن العشرين, قبل الحرب العالمية بسنتين. يصل إلى الفندق الممتلئ بالأثرياء الأوروبيين. لكن عيناه العاشقة للجمال, تسقط في الجمال, عندما يشاهد الطفل البولوني الجميل في ردهة الفندق. لأول مرة يستحسن هذا الجمال, ثم ينظر مرة ثانية وثالثة, حتى يعبث في روحه ويثير في نفسه شعور غريب. ولكن مالذي أثار غوستاف؟ من خلال الحوار القصير بين غوستاف وصديقه حول الفن والجمال نعرف هذا الشعور الذي أثاره الصبي الصغير في نفس الموسيقار الذي يقدس الجمال: جمال الوسيلة, وجمال الغاية, الجمال الخالي من أي غرض. خلق الجمال والنقاء هو عمل روحي, سوف تصل إلى الفكر والنبل الإنساني. هذه أفكار غوستاف. وإذا ذكر الروح, أين الحواس من الجمال؟ وماهي فائدة النبل والفكر الإنساني في زمن مقبل تلوح راياته في الأفق أن راية السلام انهارت فيه ولن يعود هناك مكان بإمكان الإنسان أن يطمئن فيه. هنا صديق غوستاف يعارضه في ذلك, إذ الجمال يخلق من الحواس. والإثم ضرورة للفنان. إذا أراد الفنان أن يبدع ويخلق الجمال, حسب وجهة النظر الأخرى المعارضة لغوستاف يجب أن يغذي نفسه, من خلال الحياة. أن يغوص فيها حتى يجد الخلاص. من خلال الأثم ستجد الجمال. غوستاف كان مؤمناً بنظريته حول الجمال, أحب الطفل البولوني الجميل الذي يمثل الجمال بالمفهوم الكلاسيكي الذي قد يأسر أي إنسان يحب الجمال ويدور في فلك هذا العالم. ولكن شيئاً فشيئاً تسقط أفكار غوستاف تحت وابل من قصف صديقه وما يراه, إذ تتعزز فكرة صديقة حول الخطيئة والجمال, بالتدريج – وبهلع هائل – يكتشف أن ما يجذبه نحو هذا الصبي إنما يحمل ملامح الحب والشهوة. وهو الذي كان صارماً ويضع النقاء والنبل الإنساني والإلتزام في مقدمة أفكاره حول الفن والجمال, نجده يبقى في هذه المدينة التي انتشر فيها الكوليرا, يطارد الصبي الصغير في أزقة المدينة الممتلئة برائحة الموت الأسود.

معالجة المخرج لوتشينو فيسكونتي لقصة توماس تستحق الإطلاع عليها, فهو استبدل الشخصية الأساسية في الرواية, من كاتب إلى موسيقي, لأنه أراد أن يصنع الفيلم من وحي صديقه الموسيقار الكلاسيكي غوستاف ماهلر, و الذي كونت سيمفونيتيه الثالثة و الخامسة موسيقى الفيلم. من خلال الموسيقى نستتطيع أن نكشف التنازع في النفس الإنسانية, وكيف تتحارب الأفكار وتعلن الأولى سقوطها والثانية انتصارها. قد لا يحمل الفيلم أي حوارات مطلوبة – كما هو مشاهد في الوقت الحالي – ولكن قوة الموسيقى وصخبها تعطي مساحة تأمل رائعة وهادئة: نلحظ هذه القوة من خلال المشهد الأخير من الفيلم: حينما يجلس الموسيقار غوستاف آشنباخ على شاطى البحر, حزيناً وتعيساً ووحيداً, وهو يلهث كالكلب بعد أن أصابه داء الكوليرا, يتطلع إلى الجميل الذي قضى عليه, يزداد عنفوان الموسيقى وصخب الكمان, السواد يخرج من فمه, يتوقف الصبي، يتطلع إلى الوراء، إلى الرجل الذي يحتضر.. يشير بيده إلى الأمام. وكأنه ينادي الرجل أن يلحق به نحو الأفق المفتوح.

يوسف
29-04-2010, 01:16 AM
لماذا العلم؟

http://www.coverbrowser.com/image/science-books/403-8.jpg

الكتاب: لماذا العلم؟
تأليف: جيمس تريفيل
إصدار: سلسلة عالم المعرفة الكويتية

لا يجب أن يكون المرء مفكراً أو فيلسوفاً حتى يعرف طبيعة العلم المحيطة به. تأمل فقط في الأشياء المحيطة بحياتك وستكتشف بنفسك كل شي. تقود سيارة للذهاب إلى العمل: إذاً أنت تبدأ في تشغيل محرك سيارتك عن طريق بطارية, والبطارية صنعت في بداية القرن التاسع عشر, وقوانين الديناميكا الحرراية الحاكمة لتشغيل السيارة تأسست في منتصف القرن التاسع عشر. هل أعدت تشغيل جهاز الحاسب الخاص بك؟ القوانين الأساسية الحاكمة لأجزاء الحاسب اكتشفت في ثلاثينيات القرن العشرين, وأول حاسب بدائي صنع في أربعينيات القرن العشرين.

هذه الماديات تشغل حياتنا. قد لا نفكر بها حقاً بسبب التعود, ولكن سنجد أنفسنا يوماً ما منغمسين بشكل كامل في هذا المجال العلمي ولن نستطيع أن نعطي رأي قائم على ثقافة علمية صحيحة. سأوضح ذلك باختصار شديد. عندما نسمع في الاختبار كلمة "اتفاقية كيوتو" هل يقوم المذيع بتعريف هذه الإتفاقية ومن هم المشاركون بها وفي أي عام صدرت هذه الاتفاقية؟ المذيع أو المادة الإعلامية ليست مهتمة بتعليمك علمياً, هي تقول اتفاقية كيوتو ثم تدخل في الخبر مباشرة بدون تأخير.

حسناً, لنفرض أنك في جلسة تضم أربعة أشخاص من أصدقائك. وشاهدتم في الأخبار مجموعة من المتظاهرين يتسلقون مبنى البرلمان الإنجليزي يرفعون لافتات احتجاجية تدعو للحفظ على البيئة وكوكب الأرض. يبدو الخبر طبيعياً جداً ودائماً ما يحصل هذا الأمر. لنفرض أن أحد الجالسين معك لا يعرف الكثير عن العلم والمستجدات الحالية, قد يقول :هؤلاء أناس لديهم عمل. شخص آخر على مستوى متوسط من الثقافة العلمية قد يفتح الحوار وسيقول هذا الخبر متعليق باتفاقية كيوتو التي تم توقيعها في البرازيل, والتي تدعو دول الأمم المتحدة للحد من انبعاث الغازات السامة في محاولة للحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض. التأثيرات المناخية ليست ترف فكري, إنه يؤثر فيك وفي جميع السلالات البشرية في الكون, هناك مدن ستختفي بسبب ارتفاع درجة حرارة الأرض وذوبان جزء من القطب الشمالي, هناك أجزاء من الكرة الأرضية قد تتعرض لأعاصير مدمرة بسبب هذا العالم الصناعي الذي لا يعترف إلا بالإنتاج. الآن فُتح الحوار. لكي تشارك في صناعة قرار في مجتمعك الصغير قبل مجتمعك الكبير يجب أن تكون عالماً وعارفاً بما يدور حولك من أمور علمية. إذا كنت تريد أن تكون مشاركاً بقرار ما وبالحوار العام يجب أن تكون عارفاً ولديك القليل من العلمية.

قبل أيام صدر قرار بإنشاء مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة. الذي لن يعرف ماذا تعني الطاقة الذرية والمتجددة سيقول بحسن نية إنها رافد من روافد التنمية نظراً لأن القرار حكومي وبأمر من الملك. بينما هناك من سيقول كذلك إنها رافد مهم وحيوي كان يجب أن يحصل قبل زمن, وفي نفس الوقت هو عارف بالأمور النظرية الطبيعية للطاقة النووية: طبيعة الإشعاع النووي والمفاعل النووي, وكيف يكون الإشعاع خطراً, وكيف يمكن حماية الإنسان من هذه الإشعاعات. وكذلك, هل الأهم والأجدر هو حماية الناس من أي مخاطر يمكن أن تنشأ نتيجة بناء مفاعلات نووية أم حماية البيئة من إضافة مزيد من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.

أفكار العلم الأساسية هي أفكار شديدة البساطة, ويمكن لأي إنسان أن يفمهمها دون الحاجة إلى عبارات رياضية. قانون نيوتن الثاني الخاص بالحركة يعبر عنه رياضياً بالقوة تساوي حاصل ضرب الكتلة في السرعة. بالإمكان توضيحها بشكل بسيط بأنه كلما ازدادت قودة دفعك لشيء ما ازدادت سرعته. ما أريد أن أصل إليه هي النقطة الرئيسية في كتاب لماذا العلم لعالم الفيزياء الأمريكي جيمس تريفيل, ومن إصدار وترجمة سلسلة عالم المعرفة الكويتية.

المعارف الأولية العلمية اللازمة لأي مواطن في أي مجتمع كما يقول هي: الإطار المعرفي اللازم لكي يتوافر للمرء فهم كاف عن الكون, بحيث يمكنه التعامل مع القضايا التي تعرض لنا في حياتنا, سواءً عبر الأخبار أو في غيرها. بمعنى, أن المواطن العادي يحتاج إلى معارف أولية لكي يسهم بدوره في الحوارات العامة. مثال ذلك الخلايا الجذعية الجينية, لكي تسهم بالحوار حول الجدل الدائر حول استخدام الخلايا الجذعية الجينية يجب أن تكون على عارفاً بالبيولوجيا لكي تفهم ماهي الخلايا الجذعية وما معنى جنين, وماإيجابيات وسلبيات الخلايا الجذعية.

لمن هذا الكتاب؟
يقول المؤلف:" يستهدف هذا الكتاب كل امرئ معني بتعليم العلم: وبشكل خاص المشتغلين بتخطيط تجربة العلم للأغلبية العظمى من الطلاب الذين لا يعتزمون مواصلة دراسة العالم والتكنولوجيا لمستقبلهم العلمي. هؤلاء الطلاب ليسوا في حاجة إلى نسخ مصغرة من العلماء, بل هم في حاجة إلى اكتساب القدر الكافي من العلم الذي يؤهلهم لأداء دورهم كمواطنين في مستقبل حياتهم. أدعو المعلمين على جميسع المستويات - من مدارس الحضانة وحتى الجامعة - إلى المشاركة معي في منقاشة هذا الموضوع الحاسم.

أكبر سؤال, بل هم أهم سؤال صادفني لحظة قراءة الكتاب, هو التحقيق الذي قام بكتابته المؤلف للبحث في سبب تخلف العلم - ليس في الدول العربية - بل في أمريكا! لماذا تفوق العلم وأصبح يزدهر في آسيا وتوقف في أمريكا, رغم أن أمريكا الآن هي قبلة الطلاب لدراسة العلم.

يوسف
29-04-2010, 05:23 AM
حسناً, لنفرض أنك في جلسة تضم أربعة أشخاص من أصدقائك. وشاهدتم في الأخبار مجموعة من المتظاهرين يتسلقون مبنى البرلمان الإنجليزي يرفعون لافتات احتجاجية تدعو للحفظ على البيئة وكوكب الأرض. يبدو الخبر طبيعياً جداً ودائماً ما يحصل هذا الأمر. لنفرض أن أحد الجالسين معك لا يعرف الكثير عن العلم والمستجدات الحالية, قد يقول :هؤلاء أناس لديهم عمل. شخص آخر على مستوى متوسط من الثقافة العلمية قد يفتح الحوار وسيقول هذا الخبر متعليق باتفاقية كيوتو التي تم توقيعها في البرازيل, والتي تدعو دول الأمم المتحدة للحد من انبعاث الغازات السامة في محاولة للحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض. التأثيرات المناخية ليست ترف فكري, إنه يؤثر فيك وفي جميع السلالات البشرية في الكون, هناك مدن ستختفي بسبب ارتفاع درجة حرارة الأرض وذوبان جزء من القطب الشمالي, هناك أجزاء من الكرة الأرضية قد تتعرض لأعاصير مدمرة بسبب هذا العالم الصناعي الذي لا يعترف إلا بالإنتاج. الآن فُتح الحوار. لكي تشارك في صناعة قرار في مجتمعك الصغير قبل مجتمعك الكبير يجب أن تكون عالماً وعارفاً بما يدور حولك من أمور علمية. إذا كنت تريد أن تكون مشاركاً بقرار ما وبالحوار العام يجب أن تكون عارفاً ولديك القليل من العلمية.

قبل أيام صدر قرار بإنشاء مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة. الذي لن يعرف ماذا تعني الطاقة الذرية والمتجددة سيقول بحسن نية إنها رافد من روافد التنمية نظراً لأن القرار حكومي وبأمر من الملك. بينما هناك من سيقول كذلك إنها رافد مهم وحيوي كان يجب أن يحصل قبل زمن, وفي نفس الوقت هو عارف بالأمور النظرية الطبيعية للطاقة النووية: طبيعة الإشعاع النووي والمفاعل النووي, وكيف يكون الإشعاع خطراً, وكيف يمكن حماية الإنسان من هذه الإشعاعات. وكذلك, هل الأهم والأجدر هو حماية الناس من أي مخاطر يمكن أن تنشأ نتيجة بناء مفاعلات نووية أم حماية البيئة من إضافة مزيد من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.


بعد ساعات من إضافة هذا الرد, في جريدة الرياض اليوم نقرأ الخبر التالي:

توقع رئيس المجلس العالمي للطاقة الشمسية البروفسور علي صائغ, غمر مدينة الدمام والخبر بعد 50 عاماً بسبب ارتفاع درجة حرارة الأرض والتي سوف تعمل على ذوبان الجليد في القطب الشمالي والجنوبي وبدوره سوف يرتفع منسوب البحر مما يؤدي إلى غمر مدن كاملة بالمياه في بعض مدن العالم، محذراً في الوقت نفسه من إهدار الطاقة الهائل والتباطؤ في عدم استغلال الطاقة المتجددة والاعتماد فقط على النفط

Salieri
29-04-2010, 08:55 AM
مجتمع الشعراء الموتى

http://richkleber.com/family/rich/moviereviews/moviereviews/movieimages/deadpoetssociety.jpeg

" لا نقرأ و لا نكتب الشعر لأنه ظريف , نقرأ و نكتب الشعر لأننا أفراد من الجنس البشري , و الجنس البشري ممتلئ بالعاطفة , الطب و المحاماة و إدارة الأعمال و الهندسة هي حرف نبيلة و مهمة لكي نحافظ على الحياة , ولكن الشعر الجمال و الرومانسية الحب هذه الأشياء التي نعيش من أجلها " .
" يا نفسي , يا حياةً من أسئلة هؤلاء العائدين , من قطارات عديمي الإيمان اللامنتهية , من مدن مليئة بالحمقى , مالفائدة من كل هذا يا نفسي , يا حياتي ؟ "

ماهو الشعر ؟ , كيف تُدرس الشعر و سؤال لا يقل أهمية عن سابقيه أيضاً كيف توصل تلك الأحاسيس و المشاعر كيف توصل الجمال و الرومانسية و الحب كما ينبغى ؟
هل يوصل الإحساس للقارئ بمجرد فتح الكتاب و قراءة الأبيات , أتذكر قول بورخيس " عندما يأتي القارئ المناسب تظهر الكلمات للحياة - أو بعبارة أدق , يظهر الشعر الذي تخبئه الكلمات " يظهر قارئ مناسب بالفصل هل على المعلم أن يأخذ أغراضه الشخصية و يرحل بعيداً مالفائدة إذا من دراسته طوال تلك السنوات , باعتقادي بأن الشعر عبارة عن لغز , لغز يصعب إيجاد حل له
الشعر عبارة عن تعبير , و التعبير يتضمن أمور عديدة لا تحصى لعل أهمها التعبير عن المشاعر و التعبير عن المشاعر يتضمن الحب و الرومانسية و الجمال ... إلخ , لذلك الشعر موجود بكل مكان بل حتى أن بورخيس قال بأن الحياة مكوّنة من الشعر

إذا كيف تدرس مكوّن الحياة , كيف تُدرس ماهو موجود بكل مكان , كيف تُنشئ جسر تواصل بين الشعر و الطالب علماً بأن التواصل من أهم مقومات الشعر من أجل الاستمتاع بهِ , يقول القس بيركلي " طعم التفاحة ليس في التفاحة نفسها - فالتفاحة بذاتها لا طعم لها - وليس في فم من يأكلها , وإنما هو في التواصل بين الاثنين " .

الشعر كالطرب تماماً بمجرد قراءتك لسطر واحد يخالجك شعور غريب , شعور يؤثر عليك كلياً على مشاعرك و أحاسيسك بل على كيانك بالكامل تشعر بدقات قلبك تتسارع , شعور يؤثر على لحمك و دمك .

اكتشفت فور انتهائي من الفيلم بأن معلم الشعر أمام مسؤولية كبيرة جداً و دون أي مبالغة هي المادة الأصعب بالشرح بالنسبة للمعلم , فكما ذكرت الشعر ليس عبارة عن مجرد معلومات تدون بدفاتر الطلاب , الشعر عبارة عن إحاسيس و مشاعر حب و رومانسية و جمال .

http://img245.imageshack.us/img245/269/deadpoetssociety1b.jpg

" أيها القبطان , يا قبطاني "

إلهام الطلاب , شعلتهم التي لا تنطفئ , جون يقوم بتدريس الشعر بطريقة حديثة كلياً على أسلوب المدرسة المتعارف عليه فمنذ أول درس له يجبر الطلاب على تمزيق المنهج و رميه بالقمامة فمن وجهة نظر جون هو مجرد كلام فارغ حشو لا معنى له و لا فائدة منه , هو يعلم بأن الشعر تواصل و إحاسيس و ليس منهج و دراسة
و بمجرد الانتهاء من درسه الاول يقعون الطلاب بغرام الشعر أصبحوا يستمتعون به يتذوقونه بعد سنوات من التجاهل التام , أصبحوا يأخذون الحكم من الشعر و يتغزلون بالفتيات بمقاطع شعرية , و مع انتهاء درس جون الثاني تم إنشاء جسر التواصل بالكامل بين الطلاب و الشعر

جون مؤمن بأن الجميع يستطيع إحياء الكلمات و اظهار الشعر الذي تخبئه الكلمات ولا يقتصر الأمر على القارئ المناسب و الجيد , " الجنس البشري ممتلئ بالعاطفة " الجميع دون أي استثناء فالجميع قادر على فهم الشعر و إحياء كلماته , لكن يقتصر هذا الامر على المعلم , المعلم يستطيع بأن يجعل من الشعر مادة استمتاع كما يجذب أن تكون يستمتع بها الجميع أو يستطيع أن يجعلها مادة مملة ووثائقية أكثر من كونها مادة شعرية

باعتقادي جون لايملك أي خلطة سحرية بل حتى أنه لم يكتشف حل لغز الشعر , هو يستمتع بما يقوم به يستمتع هو الآخر بدرسه يشعر بأنه طلاب و ليس معلم , و لأن الشعر موجود بكل مكان أصبح جون يدرس الشعر بكل مكان أصبح سقراط المدرسة أن صح التعبير , يدرس الشعر بالساحات الخارجية بل حتى أنه أصبح يدرس الشعر عن طريق لعب الرياضة فقط ليثبت للجميع بأن الشعر موجود بكل مكان بأن الشعر استمتاع و حرية و أنطلاق

هناك درس وهو من أهم دروس جون بالفيلم حيث يخبر الطلاب بأن عليهم الحفاظ على معتقداتهم الخاصة و يستطرد قائلاً بأن معتقداتكم مميزة و لكم وحدكم حتى لو كان الأخرون يعتقدون بأنها غريبة و غير شعبية , و قام باقتباس بيت شعر للشاعر " روبرت فروست "

هناك طريقان يتفرعان في الغابة
و أنا اخترت الطريق الاقل اختياراً

هنا تماماً يتضح للمشاهد بشكل قاطع بأن جون هو الآخر يستمتع بدروسه بل لا يزال يشعر أنه مجرد طالب , الاقتباس أعلاه أعتقد بأن جون يتحدث عن نفسه هنا بشكل غير مباشر فهو دائماً يقوم باختيار الطريق الاقل اختياراً سواء كمعلم أو كطالب .

تأثير جون على الطلاب كان واضحاً تماماً التغير المفاجئ للشخصيات الطلاب تدل على تأثير خارق أو فوق الطبيعي حتى , أصبحوا يشعرون بالحياة و الاهم أنهم أصبحوا يسعون ورى أحلامهم و أهدافهم و كل ذلك ناتج عن الشعر ناتج من ذاك التعبير الذي يؤثر على لحمك و دمك
بعد اكتشاف الطلاب لسر معلهم جون مؤسس مجتمع الشعراء الموتى يقومون باحياء هذا المجتمع مجموعة من الطلاب و المجتمع عبارة عن مجموعة من الطلاب البوهيمين يقومون بإلقاء الشعر و الاستمتاع بكلماته بطقوس سرية , ضاربين بعرض الحائط قوانين المدرسة .

لماذا جمعية الشعراء الموتى ؟
بصراحة لا أعلم ما سبب تسمية الجمعية بهذا الاسم من المؤكد هناك عدة أسباب لتسمية الجمعية بهذا الاسم لعل واحد من هذه الأسباب هو تجمع الطلاب بكهف مظلم سر و كأنهم أموات و لعل السبب الثاني وهو الاقرب بالنسبة لي هو بسبب القصائد التي يقومون بإلقائها و التي تعود لشعراء موتى - غالباً - , فكما قال إمرسون " إن أي مكتبة هي نوع من المغارة السرية الممتلئة بالموتى "

تجمعن أيتها البراعم طالما تستطعن
الزمن الغابر لا زال طائراً
و نفس هذه الزهرة التي تبتسم اليوم ستموت غداً

يوسف
07-05-2010, 10:37 PM
الحياة الجديدة

http://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/thumb/c/cf/Dante_Gabriel_Rossetti_-_Beata_Beatrix%2C_1864-1870.jpg/468px-Dante_Gabriel_Rossetti_-_Beata_Beatrix%2C_1864-1870.jpg

كيف يمكن أن يكون الجسم وهو من تراب نقياً هذا النقاء؟
حقاً, إنها لمخلوق من خلق الله لم يعرف من قبل.
ليست هذه امرأة .. وإنمّا هي مَلَك جميل هبط من السماء.


http://farm3.static.flickr.com/2359/2222986265_c10e907284.jpg
Dante and Beatrice - Maria Spartali Stillman, 1880


تسع مرات, منذ ولادتي, كانت سماء الضياء بعدُ قد آبت إلى ذات المكان تقريباً, بفعل دورانها الذاتي, عندما بانت لناظري أول مرة مولاة روحي, الرائعة, التي كان الكثيرون ينادونها بياتريشي, دون معرفة بما تخبئه التسمية. كانت قد جاءت إلى الدنيا من فترة مقدراها, أن السماء المرصعة بالنجوم تنقّلت درجة واحدة نحو شرق الأجزاء الإثني عشر, بحيث تكون قد تراءت لي وهي في بدء عامها التاسع تقريباً. كانت يومها قد تبدّت في لباس جد نبيل, أحمر قان, ساكن, محتشم, وكانت محلاة بما يناسب سنها اليافع. عند هذا الحد, أقول صادقاً: إن روح الحياة التي تقيم في أكثر حجرات القلب خفاء بدأت ترتعد بعنف حتى أنها كانت في فظاعة تبين في أدنى النبضات. ومرتعدة قالت هذه الكلمات: هو ذا إله أعظم مني يأتي ليكون مولاي. عند هذا الحد, بدأت الروح التي تقيم في الحجرة الرفعية حيث تأتي كل الأرواح الحسية بإدراكاتها, بدأت بشدة تنذهل, ومتوجهة بالكلام إلى أرواح البصر خاصة, قالت هذه الكلمات: الآن قد بانت سعادتك البالغة. عند هذا الحد, بدأت الأرواح الطبيعية التي تقيم في ذلك الجزء, حيث يتهيأ قوتنا, بدأت في البكاء, ومُعِولة قالت هذه الكلمات: أواه, يا لبؤسي, سأكون منذ الآن محظورة في أغلب الأحيان. مذاك قلتُ إن الحب قد ملك روحي التي سرعان ما باتت تحت رحمته, وإنه بدأ يسلط عليّ يقيناً هائلاً وسيادة فاضلة بفضل القوة التي كان خيالي يوفرها له, بحيث كان علي أن أستجيب لكل رغائبه. مراراً كان يأمرني بالسعي إلى رؤية هذا الملاك الصغير, لذلك, كنت خلال طفولتي أجد في طلبها, وكنت ألمحها في هيئات نبيلة وحميدة بحيث يمكن للمرء أن يقول فيها هذه الكلمات للشاعر هوميروس: ما كانت تبدو سليلة كائن بشري, بل سليلة كائن إلهي.

http://evelynrodriguez.typepad.com/photos/uncategorized/2007/03/27/dante_and_beatrice.jpg
dante and beatrice - Waterhouse

بعد انقضاء مقدار من الأيام يعادل بالضبط مقدار تسعة من الأعوام منذ ذاك التبدي المذكور آنفاً, حدث في آخر تلك الأيام أن تجلت لي تلك السيدة الرائعة في لباس ناصع البياض, بين سيدتين لطيفتين, كانتا تكبرانها سناً, وحين عبورها أحد الشوارع, أرسلت بنظرتها نحو المكان الذي كنت فيه واقفاً في كامل الوجل, وبتلك اللطافة فائقة الوصف, المُثابة اليوم في العالم الآخر, ألقت عليّ تحية عفيفة جداً إلى درجة بدا لي معها أني أرى أقصى حدود الغبطة. كانت الساعة التي أدركتني خلالها تحيتها العذبة جداً, بلا ريب, هي التاسعة من ذلك النهار, ولأنها كانت المرة الأولى التي تنفصل العبارات عندها عن شفتيها لتبلغ أُذني, فقد شعرتُ بمتعة جعلتني, كما النشوان, أنزوي عن الناس وأستجير ببيتي, وفي غرفة معزولة أخذت أفكر في هذه السيدة الرائعة.

أقول إنها كلما كانت تظهر في مكان ما, وطوال الوقت الذي يستغرقه انتظار تحيتها الخارقة, ما كنت ألمح أي عدو, بل إن شعلة من المحبة كانت تنبعث داخلي, وكانت تجعلني أصفح عن كل من أساء إليّ. وكنت إذا سألني أحدهم عن أي شيء أجبته بهذه الكلمة: الحب. ووجهي متسم بالخشوع.

وعندما كانت على أهبة منحي التحية, كان إكسير الحب يهدم كل الأرواح الحسية, ويطرد إلى الخارج أرواح البصر الهزيلة, ويقول لها: اذهبي لتوقير مولاتك. ويأخذ مكانها, وكان يكفي من رغب في معرفة الحب أن يتمرى الرجف في عينيّ, وعندما كانت السيدة الرائعة, صاحبة التحية تلقي عليّ السلام, فإن الحب ماكان غير قادر أن يخفي عني الغبطة التي لا تحتمل فحسب, بل إنه كان يُضحي, بفائض من الحب الإلهي في حال بحيث أن جسدي, الذي كان عندئذ بكامله تحت سلطته, لا يتحرك إلا كما يتحرك الشيء الثقيل, حتى أنه كان بادياً في جلاء أن غبطتي كانت تقيم في تحيتها, غبطتي التي كانت مراراً تجاوز قدرتي وتفيض عنها.

دانتي أليغييري / الحياة الجديدة ( فيتا نُوُفا )

a condition
29-05-2010, 09:53 PM
دوريس ليسّينج ومتلازمة الأنثى

في السنوات القليلة الماضية , انتشر صخب الآلهة الأنثى, من خلال "دان براون" في "دافنشي كود"..
ليعود الصخب من جديد, وبشكلٍ أقوى في "الكأس المقدسة وحد السكين" والذي كان كتاباً مُدعماً بمفاهيم الأنثروبولوجيا الحديثة, متصفحاً تاريخ الحضارات والأمم, ومفسراً معتقدات أهل كريت , والعصور المايسينية والمنيوية , في العصر الحجري الأول وفي الحديث..
لـ"براون " السبق وأفضلية وضع الأوراق على طاولة القرّاء..وبكل تأكيد, فقاريء الرواية الصارخة "دافنشي كود", لن يعود كما كان, إما بالحقيقة أو بالوهم..
لكن ماينبغي أن نؤكد عليه دوماً, أن هذه الجدلية , قدسية الذكر أو الأنثى, تعد متصاعدةً منذ بدء الحفريات الأثرية والتنقيب العلمي الحديث, من مطلع العشرينات وحتى يومنا الحاضر..

http://img215.imageshack.us/img215/8908/thecleft.jpg

تأتي رواية ليسنج والتي صرحت بأنها ستكون خاتمة أعمالها, وتاج مسيرتها الأدبية..
لتؤكد على هذا المبدأ..

في البداية , قرأت الرواية دون أن أعرف عنها شيئاً تماماً.. لا عن القضية التي تناقضها ولا عن الصخب الذي دار حولها..
قرأتها عندما طلب إليّ صديقي أن أقرأها, لأكتشف أخيراً بأنه هو نفسه لم يقرأها, وإنما كان بحاجة رأي من يقرأها.

تبدأ الرواية بالشيخ الروماني يقلب أوراق الزمان, وينفض الغبار عن مكتبة الأجداد, ليجد مخطوطاتٍ قد لُفت, وضعت تحت باب "بالغة السرية"!!!
"لقد عُدّ عنوان الأنثى -وهو ليس من اختياري الشخصي- في أزمان مختلفة بوصفه مهيجاً مما أدى إلى وضعه مع وثائق أخرى بالغة السرية"
في هذه الوثيقة المجهولة المصدر, والمجهولة الراوي.. تتكرر فيها الأعاجيب, وحكايا الأساطير..
"إنني أقول (أنا) وأكرر مرةً أخرى (أنا) , وأنا أقول (هذا) , وأفكر (ذاك) , لكن في ذلك الزمان ماكنا نستعمل (أنا) , بل (نحن) , وكنا نفكر في (أننا)"!!!
ماهذا الزمان, وعن أي نحن؟ أو أنا نتحدث أو تتحدث, أو يتحدثون؟
وقبلاً, من هم, ومن نحن؟

في أعماق أعماق التاريخ, وقبل ظهور المسخ..لم يكن سوى الأنثى, والجنس الأنثوي فقط هو ماكان..
كانت العشيرة الأنثوية تعيش في كهوف ماقبل التاريخ, بإطلالةٍ على بحور الحياة, ومحيطات النسور..
"في كل عامٍ عندما تلامس الشمس قمة ذلك الجبل, الكائن في تلك البقعة , يكون الوقت هو فصل البرودة دائماً, ونكون قد قتلنا إحدانا ورمينا الجثة من قمة الكهف"!! في طقوسٍ أكثر من بدائيةٍ في التأخر..
هذا المجتمع الأنثوي, المسالم, كان شأنه كشأن البدائيين, تجريبيٌ محض..لا علم ولا نظرية..ليس هناك سوى ماهو ظاهر..لا يوجد سوى المعلوم..بالضرورة..

في ظل هذا المجتمع, كانت الحياة تختلف, فالحياة لا تصدر عن إلتحام ذكرٍ وأنثى, بل بالقمر والبحر!!
" طبيعي أن الرضع يولدون, لقد ولدوا فحسب. لن تفعل أي واحدةٍ أي شيءٍ كي يولدوا. أعتقد اننا فكرنا بأن القمر هو الذي صنعهم, أو سمكة كبيرة , لكن يصعب أن نتذكر بماذا كنا نفكر"!!
وكنّ مولوداتهن دوماً من الإناث, حتى ولدت إحداهن في يومٍ ((مشؤوم)) ذكراً!!!
لم يتعرفوا على كنهه, تركيبته البيولوجية, وتشريحه الظاهري, يُظهر بأن به عاهةً , إذا ماقارنا أنفسنا بتلكم الإناث الوحيدات على قمم الجبال والكهوف..وفي سحيق الأزمان!!
قرر المجتمع الأنثوي أن يتخلص من هذا ((المسخ)) المشوه!!
وضعن المسخ على صخرة الموت , لتخطفه النسور..أي نسور؟؟ نسورٌ لعبت الدور في آلهة الأقدمين عندما قامت بدور الملاك المنقذ!!
"شاهدنا النسر يحمل المسخ بمخالبه, ويطير به إلى أعلى التلال, حيث توجد الأعشاش, لكنه بدلاً من رمي الرضيع في العش, استمر النسر في طيرانه ,وحمل الرضيع, وهبط به إلى وادٍ توجد فيه أكواخ"!!

وهكذا..تكون الأحداث تترى, والبدائية تتقدم, حتى تتعرف النساء على تلك (الأكواخ), ويتعرفن على الذكور..وتنشق الجماعة الأنثوية إلى فئتين, مؤيدةٌ للاندماج مع الجنس الجديد, وأخرى متحفظة..
وبمرور الوقت, ينتصر الحاضر على ماكان في يومٍ ماضٍ..
"بعد مرور وقتٍ على ذلك, فقدت النساء القدرة على الإنجاب من دون المسوخ ..من دونكم)!!

....
فور انتهائي من قراءة الرواية وجدت أنني أمام استنتاجٍ, رأيته في ذهني, جليّ..
أن ما كانت ترمي إليه ليسنج من روايتها هذه, أن تُعيد الجدل حول الآلهة المقدسة الأنثى, بأن تذكر أن الأصل الحيوي, هنّ الإناث, بسلمهن وإنسانيتهن, وأن ماعداهن طارئ..فالذكر دخيلٌ على الحياة, بتشوه أو عساه يكون ((طفرةً جينيةً)) أو ما إلى ذلك!!
بحق, هذا ماتصورته, وما توصلت إليه..
كانت الرواية تدعيماً للمباحث الأثرية والانثروبولوجية, المتصاعدة, والمؤيدة لنظرية الانقلاب الذكوري التاريخي..

إلا أن الدكتور محمد درويش, يرى الأمر بمنظورٍ آخر, أكثر رحمةً بـ"ليسنج" وبنا..وهو أنها تقول من خلال الرواية, بأن الذكر لا وجود له بدون أنثى, والأنثى مرتبطةٌ أزليةٌ بالذكر..يبدو الاستنتاج مقبولاً, لكنه يبتعد قليلاً عن الرواية وأحداثها..

ياء الكلام:
الرواية لا ينبغي أن تُقرأ من باب التسلية أبداً, فهي لا تحوي عنصر التشويق والتسلية, وهي وُضعت فقط لإثبات نظرية انثروبولوجية, تذكر بأن القدسية من المفترض أن تعود -لا أقول تنتقل- إلى الأنثى, وبالتالي أنا لا أنصح بقراءة هذه الرواية, إلا إذا كانت في إطار إعداد رؤيةٍ منهجيةٍ تجاه هذه النظرية..
لا أنصح بها, لما تحويه من أفكار..لا!!
أنصح بعدم القراءة, لأنها في الحقية ومن وجهة نظري, تفتقر إلى الأدبية العالية التي نجدها في الإرث العالمي من الروايات...

كتب كـ"دافنشي كود", تعد مدخلاً ليناً إلى هذا النوع من الإناث..
وقد يكون كتاب "الكأس المقدسة وحد السكين" مدخلٌ دسم, وحقيقيٌّ بما احتواه من أدلة وشروحات, إلى ((الأنثى المقدسة, والإلهة الضائعة))..
وهذا حال أغلب ما خطه قلم ريان إيسلر, وأختها في المفهوم ماريجا غومباتوس

همزة وصل:
قراءة سابقة لأحد أعمال دوريس ليسنج:
الجدتان - أربع روايات قصيرة (http://vb.eqla3.com/showthread.php?p=14859567#post14859567)

يوسف
10-06-2010, 09:34 PM
http://lh6.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/TBEhM_MJidI/AAAAAAAAAIw/tCH8SPuNRjU/s512/abd.jpg

يا قدر يتبعني في كل الدروب
يا تواقيع الإقامة في الهروب
يا سنيني اللي خذتها الشمس في رحلة غروب
كانت عيونك وطن
.. كانت شعوب
كانت عيونك مدارس
علمتني الحب في عز الحروب
الشهيد فائق عبدالجليل


She walks in beauty, like the night
Of cloudless climes and starry skies;
And all that's best of dark and bright
Meet in her aspect and her eyes:
Lord Byron


يحكى أن بايرون كتب هذه الأبيات إثر عودته من حفل راقص. من بين الحاضرين زوجة ابن عم له، كانت ترتدي ثياب الحداد. غير أن ثوبها الأسود كانت تزينه زخارف براقة فضية وذهبية. تحدث عنها بورخيس في إحدى محاضراته قائلاً: جميعكم تعرفون الجملة : She walks in beauty, like the night. البيت متقن الكمال إلى حد لا نوليه معه أهمية. ونفكر : حسن, كان بإمكاننا نحن أن نكتبه, لو أردنا ذلك. ولكن بايرون وحده هو الذي أراد كتابته. ما يهمني الآن هو التعقيد الخفي والسري للبيت, وأعتقد أنكم اكتشفتم الآن ما سأكشفه لكم. في قول بايرون She walks in beauty, like the night لدينا بادئ ذي بدء امرأة باهرة الجمال. سيدة جميلة, وهي تشبه الليل. من أجل فهم البيت علينا أن نفكر في أن الليل أيضاً هو امرأة, وإلا لن يكون للبيت معنى. وهكذا, نجد في هذه الكلمات شديدة البساطة استعارة مزدوجة : امرأة مُشبهة بالليل, ولكن الليل مُشبه بامرأة. لست أدري, ولا يهمني أن أعرف, إذا ما كان بايرون يعرف ذلك. وأعتقد لو أنه عرف ذلك لكان من الصعب أن يكون البيت بهذه الجودة. ربما يكون قد اكتشف ذلك قبل أن يموت, أو ربما يكون أحد ما قد نبهه إليه.

أعترف بأني لا أجيد المقدمات, ولذلك اقتبست هذا الكلام الذي تحدثت عنه سابقاً لكي يكون مقدمة لهذا الموضوع. ولكن بايرون لم يعد يطربني عندما أردت أن أقرأ القصيدة مرة أخرى. كنت أحتاج أن أقرا قصيدة أطرب لها وأتمايل على أنغامها وتصويرها . لم أقرأ في مراهقتي بايرون ولم أحفظ شيئاً من الشعر الجاهلي أو العباسي وغيره. قد تكون المدرسة ذات تأثير سلبي إذ لم أعشق ولا قصيدة درسناها في المدرسة. كنا نسمع "بعض القصائد" التي تستحق أن تكون قصائد بصوت محمد عبده وطلال مداح: نغم مترسخ في أذهاننا مذ الصغر لحلاوة الكلمة وجمالها. سمعت أحد الأصدقاء في الجامعة يترنم في ساعة عمل مرهقة أغنية المعازيم لمحمد عبده: وتحديداً هذا البيت:

عين لمحتني وشهقت
وعين احضنت عيني وبكت

يا أستاذ بورخيس الذي أطرب لقراءة محاضراتك وأفكارك التي تنطلق ولا تتوقف, لم يصلك يوماً حديث فائق عبدالجليل, لم يصلك يوماً ترانيم الفتى الذي أوكل إلى نفسه رسم صورة حضارية لمنطقة الخليج العربي في أيام ما قبل النفط. هذا البيت الذي كان يترنم به صديقي لم انتبه لجمال تصويره يوماً. كنا نطرب لسماع القصيدة بمقدمتها الموسيقية الرائعة العذبة وبصوت محمد عبده, ولكن لم أفكر يوماً بجمالية هذا التصوير والفكرة التي تحمل .. كلمات بسيطة, قوية في معناها وأصالتها. هناك رجل في حفلة ما مثل بايرون في الحفل الراقص. هذا الرجل يشاهد محبوبته وينطلق الحوار بينه وبينها بالعيون: تم تدمير وصيلة التواصل الأساسية, الصوت, وحل محلها لغة العيون. العين اليمنى كانت تمثل الصدمة والرجفة لهذا الحبيب الذي حضر في مكان غير متوقع, والعين اليسرى انفصلت كلياً. مركز التحكم في الجسد لم يكن هو المتحكم, لم تبالي بصدمة أختها اليمنى: بل انطلقت تضم عين الرجل الحبيب في لحظة شوق, بكلمة واحدة, لم يقل فائق في القصيدة أنها احتضنته, التراث الذي يستسقي منه فائق كلمات قصائده ترفض هذا النوع من اللقاء الغريب على الثقافة, بل استعان بالعنصر الذي تجمع أغلبية الشعوب أنها من أعظم اللغات, وأجمل اللغات: لغة العيون. حتى بعد هذا الاحتضان والرجفة في المكان الذي يحكي الكثير دون الكلام: لم يتم اللقاء ولا حديث بينهما, ولم يذهب بهما اللاوعي إلى تذكر تلك الأيام التي كان العشق فيها مشتعلاً, بل استمر الحوار بتلك اللغة الحية الرائقة.

في زحمة الناس
صعبه حالتي
فجأه اختلف لوني
وضاعت خطوتي

هل أحتاج لتفسير أبيات فائق عبدالجليل البالغة البساطة والهائلة التأثير؟ أحس - وأعتقد أن القارئ كذلك سيحس بذلك - بأن الحرف العامي - إذا جازت هذه التسمية - يستطيع أن يثقف, يستطيع أن يحمل ذلك الإشعاع الذي يغمر الفصحى, وكما في الفصحى من كلمات رائعة هناك في العامية أو الشعبية - كلمات رائعة أيضاً .. إذا تناولها شاعر مفطور ومثقف مثل فائق عبدالجليل. بايرون في قصيدته وتحديداً الأبيات الأولى سُحر بهذا السواد الذي هو امرأة, وبهذه الأنثى التي هي ليل. وانطلق يعدد حسنها إلى درجة جمعه بين الضدين: أجمل ما في الظلام, وأجمل ما فيه طلعة الإشراق يلتقي كله في عينيها. لا أستطيع يا بايرون أن أتحدث عن قصيدتك التي كانت غزلاً في ذلك السواد المتلألى جمالاً. وهي قصيدة جميلة ومن روائعك .. ولكن, لا يمكن أن أضعها برائعة فائق عبدالجليل الذي قام بمسرحة القصيدة وبنى من خلالها حوار صامت عن طريق أجمل لغة, لغة الماء العذب. ف في زحمة الضيوف بالحفل الذي كان في قصيدة فائق لا يُسمح له بأن يقترب من محبوته, بل طفق يعدد حيرته وهو وسط الضيوف : لا يعرف ماذا يفعل, هل يجلس بقربها, هل يجلس بالقرب منها, هل يتهور ويطلب منها أن ترقص معه - الله وحده يعلم ماذا ستكون الرقصة وعلى أية أنغام - ولكن المهم هي هذه الحيرة التي نعرفها جيداً ولا نستطيع إلا القول بأن كل ما يجري حقيقة وشعر. تلك الحيرة التي قد تكون مدتها قصيرة تصل إلى أربع ثوان, ولكن تأثيرها البالغ عليك بلغ بكِ مبلغاً تحس من خلاله بأن هذه الأرض التي أنت تقف عليها تهتز لفرط ما رأيت, لقوة ما شاهدت, حينما تكون في حضرة الجمال ومتجسداً أمامك بكل قوة وجبروت: لن تستطيع أن تتكلم أو تعبر عن فرط ما رأيت .. قد تتعلثم وتقول كلمات غبية قد تحدث - وحدثت - .. وإن عاد لك وعيك لن تقول إلا : ما أعظمك يا الله وما أجمل تصويرك العظيم.

مثلي وقفت
تلمس جروحي وحيرتي
بعيده وقفت

الشعور بالإنسحاق بعد الصدمة هو سيد الموقف في هذه المسرحية, رغم حضن العين للعين, ورغم كل الآهات التي انطلقت بوقوفهم الإثنين, بعيدين وليس قريبين .. لا يمكن أن يكون الحوار بلغة العين إن كانوا قريبيين, البعيد البعيد هو أنسب مكان لإنطلاق حوار صامت متعدد. ومفجع. هذه هي القصيدة كاملة لمن أراد أن يقرأها ويطرب لها دون اسمتاع للأغنية التي - بموسيقاها وغناء صاحبها - كان لها تأثير بطمس حقيقة هذا المشهد/ المسرحية/ الرائعة :

يوم اقبلت
صوّت لها جرحي القديم
يوم اقبلت طرنا لها
آنا وشوقي والنسيم
وعيونها .. آه يا عيونها
عين لمحتني وشهقت
وعين احضنت عيني وبكت
ويا فرحتي
الحظ هالليله كريم
محبوبتي
معزومه من ضمن المعازيم

في زحمة الناس
صعبه حالتي
فجأه اختلف لوني
وضاعت خطوتي
مثلي وقفت
تلمس جروحي وحيرتي
بعيده وقفت
وانا بعيد بلهفتي
ماحد عرف شلي حصل
ماحد لمس مثلي الأمل
كل ابتسامه مهاجره جات
ورجعت لشفتي
كل الدروب الضايعه مني
تنادي خطوتي
ويا رحلة الغربه وداعاً رحلتي
ويا فرحتي
الحظ هالليله كريم
محبوبتي
معزومه من ضمن المعازيم

يا عيون الكون
غضي بالنظر
واتركينا اثنين
عين تحكي لعين
اتركينا الشوق ما خلّى حذر
بلا خوف بنلتقي
بلا حيره بنلتقي
بلتقي فعيونها
وعيونها أحلى وطن
وكل الأمان

ويا فرحتي
الحظ هالليله كريم
محبوبتي
معزومه من ضمن المعازيم

* في إحدى زياراتي للكويت. أظن قبل ثمان سنوات أو تسع سنوات على أكثر تقدير, في مطار الكويت تحديداً, وقتها لم يكن لدي مكتبة في منزلي ولم أكن قارئاً شغوفاً مثلما الآن. في صالة انتظار المطار وموعد اقلاع الطائرة تأخر نوعاً ما, دخلت المكتبة الموجودة بمطار الكويت الدولي. دخلت المكتبة وأنا لا أعرف لماذا دخلت المكتبة, ربما تبقى لدي مبلغ من النقود أردت التخلص منه, وربما شيء آخر لا أعرف .. ولكن ما أنا متأكد منه أن المكتبة التي كانت تضم روائع من الآداب العالمية والعربية لم ألقي لها بالاً, بل أخذت ديوان الشهيد فائق عبدالجليل. ربما لمكانته في تراث أهل الخليج طوال السنوات الأربعين الماضية, أو ربما بسبب "في الجو غيم" و "عطشان اسمع يانهر" و "نساي" .. ولكن الأكيد أن هذه الأبيات هي التي أجبرتني أن أحصل على الكتاب ليكون أول كتاب في مكتبة تحت طور التأسيس:

يا قدر يتبعني في كل الدروب
يا تواقيع الإقامة في الهروب
يا سنيني اللي خذتها الشمس في رحلة غروب
كانت عيونك وطن
.. كانت شعوب
كانت عيونك مدارس
علمتني الحب في عز الحروب

يوسف
22-06-2010, 06:21 AM
قاضي الطلاق / ثربانتس

http://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/archive/6/66/20100319194427!Cervates_jauregui.jpg


ميغيل ثربانتس أو بمعنى أصح أمير الأدب الإسباني وصاحب الرواية الأشهر في التاريخ الإنساني" الدون كيخوته" لا يمكن أن يذكر اسمه دون أن تتحدث عن الدون كيخوته وتأثيرها في الآداب الإنسانية وشهرتها في الآفاق. لن أتحدث عن الدون كيخوته لأنها تحتاج لوقت خاص, وطقس خاص لرواية تعتبر الأولى في تاريخ الإنسانية. ما سأتحدث عنه هنا هي مسرحيات ثربانتس الهزلية القصيرة.

لثربانتس مسرحيات قصيرة تسمى ENTREMESES ومعنى هذه الكلمة في اللغة الإسبانية ما يعرف محلياً بالمقبلات, أو الحلى, أي ما يتم تناوله قبل وجبه الطعام - نحن الرجال لا يوجد لدينا هذا الشيء, الجواب عند مجتمع النساء.. D : ومعنى هذه المقبلات أدبياً هو عمل مسرحي قصير لا يتجاوز فصلاً واحداً مستقلاً, ويكون هزلياً وساخراً, ويقدم بين فصليّ المسرحية الرئيسية من أجل التنويع وإشاعة المرح والسرور في البيئة المسرحية. هدف هذا الإنتريميس كجنس درامي هو الضحك أولاً و أخيراً. ولكن أعمال ثربانتس ليست الغاية هي الضحك : هناك النقد, الرمز, الفنتازيا والسحر, صراع الخير والشر, وغيرها من النظم والأفكار التي يتم الزج بها في مسرحية ساخرة ومضحكة جداً.

ولكن هل هذه الأعمال مضحكة واقيعاً ؟ من قراءة لمسرحية قاضي الطلاق, أجد أنها المسرحية الأولى التي أقرأها ولا أستطيع أن أتوقف عن الضحك. أربعة أزواج يأتون دفعة واحدة إلى قاضي الطلاق يعرضون شكواهم من أزواجهم وزوجاتهم, يطلبون الطلاق والتخلص من هذا الزواج. الزوجة الأولى تعرض شكواها لقاضي الطلاق تطلب التخلص من زوجها الهيكل العظمي الذي أفقدها ربيع شبابها :

ماريانا الزوجة: لم يربني أبواي يا سيدي القاضي لكي أكون مضمدة أو ممرضة, لقد كانت هديتهم, بمناسبة زواجي, كبيرة إلى هذا الهيكل العظمي .. هذا اللوح .. هذا الذي يستهلك أيام حياتي, حين دخلت في عصمته كان لي وجه ساطع كالمرآة, أما الآن , فلي وجه مجعد كخرمة قماش عتيقة ..يا سيدي القاضي .. إن رائحة فمه الكريهه تنبعث من مسافة ثلاث إطلاقات من بندقية! دعني أبكي يا سيدي القاضي .. لقد آن للجمهوريات وممالك العالم أن تضع حداً لفترة الزواج .. كأن يكون عقداً لمدة ثلاث سنوات يتم فسخه أو تجديده .. تماماً مثل عقود الإيجار. وليس لها أن تكون عقوداً تمتد طوال الحياة .. وعذاباً مؤبداً يكابد منه كلا الطرفين.

الزوج العجوز: في الحقيقة أيها السادة إن الرائحة الكريهة التي ذكرتها زوجتي لا تنبعث عن تعفن أضراسي لأن ليس لدي أية اضراس, ولا تنبعث من معدتي لأنها معافاة. ولكن تنبعث من النية السيئة في صدرها هي. إن سيادتكم لا تعرفونها جيداً, لو عرفتموها لخفتم منها, بل وصلبتموها. لقد عشت معها ثلاثة وعشرين سنة شهيداً دون أن أشتكي لأحد.


ثم تأتي دفعة أخرى للقاضي يطلبون الطلاق ولا شيء غير الطلاق. يعرضون مشاكل حياتيه تجعل الحياة مع الطرف الآخر شيئاً مستحيلاً. ولكن القاضي رغم تلقيه لكل هذه القضايا يرفض أن يوافق على الطلاق, ثم تأتي دفعة ثالثة ورابعة, إلى أن يدخل قاعة المحكمة موسيقيان وهم يغنون بآلاتهم الموسيقية هدف ثربانتس من هذه المسرحية الهزلية :

بين الأزواج الشرفاء
حين توجد خصومة علنية
فإن أسوأ اتفاق
سيكون أفضل من طلاق جيد
وحين لا تعمي الخيانة أحداً
ستكون بعض الخصومات في يوم الحب
هي سلام دائم طوال العام
هنا سيحيى الشرف
وتحييى المتعة التي كانت ميتة
لأن أسوأ اتفاق
هو أفضل من طلاق جيد
وإن كان غيض الغيرة جارفاً
.. قوياً وحاسماً
فلو جاء من جميلة حسناء
لن يكون غيرة .. وإنما سماء
للحب هذا الرأي
وهو أحنك الحكماء:
إن أسوأ اتفاق
هو أفضل من طلاق جيد

يوسف
25-06-2010, 09:59 PM
http://lh4.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/TCTtGYJeA-I/AAAAAAAAAKc/bvcCGIZhCbw/b.JPG
لوحة للرسام الروسي ريبان تبين بوشكين أمير شعراء روسيا وهو يلقي إحدى قصائده

إلى ***

لازلت أذكرُ تلك اللحظةَ المذهلة
عندما ظهرتي أماميَ فجأةً
كما لو أنكِ بشارةٌ مغادرة
طيفٌ نقيٌ حُفَّ بالضياء

عندها قد كنتُ سجين الكآبة
أرزح تحت صخب المواكب الرعناء
وعندما سمعته- صوتك الجذاب
حلمت بتقاطيعك ووجهك الخلاب

ويمضي الزمان عنيفا مع الرياح
والعاصفة بددت لي قصصَ الغرام
وأنا نسيت صوتك الجذاب
وتقاطيعك الإلهية ووجهك الخلاب

محجوز وسط الظلام، في جوف الوحدة
أيامي تجرر أقدامها ببطء وصراع
فقدت ايماني.. فقدت الالهام
فقدت دموعي والحب والحياة

وعندما كادت روحي أن تغادر
ظهرتي ثانية أمام ناظريّ
كما لو أنك بشارة عابرة
طيف نقي حف بالضياء

والآنَ قلبي بكل انبهار
يخفق بسرعةٍ ويجد في حبور
الإيمان الصادقَ ثانيةً .. والإلهام
والدموعَ الحارةَ والحبَ والحياة




- 1853-

ياقلبُ لقد اعتقدتُ أنكَ قد نسيتْ
قدرتَك على تذوقِ واستطعامِ الآلام.
اعتقدتُ أن موهبتك الفطرية تلكْ
لن تأتيَ بعد الآن! لن تأتيَ بعد الآن!

ذهبتِ الآلامُ والغصّـــاتُ
ونصفُ ماصدقتَ من أحلامْ
ولكني الآن أدركُ.. وقد وقفتُ أمامَها
أن ألمي خالدٌ بخلودِ الأيام.


* ألكسندر بوشكين
* ترجمة / عدي الحربش

a condition
05-07-2010, 12:34 AM
مايكل كريشتون...أحد المنضمين إلى قوافل الذكرى:

http://img808.imageshack.us/img808/3140/pg34crichtonepa73386t.jpg

من منا لم يشاهد الجوراسيك بارك؟! من منا لم يستمتع بجمال الخيال!؟ من منا قرأ اسم مايكل كريشتون بعد نهاية الفيلم؟!

لقد رحل في عام 2008م تاركاً وراءه إرثاً ضخماً من الأدب.!
لم يحيا حياةً طبيعية, على الأقل, سيرة حياته لا تقول مثل هذا الشيء, كان انعزالياً طوال حياته. قد يوصف هذا الشخص بالكثير من الأشياء, جميل, لبق, مثقف, كاتب , مخرج , منتج...إلخ, إلا أننا لا نستطيع القول بأنه كان اجتماعياً..

تعود بي الذاكرة عندما أقرأ في سيرة حياة هذا الشخص, إلى قول سبنسر :"إن الانسان يكون اجتماعياً بمقدار صغر عقله"!!!
كان كريشتون دوماً, يشكو, إلى أطبائه النفسيين, شيئين هما:
طوله الفارع, الذي تجاوز المترين!!!
وثقافته الواسعة التي وسعت الهوة بينه وبين مجتمعه, كما يقول هو بنفسه!!!
قال ذات مرةٍ بأن أحد أسباب عزلته, أن لا أحد, يستطيع فهمه, وهو لا يستطيع العيش مع مجتمعٍ غير مثقف!!
درس الطب, وتعلق به, وبالأبحاث العلمية, وقدم العديد من المحاضرات والدورات العلمية!
وخلال دراسته للطب, كوّن معتقداً ذاتياً, قائلاً, بأن أي مرض -أي مرض- ماهو إلا انعكاسٌ لحالة الإنسان العقلية!!
الغريب أن هذا الرجل الرائع, توفي عام 2008م بسرطان في الحنجرة!! معاكساً توقعات أطباءه الذين أكدّوا لعائلته, بأنه يتماثل للشفاء!!! وكأنه حين مات, صرخ , : هل صدقتموني؟! لم أعد أطيق الحياة!!

موقع الكاتب :
http://www.michaelcrichton.com/



رواية "المقاتل الثالث عشر" | "آكلو الموتى":

ترجمة: إدوار بوحمرا
الطبعة الأولى 2010م
عدد الصفحات: 207
الدار: دار الحكايات
تقييم الترجمة: 5/10

http://www7.0zz0.com/2010/03/04/07/429147201.jpg

"ثم أشارت شبح الموت إليّ وقالت شيئاً ثم غادرت القاعة. وعندها تكلم المترجم قائلاً: (إن الآلهة تطلب من بيويليف أن يترك هذا المكان بسرعة تاركاً خلفه جميع شؤونه ليتصرف كبطل, فيطرد الخطر المهدد منطقة الشمال. هذا ملائمٌ له, وعليه أن يصحب أحد عشر محارباً معه, وعليه أن يأخذك أنت كذلك"!
هكذا انتهى المطاف بابن فضلان, مع هؤلاء الاسكندنافيين, وهكذا سيرافقهم في رحلته العجيبة!..
وفي خضم قصةٍ يدخلها الرجل العربي الوحيد كبطلٍ من أبطالها, تتقاذف القارئ أسئلة الفضولي الساذج, فأنت لا تعرف شيئاً تماماً كابن فضلان, تتنظر سؤالاً منه, وتتوقع الإجابة من المترجم, وهكذا, تبقى معلقاً في هذه القصة بين استفسارٍ هنا, وتعليلٍ هناك, علّك تعرف شيئاً.!
قصة حربٍ وتاريخ, حكاية عاداتٍ وشعوب, ومعتقداتٍ وأوطان..لن تبدأ بمثل هذه الرواية إلا عندما تقوم منها منتهياً! فالرواية, كشأن الروايات الرائعة دوماً, لا تنتهي بانتهاء صفحاتها, بل لتوها تبدأ!!
فعليك مايزال البحث, والتفتيش عن ماجاء فيها من تواريخ وأحداث, وبالطبع أكيداً, شخصيات!!
كشخصية ابن فضلان! وكبيوليف, وماهو الخيط الحقيقي, من الخيالي , فيها!!
"ورأيت بعينيّ على أعمدة مرتفعة على جانبي الطريق جماجم حيوانات هائلة أنيابها مفتوحة بوضعٍ هجومي. وتابعنا المسير , ورأيت أن هذه كانت جماجم الدببة العملاقة التي يعبدها الوندول وقال هيرجر إن جماجم الدببة تحمي الحدود لأرض الوندول"!
الوندول! من هم؟!

لقد أبدع كريشتون في تصوير العربي المسلم, دخل داخل محراب عقله, وعلِم قوام فكره, ثم لم يُخفق في الاختيار. ولم يقع عرضة الأخطاء التي يقع فيها من يتناول الشخصيات الاسلامية, والعربية, فقد صور ابن فضلان بصورةٍ أقرب ماتكون من المعقول!.
عموماً..
كان من المفترض بروايةٍ مثل هذه , تمتلك الروعة والجمال, وكل مقومات العمل الفني الأدبي, أن أخصص لها موضوعاً منفصلاً! لكني لم أفعل!
لسببٍ بسيط وهو إدوار بوحمرا!!
لقد قتل الرواية بترجمته ! وبانتظار ترجمةٍ أخرى, سنبحث أكثر..
وحتى ذلك الحين, مقتطفاتٌ أبسط من الذكر, هنا..

فيلم ورواية:
http://www.helali.net/salma/images/The13thWarrior.jpg
صدر في العام 1999م, فيلم هوليوود, باسم "The 13th Warrior", من بطولة أنتونيو باندراس..
تقييم IMDB , هو 6.3
وتقييمي لا يبتعد كثيراً عن هذا التقييم..
كان الفيلم يختلف في نقطة جوهرية عن الرواية, وأظن اي شخصٍ يقرأ الرواية ويشاهد الفيلم سيعرف ما أعنيه هنا..
أما الأحداث وباقيه, فهو كما الرواية في الكثير من التفاصيل..



شيءٌ من تلك الرواية:

"شكراً لله لأنه وضع الموت في نهاية الحياة وليس في بدايتها"
ذكر مايكل كريشتون,أن روايته هذه, تتكون من شقين, شقٌ حقيقي, وآخر غير ذلك..
الحقيقي هي شخصية ابن فضلان, والشق الخيالي, هي ماكان من أمر بيوولف..
مزجت الرواية بين عنصري الخيال, والتاريخ, والحقيقة والزيف, لتكون مزيجاً رائعاً من الأدب!
ابتدأت الرواية والتي كتبها كريشتون عام 1976م, ولن تعرف كيف ابتدأت!!
لقد صور الكاتب روايته على شكل مخطوطةٍ من أولها لآخرها, ماجعل القارئ يضطرب غير عارفٍ أين الحقيقة تكمن, وأين يقبع الخيال!
وهذا هو وجه شبه الرواية برواية عزازيل..
وما أن تنتهي, من قراءة الرواية , حتى تسأل, من هو أحمد بن فضلان؟
هو أحمد بن فضلان بن العباس بن رشيد بن حماد, أحد كبار الرحّالة العرب, كتب, ودون العديد من مشاهداته في بلدان العالم المختلفة, خلال تتقلاته العديدة..في رحلته التي قام بها لإيصال كتاب الخليفة المقتدر بالله, إلى ملك الصقالبة..
فهو شخصية حقيقية, ورحّالة.!!
لم أعرفه حقيقةً إلا من خلال هذه الرواية, ولم يتسنى لي أن أبحث عنه كثيراً..
كل ماعرفته أن له إشارات هنا وهناك في الكتب, فقد ذكره الحموي في معجم البلدان!, أي شيءٍ آخر, مجهولٌ بالنسبة لي!!
لعلي اقرأها بترجمةٍ أخرى , وأبحث أكثر.
وحتى ذلك الوقت, لن أملك سوى نقطة نهاية.



.

zizi touch
05-07-2010, 08:14 AM
أعجز عن شكرك أخي يوسف

أبهرتني فلسفتك حقاً ، حفظك الله من كل سوء ،

،، لي عوده

يوسف
16-07-2010, 11:22 PM
رسالة الشاعر

http://lh6.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/TECu1OPZ8mI/AAAAAAAAALY/7TG7__RLyb0/Cyrano%20de%20Bergerac.jpg

جمال الفكرة لا يعني بحال أن تظل حبيسة المكان الذي صدرت فيه, وما هذه الرواية " الشاعر أو سيرانو دي برجراك" إلا مثال لجمال تلك الفكرة وخلقها وإعادة تجديدها قرن بعد قرن. في القرن التاسع العشر صدرت على شكل مسرحية بقلم شاعر فرنسي هو ادمون روستان, ثم نقلت إلى العربية وتمت إعادة صياغتها من جديد في منتصف القرن العشرين بواسطة الأديب المنفلوطي, ثم تم إعادة إحياءها من جديد في بداية القرن الواحد والعشرين وخرج بطل الرواية من قبره ليتحدث عن همومه وأحلامه وعشقه لحبيبة القلب روكسان في قصيدة شعرية جميلة بواسطة الشاعر الأخ العزيز أوس الشمسان. ثلاثة قرون, قرن بعد قرن يتم إعادة إحياء البطل من جديد سيرانو دي برجراك. من هو سيرانو دي برجراك حتى يحصل على ذلك التجديد الأدبي دون سواه؟ يقال أن أبطال الروايات يتم إحياءهم كلما قرأ قارئ ما الكتاب, ولكن أن يتم التجديد وإعادة خلقه من جديد وبفكرة واحدة, فهنا شيء مختلف يكمن في نفس البطل.

أو ربما يتعلق الأمر بالشعر. كاتب المسرحية شاعر, ومترجم المسرحية للعربية وأعاد صياغتها أديب ذائع الصيت, ومن أعاد إحياء البطل من جديد في القرن الواحد والعشرين شاعر عذب وجميل, وبطل الرواية شاعر, والرؤية العامة عن الشعر, وأبطالها من الشعراء, والحالة العامة التي تسير عليها المسرحية أم الرواية هي الشعر. من أجل ذلك السبب, سيرانو دي برجراك يبقى حياً ويجدد نفسه باستمرار مع كل قرن جديد.

اجتمعت في سيرانو دير برجراك كل الصفات التي تهفو إليها صفوة القوم: شاعر نابغة, وناقد, ومقاتل شجاع, حر, جريء, لا يحابي ولا يتذلل, شريف النفس وأشدهم عطفاً على البؤساء والمنكوبين. كل هذه الصفات الرائعة لم تكن قط هي سبب النحس الذي ضرب برجراك, خُلق طويل الأنف, مشوهاً, كأن أنفه جسد آخر داخل جسده. بيد أن أنفه ليس هو المشكلة التي أرقت فؤاد هذا الشاعر الذي ينطلق بكلام يسحر كل من يقابله: بل ابنة عمه الجميلة روكسان. أحبها وهي لا تعلم بحبه, ورحل ولم يقل الكلمة التي يتمنى أن يقولها أي عاشق لمحبوبته. كان ينتظرها في إحدى المقاهي وهو لا يصدق أن ابنة عمه, الأنثى التي يحب تريد مقابلته. كان يتمنى أن تقول شيئاً بعد تلك الليلة التي شهدت فيها باريس صولات وجولات برجراك. ولكن, لم يكن ذلك الشاعر الذي يكتب كلمات الغزل عشقاً وهياماً بروكسان يتوقع أن تطلب منه ابن عمها مساعدة, أن يساعدها في التقرب من رجل آخر تعشقه! يا لتعاسة برجراك, أخلص في حبه لابنة عمه روكسان إخلاصاً لم يسمع بمثله في تاريخ العشق, لم يحقد على هذا الرجل, لم يجرب سحب السيف من غمده ليرسم على جسده, وهو العاشق لسحب السيف من الغمد. بل كان أكبر عون لهؤلاء العاشقين الذين ينطقون بكلمات عشق صادرة من قلب معذب هو قلب برجراك.

في إحدى أقسى مشاهد الرواية موتاً وكمداً للشاعر برجراك, كان العشيق الآخر يقف أمام منزل روكسان وهو يتغزل فيها وبجمالها, وكانت هي الأخرى هائمة بهذا الساحر الذي ينطق بكلمات لو ألقيت على الصخر الأصم لتفجرت. ولكن هذا العشيق لم يكن ينطق بكلمات من قلبه, كان برجراك يقف خلفه ويعطيه تلك الكلمات التي رقص لها قلب روكسان. عاش برجراك وفؤاده لا يهوى إلا روكسان, يكتب عنها ولها ومستعد للموت من أجلها. في المعركة الكبرى أخذ منديلها ورفعه عالياً ليحل محل العلم الوطني. أصبح منديل هذه المرأة هو سارية العلم لفرقة برجراك العسكرية التي يقودها برجراك, فإليها يحيى, ودونها يموت. بيد أنه رحل عن هذه الدنيا تاركاً وراءه رسائل لروكسان باسم العشيق الآخر. لم يكتب رسالة لها باسمه .. يجب أن تسعد يا برجراك, بعد ثلاثة قرون من وفاتك تكتب قصيدة باسمك أخيراً موجهة لروكسان, تحقق حلمك أخيراً, هاهي الرسالة يا برجراك بقلم شاعر لا يقال شاعرية عن شاعريتك:


مُخَضَّبـةٌ كفِّـي بِدَمْـعٍ مآقـيـا
بما كانَ مِن شَوقٍ لرُوكسـانَ بَاقِيـا

أُعَانِدُ شَوقِـي جَاهِـدًا غَيـرَ أَنَّـهُ
يَعُـودُ بِألـوَانٍ مـن المـرِّ سَاقِيـا

فإِنْ ظَهَرتْ روكسانُ يومًا بِنُورِهَـا
ترى الشَّمسَ والإشراقَ في القَلبِ بادِيا

وإنْ غَيَّبَتْهَـا عَـن مَآقِـيَّ خَفـرَةٌ
تَجَلَّى لهـا قَلبِـي بِشَـوْقٍ مُنَادِيـا

هِيَ الوَحيُ والإلهَامُ والحبُّ والهـوَى
ولا غَيرَها أَرجُو لِمَـا بِـيَّ شَافِيـا

تَعَلَّقتُهَا عِشقًـا ومَـا خِلـتُ أنَّهـا
مُتَيَّمَةٌ غَيرِي أَمَـا كُنـتُ كَافِيـا؟!

أَتهْوَينَ فَدمًا لَيـسَ تَحـدُوهُ غَايـةٌ
وَتَنسَينَ مَنْ يَمضِي لعَينَيـكِ سَاعِيـا

وآثَـرْتِ غِـرًّا غَـرَّكِ مِنـهُ لَمْعَـةٌ
وَما كلُّ بَرَّاقٍ وَلَـو شِئـتِ غَالِيـا

فَمَا كَانَ ذَاكَ الغِرُّ قِرنِـي فَـإنَّ لِـي
فَضَائِلَ تُغنِينِـي وتُلغِـي التَّسَاوِيَـا

وَمـن إنْ أُردْ يلـقَ الفَنـاءَ وأَهلَـهُ
بِعضبٍ يشُقُّ الروحَ فالجِسـمَ تالِيـا

ولكـنَّ طَبعِـي غيـرَ ذاكَ وغايَتِـي
إلى الهِمَمِ الكُبرَى ومَا كـانَ عَاليـا

وإِنِّـي لَوَضَّـاحٌ إذَا أَدلَـجَ العِـدا
وَلَيلٌ يَـرَى فِيـهِ العَـدُوُّ الدَوَاهِيـا

أُصَارِعُ أَحكَامَ المنَايـا فلَـمْ أجِـد
لَعَمرُكِ غَيرَ السَّيْفِ والرُّمـحِ قَاضِيـا

تُخَاتِلُني الأقدَارُ سَعيًـا إلـى الـرَّدَى
وَمَا كُنتُ مِنـهُ السَّوْذَقِـيَّ المُداجِيـا

فمَـا شَيَّبَـتْ فَـودَيَّ فَكَّـا مَنِيَّـةٍ
ولَستُ الذِي يَخشَى خَمِيسًا مُعَادِيـا

تَقَاطَرُ مِن كَفِّي الدِّمَـا غَيـرَ أَنَّنِـي
تَعَهَّدتُ قَلبًا مِن أَذَى النَّفـسِ خَالِيـا

وَهَبتُكِ مِطوَاعًا شِغَافِـي ومُهجَتِـي
فَلَمْ تَقبَلِي حَتَّـى وَهَبـتُ الأَيادِيـا

وكَمْ شِئتُ أن يُلقَى وِصَالٌ على النَّوى
فَألقَيْتِنـي صَـدًّا وَقَلبًـا مُجَافِـيـا

أَغَـرَّكِ إذْعانِـي لحبـي لِتَـأمُـرِي
فُـؤادِيَ أنْ يَفنَـى فَلَبَّـاكِ رَاضِيـا

أَتُشجِيكِ أَحزانِي وَتُدمِيـنَ خَافِقِـي
فديتُكِ تَجْتَثِّيـنَ مـا كَـانَ خَافِيـا

أبَنتُ لَكِ شَوقًا فَلَـمْ تَفطنِـي لَـهُ
أَذَنبِيَ أنـي أُظهِـرُ الحُـبَّ صَافِيـا

وَجَاهَدتُ فِيكِ الدَّامِعَاتِ عَن البُكَـا
وكَم تَستُرُ الدُنيـا قُلُوبًـا بوَاكِيـا

سَألْتكِ يا رُوكسـانُ بُوحـي بِعِلِّـةٍ
بِهَا – بِنتَ عَمِّي - أستَحِقُّ التَّنَائِيـا

فإِنْ تَزدَري خَلقِي فَما كُنتُ خَالِقِـي
ولكِنْ بِأخْلاقِـي بَلَغْـتُ الأعَالِيـا

وإِن تَطلُبِي رُوحِي سَعَتْ بِي حَثِيثَـةً
إِلَيكِ فَتُدنِي فـي رِضَـاكِ الأقَاصِيـا

أَلَـمْ تَعلَمِـي أنَّ المحِـبَّ إِذَا فَـدَى
حَياةَ الذِّي يَهوَى أصَابَ الأمَانِيـا؟!

سَأُهدِيـهِ أَنفَاسِـي فَيَحيَـى بحُبِّهـا
وأُوتِيهِ آمَالـي بِمَـا كُنـتُ رَاجِيـا

وأَسقِيهِ مِن عَيـنٍ لِعَينَيـكِ سُبِّلَـت
تَفَجَّـرُ أشعَـارًا وَتَـروِي قَوافِيـا

وَهَل لِي بِمَا بَينَ العِذَارَينِ مِـن يَـدٍ
إذَا سَـوَّدَا قَلبًـا لكَفَّيـكِ جَاثِيـا

مُعَذِّبتـي بانَـتْ ولَـمْ تَـدرِ أنَّهـا
تَظَلُّ شُجُونًا فِي فُؤَادِي كَمَـا هِيَـا

تَوَلَّـتْ وَدَقَّـاتٌ لِقَلبِـي بِخَطْوِهَـا
تُكَتِّمُ آهَـاتٍ وَشَـتْ بِـي لَيَالِيـا

فَمَا خَلَّفَتْ لِي غَيـرَ عَيـنٍ كَلِيلَـةٍ
تَفِيضُ فَأينَ الشَّادِنَـاتِ الجَوازِيـا؟

وغَيرَ سُوَيعَـاتٍ قَضَتهَـا بِصُحبَتِـي
ذَوَينَ كَعُـودِي فَاستَحالَـتْ ثَوانِيـا

قُتِلتُ بـلا ذَنـبٍ لأنـي عَشِقتُهـا
وسَلَّمتُها قَلبًا مِـن الشَّـوقِ ذَاويـا

وغَادَرتُ لا أَدرِي أَمَوتِـي أَم الـذِّي
دَفَنتُ غَـدَاةَ البَيـنِ هـاجَ المرَاثِيـا

فإِنْ عُدتِّ يا رُوكسانُ صَلِّي لشَاعِـرٍ
أحبَّكِ حتى صـارَ بالرمـسِ ثَاويـا

وَطوفِي على قَبرِي وَجُـودِي بِدَمعَـةٍ
تُنَدِّي ثَرَى من فَارَقَ النَـاسَ ظَامِيـا


* مع التحية والتقدير للأخ العزيز الشاعر أوس.

يوسف
18-07-2010, 06:05 AM
"اذا كانت العوالم السردية تمنحنا راحة كبرى، فلم لا نحاول قراءة العالم الواقعي باعتباره رواية؟"
- أمبرتو إيكو، ست نزهات في غابة السرد.


"قل كلمتك قبل أن تموت, فإنها ستعرف حتماً طريقها, لا يهم ما ستؤول إليه, الأهم هو أن تُشعل عاطفة أو حزناً أو نزوة غافية، أن تشعل لهيباً في المناطق اليباب."
- محمد شكري / الخبز الحافي


"يا للبشر المساكين! ماذا يعوزكم حتى تفهموني؟ هل تعلمون .. هل تعلمون أن الإنسانية تستطيع أن تستغني عن الإنجليز إذا لزم الأمر, وأن تستغني عن ألمانيا, وأنها تستطيع جداً جداً أن تستغني عن الروس, وعن الخبز, وعن العلم, ولكنها لا تستطيع أن تستغني عن الجمال! إن الجمال وحده لا غنى عنه, إذ بدون الجمال لا يبقى لنا على وجه هذه الأرض ما نعمله! هذا هو السر كله! ذلكم هو كل التاريخ! العلم نفسه لا يمكن أن يعيش لحظة بعد زوال الجمال! هل تعلمون ذلك أنتم يا من تضحكون؟ نعم .. إن العلم بدون الجمال يتدهور إلى تفاهة, فتصبحوا بذلك عاجزين عندئذ حتى عن اختراع مسمار!"
- دستويفسكي / الشياطين


"إذا كان الكتاب الذي نقرأه لا يوقضنا بخبطة على جمجتنا فلماذا نقرأ الكتاب إذا؟ كي يجعلنا سعداء كما كتبت؟ يا إلهي, كنا سنصبح سعداء حتى لو لم تكن عندنا كتب, والكتب التي تجعلنا سعداء يمكن عند الحاجة أن نكتبها, إننا نحتاج إلى تلك الكتب التي تنزل علينا كالصاعقة التي تؤلمنا, كموت من نحبه أكثر مما نحب أنفسنا, التي تجعلنا نشعر وكأننا قد طردنا إلى الغابات بعيداً عن الناس, مثل الانتحار! على الكتاب أن يكون كالفأس التي تحطم البحر المتجمد فينا"
- كافكا في رسالة لصديقه أوسكار بولاك.


"أردت أن أكون كاتباً, ذلك كل شيء! أردت أن أكتب عن كل شيء. كل ما يحدث في لحظة معينة. الطريقة التي تبدو بها الزهور عندما تحملينها بين ذراعيك. هذه المنشفة، رائحتها، ملمسها. هذا الخيط. كل مشاعرنا.. أنا وأنتِ. تاريخ كل شيء.. كل شيء في العالم. كل ما هو مختلط، كما هو الحال الآن. لكنني أخفقت! أخفقت."
- إد هاريس في فيلم الساعات.


"تعلمت منكم كثيراً أيها البشر, تعلمت أن الجميع يريدون العيش في القمة غير مدركين أن سرّ السعادة في كيف نهبط من فوق. لقد تعلمت أن الطفل الوليد حين يقبض بكفه الصغيرة على أصبع أبيه ويشده لأول مره فإنه يكون قد ربطه به برباط أبدي. تعلّمت أن الإنسان يحق له أن ينظر من فوق إلى الآخر فقط حين يجب أن يساعده على الوقوف. بل تعلمت منكم أكثر! لكن، قليلاً ما سيسعفني ذلك، فما أن أُنهي توضيب معارفي سأكون على شفير الوداع."
- ماركيز, في رسالة قيل أنها الأخيرة.

يوسف
21-07-2010, 03:55 AM
" يا عزيزي الأثير المُحبب، لا أدري أينَ سأكونُ السنةَ المُقبلة، و لكني فخورةٌ و سعيدة بأن أوقّعَ شهادةَ حياتي لعام 1883 بهذه الكلمة: أُحبُك.
-جولييت داروت/ آخر رسالة كتبتها في عشيقها الأثير فيكتور هيجو.



"القراءة اتفاق على الكرم بين الكاتب والقارىء, يثق بمقتضاه كل منهما بالآخر, ويتسند عليه, ويطالبه بما يطالب نفسه, هذه الثقة ذاتها كرم وسخاء: ما من أحد يقدر أن يجبر الكاتب على الاعتقاد بأن القارىء سيستخدم حريته, وما من أحد يقدر على أن يجبر القارىء على الاعتقاد بأن المؤلف استخدم حريته."
- سارتر/ من كتاب ماهو الأدب؟

يوسف
21-07-2010, 04:54 AM
فالجان تحت الأرض

" إن عمق الأسفل ينادي عمق الأعلى من الجانب الآخر لسطح الحاضر, أو لمزيد من الدقة, لا يكون المثال في مكانه إلا وقد قذفه الماضي نحو المستقبل, في حين أنه وقد افترض حضوره يظهر كقوة دوار وإغراء. يتمزق زمن هيغو بين ضرورة الماضي السوداء ومثالية المستقبل الباهرة, بما أن الحاضر لا يكون أبداً على ما يبدو غير تقزيم للماضي, أو إنجاز مبكر دائماً للمثال الذي بيهر بوصفه غنى, وجمال"

مرايا الهوية
الأدب المسكون بالفلسفة لجان ماركيه

http://abuwabdallh900.googlepages.com/Valjeaninsewer.JPG

لا زلت أذكر هذه اللوحة القاتمة - Valjean in sewer - كلما قرأت شيئاً عن رواية فيكتور هيجو" البؤساء", إذ يشكل المكان في اللوحة أقتم وأقذر مكان في باريس, وحتى في الرواية, أطال هيجو الحديث عن هذا المكان وتحول السرد من كيفية إنقاذ ماريوس بواسطة جان فالجان إلى حديث فلسفي تاريخي ينبش في تاريخ مدينة باريس - الكئيبة السوداء-. أذكر أني قرأت فصل - بالوعات باريس - بسرعة كبيرة بسبب التحول في الخطاب السردي وإطالة هيجو في الحديث, إلى درجة أنه قام يفصل, متى وكيف بنيت بالوعات باريس وتاريخ هذه البالوعات في زمن الملوك السابقين.

أثناء بحثي عن أي شيء يخص رواية البؤساء فنياً, وجدت موقع يعرض رواية البؤساء باللغة الإنجليزية, وتتضمن الرواية لوحات فنية عن أبطال الرواية في مشاهد عالقة بذاكرة من قرأ البؤساء جيداً ويعرفها. أغلب اللوحات كانت بريشة Gustave Brion والبعض الآخر لست متأكداً منها, ومنها هذه اللوحة كذلك, والتي أعتقد أنها له نظراً لتشابه نمط أغلب اللوحات مع بعضها. أعجبت بلوحات كثيرة سأقوم بعرضها تباعاً ولكن الأفضل والأكثر إثارة للإهتمام هي هذه اللوحة. أريد أن أعرف لماذا نقل فيكتور هيجو الفلسفة من أعلى السطح إلى قاع الأرض؟ قرأت كتاب مرايا الهوية - الأدب المسكون بالفلسفة لجان ماركيه. وفيه فصل معنون فيكتور هيغو ومتناهي الصغر. الكتاب على وجه العموم سبر عميق للنص الفلسفي والأدبي. وجدت المؤلف يشاركني الإهتمام بهذه اللوحة بشكل غير مباشر, هو تحدث عن الأسفل, عن العمق, عن بالوعات باريس, عن فصل تاريخ البالوعات في أكثر فصول الرواية طولاً .

النزول إلى الأسفل, إلى أبعد مكان في الأرض يجب أن يحدث عند فيكتور هيجو. لأن الأسفل, القعر, لدى هيغو هو مكان الحقيقة الواضحة كل الوضوح.أما الزيف والكذب فهو طابع لا ينفصل عن كل سطح, وبالتالي عن كل سلطة. الصورة الأكثر إذهالاً لبئر الحقيقة النتنة ستكون في رواية البؤساء, البالوعة, مجاري باريس, هذا المكان الذي يسقط فيه كل شيء في الأخير, حفرة الحقيقة هذه يفضي إليها الانزلاق الإجتماعي الهائل. هو مكان غريب إلى أبعد الحدود لأنه مثل اللاوعي الفرويدي, نسيان, وتراكم آثار, ومحفوظات يتواجد فيها كل ما تنبذه المدينة, حتى كفن مارا! لا يتردد هيجو في دعوة الفلسفة إلى هناك, في مجاري باريس. باريس هي نوع من البئر التي لا يمسك قعرها الماء, حيث أودع كل تاريخ البشرية كما كتب على صحيفة :" تحت الطابق الأرضي قبو كنيسة, وتحت القبو مغارة, وأمام المغارة ضريح, وتحت الضريح الهاوية, والهاوية هي المجهول".

يوسف
25-07-2010, 03:04 AM
crime and punishment 1935

http://lh6.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/TESDFhSrowI/AAAAAAAAALg/bHqZzwmvEYc/crime1.JPG

اسم الفيلم كبير جداً, ومسألة أن يكون الفيلم كما قرأتها بقلم الروائي النحيل, إمام الرواية دستويفسكي, فهو أمر مستحيل. لو كان مثل مسلسل الأبله الروسي وبعدة حلقات من الممكن أن أقول أن روح دستويفسكي موجودة هنا. حين نذكر "الجريمة والعقاب" لا يمكن إلا أن نرى روح راسكولينكوف عالية, ذلك الذي تلبسته الروح النابليونية وقسم الناس إلى صنفين: صنف يجب أن لا يقوموا بأي شيء مخالف للقانون لأنهم تحت طائلة القانون, وصنف آخر يجب أن يقوموا بكل شيء, وبأي طريقة كانت, لأن القدر كتب لهم أن يقوموا بالتغيير.

لم أجد راسكولينكوف هنا, رغم محاولات المخرج الحثيثة لإظهاره كما أراد دستويفسكي. ولكن, وجدت شيئاً آخر كان كما أراده دستويفسكي. أتحدث عن المحقق بورفير. ذلك المحقق الذي يجعل المجرم حراً طليقاً حتى يأتي ليعترف بذنبه رغم أنفه! هنالك عذاب في السجون, أن تجد نفسك مسجوناً بين أربعة جدران, سوف تفقد حريتك وإرادتك وخياراتك بالتحرك ستكون محدودة أو معدومة بشكل أدق. والعكس من ذلك, أن تكون حراً طليقاً وتستطيع الهرب إلى أي مكان في العالم, هنا أنت حر ولا يوجد من يتحكم بحريتك, ولكن تناسيت شيئاً أن هناك عذاب أكبر من عذاب السجون, تناسيت أن هناك شيء هو "الضمير", يسير معك في مكان وزمان. سيصبح السجن عندها مكاناً للحرية بدل هذا العذاب الفسيح الأرجاء. بهذه الطريقة أعلن بورفير نصره الشهير ضد عدوه المتواري عن الأنظار راسكولينكوف.

أشيد بشخصية بورفير بالفيلم. أما راسكولينكوف فهو ليس كما أعرفه
تقييمي للفيلم 6 / 10

يوسف
11-08-2010, 03:04 AM
عشيق الليدي تشاترلي (http://vb.eqla3.com/showthread.php?t=609452)

http://lh3.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/S87s6E3sdYI/AAAAAAAAAE4/4e6B-8URI3s/Lady%

يوسف
11-08-2010, 03:06 AM
جين أوستن في الفن (http://vb.eqla3.com/showthread.php?t=613780)

http://lh5.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/TGHZqzG8i0I/AAAAAAAAAOI/THYawg5hVow/ja.jpg

يوسف
11-08-2010, 03:08 AM
النص القرآني في الآداب العالمية (http://vb.eqla3.com/showthread.php?t=646638)

http://lh6.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/TCOgZjJUd_I/AAAAAAAAAKQ/VQBiQEJHENI/g1.JPG

يوسف
11-08-2010, 03:10 AM
أغنية الجسد المسجى: باولا (http://vb.eqla3.com/showthread.php?t=672161)

http://lh3.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/TFctLaYWQEI/AAAAAAAAANE/SLJs1rvJWTE/dosto3.jpg

الوردالأبيض
11-08-2010, 06:02 AM
بإذن الله سأكون من زوار هذا المكان دائما
فهنا قرأت حروف وطتابات تستحق ان تقرا وتزيد من ثقافتي
ماشاء الله لاقوة الا بالله عليك الله يزيدك علم وثقافه.

يوسف
12-08-2010, 01:07 AM
"ألا إن الموت رحيل, والرحيل موت. "أن نرحل, يعني أن نموت قليلاً". الموتُ, هو حقاً رحيل, ولا نستطيع أن نرحل تماماً, بشجاعة ووضوح, إلا بمتابعة خط الماء, وتيار النهر العريض. الأنهار كلها تصب في نهر الأموات, ليس من موت خارق غير هذا. ليس سوى هذا الرحيل هو ما يمكن أن يكون مغامرة."

"الوداع على شاطئ البحر أكثر ضروب الوداع تمزيقاً, وأكثرها أدبية معاً. لأن شِعر الوداع يستغل أعماقاً قديمة للحلم والبطولي. ويوقظ فينا من دون شك الأصداء الأكثر إيلاماً. ذلك أن أسطورة الرحيل على الماء توضح جانباً كاملاً من نفسنا الليلية. والإنعكاسات في نظر الحالم متصلة بين هذا الرحيل والموت. والماء في نظر بعض الحالمين, هو الحركة الجديدة التي تدعونا إلى السفر الذي لم يتحقق إطلاقاً. هذا الرحيل المتجسد ينزعنا من مادة الأرض. وعليه, يا لها من عظمة مدهشة يمتلكها هذا البيت الشعري لبودلير, هذا الصورة المباغتة التي سرعان ما تمضي إلى قلب سرنا الخفي: أيها الموت, أيها البحار العجوز, لقد آن الآوان! فلنرفع المرساة!."

- غاستون باشلار/ من كتاب الماء والأحلام - دراسة في الخيال والمادة.

يوسف
12-08-2010, 01:08 AM
شعِرية الماء

هل الماء كائن حزين؟
هناك قصيدة مشهورة للشاعر الفلسطيني سميح القاسم بعنوان "أشد من الماء حزناً", الذي يحكي عن نفسه في هذه القصيدة يصف نفسه بالكائن الذي فاق حزنه حزن الماء. الشاعر يعطي صفة التأكيد بأن الماء كائن حزين, وربما يكون أكثر من يوصف بالحزن في هذا العالم.

لماذا هذه الصفة بالتحديد نستطيع أن نعطيها للماء؟ ألا يمكن أن يكون الماء متوحشاً, قاسياً, وقاتلاً؟ لا يوجد صفة مؤكدة نستطيع وصف الماء فيها. لا توجد سوى طريقة واحدة نستطيع من خلالها أن نرسم صورة للماء من حيث الحزن, والفرح, والموت! .. عن طريق الشعر سيتبين لنا ذلك.

http://lh3.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/TGGqdaDMdWI/AAAAAAAAANg/oDX8yifGiCw/s512/hugo.JPG

هناك من يحمل وجهة نظر أخرى تجاه الماء وإن كانت أكثر قسوة. أقصد فيكتور هيجو, وتحديداً في نقطة البحر. قد يحمل اسم البحر معنى رومانسي, غالباً ما يكون حضور البحر في الأدب شاعرياً ويخرج الإنسان فيه كل مكنونات روحه, إنه مكان لإلقاء كل ما أثقل النفس البشرية. ولكن عند فيكتور هيجو البحر هو الظلمات الأبدية! هي السلطة الإجتماعية التي تستعبد الإنسان, هي الظلمات السوداء التي سقط فيها جان فالجان لعشرين سنة وتاه بين الأمواج. البحر هو الليل الإجتماعي المتحجر الفؤاد الذي يلقي ضحاياه في عبابه. هو الشقاء الذي لا حد له. النفس التي تتلاعب بها أمواج البحر تصبح جثة, فمن ذا الذي يعيدها إلى الحياة؟. إن البحر عند فيكتور هيجو هو باب المعركة الكبرى ضد القديم المتسلط, والطبيعة بعواصفها وثوراتها. لا سكون ولا إطمئنان ولا كمال في النفس البشرية دون أن يواجه الفرد معركته الكبرى ضد البحر بأمواجه. يتخذ الماء عند هيجو في عنفه غضباً متميزاً. هذا الغضب الذي الذي سرعان ما يسعد الإنسان بقهره. ها هنا تبدأ الأذية بين الإنسان والبحر, يحقد الماء ويغير جنسه. يصبح مذكراً ومؤذيا. أتذكر الآن صفحتين من رواية البؤساء الترجمة الكاملة, كان العنوان الفرعي لهذه الصفحتين هو الموج والظل. ما قبل هذا الفصل كان تحليلاً نفسياً للرجل الذي لم يبكي لعشرين سنة متواصلة, ثم انفجر في لحظة غريبة قد تصادفنا يوماً ولا نتأثر لها, ثم يفكر العقل بتلك الصدفة ولا نعلم عن أنفسنا إلا ونعيش تلك اللحظة بكاء. ولكن البكاء يلزمه تطهير, مسح لكل السواد والحقد الذي اعتمر طيلة السنوات الماضية, ولا أجمل من هذا القاسي المرعب, البحر, الأسود بظلماته, حتى يخرج الإنسان منتصراً. خاض بطل فيكتور هيجو حرباً مع البحر عبر الشعر لتحطيم كل القيود التي علقت به. لا يوجد أحد لمساعدة البطل في البحر, هو والماء لوحدهم فقط. وحين يخرج من ذلك الأسود, حين يخرج من هذه الظلمات المتراكمة, يعود اليقين الذي فقده بطل فيكتور هيجو ويبدأ مسيرة أخرى وحياة جديدة. لن يكون للبحر حضور بعد الآن لأنه سقط, وحان وقت الإلتفات للمكان القديم لتحطيمه:

إيه يا سير المجتمع الإنساني الحاقد !
إن تحطيم الرجال والنفوس ليطبع سبيلك!
إيه أيها الأوقيانوس حيث يسقط كل ما يدعهُ القانون يسقط!
أنت انعدام النجدة المشؤوم!
إيه أيها الموت الأدبي!
يا فكر البؤساء الحزين.

يبدو الإستشهاد برواية البؤساء شاعرياً بشكل كامل. لنأخذ المثال الثاني لدى فيكتو هيجو, رواية عمال البحر. وسنرى كذلك أن رؤية فيكتور هيجو للبحر هي هي لم تتغير. في الرواية بالتحديد. في بعض قصائده نرى البحر حزيناً, وقد يكون أغنية. ولكن في الرواية كما قلت سابقاً هو الظلمات الأبدية, والمعركة التي لا غنى لإنسان من خوض غمارها. في عباب البحر يخوض بطل رواية عمال البحر جيليات حرباً طبيعية ونفسية مع البحر: كانت وسيلة جيليات لخوض غمار الحرب مع البحر/ الماء : فأس ومنشار وأزميل, معدات لا تصلح إلا لصنع لعبة أطفال. بينما البحر يتراقص بأمواجه في أغنية لا تصلح إلا أن تكون أغنية للموت. قد يكون البحر هادئاً وجميل, ولكن في دقيقة, في إحدى لحظات تجلياته يكشف عن نفسه ليعلن حضوره:

http://lh4.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/TGGqeJHqdfI/AAAAAAAAANk/MozwePXwfR4/The%20Raft%20of%20the%20Medusa.jpg

حين كنت أقرا صراع جيليات مع البحر كانت تظهر لي لوحة ثيودود غريكو لوحة غرق الميدوزا. اللوحة المفضلة لي, والتي كثيراً ما يذكرها هيجو في رواية البؤساء. هذه اللوحة تصور حادثة تعرضت لها سفينة بعرض البحر, وتحطمت السفينة ولم يبق منها سوى عوارض خشبية تشبث بها بعض الأحياء للنجاة. يصور جريكو في هذه اللوحات صراع الإنسان مع الطبيعة. أجد العاطفة متدفقة بشكل هائل في لوحة غريكو, ومستفزة للعواطف. تحكي حياة أناس قرروا الهجرة عن بلدانهم ..تركوا أوطانهم في سبيل حياة كريمة, لكنها محفوفة بالمخاطر. ما إن يثور البحر حتى يتكسر القارب, ويستغيث البعض طلباً للنجاة, وجثث تطفو على سطح البحر, وحلم غرِق في بحر الظلمات للأبد!

يقول هيجو في الرواية: المعتاد أن يخفي البحر كل جرائمه, فهو مغرم بالأسرار. أعماقه صامتة مطبقة على ما يرتكبه من جرائم لتبقى سراً في سكون الأعماق. كم من شر يقترفه البحر! فهو يبتلع أحياناً الزورق, ثم يطبق عليه الموج فلا يظهر له أثر ولا يعرف أحد متى ولا أين ولا كيف اختفى! أحياناً يزأر ويغضب كالأسد متسلحاً بالعواطف والأنواء والأمواج الصاخبة التي يعلوها الزبد, ثم في دقيقة يستطيع أن يغير شكله إلى جميل وديع هادئ, فلا ريح ولا موجة عالية ولا قطرة مطر! ".

http://lh6.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/TGGqeQOnJ7I/AAAAAAAAANo/JiprwmtHX2k/The%20Lady%20of%20Shalott.jpg

كل ما يتعلق بالبحر والماء والأنهار والسواقي بدأ يظهر لي الآن. من المصادفة أن أكثر لوحات جون ويليام ووترهاوس التي أحب لها علاقة بالماء, وبالتحديد لوحة ميراندا العاصفة ولوحة سيدة جزيرة شالوت. تحدثت سابقاً عن ميراندا والعاصفة, وسأخصص حديثي عن لوحة سيدة جزيرة شالوت والتأمل في المرآة, ومرآة النهر. يحكى أن هذه اللوحة تروي قصة سيدة محتجزة في برج عالي, و محكومة بلعنة تحرم عليها النظر مباشرة إلى بلدة كاميلوت, تقضي السيدة كل حياتها تغزل في مكان قريب من النافذة وبجانبها مرآة تعكس لها ظلال ما يجري في الخارج. حتى يأتي اليوم الذي يدفعها شيء غامض للنظر من النافذة بسبب ضوء كان ينبعث من زينة جواد فارس قادم من بعيد إلى البلدة وتغامر بالنظر رغم معرفتها بما ينتظرها لتراه. تعود للغزل و تنكسر المرآة و المغزل وتحل عليها اللعنة. و تخرج في الليل بعد أن ينام كل أهالي كاميلوت وتنتظر مصيرها في قارب صغير تكتب على حافته ليدي شالوت. في الصباح يخرج كل أهالي البلدة, يجتمعون حولها وهي جثة في القارب. الجميع ينظرون و يغادرون, ويبقى الفارس يتأمل وجهها دون أن يعرف أنه السبب فيما حصل!

ماهو مثير في هذه القصة ليس اللعنة أو الخيال, أو حتى قصيدة الشاعر ألفرد لورد تينيسون, والتي تبدأ بداية لها علاقة بالماء كما يقول: على ضفتي النهر تستلقي. ماهو مثير في هذه القصة هو المرآة! كانت شالوت تكتفي بالنظر إلى العالم خارج قلعتها من خلال مرآة. كنت أقرأ قبل أيام تأملات الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار حول الماء, وحين قرأت أحد الجزئيات ظهرت لي لوحة ووترهاوس كمثال رائع وهائل. الماء ينفع في تحييد صورتنا, في إعادة القليل من البراءة والعفوية إلى صلف تأملنا الخاص. المرايا أشياء متحضرة ومتناسقة إلى أبعد حد. هناك فرق واضج وجلي بين أن يرى الإنسان نفسه في مرآة معدنية, ومرآة النهر. مرآة المعدن ثابتة, تضع حداً لمشروعاته, وسوف تصطدم جبهته وكفاه بها. لن يجد شيئاً إذ دار حولها. بعكس مرآة النهر التي هي خيال مفتوح. يشعر الإنسان أمام الماء الذي يعكس صورته أن جماله مطرد, وأنه غير مكتمل, ويجب إكماله. بينما تعطي مرايا الزجاج في نور الحجرة الساطع, صورة أكثر ثباتا, سوف تغدو هذه المرايا من جديد حية وطبيعية حين يتمكن الخيال المحيد من تلقي مشاركة مشاهد الينبوع والنهر.

http://lh5.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/TGGv0LeDMxI/AAAAAAAAAN4/vUtNRMcb9dk/bush.JPG

يجب أن لا يجنج بنا الخيال والتأمل بعيداً عن حقيقة أكيدة, وهي أن الماء مطهر. لا أجد أروع من سفينة الحمقى للتدليل على ذلك. سفينة الحمقى هذه هي إحدى الأساطير في العصر الكلاسيكي, وهي تقول أن هناك سفينة غريبة جانحة مليئة بالحمقى تنساب في الأنهار الهادئة لنهر ريناني والقناطر الفلامية. هذه الأسطورة كما يشير الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في كتاب تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي, كان لها وجود حقيقي, فالمجانين كانوا يطردون من المدن على ظهر هذه السفن. هذه اللوحة التشكيلية لبوش قد لا تثير اهتمام أحد, لكنها عند فوكو هي بداية التأريخ للجنون. هي مرحلة من مراحل الإقصاء والتطهر والنفي. إنها ترمز إلى القلق الذي اجتاج الثقافة الغربية, حين أصبح المجنون والجنون شخصيتان عظيمتان بفعل غموضهما. أحببت كثيراً وصف فوكو للإنسان القابع على ظهر هذه السفينة المليئة بالحمقى, لنقرأ هذا التجلي الأدبي لفوكو ولنشاهد كيف يرى فوكو الماء في سفينة الحمقى عند تأريخه للجنون : إنه مسجون ضمن السبل الأكثر حرية والأكثر انفتاحاً, إنه موثق بشدة إلى الملتقيات اللانهائية. إنه بؤرة المرور بامتياز, أي أسير العبور. والأرض التي سيحط فيها تجهل عنه كل شيء, تماماً كما لا تعرف اليابسة التي تطؤها أرجله من أي أرض هو آت. فلا حقيقة له ولا وطن له إلا في ذلك الامتداد الخصب بين البراري التي لا يمكنه الانتماء إليها. حرمانه من التسكع في أطراف المدينة وذهابه بعيداً معناه أنه يصبح مسؤولاً عن رحيله. ويضيف الماء إلى هذه الكتلة الغامضة من القيم بعداً آخر. فالماء قد يكتسح كل شيء, إلا أنه يفعل أكثر من ذلك: إنه يطهر. الإبحار يسلم الإنسان إلى قدر غير محدد, كل إنسان يسلم نفسه إلى قدره. وكل رحيل هو بالقوة آخر رحلة. ففي اتجاه العالم الآخر يسير المجنون على ظهر زورق أحمق, ومن العالم الآخر يأتي عندما يحط الرحال. إن إبحار المجنون هذا, هو في الوقت ذاته تمييز صارم, وانتقال مطلق. إنه لا يقوم بمعنى من المعاني سوى بتطوير الوضعية الاستهلالية للمجنون, ضمن جغرافية شبه متخيلة وشبه واقعية عند إنسان القرون الوسطى. إنه موضوع داخل الخارج والعكس صحيح. إنها وضعية بالغة الرمزية وستظل هكذا إلى يومنا هذا, إذا كان بإمكاننا الاعتراف أنا ما كان يشكل قديماً قلعة مرئية للنظام, قد تحول الآن إلى صرح لضميرنا!

يتبع ..

يوسف
12-08-2010, 01:09 AM
http://lh3.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/TGGqe48mIEI/AAAAAAAAANs/N9F2bMiiTJ8/Water%20and%20Dreams.jpg

هنالك من أخضع الماء لتحليل نفسي حتى يصف حزن الماء, وفرح الماء, حتى قال في عبارة شهيرة "ما أقسى عذاب الماء", أتحدث عن الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار في كتابه الماء و الأحلام, دراسة عن الخيال والمادّة. فكرة الكتاب والبحث جميلة جداً, وكانت لي معه وقفات رائعة ومزعجة, تكللت أخيراً بالنجاح. لا أعرف كم مرة حاولت قراءة الكتاب. في المرة الأولى وصلت للصفحة الخمسين وأنا لا أعرف ماذا يريد باشلار. فكرة الكتاب الجذابة هي من جذبتني لقراءة الكتاب رغم الموقف السلبي الأول. كررت قراءة الكتاب على أمل أن أجد طريق أستطيع من خلاله معرفة باشلار ومن ثم القراءة له. لم استطع فهم ما يريد باشلار الحديث عنه بعد خمس قراءات على الأقل, فتارة يكتب وكأنه يكتب قصيدة, ثم يتحول إلى فيلسوف يخضع الماديات لتحليل علمي, ثم أديباً حتى ظننت أني أقرأ نص أدبي. الكتاب يحتاج لصفاء ذهن وقراءة مركزة ولم تتوفر لي في يوم من الأيام. حين قرأت بيت سميح القاسم في بداية هذا المقال تبينت الطريقة التي من خلالها أستطيع قراءة باشلار. باشلار في كتابه فيلسوف متأمل, يخضع الماء لتحليل نفسي عبر الشعر. إذا قرأ قارئ ما الكتاب على أنه كتاب فلسفي سيفشل في قراءته, وإذا قرأ قارئ آخر الكتاب على أنه قصيدة سيفشل: هناك طريقة واحدة لقراءة الكتاب: أن يشارك القارئ باشلار تأملاته حول الماء ويسير معه على شواطئ الأنهار للتعرف على الماء الحزين, الماء العنيف, الماء العذب الماء الندي, الماء الجنسي, وماء الموت. لن يجد القارئء متأملاً للماء أكثر من الذي يقول: ولدت في بلد السواقي والأنهار, كانت سعادتي في مرافقة السواقي والمشي على طول الحواف, بالإتجاه الصحيح, اتجاه الماء الجاري, الماء الذي يقود الحياة إلى مكان آخر. بينما كنت أحلم قرب النهر, نذرت خيالي للماء, للماء الأخضر الرقراق, للماء الذي يخضر المراعي, لا أستطيع أن أجلس قرب ساقية من دون أن أغوص في حلم يقضة عميق, وأن أستعيد رؤية سعادتي. ليس من الضروري أن تكون الساقية والماء في منطقتنا, فالماء مجهولُ الاسم يعرف أسراري كلها, والذكرى ذاتها تخرج من سائر الينابيع.


http://lh6.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/TGGqff37PaI/AAAAAAAAANw/yRRAQRhC6pc/Edgar%20Allan%20Poe%E2%80%8F.jpg

سأختصر حديثي عن الكتاب من الفصل الثاني, والخاص بالماء عند إدغار آلان بو. للماء مكان, بل هيمنة كبيرة في أعمال الشاعر الأمريكي إدغار آلان بو. يبدو هذا القول غريباً! كيف بإدغار المثقل بنظرة ميتافيزيقية قاتمة أن يكون للماء مكان في أعماله. كانت حياة بو القصيرة والمأساوية مغمسة بعدم الإستقرار. مواضيع مثل الحياة في الموت, ودفن الأحياء ظهرت لدى بو في كتابات عديدة, كالدفن قبل الموت, وليجيا, برميل آمونتيلادو, وغيرها .. عالم بو عالق بين الحياة والموت, وكذلك المشاهد القوطية ليست من الزخرفات المجانية في كتاباته, بل هي تعكس الداخل المتمدن لشخصه المضطرب, من هنا, ما لديه من تعابير رمزية لللاوعي كانت محورية في كتاباته. من أشهر قصائده - وهي قصيدة أحبها كثيراً لقوة الموسيقى وصرامة الوزن - قصيدة الغراب. هذه القصيدة مخيفة, يبدو فيها الراوي مهووساً يعيش الأرق, كان يقرأ وينوح على موت فقيدته لينور في منتصف الليل حين زاره غراب, الطير الذي يأكل لحم الموتى وهو بالتالي رمز الموت.

يقول باشلار : هناك باعث نفسي مهيمن في أعمال إدغار آلان بو. هذا الباعث وفاء لذكرى لا تنسى. دائماً ما تمتلك المؤلفات الكبرى هذه العلامة المزدوجة: علم النفس يجد لها مكاناً خفياً, والنقد الأدبي يجد لها فعلاً أصيلاً. لغة شاعر كبير مثل إدغار لغة ثرية, لكن لها مراتب. الخيال يخبئ تحت ماهيته المفضلة مهية فاعلة تحدد وحدة التعبير ومرتبته. هذه المادة المفضلة عند بو هي الماء, وبشكل محدد ماء خاص, ماء ثقيل, أعمق, وأموتُ. صور المياه عند بو يتبع بالضبط قدر حلم اليقظة الأساسي, والذي هو حلم يقظة الموت. الصورة المهيمنة على شعر بو هي صورة الأم المحتضرة, المحبوبات اللواتي يحييهن الموت جميعاً: هيلانة, وفرانس, وفرجينيا, يجددن الصورة الأولى وينعشن الألم الأول: يجددن الألم الذي أثر في اليتيم الشاب.

كل ماء رقراق هو في نظر إدغار آلان بو ماء يجب أن يُظلِم. ماء سيمتص العذاب الأسود. كل ماء حي هو ماء قدره أن يتباطأ ويتثاقل. كل ماء حي ماء على وشك أن يموت. أن نتأمل الماء يعني تماماً أن نسيل, أن نذوب, أن نموت. حكاية الماء هي حكاية بشرية عن ماء يموت, يبدأ حلم اليقظة أحياناً أمام ماء رقراق, يدخل بأكمله في انعكاس فسيح, ضاج بموسيقى شفافة, وينتهي في عمق ماء حزين معتم, في عمق ماء ينقل همسات غريبة وجنائزية. إذ إن حلم اليقظة في جوار الماء, وهو يعثر على موتاه, يموت هو أيضاً موت كون غارق.

يستشهد باشلار من أعمال بو بقصة مغامرات غوردن بيم, هذه القصة قصة رحلات بحرية, قصة غرق, تعج بالتفاصيل التقنية عن الحياة البحرية. بلغ هاجس الدقة في القصة حد أن الغرقى المحتضرين جوعاً يُلاحقون على التقويم السنوي قصة حظهم العاثر. هذا الإستشهاد رائع جداً, خصوصاً أن المؤلف تعمد نشر صفحة كاملة من القصة تعج بالماء. ولكن ما لفت انتباهي ليس هذه القصة, بل حول الجمال والماء والموت. ياللرعب! كيف يجتمع الجمال والماء والموت عند بو, دفعة واحدة! عند بو الجمال يفضي حتماً إلى الموت, بعبارة أخرى, الجمال سببه الموت. والماء هو الدعامة الحقيقية للموت

ما استطعت أن أحب إلا هناك ..
حيث الموت!
يمزج نفسه بنفس الخيال!

ها هنا قلب مأساة إدغار آلان الشعرية, إذ يأخذ هنا شعار مؤلفه وحياته كامل معناه. هذه الأبيات هي من آخر القصائد - قصيدة إيرين -التي كتبها بو. في بداية القصيدة يهذي الراوي بأن انظروا للبحيرة, فهي تشبه ليثيه, نهر الجحيم في الأسطورة الأغريقية, قد نامت نوماً واعياً, ولا تود من أجل أي شيء في هذا العالم أن تفيق. كل جمال ينام! هذه الكلمات الثلاث هي فكرة بو في الجمع بين الجمال والماء والموت! هاهو سبب أن الماء هو مادة الموت الجميل الوفي. الماء وحده يستطيع النوم محتفظاً بالجمال, الماء وحده يستطيع الموت ثابتاً مُحتفظاً بانعكاساته, وإذ يعكس الماء وجه الحالم الوفي للذكرى الكبرى, للظل الاوحد, يمنح الجمال الظلال كلها, ويعيد الذكريات كلها إلى الحياة.

يوسف
27-08-2010, 09:30 PM
مرثية في مقبرة ريفية

http://lh6.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/THcKObLlAjI/AAAAAAAAAOk/JxRm9je9rE0/s512/1.JPG

أشاهد هذه الأيام مسلسل Cranford, من إصدار البي بي سي, وهو مقتبس من رواية الكاتبة الإنجليزية إليزابيث غاسكل. ميزة هذا المسلسل أن لا قصة مركزية فيه. بسيط جداً. لا يوجد شيء يجعل المشاهد يحبس أنفاسه ويتحمس لمشاهدة الحلقات تباعاً. تدور أحداث المسلسل في بلدة كرانفورد في شمال انجلترا في عام 1840م, ويتناول حياة وعادات وتقاليد بعض عجائز البلدة من الطبقة المتوسطة في تلك الفترة. إذا كان هذا هو الخط الرئيسي للمسلسل.. ماهي الفائدة من مشاهدته إذا؟ الجواب يكمن بأن ما يتناوله المسلسل هو الحياة. الحياة فقط. بكل ما فيها من ذكرى وفرح وألم. أواصر الصداقة بين كبار السن. لحظات الصداقة والخطبة والزواج والهروب. تقاليد المنزل والحب الذي يربط أبناء البلدة الواحدة والبيت الواحد. الكفاح من أجل الحياة. الطبقة الغنية التي لا تعرف ماذا يدور في البيوت الصغيرة. الطبقة المتوسطة والفقيرة التي لا تعرف ماذا يدور في القصور الكبيرة. السرقة من أجل الأكل. تربية الأغنام. حلب البقر. قراءة الشعر تحت ضوء شمعة. الكتاب. القراءة في المنزل. تشارلز ديكنز البطل الجديد للعصر الحالي. شكسبير وذاكرة الشعر. هذا هو مسلسل كرانفورد لا أكثر ولا أقل.

قبل أن أشاهد المسلسل قمت بقراءة بعض التعليقات في موقع IMDB, أحد الذين كتبوا تعليقاً قال: أرجوكم .. ألا يعرف أحد الشاعر الذي ألقى قصيدته هاري في تأبين السيد؟ طوال مشاهدتي للمسلسل كنت أريد أن اسمع هذه القصيدة التي لا أعرف عنها شيئاً سوى أن أحد المشاهدين أعجب بها. كنت أسأل نفسي: هل سأكون مثل هذا الشخص يبحث عن القصيدة؟ وهل الموقف أو المشهد جميل لحظة إلقاء القصيدة؟ ومن هو الشاعر؟ هذا ماظهر لي في الحلقة الأخيرة من المسلسل.

المفاجأة أني تحدثت عن هذه القصيدة قبل سنتين في أحد المنتديات. وبحق, لم يكن تركيزي منصباً على القصيدة ذاتها بقدر اهتمامي بالشاعر. كنت أقرا عصر فولتير في قصة الحضارة لديورانت, وقرأت عن شعراء ذلك العصر الإنجليز: ألكسندر بوب و جيمس طومسون و وليم كولنز و توماس جراي. والآن تظهر لي القصيدة في مشهد جميل وعذب, وبسيط كل البساطة.

http://lh6.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/THfyac5JjgI/AAAAAAAAAO4/2Ah_KW60oyE/9.JPG

السيد كارتر هو النسخة الإنجليزية من جان فالجان الفرنسي بصورة مبسطة من ناحية الفكر وليس بتشابه السيرة. هو يعمل مدير في ملكية الليدي ليدلو الغنية. صارم في الأمور المالية. تلك الصرامة المالية كان تحتاج لضابط من نوع خاص حتى يستطيع وقف هذا التشدد الذي قد يتحول إلى نوع كريه غير مقبول بالوسط العام. الضابط الذي كبح جماح كارتر هو الطفل هاري. الطفل هاري ابن لعائلة تسكن في كوخ حقير على الطريق العام. يحاول إعانة والدته وإخوته الصغار عن طريق السرقة من ملكية السيدة ليدلو. يضبط كارتر هاري متلبساً بالجرم المشهود. وهنا يكتشف كارتر نوع هذا الطفل الذي لو توفرت له وسيلة مناسبة لأصبح رجلاً ذكياً ومثقفاً وبارعاً. كيف بطفل فقير, يعيش في كوخ مع أهله أن يقرأ؟ تفاجأ أن هذا الطفل الذي لم تتوفر لديه وسائل التعليم يعرف القراءة.

http://lh5.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/THcKPkrX_6I/AAAAAAAAAOs/K8RDp3k4efQ/3.jpg

الزمن يتغير. وكل تطور للزمن يحتاج الإنسان لأن يتغير كذلك حتى يتكيف مع الظروف المحيطة ويستطيع مواجهة المصاعب التي قد تقابله في الحياة. ولكن كيف بطفل فقير أن يتعلم القراءة؟ هنا تتضح الأزمة شيئاً فشيئاً, وكأن معيشة أفراد مجتمع كرانفورد قائمة على الصدمات الحضارية. التعليم للأغنياء وليس للفقراء. مكان الفقراء هو العمل في نسج الصوف أو في رعاية الأغنام وماشابهها من حرف تقليدية. أن يتعلم طفل فقير أمر خطير لا يمكن السماح به. وسكة القطار: أليس في دخول هذه الآلة المزعجة ما يهدد مستقبل البلدة؟ دخول كائن جديد في محيط بلدة متمسكة بالعادات والتقاليد قد يهددها ويجبر سكانها على كتابة شهادة الوفاة لهذه البلدة الصغيرة.

هذا هو المسلسل بشكل عام. يناقش الحياة, يسير في طريق الحياة حتى تنتهي المواقف ويعود كل فرد من هذه البلدة إلى بيته ليقرأ أو لينسج الصوف. رغم أني لا أعرف من الشخصية التي ستكون هي المرثية بالمسلسل إلا أني حينما استمعت لهذا المشهد بين السيد كارتر السيدة غاليندو أيقنت أن السيد كارتر هو الشخص المفقود. يقول: هانبيري كانت جزءً كبيراً من حياتي. لم أبلغ الثلاثين بعد عندما تقدمت لطلب العمل. الذي كان يدير الملكية آنذاك دربني على طرقه, حتى أنه سمح لي بالزواج من إبنته. زوجتي كان لديها القليل من المال, وعندما ماتت, خطر لي شراء مزرعة صغيرة. أبدأ بداية جديدة بعيداً عن ذكراها. لكن لم أستطع التخلي عن الماضي و المكان الذي أصبحت أحبه كثيراً. أقنعني صديق بالإستثمار في مطحنته في هاليفاكس, و بدون مجهود. جنيت مالاً أكثر مما قد أجنيه في 30 سنة في هانبيري, لكن عندما ذهبت لرؤية المكان الذي جعلني ثرياً أصابني بالإشمئزاز! كان هنالك أطفال يجرون أكياس كبيرة من الصوف, ينامون تحت آلات النسج من التعب بشكل يرثى له, لدرجة مزقت روحي!

يقف الطفل هاري في غرفة صغيرة, أمام جثة السيد كارتر. ويلقي تلك القصيدة :

Graved on the stone beneath yon aged thorn
Here rests his head upon the lap of Earth
A youth to Fortune and to Fame unknown.
Fair Science frowned not on his humble birth
And Melacholy marked him for her own.
Large was his bounty, and his soul sincere
Heaven did a recompense as largely send
He gave to Misery all he had, a tear,
He gained from Heaven ('twas all he wish'd) a friend.

http://lh6.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/THcKQjUoOCI/AAAAAAAAAOw/osvaCEexFVw/Thomas%20Gray.jpg

ما أجمل التصوير الفني في هذه الأبيات. ! هذه الأبيات تمثل الأبيات الأخيرة من قصيدة الشاعر الإنجليزي توماس جراي الطويلة :"مرثية في ساحة كنيسة ريفية". في التراب, في ظل الشوك الهائل هناك وسادة لشاعر حزين. تجاهلته الشهرة والمجد في ظلمة هذا الزمن المتقلب. لم ينل من مناهل العلم والفن سوى كأس ظامئ. صاغت الليالي حزنه وطوقته بالشجن. الكون بأكمله كان في قلبه: يخفق بالود والحنان. من أجل ذلك, ولا لشيء آخر سواه, كافأته آلهة الشعر على نبل أخلاقه وكرمه. أعطى للبائسين والبؤس كل ما يملك: دمعة. فأكرمته السماء بأن أعطته أنبل ما في الوجود: قلب صديق.

قرأت ترجمتين للقصيدة. القصيدة الأولى كانت ترجمة حرفية للدكتور عبدالوهاب المسيري. والترجمة الثانية شعرية أدبية بواسطة الشاعرة العراقية نازك الملائكة. وهذا يقودنا لسؤال: ماهو المنهج الملائم لترجمة الشعر؟ يطول الحديث في هذا الموضوع. ولكن اختصر الجواب برأي لبورخيس. يقول بورخيس في إحدى محاضراته عن الشعر أن الترجمة الحرفية تساعد على فهم النص فقط. أما المنهج الذي يجب أن يُتبع في ترجمة الشعر لا بد من إنجاز ترجمة أدبية, تعتمد التمعن بدقة في العمل الأصلي قصد إيجاد وسائل لإعادة إبداع قول أو معنى الشاعر.

يقول ديل ديورانت في قصة الحضارة عن توماس جراي: ألبس جراي الاكتئاب الرومانسي لبوساً كلاسيكياً دقيق النحت، مستبدلاً بمقطوعات ألكسندر بوب الزوجية العالية الرنين رباعيات هادئة تتحرك في وقار شجي. طبقت شهرته الآفاق حيناً. فانعقد الإجماع في 1757 على أنه يقف على قمة الشعراء الإنجليز، وعرضت عليه إمارة الشعر فرفضها. وقال فيه كوبر متخطياً ملتون إنه الشاعر الوحيد بعد شكسبير الذي يحق له أن ينعت شعره بالسمو. أما آدم سميث فأضاف متخطياً شكسبير إن جراي يضيف إلى سمو ملتون أناقة بوب وتناغمه، ولا ينقصه شيء ليكون ربما أول شاعر في اللغة الإنجليزية، ألا يكون قد نظم شعراً أكثر قليلاً مما فعل. وأعجب جونسن بالمرثية، ولكنه كان يملك من العلم ما عله يجد عشرات العيوب في القصائد الغنائية. "إن لجراي ضرباً من الوقار المختال، وأني لأعترف أنني أتأمل شعره برضى أقل مما أتأمل حياته".

وفي كتاب مختارات من الشعر الرومانتيكي الإنجليزي يقول الدكتور عبدالوهاب المسيري: على الرغم من أن توماس جراي شاعر إنتقالي(قيل - رومانتيكي، كما يقال) إلا أن مرثيته الشهيرة تعد من عيون الشعر الإنجليزي، كما أنها تجسد سمات رومانتيكية عدة. فهي مرثية يبث فيها الشاعر أحزانه التي تثقل فؤاده في وحدته بعيداً عن المجتمع، تختتم القصيدة برسم صورة الشاعر الرومنتيكي الهائم على وجهه بين مناظر الطبيعة بعيداً عن البشر، يتأمل الطبيعة ويكتب شواهد قبور الفقراء ثم نسمع بعد ذلك وصفاً مؤثراً لجنازته هو، بل ونقرأ شاهد قبره.

حياة المكتباتي
28-08-2010, 04:08 AM
السلام عليكم

مرثية غراي

كتب عنها الطنطاوي مقالة في كتاب "صور وخواطر " صفحة 138
عادة الطنطاوي أن يكتب عن موضوع معين ويستشهد بأبيات شعرية
أو قراءات أدبية
لكن مقالة "مرثية غراي" هي الوحيدة التي نقل فيها الطنطاوي المرثية كاملة في 7 صفحات
وأكتفى بالكتابة على الهامش تعليقاً على المرثية .

" تعد هذه المرثية من أبلغ المراثي في الشعر الإنجليزي، قرأها عليّ صديقي الأستاذ حيدر الركابي فنقلتها إلى العربية كما فهمتها".

المقطع الأخير من المرثية الذي كتبته هنا
كما أورده الطنطاوي
..


" هنا ... في حضن الأرض، يرقد شاب تجهله الثروة، ولا يدري به المجد،
ولا يعرفه إلا الحزن الذي اصطفاه خليلاْ وهو في المهد، كان كريماً مخلصاً،
فكانت مكافئته عظيمة، منح البائسين كل مايملك: هو ودمعه!
ومنحه الله كل ما يطلب: وهو صديق. لم يحبّ أن يفيض في ذكر مزاياه أكثر مما أفاض،
ولم يشأ أن يهتك الستر عن نقائصه،
لأنه استودعها كلها الله الذي لا تضيع عنده الودائع".



لا أحب الشعر المترجم وكنت سأتجاوز هذه المقال للطنطاوي لكن لما قرأت أول سطر لم استطيع التوقف
مرثية مختلفة ليس فيها استدرار للعواطف ركز على الشواهد على القبور والمرثيات
محيط الموت أكثر من الموت والفقد .
كأنه يقول الفقراء بعد الموت مختلفون أيضاً .

من المقاطع التي أعجبتني في القصيدة

فيا أيها المغترون،
لا تلوموا هؤلاء المساكين أن خلت قبورهم من نُصُب المجد، وتماثيل الجلال،
على حين تتصاعد ألحان الثناء وأغاني المديح، من بين جدران المدافن الفخمة،
تحت أقبيتها المزخرفة.

...
لأن البخور المحروق، والتمثال المنحوت، لا يرد الروح على الميت الراقد.
وهتــاف الناس، وعجيج الجماهير، لا ينفخ الحياة في التراب الجامد.
وقصائد المديح وآيات الثناء، لا تبلغ سمع الموت البارد!...

تصف القصيدة موت الفقراء يتحدث كيف أن قدرهم لم يمنحهم المجد والإستمتاع لهتاف الجماهير وقراءة تاريخهم في عيون الشعب
ولكن القدر ايضاً منعهم من رذائل الأقوياء


ولكن القدر لم يمنعهم مزاياهم وحدها وفضائلهم، بل منعهم رذائلهم أيضاً وجرائمهم ...
فلم يرتقوا العرش على الجماجم، ولم يسدوا أبواب الرحمة على البشر
ولم يخفوا حمرة العار والخجل، ولم يخفتوا صوت الضمير،
ولم يعطروا معابد ترفهم واستكبارهم بالبخور الذي تحرقه شياطين الشعر.
...
أروع مقطع في القصيدة حيث يكمل وصف المقابر


ولكنهم مع ذلك لم تخل قبورهم من أثر للذكرى ضئيل: شعر مكسور، ونقش محطوم، يستجدي المارة آهة العطف، وهمسة التقدير،
ويحفظ عظامهم من أن تهان.

...
إن هذا الشعر، شعر الأمية الساذجة، الذي نطق بأسمائهم وأعمارهم،
يقوم مقام التبجيل والرثاء، وينشر بين القبور نصوصا مقدسة،
تعلم المربين والمعلمين كيف يصمتون ويتعلمون.

bp039




شكراً يوسف على كل ما تضعه هنا

يوسف
28-08-2010, 08:28 PM
حياة
مرحبا حياة. وعليكم السلام والرحمة. أشكر حضورك أولاً, ورحم الله الطنطاوي. القصيدة جميلة جداً ورائعة. كنت أؤمن بأن أجمل رثائية قرأتها هي رثائية إجناسيو سانشيز ميجاس للإسباني لوركا. ولكن هذه القصيدة أزاحتها عن عيني وأصبحت هي الرثائية الأجمل. القصيدة طويلة جداً, وما ذكرته هنا يخص أبيات "الشاهد" الأخيرة من هذه القصيدة لتوماس غراي.

هذه القصيدة هي مثال على ما جرى للترجمة الشعرية في ألمانيا على سبيل المثال. في مائة سنة فقط تم ترجمة الملك لير لشكسبير أكثر من ثلاثة عشر مرة. أي بواقع ترجمة جديدة كل ثمان أو سبع سنوات. هذا التجديد هدفه مسايرة العصر من حيث استخدام كلمات جديدة أو طريقة جديدة تنفع لترجمة الشعر بعيداً عن الترجمة الحرفية التي تعطي القارئ فهماً للنص دون تذوق روح الشاعر في القصيدة. الترجمة التي ذكرتِ هي نوع من الترجمات العربية القديمة التي تقوم بتحويل القالب الشعري إلى نص نثري. استخدمها عبدالرحمن بدوي في ترجمة أسفار هارولد شيلد لبايرون. هناك ترجمتين آخريين ذكرتهما في المقال السابق. الترجمة الأولى لعبدالوهاب المسيري, الترجمة كانت حرفية, هذه هي الأبيات:

هنا يرقد رأسه فوق أحضان "الأرض"،
"شاب" لم تعرفه "الثروة" ولا "الشهرة"،
لم يعبس "العلم" النزيه عند مولده المتواضع،
واختاره الكدر له خلا.
عظيما ً كان كرمه _ وروحه كانت وفية،جازته السماء بسعة،
فقد أعطى "للبؤس" كل ما ملك ... دمعة،
وأكتسب من السماء – وكان كل ما تمناه – صديقا ً.
لا تنقب عن فضائله لتكشفها،
أو تستخرج معا يبه من مأواها المهول،
(فهي ترقد جميعا ً متماثلة هناك، وفي أمل مرتعش)
على صدر أبيه وآلهة.


بينما ترجمة نازك الملائكة كانت مختلفة, وجميلة. لم تكن تهتم بالحرفية, بل كانت أدبية شعرية. يبدو أن نازك تفضل هذا النوع من الحزن الذي اندمجت به. سأنقل بعض الأبيات لنفس النص الذي ترجمة المسيري:


هاهنا في التراب في ظلة الشوك
وساد لشاعـر محزون
جهلته الحظوظ و المجد و الشهرة
في ظلمة الزمان الضنين
لم ينل من مناهل العلم و الفن
سوى كأس ظامىء مغبون
و الليالي صاغت صباه من الحزن
و هزت حياته بالشجون
وسع الكون كله قلبه الخفّاق
بالود و الحنان الدفـوق
و لقد كافأته آلهة الشعر
على قلبه النبيل الرقيق
منح البائسين أثمن ما يملكه:
عيرة انفعال عميق
فحبته السماء أنبل ما تمنحه للأحياء:
قلب صديـق
آهٍ يا عابر السبيل دع الشاعر
في مرقد الردى مطمئنا
لا تحاول كشف الستار عن الخير
و دع مقلة المساوىء وسنى
فوراء التراب قلب له في
رحمة الله مأمل ليس يفنى
مأمل الخافق الذي ضمه الله
إلى عدله فأغمض عينا


شكراً لحضورك حياة. bp039

يوسف
26-10-2010, 03:56 AM
بجعات برية

http://lh4.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/TMTLQTI-G2I/AAAAAAAAAS0/r3-8xOAc1N8/Wild%20Swans.jpg

كتاب بجعات برية للكاتبة البريطانية من أصل صيني يونغ تشانغ يصف تاريخ الصين الحديث من بداية القرن العشرين إلى ثمانينيات هذا القرن, عبر ثلاث نساء, هم الجدة والفتاة والحفيدة. في ثلاث أزمنة مختلفة. الزمن الأول يبدأ مع الجدة, حيث تحكي قصة حياتها في عصر الجواري والسادة. كان لجنرالات ذلك العصر جواري من الطبقات الفقيرة, وكانت الجدة إحدى هؤلاء الجواري. تقص تفاصيل تلك العلاقة بين الجنرال وسيدة المنزل الحقيقية والجواري الأشبه بالخدم, ثم ابتسام القدر لها وزواجها من رجل فاضل. ينتقل السرد على لسان أم الكاتبة التي عاصرت اللحظات الأولى لسطوع نجم الشيوعية في الصين من بداية نشأتها السرية, ونشأة الأم تحت الإحتلال الياباني. يتميز هذا الجزء من الكتاب بتفصيل أسباب نشوء الشيوعية في الصين وأهدافها الشعبية وكيف أصبح هذا الحزب الشيوعي يستقبل أفواج هائلة من السكان دون إجبار منهم. تتدرج الاحداث لتصبح الكاتبه هي بطلة القصة. فهي ولدت في بيت تربى على قيم الشيوعية, وعلى تقديس ماو, في مجتمع مخابراتي عسكري, أغلب أفراده عبارة عن مخبرين, يخشى الفرد فيه أن يفكر بينه وبين نفسه بأي شيء يخالف تعاليم ماو . تعيش الكاتبه الثورة الثقافية, وتكون أحد أفرادها التي دعا إليها ماو حين بدأ الحماس للثورة الشيوعية يخف, ودعا فيها للقضاء على كل الإرث الثقافي الصيني بأيدي الشباب المتحمس. يسير القارئ مع الكاتبة ليشاهد انهيار قيم الشيوعية أمام عينيه, ومعاناة والديها الذين بذلا عمرهما لخدمة الشيوعية, ليجدا نفسيهما في موقف المتهم بالخيانة بعد كل شيء.

بعد قراءة هذا الكتاب, تتوارد في ذهني عدة أسئلة لا أعرف كيف أصيغها, فكيف ابحث عن إجابة لها. أفكر في أسئلة لا أعرف كيف تكون, وابحث عن أجوبة لا وجود لها لأن لا سؤال بالتأكيد. يبدو الأمر مريعاً كرعب هذا الكتاب الذي يلقي بك في الدرك الأسفل من اليأس, ثم تقول: ماهي الحرية؟ ما هو العنف؟ كيف يبدو العنف؟ لماذا العنف؟ ثم وأخيراً, يا لرعب هذا الكائن البشري عندما يصبح أحط شأناً من الحيوانات التي تقدر الوفاء والصداقة ومن يعطف عليها.

لماذا أقول ما هي الحرية! كتاب يونغ تشانغ يجبر القارئ على سؤال نفسه حول حريته الحالية التي يتمتع بها ويقارنها بحرية الآخرين الذين وصلوا إلى درجة لا تعلق من التسلط والعنف.

كل دولة, قبل تأسيسها أو توحيدها تكون أرضاً خصبة للدماء. بمبرر أو دون مبرر, يجب أن تسقى الأرض بالدماء حتى ترتوي وتصرخ أن توقفوا, وقوموا بممارسة نوع آخر من أنواع العنف, عبر صناديق الإقتراع أو ما شابه ذلك من أنظمة الحكم. هذا ما حدث في الصين, والتي كانت أرض خصبة لأسياد الحرب يتقاتلون فيما بينهم حول من سيسيطر على أكبر قدر ممكن من الأراض. ثم يدخل الأجنبي فيحول كل سيد حرب, فوهة أسلحته تجاه المحتل الياباني. أسياد الحرب ومنهم الكومنتانغ الذين مارسوا نظام التفرقة الطبقية وحافظوا على عادات الصين القديمة الإجتماعية كانوا وطنيين في حربهم ضد اليابان. ولكنهم كانوا عنصريين ضد أبناء وطنهم, ومارسوا تجاههم أقسى نوع من أنواع أنظمة الحكم الفاسدة. ربما يكون الأمر مبرراً. الأرض في حالة حرب. ولا توجد قيادة واحدة تحكم الصين بشكل كامل. كل حزب يتصرف بما تمليه سياساته, يطبع نقوده, وترتفع الأسعار, وينهار سعر العملة, حتى أصبحت كمية الأموال الكافية لشراء كيس خبز يتم عبر جلب عربة فيها ملايين الأوراق المالية التي لا تساوي شيئاً أبداً.

على الطرف المقابل من الكومنتانغ كان هناك شباب وشابات صينيون منضمين تحت لواء جماعة لا تمارس النظام الطبقي تجاه أبناء بلدهم. يقاتلون اليابانيين بحرارة وشوق, ثم يفتحون أجزاء واسعة من الأراض الصينية ويمارسوا العدل تجاه كل السكان. كان الأمر في السابق, عندما تقتحم قوات الكومنتانغ مدن جديدة, تتم مصادرة جميع المراكز التموينية, ويتم اقتحام المنازل وإجبار السكان على العمل لصالح الكومنتانغ رغماً عنهم. هذه الجماعة الأخرى كانت تفعل العكس: كانوا يحييون السكان, ويؤمنوا الحماية الكاملة لهم, لا وجود للفساد بين صفوفهم, لا تفرقة عنصرية, يلبسون زياً موحداً. هذه المجموعة هي الحزب الشيوعي الصيني بقيادة ماو تسي تونغ.

كل هذه الأمور طبيعية وتحدث, بل وحدثت في أغلب الدول التي استقلت حديثاً أو تم توحيدها تحت قيادة واحدة. ولكن الشيء الأكثر حقارة وتفاهة هو شعور الإنسان بحاجته للعنف حتى وهو في أقصى درجات الرقي الإقتصادي والسلم الأهلي. بعد توحيد الصين تحت قيادة الحزب الشيوعي استقرت البلد تحت قيادة واحدة, منظمة تنظيماً إدارياً وعسكرياً يعجز التعبير عنه. تم الإهتمام بالعلم وتشجيع الزراعة وتسوية كل مخلفات الماضي. غزو القلوب قبل غزو العقول كما يقول ماو. هذا الغزو رافقه فقد الحرية, إلى درجة أصبحت فيها الجمهورية الصينية سجناً كبيراً, يخرج الصيني من سجن أصغر إلى سجن أكبر. إحدى أدوات هذا السجن هو النقد الذاتي. أن تكون صينياً يجب أن يكون ولائك للحزب فوق كل اهتمام, فوق العائلة والأديان والعادات والتقاليد, فوق كل شيء. إن وضعت العائلة أو إهتماماتك الشخصية في المقدمة يجب أن تتعرض للنقد الذاتي. والنقد الذاتي في الحزب ليس نقداً لمعرفة أين الخطأ وأين الصواب, بل أن تحضر في جلسة تضم قادة الحزب, ثم تنتقد نفسك بعنف حتى لو كنت مؤمناً بأن ما قمت به هو الصواب. كانت والدة يونغ ووالدها يسيرون في جبال سيشوان, تم نقلهم إلى مدينة أخرى بأمر من اللجنة المركزية للحزب. كانت والدة يونغ حاملاً, تسير على قدميها, بينما الزوج يسير في السيارة بحكم منصبه في الحزب. لما لا تصعد الزوجة في سيارة زوجها؟ سيخفف عنها الألم, وهو أمر طبيعي, سيفعله أي إنسان في أي مجتمع من المجتمعات البشرية. ولكن في الصين, كان هذا الامر بمثابة رشوة, بمثابة تقديم العائلة على الحزب. يجب أن يعاني الشعب المتمدن مثلما عانى الفلاحون ويقاسوا العذاب. يجب أن يأكلوا بمثل ما يأكلون حتى لو أصبح غير صالح للإستخدام الآدمي. يجب أن لا يتعلموا في الجامعة فقط, بل يجب إعادة تثقيفهم عبر إرسالهم إلى الأرياف لتدريبهم على قسوة الحياة. كانت إحدى لحظات الجنون تلك أن يقوم الشعب بأكمله بإنتاج الفولاذ. ليتخيل أي قارئ هذا الأمر فقط: كل مبنى قائم بحد ذاته في الصين, يجب أن يقوم سكان هذا المبنى بإخراج كل شيء يمت بصلة للحديد وإحراقه فوراً, حتى تصبح الصين المنتج الأول للفولاذ في العالم. إحدى نتائج هذا الحرق الجنوني وفاة أكثر من عشرين مليون في ظرف سنة واحدة في أقسى مجاعة تعرضت لها الصين في تاريخها.

عندما انتصفت في قراءة الكتاب كنت أظن أن هذه الأساليب القمعية والتسلطية ستتوقف, وستظهر لي الصين الجديدة التي أراها الآن تصارع الولايات المتحدة في حرب عملات مالية. ولكن الأمر كان أقسى مما ظهر في البداية, والسبب الثورة الثقافية. مسمى هذه الثورة جميل, في الحقيقة لم أكن أعرف معناه قبل قراءة الكتاب. يبدو الأمر جميلاً بأن تقوم بثورة ثقافية حيث يصبح للكتاب والقلم الدور الأهم في تأسيس نهضة الأمم. ولكن, في الحقيقة, أظن أني كنت مغفلاً.

بعد تنحي ماو عن السلطة فقد سيطرته الفعلية على الأمور. أصبج الحزب هو المتحكم بإدارة البلاد, وبقي ماو صورة رمزية فقط عن الثورة الشيوعية التي وحدت الصين الجديدة. من عاش على العنف والدم لا يستطيع أن يبقى في مكان واحد. كان ماو ينتقل بين الجبال والسهول مع كتائبة الحمراء يقاتل الكومنتانغ واليابانيين بجدراة, لم يعد لديه الآن كومنتانغ, ولا غزاة. سوف يسقي الأرض من جديد, عبر كتائبة الحمراء الجديدة الشابة, والتي لم تقاتل يوماً في ميادين القتال, وتم شحن عقولهم بعبارات ماو ومحاربة الإمبيريالية. ولكن من يقاتل؟

وجد ماو تسي تونغ في الحزب الشيوعي الذي أصبح المسيطر على البلاد هدفاً له. حذر ماو آنذاك من أن من أسماهم بممثلي البورجوازية قد اخترقوا الحزب الشيوعي الحاكم، وأنه سيعمل على اجتثاثهم. أطلق على هذه المجزرة الرهيبة الثورة الثقافية الكبرى. دعا من خلالها الشباب الذين لم تتجاوز أعمارهم العشرين أن يقوموا بالإنقلاب على الزعامة الشيوعية في البلاد. استجاب لدعوته ألوف الشباب الذين عُرفوا فيما بعد باسم الحرس الأحمر. وغرقت الصين في الفوضى التي راح ضحيتها مئات الألوف، وجرى تعذيب الملايين، وتخريب جانب كبير من تراث الصين الثقافي.

يتبع ..

يوسف
26-10-2010, 03:57 AM
تقول يونغ تشانغ بعد وفاة ماو الذي كان بالنسبة لها بمثابة الإله: في الأيام التي أعقبت ماو فكرت كثيراً. كنت أعرف أنه يعتبر فيلسوفاً, وحاولت أن أفكر في فلسفته. بدا لي أن مبدأها المركزي هو الحاجة أو الرغبة إلى صراع مستديم. كان يبدو أن جوهر تفكيره هو أن الصراعات بين البشر هي القوة المحركة للتاريخ, وأنه من أجل صنع التاريخ, يتعين على الدوام خلق أعداء طبقيين بالجملة. وتساءلت إن كان هناك أي فلاسفة آخرين, أدت نظرياتهم إلى معاناة كل هذه الأعداد وموتهم. وفكرت في الإرهاب والبؤس الذين أُخضع لهما الصينيون. من أجل ماذا؟ ولكن نظرية ماو قد تكون امتداد لشخصيته. بدا لي أنه كان حقاً, مروج نزالات, لا يعرف الراحة بطبيعته, وأنه كان يتقن عمله هذا. كان يفهم غرائز إنسانية قبيحة مثل الحسد والكره والكره, ويعرف كيف يسخرها لغاياته. كان يحكم بدفع الناس إلى كره بعضهم بعضاً. وبعمله هذا حمل الصينيين العاديين على تنفيذ المهمات, التي تضطلع بها في الدكتاتوريات الأخرى نخب مهنية. لقد تمكن ماو من تحويل الشعب إلى سلاح الدكتاتورية الأمضى. ولهذا, في عهد ماو, لم يكن في عهده معادل حقيقي لجهاز المخابرات السوفييتي الكي جي بي. في الصين لم تكن هناك حاجة لذلك. وبنبش وتغذية أسوأ ما في البشر, أوجد ماو مزبلة أخلاقية, وأرضاً من الكره. ولكن كم هو حجم المسؤولية الفردية التي ينبغي أن يشترك فيها الناس العاديون؟ هذا ما لم أتمكن من تحديده.

http://lh5.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/TMTNiTqDh0I/AAAAAAAAAS8/YeUoA2ClSJw/East%20West.jpg

الإنسان بطبعه ميال إلى الحرية, إلى أن يتحدث بحرية ويناقش ويكتب وينتقل من مكان لآخر دون المرور بسلسلة من التحقيقات التي هدفها حفظ النظام القائم. ربما تدور نقاشات حول الحرية ومستوياتها – إن كان لها من مستويات – ودرجة تقبل مجتمع ما لممارسات يتم العمل بها في دولة عن أخرى, ولكن الفكرة الرئيسية عن الحرية, أن أعيش حراً, هي في ذهن كل كائن بشري, حتى الطغاة منهم. في الدراما الروسية الفرنسية East / West يتم تجسيد توق الإنسان إلى الحرية, وكيفية الحياة داخل الأنظمة المنغلقة. في منتصف خمسينيات القرن الماضي يدعو الزعيم السوفياتي ستالين, أبناء شعبه اللاجئين في دول الغرب إلى العودة للوطن الأم للمساهمة في نهضة الأمة السوفياتية وعودة الأمور لمجاريها من جديد. يعود الطبيب إليكسي وزجتة الفرنسية ماري وإبنهم الصغير سيرجي من فرنسا إلى أوديسا ليتفاجئوا لا حقاً بالأحداث, وبالفخ الذي رسمه ستالين. تخوض الزوجة الفرنسية التي ولدت على قيم مختلفة, صراعاً عنيفاً مع زوجها والنظام الحاكم للعودة إلى بلادها فرنسا بكل الوسائل والطرق بعد أن مزّق النظام الحديدي جواز سفرها. ومسح كل شيء يتعلق بتاريخها واسمها ووطنها الأم. كل ما شاهدته في هذا الفيلم الواقعي هو نفس ماهو موجود في كتاب بجعات برية. الأنظمة في كلا البلدين مغلقة, السجن الصغير هو السجن الكبير. لا فرق. التحكم بمصائر وأقدار الناس وممتلكاتهم. يونغ تشانغ عندما فكرت بالسفر إلى الخارج انتظرت ما يقارب السنتين حتى تتمكن من السفر والهرب من هذا التحكم المبرمج بمصير الإنسان. بينما ماري انتظرت عشرة أعوام, وعبر مؤامرات ودسائس وتزوير وسجون الغولاغ, وعبر السباحة في البحر لست ساعات متواصلة, وعبر اليسارية الفرنسية الممثلة جابريل ديفيله, والتي أدت دروها ببراعة كاترين دينيف, في مساعددة الزوجة إبنة بلدها, ثم, حتى تصل إلى النقطة التي يقال أنها خارج نطاق المراقبة, تصاب برعشة الحرية. تلك الرعشة الي تُلقي بك أرضاً ولا تعرف في أي أرض تقف الآن.

كتبت هذه القراءة قبل أسبوع. كنت أريد تأجيل نشر هذه القراءة حتى أشاهد الفيلم الصيني الفائز بسعفة كان الذهبية لعام 1993, وداعاً محظيتي, Farewell My Concubine, وسأكتب عنه وأضيفه مع هذه القراءة خصوصاً وأن الفيلم يطرق باب الثورة الثقافية بصورة أخرى. من ناحية الفن, وتحديداً الأوبرا التي تم تحطيم الإرث الثقافي الذي تحمله لعقود طويلة. بعد مرور أيام لا أظن أني سأشاهد الفيلم. الوقت متوفر لدي ولكن لا أستطيع. كتاب يونغ تشانغ بجعات برية هو أشبه بقراءة مادة تاريخية كل شيء فيها أسود, يصيب القارئ باليأس. لا أريد أن استمر في هذه الحالة. رغم سوداوية الكتاب إلا أنه جميل, ورائع.

يوسف
28-10-2010, 11:35 AM
دراما اللامعقول

http://lh4.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/TMjVzT-mwXI/AAAAAAAAATM/3v0trrXBg8U/Godot.jpg

هذه أول مرة أجد نفسي مجبراً على توضيح العنوان وكشف معناه. فكرت بمسمى آخر قد يصلح لفهم دراما اللامعقول: مسرح العبث Theater of the Absurd. ولكن حتى هذه المصطلح ليس بأقل شأناً من السابق إذ ماهو هذا المسرح الذي يوصف بالعبث؟ المصطلحين مكملين لبعض. سواءً قلنا مسرح العبث أو دراما اللامعقول أو المسرح الطليعي, أو المسرح الجديد, أو المسرح المضاد. جميعها تصب في هدف واحد, وتحمل نفس المعنى والأفكار.

لنختصر هذه المصطلحات في مصطلح واحد هو دراما اللامعقول, حتى يتكشف كل شيء عن روح هذا المسرح وأفكاره. على أرض الواقع, لا توجد هناك مدرسة فنية أو حركة فكرية تطلق على نفسها هذا الإسم. ربما لو أوقفت بيكيت وهو خارج من مقهاه الباريسي, وسألته هل هو يتبع دراما اللامعقول, لأجاب غاضباً أنه لا يتبع هذه الحركة ولا يعرف ماذا تعني. وهو على حق, إذ أن كل كاتب من هؤلاء يسع للتعبير عن رؤياه الشخصية للعالم لا أكثر ولا أقل.

هناك مسرحيات سلكت طريقاً خاصاً بها, صدرت من عدد من المسرحيين الأوروبيين في أواخر الأربعينيات والخمسينيات والستينيات. عندما ظهرت مثل هذه المسرحيات - مسرحيات بيكيت ويونسكو وجينيه - حيرت معظم النقاد والمشاهدين وأثارت سخطهم. رغم السخط, إلا أن هذا النوع من الفن لاقى رواجاً حين سلطت الحرب العالمية الثانية الضوء على هشاشة الحياة البشرية. هذه المسرحيات حطمت الرؤية الكلاسيكية للمسرح. هناك من يذهب إلى المسرح ليشاهد مسرحية محكمة الصنع, لها هدف أو قصة, لها بداية ونهاية. توجد شخصيات لها مشاعر صادقة. هذا النوع من المسرح الجديد يسخر من المسرح الكلاسيكي المحكم. لا يوجد شخصيات حقيقية, شخصيات على أرض الواقع لها هدف أو غاية. ولا يوجد حوار. كل ما في هذا المسرح هو نوع من الثرثرة. وحتى البداية والنهاية, لا وجود لها. غالباً ما تبدأ بداية غريبة وتنتهي كما بدأت. لم أقرأ يوماً حواراً مع هؤلاء المسرحيين, ولكن أعتقد لو تم الحوار مع أحدهم لوجدنا أنهم يرفضون مناقشة أية نظريات أو غايات وراء أعمالهم. ربما يشيرون إلى شيء واحد: التعبير عن رؤياهم للعالم كأحسن ما يقدرون عليه, وذلك لأنهم فنانين يشعرون بحافز لا يمكن كبته للقيام بهذا.

الناقد الفرنسي المسرحي مارتن أسلين اقترح تسمية مسرح العبث على هذا النوع من المسرحيات. وهو يرى أن عمل هؤلاء المسرحيين يضفي بعداً فنياً على فلسفة آلبير كامو. ويطرح مصطلح دراما اللامعقول على أنه نوع من الاختزال الفكري لنمط معقد من التشابه في التناول والطريقة والتقليد, ومن الأسس الفنية والفلسفية المشتركة, سواءً كان بوعي أو بلا وعي, ومن التأثيرات الناجمة عن رصيد مشترك. ويعتقد أن أصول مسرح العبث تعود إلى الحركة الدادائية. أما الذين شكلوا مصدر إلهام فهم ألفريد جاي, ولويجي بيرانديللو, والسورياليين.

http://lh3.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/TMjVyHbWC7I/AAAAAAAAATE/HKu5uEOnEo8/Ionesco.jpg

بعيداً عن التنظير الفني لدراما اللامعقول, يمكن فهم هذا النوع من الدراما أو المسرح الجديد بقراءة بعض مسرحيات هذا النوع. قرأت مسرحية آميديه ليونسكو, أحد رواد هذا المسرح. في المسرحية رجل و زوجته في منتصف عمرهما, لم يغادرا شقتهما لأكثر من خمسة عشر سنة. تعمل الزوجة في تحويل المكالمات الهاتفية, أما الزوج فهو كاتب مسرحي لم يكتب طوال تلك الخمسة عشر سنة إلا سطر واحد فقط. في غرفة النوم توجد جثة. لا يتم الكشف عن حقيقة الجثة. ربما يكون عاشق للزوجة وقتله الزوج في ثورة غضب, أو ربما يكون لص, أو زائر, أو طفل. لا رؤية محددة تجاه الجثة. ولكن الشيء الغريب لهذه الجثة أنها تظل تنمو حتى تحتل مساحة الشقة بأكملها.

هذه الرؤية المسرحية قد تكون حلماً. ولا يمكن أن تكون واقعياً. يونسكو يكسر قوانين المسرح الواقعي ويريد أن يكون لهذا الحلم حضور واقعي في المسرح. هذا الحضور يعطي الجثة التي تنمو بشكل مستمر صورة شعرية. وبما أن هذا الرمز - الجثة - حلماً أولاً, وواقعياً ثانياً, من غير الممكن كشف الحقيقة الكاملة وراءها. من طبيعة الاحلام والصور الشعرية أن تكون غامضة, وأن تحمل حشداً من المعاني. ربما نستطيع أن نقول أن الجثة ترمز للقوة المتزايدة لجرم ماض, أو ربما ذبول الحب. أو صورة شر لا يتوقف.

الناقدة الأمريكية المخضرمة سوزان سونتاغ كتبت مقالاً مهماً عن إيونسكو في كتابها ضد التأويل ومقالات أخرى. تقول: يهزأ إيونسكو بالمسرح الأدبي القديم: إنه يحب شكسبير وكلايست, ولكنه لا يحب مشاهد مسرحياتهما على الخشبة. يقترح إعتماد حيلة تقوم على أن يمثل المرء عكس النص, أي أن يحول إنتاجاً رصيناً إلى نص عبثي وهزلي. إنه يكرس نفسه للملهاة العنيفة. بدلاً من القبو أو القصر يضع مسرحياته في غرفة المعيشة, وميدانه الهزلي هو غثاثة البيت وقمعه. بالمقارنة مع جينيه وبيكيت يعد إيونسكو كاتباً ثانوياً حتى في أفضل أحواله, فأعماله تفتقر إلى الوزن والقوة نفسها. أما أعماله, لا سيما القصيرة منها, وهو الشكل الذي يتلاءم أكثر ما يكون مع مواهبه, تحوي فضائل جمة: الجاذبية, والذكاء, والإحساس الجميل بتشخيص الموت, لكن الموضوعات المتكررة مثل الهويات التي تفلت من عقالها, والتكاثر الفظيع لأسماء, وفظاعة البقاء معاً, قلما تكون مؤثرة و مروعة كما يجدر بها أن تكون.

يتبع ..

يوسف
28-10-2010, 12:18 PM
في انتظار غودو

http://lh6.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/TMjVymvnoiI/AAAAAAAAATI/nbCIv6SuBsU/Beckett.JPG

"يحدث أحياناً، وسيحدث مرات ومرات، أن أنسى من أنا، فأختال أمام عينيّ كغريب!"
صامويل بيكيت


لعل من أكثر المسرحيات شهرة وشعبية هي مسرحية الكاتب الإنجليزي صمويل بيكيت: في انتظار غودو. قرأت المسرحية في جلسة واحدة. لم أجد شيئاً في المسرحية. أحاول أن ابحث عن شيء استند عليه كما في المسرح الكلاسيكي ولم أجد. طوال فترة قراءتي للمسرحية كنت أقول: متى سأتخلص من هذه الثرثرة والكلام الفارغ الذي لا طائل له. انتهيت من قراءة المسرحية ولم أعرف ماذا قرأت على وجه التحديد. لا يوجد موضوع محدد. ولكن أين الجاذبية في مسرحية بيكيت؟ قوة هذه المسرحية لا تعتمد على القراءة كما في حالتي أنا, ولا تعتمد على المشاهدة كما شاهدها آخرين على المسرح, قوة مسرحية بيكيت تأتي ما بعد القراءة أو المشاهدة. تجعلك تفكر بالشخصيات وبهذه الثرثرة الممتدة في فصلين. وكلما تعمقت في تحليل النص أو فك رموزها كلما تكشف لك جمال المسرحية و رؤيا بيكيت.

ماذا لدينا في مسرحية في انتظار غودو؟ انتظار اللامجهول. فقط. خمس شخصيات ينتظرون غودو الذي نعرف اسمه ولا نعرف شيئاً عنه. وتنتهي المسرحية على أمل أن يظهر غودو لنعرف سبب انتظار هؤلاء لغودو, وتغلق ستائر المسرح ولا يأتي غودو. الأكثر جنوناً في المسرحية هو البداية والنهاية. في الحقيقة, لا توجد بداية ولا توجد نهاية. لا يوجد زمان ولا مكان في لا بداية غودو. ولا يوجد كذلك لا زمان ولا مكان في لا نهاية غودو. نهاية المسرحية تبدأ بعد القول الأول في المسرحية لأسترجون وهو يحاول خلع حذاءه: عبثاً.

مسرحية غودو أشبه بمقتطع صغير من حياة كل فرد. وهل توجد بداية ونهاية في حياة الإنسان؟ إنه يمضي الساعات بغاية أو بدون غاية. كل ما عليك فعله لمحاولة معرفة مسرحية غودو أن يأخذ كل إنسان في حياته ساعة زمن, وأن يضع فيها كل الهراء والإحباطات في تلك الفترة الزمنية دون تحديد أي شيء ظاهر المعالم, ثم يقدمها للجمهور فقط.

لا أظن أن أحداً قرأ المسرحية - أو شاهدها - حتى يتفق معي أن أكثر شخصيات المسرحية إثارة وجنوناً هي شخصية لاكي. الشخصية الخادمة, المضطهدة, والتي أظهرها لنا بيكيت وكأنها أشبه بالكلب تحت سياط بوزو. و الذي كما أراه في الفصل الأول يمثل السلطة الديكتاتورية الجنونية الإقطاعية, والتي تمارس التعذيب ضد كل الكائنات الحية الغير قادرة على الدفاع عن نفسها.

رغم أن بيكيت كان صديقاً حميماً للروائي الكبير جيمس جويس إلا أنه لا يتفق معه على طول الخط, وتحديداً في حقل اللغة. جويس مؤمن بقوة إمكانات اللغة اللامحدودة, وبيكيت مؤمن بعجز اللغة عجزاً كاملاً.

قمت بالبحث في اليويتوب عن بعض مشاهد مسرحية غودو. وجدت أجمل مشهد في المسرحية, مشهد حديث لاكي. ماذا يدور في هذا الحديث؟ لا شيء. لاكي يتحدث بلغة غير مفهومة, هو عبد مأمور تحت سياط سيده بوزو, يأمره بالرقص فيرقص, ويأمره بأن يفكر فيفكر. ويطلق العنان لكل أفكاره. رغم عدم التيقن الكامل من مقصد لاكي أو ما ذا يريد قوله, بالإمكان اكتشاف البراءة التي كست روحه وتحدثه بنبرة عدمية مهاجماً كل الإحباطات التي تواجه إنسان القرن العشرين. من ما قاله وبالإمكان فهمه هو قول لاكي: يبدو جلياً أن الإنسان على خلاف الرأي المعاكس, أن الإنسان في بريس وتتسو وكونارد, أن الإنسان بالمختصر, ورغم تطور التغذية وإبادة النفايات فإنه يضعف بالتوازي والتزامن ولأسباب مجهولة. أعتقد أنه من الأفضل مشاهدة هذا المشهد هنا (http://www.youtube.com/watch?v=fFZatmOFpns). لاكي يستطيع التعبير عن نفسه أكثر من أي أحداً آخر.

يقول مارتن اسلين في تعقيبه على مشهد حديث لاكي: بيكيت يعارض ساخراً لغة الفلسفة والعلم ويستهزئ بها في الخطبة الشهيرة التي يلقيها لاكي. إن معظم الأحاديث اليومية خالية في الأعم الغالب من المنطق, ومن المعنى. وهنا نجد أن دارما اللامعقول تستطيع فعلاً أن تتفق وأعلى درجات الواقعية. إذا كانت أحاديث الناس الواقعية هي في حقيقتها لا معقولة, فإن المسرحية المحكمة الصنع هي غير واقعية, لما فيها من حوار منطقي مصقول, في حين تكون دراما اللامعقول تسجيلاً للواقع. وقد غدا دراما اللامعقول في عالم أصبح لا معقول, أكثر التعليقات صدقاً على الواقع وأكثرها دقة في نقل هذا الواقع.

يتبع لاحقاً, أو ربما لا يتبع.

يوسف
12-11-2010, 12:20 AM
التعبير عن العواطف عند الإنسان والحيوانات

http://lh5.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/TNojdU5d6BI/AAAAAAAAATw/b6WTY_CYiUU/Darwin1.JPG

أنا لا أتمتع بسرعة كبيرة للفهم أو للبديهة … وقدرتي على متابعة سياق طويل وتام التجريد من الأفكار محدودة جداً .. ولكني أتفوق على النسق الشائع من الناس في مقدرتي على ملاحظة الأشياء التي تغيب بسهولة عن الانتباه, وعلى مراقبة تلك الأشياء بدقة.
تشارلز داروين.

من الإصدارات المميزة للمنظمة العربية للترجمة هذه السنة هو كتاب العالم البريطاني تشارلز داروين التعبير عن العواطف عند الإنسان والحيوانات The Expression of Emotions in Man and Animals بترجمة مميزة للدكتور محمد الشيخلي, أستاذ الفيزياء الحيوية بجامعة بغداد. قبل أن اتحدث عن الكتاب يجب أن أوضح معلومة مهمة: الدار الناشرة تقول أن هذه الترجمة هي أول ترجمة لكتاب داروين. وهذه المعلومة غير صحيحة ويجب أن يتم تصحيحها في الطبعات القادمة. هذا الكتاب تم ترجمته في عام 2005 م من قبل المجلس الأعلى المصري للثقافة, إصدار رقم 977, بواسطة المترجم مجدي محمود المليجي, تحت عنوان التعبير عن الإنفعالات في الإنسان و الحيوانات. هل هناك فروقات في الترجمتين؟ قرأت ترجمة المليجي السنة الماضية وتوقفت في منتصف الكتاب. لا أريد أن أعيب ترجمة المليجي, حاول جهده في ترجمة الكتاب كاملاً وكتب مقدمة مميزة, وكل ذلك يحسب له باعتباره صاحب المباردة الأول في ترجمة الكتاب. ولكن كشخص غير مطلع بشكل كامل على المصطلحات الطبية والطبيعية سيجد مشكلة في الاستمرار في القراءة لعدم فهمه بعض المصطلحات التي تحتاج لتعريفات وتوضيح, وكلما كان هناك توضيح وتعريف, فالقراءة ستصبح بطيئة وقد تفشل. أما ترجمة محمد الشيخلي فهي سهلة القراءة وواضحة والمصطلحات مفهومة ونستخدمها يومياً. أي قارئ غير مختص بالأمور الطبية أو الطبيعية لن يجد مشكلة على الإطلاق في قراءة كتاب داروين هذا وبترجمة الشيخلي من إصدار المنظمة العربية للترجمة.

هل يجب أن يكون الكتاب ممتعاً حتى نقول عنه أنه رائع ويستحق القراءة؟ أي بأن القارئ يستعذب القراءة ويحبها, ولا يريد التوقف دقيقة واحدة. عند قراءة الرواية مثلاً, أي رواية جيدة من المؤكد أنها أعطت القارئ ما يبحث عنه, وإن لم يجد المتعة في الرواية سيقول أنها لا تستحق القراءة بشكل مباشر. ما ينطبق على الرواية هل يمكن أن ينطبق على الكتب الأخرى: الكتب الطبية مثلاً أو الفكرية وغيرها. هذا السؤال مهم جداً وليس عبثي. إجابة هذا السؤال ليست شيء مؤكد عند القراء على وجه العموم. هناك من يقرأ لسبب محدد, إن توفرت المتعة في المادة المقرؤة كان بها, وإن لم تكن هناك متعة فلن يتوقف عن القراءة لأنه أجبر نفسه على القراءة لعدة أسباب: ربما لهدف تعليمي أو نقدي. ولكن القارئ الحر الغير مرغم على قراءة كتاب محدد, لن يستمر في قراءته مالم يجد المتعة في المادة المقرؤة. ولكن هذا الشيء محير بالفعل. كيف يمكن أن يكون كتاب فلسفي مثلاً ممتعاً. المفكر الفرنسي ميشيل فوكو في حوار له كان يشير إلى أنه في كتاباته يسعى لإمتاع القارئ أولاً قبل أن يقدم له خلاصة أفكاره. ولكن بعض المؤلفين لا يلقون بالاً للمتعة المرجوة التي يطمح إليها كل قارئ. هم يطلقون شرارة اللهب, إن حققت المتعة أم لا, فهي قد أُطلقت ولا سبيل لإيقافها. متعة القراءة موجودة في كل الكتب بلا استثناء. وكل قارئ يضع معيار متعة القراءة له. حتى أعقد الكتب الفلسفية التي – ربما – لا أجد فيها أي متعة على الإطلاق, هناك من يجد فيها متعة خالصة لا يمكن أن تتوفر في أي شيء آخر. أتذكر أني قرأت جزء من رسالة مرسلة من نبيلة نمساوية إلى الفيلسوف الشهير إيمانويل كانط, تقول فيها: يا كانط العظيم, إليك ألجأ كما يلجئ المؤمن إلى إلهه. مضت في رسالتها تبث حبها له, وتقول : لولا كتبك لقتلت نفسي. السبب الذي يجبرني على طرح هذا الرأي هو كتاب داروين. صحيح أني أقرأ الأدب وأجد فيه ما ابحث عنه. ومع ذلك أفضل الخروج عن نطاق الأدب لأفتح مجالات قراءة أخرى. لا ابحث عن المتعة في الكتب الغير أدبية, فأنا ابحث عن التنويع واكتشاف مجالات جديدة. من الأشياء التي لم تخطر في بالي قط, أن أجد كتاب داروين هذا يحوي كل المتعة التي ابحث عنها في الأدب. أقرأ باستمتاع بالغ وكأني أقرأ نص أدبي بالغ الإتقان. ربما يعود السبب في ذلك لمادة البحث المطروحة في الكتاب, وهو شيء محبب ويحصل يومياً في حياتنا اليومية ونقرأ عنه في الأدب بشكل كبير, بل يعتبر من أساسيات الرواية والأدب: التعبير عن العواطف. أو ربما يعود السبب في طريقة ترتيب داروين لتلك المبادئ وتصنيفها والحديث عنها عبر استشهادات من المحيط القريب له, والبعيد جداً. هذه المتعة التي قدمها لي داروين أجبرتني لاحقاً على مشاهدة ثلاثة أفلام وثائقية عن داروين ونظرية التطور, وفيلم تلفزيوني عن حياة داروين.

لا أعرف هل أبدأ بالحديث عن الكتاب أو بالمؤلف أو عن نظرياته التي تلقى كل القبول, وكل الرفض كذلك. لا أعرف من أين أبدأ الحديث بكل صراحة لأن المؤلف شخصية ليست سهلة للغاية , قد اكتب أشياء قد تغضب الطرف الآخر والعكس صحيح. من أجل ذلك سأبدأ من تمثال تشارلز داروين الضخم في متحف التاريخ الطبيعي في لندن. قبل عقود من الزمن, عندما كان داروين يطوف برحلته البحرية وهو شاب, يجمع أنواع مختلفة من الكائنات الحية الغريبة وبقايا الحفريات, كان هناك عالم أحياء وتشريح مقارن ذائع الصيت في لندن يدعى ريتشارد أوين. عندما نذكر كلمة ديناصور غالباً ما يذكر اسم أوين الذي أطلق هذا الإسم لأول مرة على بقايا الديناصور الموجود حالياً في القاعة الرئيسية في المتحف. أوين يعتبر النقيض العنيف لداروين. فهو معارض بشكل كلي لنظريات داروين حول التطور والإنتخاب الطبيعي. قاد ذلك لاحقاً إلى مهاجمة الطرفين لبعضهما طوال سنوات. داروين كان متفرغاً لبحثه الذي لم يطرحه إلا بعد وقت طويل, بينما أوين كان القوة الدافعة وراء تأسيس أعظم متاحف التاريخ الطبيعية في العالم. كان يحلم بأن يكون المتحف الذي يضم عجائب الخلق على طراز الكاتدرائيات العظيمة المبنية في أوروبا في القرون الوسطى. تم إقامة المتحف بصورة تخلب عقل كل من زاره واطلع عليه عام عام 1881م. كنت قد زرت هذا المتحف السنة الماضية. لم أدخل مباشرة إلى المتحف, وإنما أخذت دورة كاملة على المتحف للتأمل في شكله الخارجي الذي يقارع أجمل التحف المعمارية في العالم. ولكن, لو تأخرت قليلاً في زيارة المتحف لربما لكان بالإمكان اللحاق بمشاهدة المعركة الأخيرة التي حدثت بين داروين و أوين عام 2009م. تفاصيل هذه المعركة هي كالتالي: تم إنشاء المتحف بدعم قوي من ريتشارد أوين, عند وفاة أوين تم اقامة تمثال ضخم في القاعة الرئيسية للمتحف, بحيث يطلع عليه أي زائر للمتحف. المتحف يضم كنوز هائلة من عجائب الخلق, وكل عينات داروين التي جلبها معه من رحلته الطويلة. في السنة الماضية, وفي غمرة احتفال المجتمع العلمي بمرور مائتين سنة على ميلاد تشارلز داروين, قررت إدارة المتحف إزاحة تمثال أوين الذي كان القوة الدافعة لإنشاء المتحف, وتنصيب مكانه تمثال أضخم منه لعدو أوين اللدود تشارلز داروين. حتى في التفاصيل كان الأمر مختلفاً. كان لون تمثال أوين قريب للون الأسود, ويجسد شخصية أوين وهو واقف. بينما تمثال داروين العكس منه, تمثال يكسوه البياض وهو جالس على كرسيه يضع قدمه على الثانية, وكأنه يعلن سلطته وقوته ومعرفته تجاه أوين.

عندما كان تشارلز داروين في المدرسة الثانوية وصفه مديره بأنه عابث دائم الحركه. لا يقوم بعمل ذي نفع ولو ضئيل. العمل النافع في رأي المدير هو دراسة النظريات اليونانية, أما اللهو الذي كان يفعله داروين في المدرسة ليس إلا ملاحقة جميع أنواع الخنافس وتجميعها. أرسله والده إلى أدنبره لإكمال تعلميه والإلتحاق بجامعة أدنبره لدراسة الطب. لم تكن هذه الجامعة أفضل من المراحل السابقة لدراوين, رغم أنه استفاد منها بعقد صداقات مع بعض الأشخاص الذين أصبح لهم باع طويل في العلوم الطبيعية, إلا أنه غادرها وهو يحمل أقسى أنواع التعبير تجاه أساتذته. وصف أحد أساتذة الطب بأنه ذكرى مخيفة, ووصف أستاذ علم التشريح بعبارات غاية في القسوة, أما أستاذ علوم الحيوان فوصفه بأنه بلغ درجة من الغباء لا تصدق.

في آب من سنة 1831م تلقى داروين رسالة غيرت مجرى حياته كلها. كانت الرسالة من صديقه ومعلمه جون هينسلو, يدعوه فيها إلى الموافقة كأحد علماء الطبيعة على القيام برحلة علمية مع القبطان فيزوري لمسح الشواطئ الجنوبية لأمريكا الجنوبية لمدة سنتين على الأقل. كانت السفينة التي أقلت داروين الناقلة البحرية البيجل. ابحرت من بلايموث في كانون الأول من عام 1831م متوجهة إلى أمريكا الجنوبية, ولم تعد حتى تشرين الأول من عام 1836م, وبذلك أصبحت السنتان خمس سنوات. وتحولت رحلة أمريكا الجنوبية إلى رحلة حول العالم لتكون واحدة من أهم الرحلات الاستكشافية في العصور الحديثة. من أمريكا الجنوبية ابحروا عبر المحيط الهادئ إلى نيوزيلندا واستراليا, وجنوب أفريقيا, ثم ابحروا عائدين إلى امريكا الجنوبية قبيل الانطلاق إلى انجلترا. كتب داروين : إن الرحلة على متن البيجل كانت بلاشك أهم حدث في حياتي على الإطلاق. في السنوات الأولى أبحرت البيجل ذهاباً واياباً على ساحل أمريكا الجنوبية, وقد مكن هذا داروين من أن يألف القارب, داخل الأرض أيضاً. وقد كان لغزوات البعثة داخل جزر الجالاباغوس في المحيط الهادئ غربي امريكا الجنوبية دور مهم, حيث مكنت داروين من جمع كميات ضخمة من المواد الخام وارسالها إلى انجلترا. ومع ذلك فقد احتفظ داروين بملاحظاته عن الطبيعة والنشوء الحياة لنفسه. وعندما عاد إلى وطنه في السابعة والعشرين من عمره, وجد أن صيته كعالم في الطبيعة قد ذاع. وكان قد وضع تصوراً لما سيصبح لاحقاً نظريته في النشوء. لكنه لم ينشر عمله الرئيسي إلا بعد سنوات من رجوعه.

يتبع ..

يوسف
12-11-2010, 12:26 AM
http://lh3.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/TNojdwE1XYI/AAAAAAAAAT0/eAk5TkUFIDE/Darwin2.jpg

كل فكرة قابلة لأن تثير درة فعل, أو ما يشبه الإنقلاب على الموروث الفكري والحضاري لأمم تؤمن بشيء بالنسبة لديهم مقدس, تسبقه بالطبع إرهاصات ومواجهات إما في وسط الفرد الذي سيواجه ردة الفعل تلك, أو في وسط المنظمة أو الجماعة التي قد تتخذ عدة إحتياطات للدفاع عن رؤاها. في فيلم Creation من إصدار البي بي سي نشاهد مثل هذه الصراعات في حياة عالم الأحياء تشارلز داروين في محيط عائلته قبل نشره كتاب أصل الأنواع. من الصعب أن يكون كتاب واحد يحكي سيرة عالم أو أديب أو مؤرخ, بالنسبة لداروين كتاب أصل الأنواع هو تاريخ داروين وحياة داروين. ولن تكون فكرة نشر الكتاب مجرد فكرة يجب أن تظهر للجمهور هكذا و دون مقدمات. بل هناك صراعات نفسية وإجتماعية أفرزت في الأخير نشر هذا الكتاب. هذه الصراعات النفسية والإجتماعية نشاهدها لدى داروين على مستويين. المستوى الأول ما قبل وفاة ابنته آني, والفترة الأخرى ما بعد وفاة آني, وهي التي أطلقت في عقلة مجمل التساؤلات عن الوجود والخلق. أو كما يقول كاتب بيوغرافيا داروين مايكل ريوس أن وفاة آني حطمت المتبقي من إيمان داروين. إن داروين الذي يخشى نشر نظريته كما يقول حتى لا يتم العبث بها أو مهاجمتها من قبل الجمهور الواسع في مدينته كِنت وفي الدولة عموماً, مارس نوع من التجربة أو المواجهة مع الطرف الآخر, وبالتحديد مع زوجته إيما داروين, التي كانت على النقيض منه: امرأة متدينة شديدة التدين.

زوجة داروين مسيحية متدينة ترفض على الإطلاق أفكار زوجها. ما يعانيه داروين حسب وصفها هو بسبب إيمانه الذي انهار أمام عينيه, وأدخله في دوامة عنيفة من التساؤلات التي أفرغها في كتابه الذي يكتبه لسنين طوال. كان يصطحب زوجته المتدينة إيما وأبنائه كل يوم أحد إلى الكنيسة. وبينما كانوا يستحثون الخطى للدخول, كان داروين يبقى في الخارج ويذهب إلى الغابة القريبة التي شبهها بكاتدرائية الإيمان الضخمة التي لا غنى عن الإيمان بها. ما يعانيه داروين هو في كيفية التوفيق بين أفكاره التي تجد القبول بين بعض أوساط العلماء, والرفض الذي يواجهه من زوجته التي أحبها, ومن أوساط المجتمع المتدين المحيط به. إيما تعرف بأن أفكار زوجها الموجودة في الكتاب الذي أمامها هي من تملك حق تقرير مصيره. إما أن تلقي به في النار وتكون مثل غوغول, أو أن تعطي الحرية لزوجها في التعبير عن رأيه رغم مخالفتها التامة لكل أفكاره.

هذا السؤال خطر على بالي وأنا أشاهد بعض الأفلام الوثائقية: لماذا تردد داروين لعشرين سنة في نشر نظريته للعامة؟ كانت لديه العينات التي جلبها من رحلة البيجل, ولكن كان يبحث عن أساس يستند عليه. وحتى بعد أن وجد الأساس الذي بنى عليه نظريته في كتاب مقالة في المبادئ السكانية لتوماس مالتوس. لم يبادر إلى نشر الكتاب. بل كان يعيد ويكتب من جديد. قام بتلخيص النظرية في خلاصة كتبها خصيصاً لزوجته لهدف محدد. يقول في إحدى رسائله: عزيزتي إيما, أتممت هذه الخلاصة لنظريتي عن أنواع الكائنات الحية. أخبرك بذلك من أجل أن تحتفظي بمبلغ من المال – 400 باوند – لنشرها إذا مت فجأة. مع كل الحب. ت. داروين. بعد كتابة هذه الرسالة بأربعة عشر عاماً نشر نظريته مكرهاً. بعد عودته من الرحلة بعشرين سنة وصل إليه طرد من عالم طبيعة كان يعمل في إندونيسيا, كان اسمه ألفريد راسل والاس. هذا الطرد كان مختلف عن أي طرد تلقاه دراوين في حياته. كان يحتوي على مقالة مشابهه بشكل كامل لنظرية داروين. كانت الفكرة قد خطرت على بال والاس وهو مستلق في كوخه شبه هاذ يعاني حمى الملاريا. ما كان ينقص والاس الشواهد والعينات والأدلة, بعكس داروين الذي جمع شواهد لمدة ستة سنوات وانكب على صياغتها لعشرين سنة.

يتبع

يوسف
12-11-2010, 12:31 AM
http://lh5.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/TNojewvvwhI/AAAAAAAAAT4/E9v7D0tmUqM/Darwin3.jpg

لماذا نبسط أذرعنا عندما نصاب بقلة الحيلة والعجز؟ لماذا نحرك رأسنا للأمام كناية عن قول نعم؟ لماذا يصاب الوجه بالتورد – خصوصاً النساء – عند سماع خبر مفاجئ يسعدهم؟ لماذا عند الشعور بالخجل ننظر للأسفل دون إرادة منا لتوجيه نظرنا للأسفل؟ لماذا عند عقد العزم على تنفيذ أمراً ما نكتم الهواء داخل صدرونا وتكون أعيننا مفتوحة على الأخير خشية أن يتهدم الأمر المراد تنفيذه؟ لماذا تحدث كل أنواع التعبيرات التي نقوم بها بوعي أو بدون وعي؟ هل تختلف التعبيرات من منطقة إلى أخرى؟ هل التعبير لغة عالمية يتشارك فيها كل البشر؟

الحياة بأكملها عبارة عن تعبير. نتحدث للطرف الآخر وفقاً للتعبير الذي يظهر لنا. لا يمكن أن نتحدث بسعادة أو نضحك مع إنسان قسمات وجه تظهر أنه تعيس ويعيش حالة مزرية. حين ندخل مثلاً عند فرد سعيد سنبادر إلى سؤاله فوراً : ما سبب سعادتك؟ أو حين نرى إنساناً يكسوه الحزن وأكتافه للأسفل وعيناه شاخصة إلى الأسفل, سنعرف أن شيء يدور في ذهنه أو أنه تعرض للفقد, فقد الأقارب أو الأصدقاء مثلاً. ولكن, حقاً .. لا أجد فقط التعبير البشري هو الذي يحدد لنا المدخل للحديث ولإصدار رد فعل تعبيري كذلك, بل حتى الجمادات التي لها ذكرى عزيزة في أنفسنا تجبرنا على القيام بتعابير خاصة بها. كذكرى المنزل القديم أو مكان حدثت فيه ذكرى خاصة بنا في سنوات مضت. كما يقول داروين في فصل الحب والمشاعر الرقيقة: تسبب الذكرى الحيوية للموطن أو المنزل الأول, أو عند تذكر الأيام الخوالي السعيدة , تسربل العيون بالدموع, وترادونا أيضاً الأفكار إلى أن هذه الأيام سوف لن تعود. في مثل هذه الحالات قد نُسري عن الذات بمقارنة الحاضر مع الماضي, أو بذكر إحباطات الآخرين, أو حتى المقارنة مع إحباطات خيالية أو متخيلة لأبطال من قصص الخيال, والتي لا نشعر إزاءها عادة بأي تعاطف, فهي سرعان ما تستدر فينا ذرف الدموع, كما في حالة الحبيب الذي نجح أخيراً بعد محاولات صعبة كما في القصص والروايات القديمة. بمجرد أن نُعبر عن تعاطفنا وشفقتنا لحزن صديق, تفيض الدموع من أعيننا. يفسر شعور التعاطف أو الشفقة عموماً بافتراض أنه عندما نرى أو نسمع معاناة أحدهم, فإن فكرة المعاناة تُسترجع في مخيلتنا, وبشكل حيوي, بأننا نحن أنفسنا نعاني. نحن نتعاطف مع الحبيب أعمق بكثير من تعاطفنا مع شخص لا يعنينا. وإن تعاطف الحبيب معنا يعطينا شعوراً بالارتياح أكثر من تعاطف الآخر. ومع ذلك, نبقى بالتأكيد نتعاطف مع من لا نكن له أي عاطفة. لماذا المعاناة إذا ونحن نتعلم من أنفسنا وبأنفسنا, وإن هذا التعلم يستثير البكاء؟

داروين لا يسأل عن متى أو كيف يحدث هذا التعبير, بل يسبقه بلماذا. أغلب العلماء والباحثين الذين نشروا أبحاث خاصة بالتعبير والإنفعال كانوا يقومون بتوجيه التساؤل عن ماهو, وكيف, ومتى, وماهي, التعبيرات التي تظهر من جراء كل انفعال. كيف يتم إنتاجها؟ متى يتم حدوثها؟ يتعامل داروين مع تلك التساؤلات, إلا أنه كان مختلفاً بطرح سؤال مختلف: لماذا تحدث التعبيرات بأحد الأشكال المعينة؟

قبل أن يكتب داروين كتابه كان هناك كتاب يناقش التعبير عن العواطف البشرية وتأثيراتها للسير تشارلز بيل تحت عنوان تشريح وفلسفة التعبير The anatomy and philosophy of expression. استند داروين في تفسير مبادئه على هيكل بيل, الذي, يقال أنه, يجب أن يكون كتاب تشارلز بيل موضوع تأمل من قبل من يحاول استنطاق وجه الإنسان من خلال الفلاسفة كما من خلال الفنانين, فتحت مظاهر الخفة وبحجة الجمالية, نحن أمام الأثر العلمي الأجمل لعلاقات المادي بالأخلاقي. ولكن داروين لن يسير على خطى بيل في تفسير العواطف عند الإنسان والحيوانات. كما يقول في مقدمة كتابه: عندما قرأت عمل السير بيل العظيم, ورأيه في أن الإنسان قد خلق بعضلات معينة مكيفة خصيصاً للتعبير عن مشاعره, صعقني الأمر بأنه غير مرض. من المحتمل أن تكون مشاعرنا بحركات معينة قد اكتسبت تدريجياً بطريقة ما, على الرغم من اعتبارها الآن غريزية. ولكن لاكشاف كيفية اكتساب هذه العادات كان الأمر مربكاً إلى حد بعيد. ويتوجب النظر في الموضوع برمته بمفهوم جديد يتطلب تفسيراً منطقياً لكل تعبير.

من الجدير بالذكر كذلك, – وهو أمر طريف – : في نسخة داروين من كتاب تشارلز بيل, حين قرأ داروين مقدمة الكتاب وضع تحت هذا الجملة خط. كان بيل يقول في هذا السطر: أكثر عضلة جديرة بالانتباه موجودة في الوجه البشري هي العضلة الفوق محجرية, التي تقوم عن طريق عقد الحاجبين بإحداث تأثير غامض يقوم بتوصيل التفكير الذهني بشكل مبهم. كتب داروين تحت هذه العبارة: القرد هنا .. لقد رأيت هذه العضلة تامة التكوين في القرود .. أنا أشك يا بيل بأنك قد قمت بتشريح أي قرد على الإطلاق.

يعتمد تفسير داروين لمجمل حالات التعبير على ثلاث مبادئ أساسية. المبدأ الأول هو العادات المفيدة. ما يقصده هو أن بعض التعبيرات قد نشأت من خلال حركات كانت مفيدة مسبقاً. المبدأ الثاني, والذي لم يتم ذكره عند أي من خبراء علم الفراسة والتعبير, هو مبدأ التضاد. تفسير هذا المبدأ هو أن بعض التعبيرات قد تم انتقاءها لأنها تبدو مختلفة عن التعبيرات الخاصة بالإنفعالات المضادة. مثال ذلك عندما نقوم بهز أكتافنا عندما نشعر بالعجز, هذا التعبير هو المضاد للحركات الخاصة بالذراعين والأكتاف والأيدي التي نقوم بها عند تأكيد ذواتنا بشكل عدواني. المبدأ الثالث هو التأثير المباشر للجهاز العصبي. أي حركة نقوم بها يتم تحديدها من قبل الجهاز العصبي, إلا أن الفعاليات تجري بتأثير الإرادة أو خلال العادة, أو مبدأ الأطروحة المضادة. يعترف داروين بأن هذا المبدأ سيبدو غامضاً, حتى أن أحد المدققين انتقد هذا المبدأ, وأقر داروين بصحة نقد المدقق لهذا المبدأ. بقراءة بعض التعبيرات لهذا الفصل بالإمكان فهمها بطريقة سهلة للغاية. يقول داروين في مثال على هذا المبدأ: تحت تأثير الفقد الفجائي لشخص عزيز أو حبيب, فإن أول ما يرد إلى الفكر هو لا بد أن هناك شيئاً ما كان يمكن أن ينقذ الفقيد من الموت. وقد وصف شخص يتمتع بملاحظات ممتازة تصرف فتاة لحظة سماعها بوفاة والدها, قائلاً: أخذت تطوف في المنزل وهي تعصر أو تلوي يديها كمخلوق مخبول متمتمة بأنه كان خطؤها ( كان يجب أن لا أتركه أبداً ), ( لو لم أفارقه وجلست معه فقط ). وهكذا. مع مثل هذه الأفكار التي تحضر بنشاط أمام العقل, يتبلور خلال مبدأ العادة المرافقة, الميل الأكبر لفعل حيوي من نوع ما. وحالما يعي المصاب فقد الحبيب وبأنه لا شيء يمكن عمله لإرجاعه يحل الأسى والأسف العميق محل الحزن والمرارة, فيركد المصاب بلا حراك, أو يحرك جذعه برفق يمنة ويسرة, وتصبح دورته الدموية واهنة, وتنفسه غير موجود تقريباً وهو يجترح الآهات.

إذا كان الكتاب تفسيراً لهذه المبادئ, سيبدو الكتاب وكأنه كتاب جامد لا حياة فيه ولا يستطيع القارئ أن يتفاعل معه. قد يبدو هذا الأمر صحيحاً عندما يطرح داروين أسس مبادئه الثلاثة للتعبير, وهي بالمناسبة لا تتجاوز العشرة بالمائة من الكتاب, ولكن المتبقي من الكتاب أجزم أن أي قارئ مهتم بسلوك التعبير عند الإنسان وحتى من يحب مشاهدة الأفلام الوثائقية عن الطبيعة والحيوانات سوف يعشق الكتاب وتفسيرات داروين لكثرة المشاهد الخلابه التي تدور حول الإنفعال والتعبير في حالة الفرح والحزن والبكاء والعجز والقلق واليأس وارتفاع المعنويات والمرح والحب والمشاعر الرقيقة والكره والغضب والتأمل والتحقير والزهو والكبرياء والصبر والمفاجأة والدهشة والخوف والرعب والعار والخجل والتواضع . لا يطرح داروين التعبيرات الخاصة بنا, ولكن يستطرد إلى تلك الخاصة بالقطط والخيول والكلاب والعديد من الحيوانات الأخرى. أجزم أن قارئ يريد فتح مجالات أخرى للقراءة يجب أن يقرأ هذا الكتاب.

يوسف
20-11-2010, 04:43 PM
http://lh5.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/TOcijzjuX6I/AAAAAAAAAUg/Ca81oIJOHF0/Fernando%20Pessoa.jpg

توصلت اليوم إلى إحساس لا معقول وصحيح في آن. لقد تنبهت, بوميض برق باطني, إلى أنني لا أحد. لا أحد, على الإطلاق لا أحد. حينما أضاء البرق, هناك حيث المدينة المفترضة لم يكن ثمة غير سهل قاحل, أما النور الذي أسفر عنه فلم يكن ليكشف أي سماء فوقه. لقد سُرِقت مني قدرة أن أوجد قبل وجود العالم. وإذا كان عليّ أن أعاود التجسد, لقد عاوت التجسد بدوني, بغير تجسد أناي.

أنا هوامش مدينة ليس لها وجود, أنا التعليق المسهب على كتاب لم يكتب, لست بأحد أنا, لا أحد. لا أعرف كيف أحس, لا أعرف كيف أفكر, لا أعرف أن أرغب, أن أريد. أنا نموذج في رواية ينبغي أن تكتب, يمر مرور الأثير, ويتوارى, بدون أن يكون قد وجد, في أحلام من لا يعرف منحي الاكتمال.

دائماً أفكر, دائماً أحس, لكن تفكيري لا يحوي أي منطق. وعاطفتي خالية من أية عواطف. أحس بأنني اسقط, عبر الفخ المنصوب هناك في الأعلى, في الفضاء اللانهائي بتمامه, سقوطاً ليس له اتجاه, سقوطاً لا متناهياً وفارغاً, روحي تيار بحري أسود, دوار أسود حول الفراغ, حركة محيط لانهائي حول ثقب من هباء, وفي المياة الدوارة, تطفو جميع صور ما رأيت وما سمعت في هذا العالم - منازل, وجوه, كتب, صناديق, مخلفات موسيقية, مقاطع أصوات في دوامة- ليس لها قرار.

مرة أخرى عثرت على مقطع لي مكتوب بالفرنسية مرت عليه خمسة عشر سنة. لم أزر فرنسا قط. لم تكن لدي نزاعات مع فرنسيين, ولم يسبق لي, إذن, أن لجأت البتة إلى استخدام هذه اللغة التي كنت قد تركتها. أنا اليوم أقرأ الفرنسية كثيراً كما كنت أفعل دائماً. أنا أكثر كهولة, أكثر حنكة من حيث التفكير, كان علي أن أتطور. بيد أن ذلك المقطع من الماضي البعيد يشف عن وثوقية أفتقر إليها اليوم في استعمال الفرنسية, فالأسلوب سلس سلاسة لست قادراً على تملكها اليوم في تلك اللغة, ثمت فقرات كاملة, جمل, صيغ, وأشكال تعبير تدل على تمكن تام من تلك اللغة التي ضيعتها بدون حتى أن أتذكر بأنني قد امتلكتها ذات يوم. كيف نفسر هذا كله؟ من هذا الذي حللتُ محله بداخلي؟

حسناً, أعرف أن من السهل تلفيق نظرية معينة عن سيولة الأشياء والأرواح. وأن من اليسير أن نفهم أننا عبارة عن مرور داخلي للحياة, ونتخيل بأننا عبارة عن كم هائل, وأننا كنا كثيرين .. الخ. لكن ها هنا شيء آخر ليس بالانتقال المحض للشخصية بين هوامشها الخاصة: ها هنا يوجد الآخر المطلق, كائن غيري كان بحوزتي. لقد فقدت, بتقدمي في السن, التخيل والعاطفة, فقدت نمطا من الذكاء, من الإحساس, وهذا كله, لا يدهشني, وإن سبب لي الحزن. لكن بحضرة من أكون عندما أقرؤني كمن يقرأ أجنبيا عنه؟ في أي ضفة أنا إن كنت لا أرى نفسي إلا في القعر؟

أحياناً أخرى ألتقي بمقاطع لا أذكر أنني كاتبها - وهو ما يثير القليل من العجب - بل إنني لا أتذكر حتى إمكانية أن أكون أنا كاتبها, وهو ما يرعبني, ثمة عبارات معينة تنتمي إلى ذهنية أخرى. كما لو أنني عثرت على صورة فوتوغرافية قديمة, هي صورتي بلا ريب, بقامة مختلفة, بملامح نكرة, لكنها ملامحي بلا مراء. إنها أنا .. يا للهول!

فرناندو بيسوا / كتاب اللاطمأنينة

يوسف
19-12-2010, 03:19 PM
Autumn Sonata

http://lh4.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/TQamBtUL-ZI/AAAAAAAAAVs/CIVXKzb2eSM/Autumn%20Sonata.jpg

في الفترة الأخيرة ظهرت أفلام تناقش الروابط العائلية بعد غياب. بمعنى: الأبناء متفرقين في مدن مختلفة, ويقرر الأم أو الأب زيارة أبناءه دون علمهم, ثم يتفاجأ بالوضع الحاصل الذي يعيش أبناءهم فيه. في سوناتا الخريف للعبقري السويدي إنجمار برجمان الوضع مختلف كل الإختلاف, ولا أظن أن هذه الفكرة طرحت من قبل كما طرحها هو. الأم شارلوت, – والتي تجسد دورها هنا الشهيرة إنجريد برجمان – تقرر زيارة ابنتها الكبيرة إيفا بعد غياب سنوات طويلة. لا توجد مفاجأت ولا استغراب من الوضع الذي تعيش فيه الابنة – والتي أدت دورها ببراعة هنا ليف أولمان -. بل أشد من التفاجئ والاستغراب: الاعترافات.

في علاقة الطفلة بالأم هناك مشاعر لا تقال. هناك شعور بالحب أو الكراهية الحادة التي لا يمكن أن تقال إلا في ساعات أشبه ما تكون بالمثالية والغير طبيعية. الكل منهم يحتفظ بحقيقة مشاعره للأبد خشية التصريح بها: ربما خشية تفجر المشاعر إلى عدم السيطرة عليها, أو انهيار العلاقة الوليدة بين الأم وطفلتها. هناك أسرار قد لا نصرح بها إلى أقرب المقربين منا خشية ردة الفعل الغير معروفة النتائج. سلطة الموقع تفرض هيمنة غير عادية. أن يمسك أحداً ما بالسلطة المركزية, وأنت خاضع ضمن نطاق هذه السلطة, لا تستطيع أن تفرض رأيك أو مجرد الإعلان عنه. لأن هناك خوف في الوقت الآني. وخوف مما يترتب على التصريح بالرأي الذي قد يكون مخالفاً وصادماً لدرجة كبيرة. عندما تفقد السلطة سلطتها ويصبح الأفراد متساويين في الحقوق والتعبير عن أرائهم يكون بالإمكان التعبير عن الرأي بكل حرية, وبإمكانه ترقب النتائج التي يقدر على تحملها مهما وصلت درجة تأثيرها.

وللتعبير عن الرأي الحاد الذي قد ينتج عنه تأثيرات مدوية يجب أن تسلك طريق النثر لا طريق الشعر. وهل هناك فرق في ذلك؟ سأسلك طريقة فرناندوا بيسوا, الشاعر البرتغالي الكبير في التعبير عن ذلك كماء جاء في اللاطمأنينة: الشعر, مثل الموسيقى, محكوم بقوانين إيقاعية محددة, وحتى لو لم تكن من نمط القوانين الصارمة للشعر المنظوم, فهي قائمة, كدفاعات, كإكراهات, كأجهزة أوتوماتيكية للضغط والعقاب. في النثر نتحدث أحرارا. بإمكاننا أن نضمن إيقاعات شعرية, وأن نوجد خارجها مع ذلك. إن تسرب إيقاع شعري معين بصفة عرضية إلى النثر لا يعوق النثر, لكن تسرب إيقاع نثري عرضاً إلى الشعر يفسد الشعر. الفن كله متضمن في النثر. من جهة لأنه الكلمة, في الكلمة الحرة يتركز العالم بكامله. ومن جهة ثانية لأنه في الكلمة الحرة توجد الإمكانية الكاملة لكي نعبر عن العالم ونفكر فيه في آن. في النثر نمنحه كل شيء, نمنحه اللون والشكل, ونمنحه الإيقاع الذي لا تمنحه الموسيقى إلا مباشرة أيضاً. وبدون شكل مجسد, ومجرد من ذلك الجسد الثاني الذي هو الفكرة, ونمنحه البنية التي إذا كان على المعماري أن يشكلها من مواد صلبة, معطاة وخارجية فإننا نصنعها من إيقاعات وترديدات من متتاليات وانسيابات, ثم نمنحه الواقعية التي على المثال أن يخلفها في العالم بلا ليونة ولا استحالة, وأخيراً نمنحه الشعر, الشعر الذي دور الشاعر فيه شبيه بدور المبتدئ في محفل سري.

على هذا المنوال بالإمكان التأكيد أن النص/ السيناريو في سوناتا الخريف قوة ضاربة. قوة ضاربة تمنح الجسد التعبير اللازم للتشكيل وفق درجة حرارة النص وتهييجه للمشاعر. ربما يكون كلامي مبهماً وغير واضح, سأوضح ذلك من صناعات برجمان الحوارية النارية. وهي حوارات نارية بالفعل, إذ ماذا بالإمكان التوقع من مخرج يجعل نصف المدة الزمنية للفيلم في مكان واحد, وجلسة واحدة, وحوار واحد بين شخصيتين: تسمك الأولى بالإعتراف الأول لخمسة دقائق متتابعة, ثم تنقطع لثوان, وتستأنف الحوار لمدة زمنية طويلة, ثم تستلم الأخرى زمام المبادرة بالاعترافات التي خرجت وليدة الصدفة, لتجسد نفسك في الأخير لم تشاهد فقط, بقدر ما قرأت نصاً نثرياً حارقاً من نصوص الاعترافات التي اعتدنا على قراءتها والبحث عنها في أدب القرن التاسع عشر.

عندما يكون النص حارقاً و مؤثراً يجب أن يكون صادقاً بالدرجة الأولى. صادقاً إلى درجة التعبير عن أشد ذكرياتك قسوة وتطرفاًً, والتي قد تخشى التصريح بها في وقت مضى. ولكن, تجد نفسك في وقت ما مجبراً على التصريح بها, لأن تلك الساعة حانت. ساعة الاعتراف. الإيقاع السريع الذي فرضه الواقع المعاصر حاول اختصار هذه الاعترافات المطولة في أجزاء قصيرة: في حوار بسيط ويستخدم كل الوسائل المساعدة الأخرى للتخفيف من درجة تدفق المشاعر في لحظة الاعتراف. في الأدب وحتى في السينما. ولكن أياً من تلك الاعترافات لم تشكل جزء حقيقي من حقيقة أن هناك اعترافات يجب أن تقال. وبقدر حرارة هذه الاعترافات يجب أن تتفجر ولا يوقفها أحد. إن توقفت, فهي مجرد ثرثرة ليس إلا. يجب أن يتحكم البطل بالإيقاع, ويرسم حدوده الجغرافية, وعند الإنتهاء, يعود كل واحد منهم إلى التأثير الذي أحدثه هذا الاعتراف. هناك طمأنينة بالمقام الأول: لأن ذلك الثقل الذي كان يرزح تحت العقل ويشكل ضغطاً للخروج أصبح خارجاً ولم يعد له مكان. مكان ذلك الثقل أصبح فارغا الآن. تتم إعادة ملئه عن طريق مواجهة الواقع الذي أحدثه الاعتراف. هناك اعترافات دون ضوابط محددة, يجب أن تقال لأن هذا هو وقتها: لا يوجد شيء من هذه الاعترافات يرتكز على حقيقة أكيدة يجب أن يتم تأكيدها. مثل مارميلادوف مع راسكولينكوف. وجد نفسه يكشف نفسه بكل مافيها من حقارتها ووضاعتها. كان خارج نطاق العقل. ولكن الصدق المتأتي منها يجعل حديثه أصدق حديث قد يقوله يوماً لأنه أخرج مافي نفسه بكل مافيها. وهذه هي المقدرة على الكشف عن أغوار النفس البشرية التي تميز بها القرن التاسع.

أن يكون المخرج عبقرياً في إخراجه لهذا السيل من كشف الذات البشرية لهو أمر يستحق الإعجاب فعلاً. وأن يكون هو نفسه كاتب النص والحوار, لم يعد بالإمكان الشك أو التساؤل حول تلك المقدرة الإخراجية الفذة التي تظهر لك الصراع, بمعنى الصراع الحقيقي بكل تدفق وسهولة, وبأقصى طاقتها. كأوراق الخريف. إظهار الصراعات من (النص/ الورق) إلى (الشاشة/ الوجه) يلزمة مقدمات. مقدمات أساسية يتم البناء عليها حتى يكون لمفردة الصراع قيمة حقيقة ومعرفة لدى الآخر/ المشاهد. ومشهد عزف مقطوعة شوبان بين شارلوت وإيفا لهو أفضل محتوى رمزي لإيصال حقيقة المشاعر دون التصريح بها علانية. إيفا تعزف المقطوعة الثانية لشوبان. شارلوت تتململ من هذا العزف ولا تستطيع إبداء رأيها الحقيقي بسوء العزف. ليس بسبب فترة الإنقطاع, بل خشية تفجر براكين راكدة لا يمكن أن تظهر. سواءً أردات ذلك شارلوت أم لا, فهي وقعت في مصيدة ابنتها دون شعور من الإثنتين في ذات الوقت. شارلوت العازفة الموسيقية البارعة, والتي أفنت عمرها في الرحلات الموسيقية لتعزف أعظم المقطوعات الموسيقية ترى في مقطوعة شوبان الثانية ثنائية الألم واللذة. لا تستطيع إيفا أن تكشف أسرار مقطوعة شوبان, لأنها تعزف وهي تصرح بداخلها بأن هناك ألم مكبوت. بينما هي في الحقيقة كما تقول شارلوت: يجب أن تكون ساخرة, رجولية, غاضبة.

الظاهر ليس حقيقة أبدية في سينما برجمان. هو قناع يخفي المزور الزائف, الحقيقة كل الحقيقة هو الذي يدور في كامن الإنسان نفسه. وهو مع ذلك لا يعطي تأكيد لإعطاء صفة الشر بشكل مطلق أو الخيّر بشكل مطلق على إحدى الشخصيات. فهو على العكس من ذلك, يظهر أبشع ذكريات ومواقف الشخصية. يظهر الألم الذي أحدثه الطرف الآخر, ثم يظهر في نفس الوقت نقيض هذه البشاعة, حيث يمنحنا القدرة على استشفاف الروح الإنسانية من بين أنانيتها وقسوتها.

لا أخفي إعجابي بإسم الفيلم. لماذا اختار الخريف من بين كل الفصول؟ لماذا لم يختار الربيع مثلاً؟ ربما لو اختار برجمان فصل الربيع ليكون عنواناً للفيلم لأحدث مشكلة بين الشخصيات والعنوان. صحيح, قد لا يرتبط العنوان بالفيلم أو الشخصيات, لأنه رمزي, – وسواءً أراد برجمان ذلك أو لا, وحتى غيره من المخرجين, العنوان هو بوابة العبور الأولى لـ (النص/ الصورة). الربيع يحمل صورة حميمية للعلاقات, علاقات لا تشوبها شائبة. إنها صورة يحملها هذا الفصل بكل تفتح الورود, الكل متفتح وسعيد بهذا الجو. غير أن الخريف بسقوط أوراقه, يعطي دلالة رمزية على السقوط, وما جرى بين بطلتي الفيلم, لم يكن إلا .. مجرد سقوط.

Nodame
19-12-2010, 07:06 PM
http://img526.imageshack.us/img526/4756/anigif12m.gif
العناء لتطمئن ع الابناء:rolleyes:
ف الحقيقه كلامك ذكرني بفيلم رأيته قبل فتره

Everybody's Fine[2009]

http://img259.imageshack.us/img259/3108/everybodysfinever2.jpg

الفيلم يحكي ايضا بنفس القضيه عن الروابط و لكن الامر مختلف بسبب ان الرحله التي يقوم بها هي الاب
و يكفي ان القائم بها هو الرائع Robert De Niro
و المشكله ان الاب لم يكن بذلك القرب فقد كانت الام هي من تقوم بالتحدث مع ابناءها و تعرف عنهم كل اسرارهم
و ما ان توفيت حتى اصبح الابناء لا يلقون لأبيهم بالا فقرر زيارتهم رغم خطورة السفر ع قلبه
طبعا بدأ الابناء بالتهرب و ترتيب اوضاعهم الا احدهم فقد كان مختفيا و اخوته يوارون الامر عن ابيهم
و كذلك تعاملهم و قد لاحظ الاب عليهم الكثير الذي لا يعرفه
و هكذا سقطت نظريه الام بقولها للاب كلما سألها عنهم : Everybody's Fine
الجميل هنا ليس الحوارات و انما النظرات و السلوكيات
و ادخال مفهوم رؤيه احوال الابناء من خلال الحلم فكان الحوار بينه و بينهم و لكن و هم صغارا و احوالهم وهم كبار

http://www.youtube.com/watch?v=bdgeGRsxC-8

لم اجد سوى هذا المقطع البسيط عنه
صحيح ان الفيلم ليس واو ولكنه رائع و شفاف حقيقة من هذه الافلام نتعرف على شعور الاباء اكثر
خصوصا عند الكبر

http://img525.imageshack.us/img525/2707/everybodysfine550x365.jpg

فما كان منه الا ان اطلقها من نفسه
now i want come home pb189

عذرا يوسف فتحليلي ع قدي pb094

يوسف
21-12-2010, 10:46 PM
Nodame
حياك. شاهدت هذا الفيلم فور صدوره. لطيف وجميل. لم أتحدث عنه لأني لم أجد تأثير حقيقي كما في سوناتا خريف برجمان. في مقدمة المقال السابق كنت أقصد فيلم دي نيروو هذا وفيلم آخر كذلك إيطالي يدور حول نفس الفكرة. الأغلب سوف يحس بالتعاطف بالتأكيد وأنا منهم. ولكن ما شاهدته في كاميرا برجمان أمر مختلف بسبب النص والحوار الذي كان مختلفاً, ولا يعقل!. وإلا من سيتحمل لمدة 45 دقيقة في غرفة واحدة وحوار واحد بين شخصيتين. لا بد أن يكون الحوار متماسك حتى لا يبتعد المشاهد ويمل من هذه الحوارات النارية. ومع ذلك فيلم دي نيرو لطيف وممتع. شكراً Nodame

يوسف
21-12-2010, 10:48 PM
تاريخ القراءة

http://lh5.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/TRBuAP4MIhI/AAAAAAAAAWA/yyIy6QZK3HY/Manguel.jpg

- يجب على القراء أن يكون لهم مليون سيرة ذاتية. إن كتابة الإنطباعات عن هاملت عند قراءته عاماً بعد عام, يشبه كتابة القارئ سيرته الذاتية, ذلك أنه عندما تتزايد معرفتنا بالحياة باطراد, يقوم شكسبير بتزويدنا بالتعليق اللازم على معرفتنا.
فيرجينيا وولف.

هل هناك تأريخ للقراءة؟ هل القراءة مثل أي شيء آخر, لها نتائج ومؤثرات وبدايات ونهايات ونظريات؟ عندما أبدأ بالتأريخ للقراءة, أبدأ بمن حتى يكون هو البداية؟

لا توجد بداية ولا توجد نهاية. ولا يوجد تاريخ كذلك للقراءة, تاريخ كوني عام وثابت, بل هناك تاريخ فردي خاص, بمجموع هذه التأريخات مع بعضها البعض يمكن قياس المنظور العام لتاريخ للقراءة, أي أن: تاريخ كل قارئ هو شهادة للتاريخ عن القراءة. أو كما يقول آلبرتو مانغويل: التاريخ الحقيقي للقراءة هو في الواقع تاريخ كل قارئ مع القراءة. تاريخ قراءة كاتب معين لا يبدأ غالباً بالكتاب الأول للكاتب وإنما بالقراء المستقبليين للكاتب. عندما يفتح القارئ الكتاب يبث فيه الحياة من جديد.

عندما أتصفح صفحات كنت قد قرأتها مسبقاً أجد فيها جزء من حياتي, جزء من التطور الفكري الذي ينشأ ويحدث, جزء من الحياة الخاصة, ذكريات وأيام قد تحمل السعادة والبؤس: لكنها في الأخير تشكل تاريخنا الشخصي الذي ننظر من خلاله للأمام, للعالم والمستقبل. إنه التاريخ الذي يعلن سلطة حضورك. لأن القراءة هو بداية لإعلان الحضور والمشاركة في الحوار العام. أن تكون من ضمن مجموعة خاصة أو مجموعة عامة يجب أن يكون لك حضور فاعل ومؤثر, حضور من أجل إثبات الوجود بداية, وحضور من أجل التأثير وصنع الرأي والقرار. قد يكون لك حضور ولك مميزات تجعلك صانعاً و مؤثراً دون أن تقرأ, ولكن القراءة قد تضيف لك: إنها تجعل من حضورك مميزا وثابتاً, ومدعوماً بمختلف الأراء, حين تكون قارئاً ستخوض غمار الفكر, وستفكر وأنت تقرأ وبعد القراءة: كيف, ومتى ولماذا, إنها مجموع الأسئلة التي تطرح بشكل مستمر في حياتنا اليومية. وستكون في يوم ما من ضمن التاريخ الكوني للقراءة.

قد يصادف أحدا ما هذه الكلمة "القراءة قوة" ويستخف بها. تبدو مثالية بشكل كبير. الخطأ في القياس على حالة من أطلق هذا الرأي. لو نظرنا إلى القرون السابقة مثلاً, قبل قرنين على وجه التقريب, لم يكن تعلم القراءة بالنسبة إلى المستعبدين والأرقاء المفتاح المباشر لنيل الحرية. وإنما أحد أهم الطرق للحصول على مدخل إلى أحد أهم أدوات القوة التي كان يستخدمها مستعبدوهم – إلى الكتاب. كان خشية الحكام المستعبدين والطغاة من قوة الكلمة المكتوبة, لأنها قوة في البداية. من يتعلم قراءة بعض الكلمات يستطيع عاجلاً أو آجلاً أن يقرأ كل الكلمات, ثم التفكير بهذه الكلمات, وفي نهاية المسار تحويل التفكير إلى أفعال. الكتب كما يقول فُولتير: تشتت الجهل, ذلك الحارس الأمين والضامن الحريص للدول ذات الأنظمة البوليسية.

تاريخ القارئ الشخصي يبدأ من لحظة قراءة تلك الأحرف التي تكون كلمة عامة, اسم لشيء ما, لافتة في شارع, لوحة عامة, اللافتات القرآنية في المنازل, لحظات الدراسة الأولى, المعرفة الأولى التي تحسسك بأنك اكتشفت شيئاً كبيراً. الذكريات وتاريخ القراءة مع القارئ من البداية هي التشكل الفعلي لتاريخ القراءة العام. قراءة الكتاب الأول. القراءة الأولى. الإختباء خشية كشف ماهو ممنوع. القراءة بصوت عالي. الأماكن. المنزل. المكتبة. في السيارة, الشارع, على الرصيف, في صالة انتظار. في المطارات, الطائرات, في كل العالم.

التطور القرائي الذي يعطينا تصور عام عن الكتاب المقروء يتطور كذلك مع سيرنا للأمام. – بما أن تاريخ القراءة العام هو جزء من تاريخ القارئ العام, أجد نفسي مضطراً للحديث عن نفسي, لأني أُشكل مع كل قارئ في هذا العالم, تاريخ للقراءة -. فكتاب مانغويل في الأخير هو سيرة ذاتية لعاشق الكتاب. اللحظة الأولى التي أمسكت فيها بالبؤساء كنت أعود للمنزل وروحي مرتفعة للأعلى. لأول مرة أقرأ شيئاً مثل هذا. كانت نسخة مختصرة. بها أشياء لم أعرف عنها من قبل. كنت أظن أني سأنغمس مرة أخرى في علوم الدين بعد قراءة البداية والنهاية. ولكن هيجو كان لي بالمرصاد ذلك الوقت. عندما أتممت هذه النسخة المختصرة في أيام قليلة أتذكر أني عدت للمنزل وأنا أحملها بيدي فخوراً بأني قرأت كتاباً ربما أهل منزلي لم يعرفوا عنه شيئاً. أحد أفراد أسرتي – والدتي – شاهدت الكتاب. كنت أظنها لا تعرف هذا الكتاب: تقرأ البؤساء الآن؟ كان سؤالها صادماً لي. تمنيت لو أنها لم تعرف الكتاب. أريد أن أكون فخوراً بأني حققت شيئاً استثنائياً. كنت طفلاً, ابحث عن انتصار أعلن فيه وجودي. سألتها: تعرفين الكتاب؟. أجابت: ومن لا يعرف جان فالجان! قرأتها عندما كنت في المرحلة الجامعية, وكانت أيام جميلة مع هيجو. له رواية أخرى ابحث عنها وستحبها.

يرى عالم النفس جيمس هيلمات أن الأطفال الذين يقرأون بسن مبكرة من العمر, أو الذين يُقرأ عليهم في هذه المرحلة من العمر يكونون في وضع نفسي أفضل ويستطيعون أن يطوروا مقدرات على التصور أفضل من أولئك الأطفال الذين تُروى عليهم الأقاصيص والحكايات في وقت متأخر, وعندما يتعرض الأطفال إلى هذه القصص في سن مبكرة تؤدي هذه القصص مفعولها في صياغة حياة الاطفال وتطورهم.

بعد سنوات طويلة, عندما اقتنيت البؤساء بترجمتها الكاملة, أعدت قراءتها بترجمتها الكاملة, وهناك فرق كبير وهائل تحدثت عنه هنا بين النسخة المختصرة والكاملة. إن اللقاء الأول مع النسخة المختصرة هي ذكريات وجود القراءة الأول في حياتي. الصفحات الصغيرة, وترك الكتاب على الأرض لأيام, ويُقذف بعيداً في الغرف بلا اهتمام. نوع الطبعة وسماكتها وضخامتها, كلها تشكل البداية للتاريخ. عندما يكون القارئ في بدايته يرسم في ذهنه صور عديدة للكلام الذي يقوله المؤلف على لسان أبطاله. يرسم المشهد العام والمكان الذي يدور فيه الحدث. في عالم تموج فيه الصورة وأصبحت وسيلة اتصال رفيعة وقيمة أصبحت الصورة مع النص تشكل رؤية حديثة للنص, للقراءة. بمجرد إغماض العين يدور المشهد, مثل كاميرا سينمائية تصور مشهداً به ممثلين. عندما أتذكر القراءة الأولى والقراءات المتأخرة أجد الفرق كبيراً. لم تكن هناك صورة في البداية. والآن أصبحت الصورة متعززة أكثر من أي وقت مضى. أتذكر هيجو – أحب الحديث عنه دائماً – ولكن هذه المرة ليس من أعماله, بل سيرة حياته. في سنوات المنفى التي قضاها في جزيرة جيرسي تاركاً وراءه نابليون الثالث يعيث فساداً في فرنسا, ترحل زوجة هيجو في المنفى, تفترق عنه, تاركة زوجها في مصيبة أشد بعد وفاة رفاقه. استطاع فيكتور أن يدفن حفيده إلى جواره في المنفى, أما زوجته فإنها عادت إلى باريس, لتدفن بالقرب من ابنتها حسب رغبتها. لم يستطيع هذا الشيخ المنفي أن يمضي في أثر المتوفاة, إنه لا يستطيع سوى الوقوف, بعيداً على الحدود, يرقب النعش وهو يختفي عند الأفق. عندما قرأت هذه الكلمات – لا يستطيع سوى الوقوف, بعيداً على الحدود, يرقب النعش وهو يختفي عند الأفق- لم أجد سوى الصورة أمامي. صورة هيجو وهو واقف في مرتفع من مرتفعات الجزيرة الصخرية, يضع يده اليمنى على حاجبيه, يرى الجنازة وهي تسير للأمام, تبتعد عنه. حتى تختفي عند الأفق. بماذا كان يفكر عندما اختفى كل شيء أمامه ؟ بماذا كان يفكر عندما أعطى ظهره للأفق التالي وعاد إلى الجزيرة, إلى البحر الذي يهوى.

مؤلف الكتاب آلبرتو مانغويل – وهو من كبار القراء في العالم – من النجاحات التي يحسدها عليه كل قارئ أنه أمضى سنتين من حياته يقرأ على خورخي لويس بورخيس الذي أصابه العمى بشكل جزئي. من خلاصة تجارب مانغويل مع بورخيس هو أن بعض النصوص تتطلب قراءتها بصوت مرتفع. هذه الإلتقاطة ذكية. بعض النصوص لا تظهر جمالها إلا إذا قرأتها بصوت مرتفع. حين قرأت للمرة الأولى مرثية لوركا الطويلة كنت أقرأها بهمس. القصيدة أعجبتني. لكن عندما سمعتها من آندي غارسيا وهو يؤدي دور لوركا السجين قبل أن يقتل, وهو يلقي الأبيات الأولى للقصيدة بصوت مرتفع, اكتشفت شكلاً مغايراً من القراءة. قراءة هذه القصيد بصوت عالي أعطتها زخماً تصويرياً هائلاً, تجعلك تشارك في هذه المرثية وتتأثر بها. في رسالة بعث بها تشارلز ديكنز إلى زوجته كاثرين يحكي لها ما حدث خلال قراءة أجراس السنة الميلادية يقول فيها: لو كنتِ قد رأيت البارحة مساءً ماركيدي – أحد أصدقائه – وهو يبكي وينشج جالساً على الأريكة وأنا أقرأ, لشعرتِ مثلي تماماً ماذا يعني أن تكون للإنسان مثل هذه القوة. وهناك حادثة أخرى مشابهه لحادثة ديكنز. تصف زوجة دستويفسكي الحالة التي انتابت طلاب جامعة موسكو وهم يستمعون من دستويفسكي مباشرة حلم راسكولينكوف حول الحصان القتيل. تقول: رأيت الحاضرين مخطوفين وقد ارتسم الرعب على وجوههم، والبعض يبكون، ولم أتمكن أنا نفسي أن أحبس دموعي.

في قراءات البداية لا نطرح الأسئلة بعد نهاية القراءة. لأن رصيدنا المعرفي قليل جداً, ولا نستطيع أن نفجر الأسئلة. أليست مهمة القراءة هي تفجير الأسئلة! كان بورخيس يسجل الصفحة المقروءة عليه في داخله من أجل البحث عن كلمة, أو جملة, أو مقطع كانت قد خلفت أثراً في ذاكرته. هو يحب القراءة في الآداب الإنجليزية القديمة, يبحث عن كلمة قديمة ويقوم بتحليلها, لو قرأت بورخيس رسالة كافكا لصديقه أوكسار بولاك, ماذا سيقول: إذا كان الكتاب الذي نقرأه لا يوقضنا بخبطة على جمجتنا فلماذا نقرأ الكتاب إذا؟ كي يجعلنا سعداء كما كتبت؟ يا إلهي, كنا سنصبح سعداء حتى لو لم تكن عندنا كتب, والكتب التي تجعلنا سعداء يمكن عند الحاجة أن نكتبها, إننا نحتاج إلى تلك الكتب التي تنزل علينا كالصاعقة التي تؤلمنا, كموت من نحبه أكثر مما نحب أنفسنا, التي تجعلنا نشعر وكأننا قد طردنا إلى الغابات بعيداً عن الناس, مثل الانتحار! على الكتاب أن يكون كالفأس التي تحطم البحر المتجمد فينا.

* اخترت أن أسلط الضوء بشكل عام دون التطرق لأساسيات الكتاب والتي هي جميلة وممتعة للغاية. مانغويل في هذا الكتاب يقدم نخبة من عظماء العالم الذين كانوا يحبون القراءة مثل أرسطو وابن الهيثم وماريا المجدلية والقديس أوغسطينس وريلكه. ولا يركز بشكل رئيس على المشاهير, بل يمتد حديث ليشمل أكبر سارق للكتب في العالم الدوق ليبري, وقصة ثورة القراءة مع العمال الكوبيين الذي أطلقوا أسماء أبطال الروايات الأدبية على أنواع سجائرهم. بعد قراءة هذا الكتاب لا يجد المرء بداً من القول بأن مانغويل من كبار القراء في العالم.

الكتاب من إصدار دار الساقي, وترجمة سامي شمعون

محـروت
22-12-2010, 03:18 AM
أتعلم يا يوسف , ما يميزك عن غيرك من القُراء هو أنك تعشق القراءة والكتب كأنها عشيقة حقيقة جداً , وما يميز كذلك قراءاتك هي أنك لا تحرق الأحداث على القارئ لأنك تعرف معنى أن تكتب ملخصاً عن "كتاب" , هي إحراقه على الآخرين , قرأت لك في السابق قراءة لآنا كارينين وهي أول مصادفه قرأتها لك , وبعد ذلك أرسلت لك رسالة أستفسر عن بعض الأعمال وكان من ضمنها دوستوفسكي , رسالتك لم أنساها إلى الآن , لم أكن أعرف هؤلاءِ الأشخاص قد سمعت بهم في بعض المجالس وهكذا ولكن لم أتحمس لقراءة أعمال لهم , ولكن الحديث عن المتعه القرائية , وهو ما تتحدث دائماً عندما يقرأ أحدهم ويقول في مجلس الإقلاع " أني أقرأ انا كارينين " , تتحدث عن المتعه التي لا تضاهيها متعه في قراءة هذا العمل . تتحدث عن القراءة , كأنها الأم والأب.

تاريخ القراءة , من أجود الكتب وأفضلها على الأطلاق حول تاريخ أي قارئ , حول الأشخاص حول الكوبيون الذين يلفون السجائر ويُقرأ لهم . قرأت الكتاب من فترة وكان من أجمل الكتب , وأفضل ومحفز جيد ورائع للقراءة بعده , تشعر بأن هناك من يؤرخ للقُراء جميعاً.

* نقطة القراءة على الآخرين , تحدثت عنها في مجلس الإقلاع والكل شارك بها هي متعه رائعة بالفعل , أتذكر أحد الأصدقاء من طلبة العلم الشرعي يقرأ دائماً على عدّة من المشائخ الذين يدرس لديهم , ويقرأ دائماً على الشيخ د.عبدالعزيز الراجحي , فيحدثني ليخبرني عندما يقرأ النص بالصوت العالي وبالميكرفون ويسمعه الشيخ ويصحح له بعض الأخطاء "النُطقية" بأنه شيء رائع جداً بأن الذي تقرأ عليه عالم جليل , يفيدك وتستفيد حتى من مناقشته وطرح الأسئلة عليه , فهكذا كان آلبرتو مانغويل يستمتع بالقراءة على بورخيس . حالياً أقرأ كتاب يتعلق في الأقتصاد , أسم الكتاب هو "الأقتصاد العالمي الخفي" لكتابه أسمها "لوريتا نابوليوني" , الكتاب رائع جداً , ولكن واجهة بعض الإشكاليات في مسائل نظريات أقتصادية كنت قد درستها سابقاً في مواد ولكن لظروفٍ ما قد نسيتها , حالياً أتوجه دائماً لمكتب أحد دكاتره الأقتصاد الكُلي في جامعة الملك سعود وأقرأ عليه "النص" المكتوب لكي يشرح لي النظرية كي أستوعبها وهذا كذلك ما صادفني في كتاب الآن غريسبان عصر الأضطراب , حول الفوائد والأقتصاد الروسي .

شكراً يا يوسف لأنك كما أحب أن أقول "محـفز القراءة" .

يوسف
29-12-2010, 03:24 PM
محروت
حياك يا محروت. كم سنة مرت على هذه الرسالة؟ لا زلت أذكر تفاصيلها. أجد نفسي متكاسلاً عند الإجابة حول المؤلفين وأعمالهم, ولكن المؤلفات الحقيقية التي عِشت معها أيام لا تنسى مستعد لتكرار حديثي عنهم وكأني اكتب عنهم للمرة الأولى. أشبه نفسي مثل العمال الكوبيون الغير متعلمين عندما يقرأ عليهم أحد المتعلمين الكونت مونت كريستو لألكسندر دوماس. يعيشون أيام لا تنسى. إلى درجة أطلقوا اسم الكونت مونت كريستو على أحد السجائر التي يصنعون. انظر لبراءتهم عندما حاولوا كتابة رسالة لدوماس الذي توفي من فترة بعيدة, يظنون أنه حي يرزق, يستأذنونه في إطلاق هذا الإسم على السيجار. ثلالثة مؤلفين أتخلى عن كل أفكاري النقدية والأدبية عند القراءة لهم: تولستوي ودستويفسكي وهيجو. بقدر ندمي على قراءتهم بقدر سعادتي عند إتمام قراءة أي عمل لهم. وإن كانت البؤساء لهيجو وآنا كارينينا لتولستوي هي أكثر الأعمال التي مستعد لإعادة قراءتها كل سنة. هناك شيء غير معقول في هذه الأعمال. أعمال أدبية إعجازية لا تتكرر. لذلك أحب القراءة, وأقدسها.
شكراً يا محروت. وسامحك على الله على حديثك عن مدن الملح, سأقرأ هذه الرواية بسببك بعدما انتهي من مدام بوفاري :d

يوسف
29-12-2010, 03:24 PM
عذراء أورليان

http://lh3.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/TRp2fSnzlDI/AAAAAAAAAWY/m12099KMzwQ/s512/Joan1.JPG

إذا كانت الشخصية المراد الكتابة عنها في نص أدبي أو شعري أو حتى يتم تجسيدها في لوحة فنية أو فيلم سينمائي, كل كاتب أو مخرج أو رسام يضيف على الشخصية بما يوافق هواه ويطمح إليه. هذا إن لم يضمن بعض أفكاره الشخصية التي يؤمن بها في هذه الشخصية والتي قد تكون شهيرة وتتمتع بشعبية. ولكن من المستغرب أن يتم تجسيد هذه الشخصية على مستويات مختلفة بصورة واحدة. ليس بشكل كامل ولكن بشكل جزئي. ورغم هذه الجزئية الصغيرة إلا أنها تحتل مساحة واسعة: العين تنظر للأعلى دائماً. عين الشخصية المراد عمل فني عنها عيناها دائماً للأعلى, وكأن هناك اتفاق ضمني بين هؤلاء على إعطاء هذه الشخصية المساحة التي تستحقها. في لوحة الفرنسي جول باستيان الشخصية تنظر للأعلى بتركيز تام. فتح العين بتركيز شديد قد يعطي دلالة على صدمة كبيرة تشاهدها الشخصية. من الطبيعي أن يرافق ذلك فتح الفم دلالة على عدم القدرة على التعبير. إلا أن هذا لم يحدث. فهي تنظر بعين ثابتة. وفي لوحة أخرى للفنان جان دومينيك آنغر تظهر الشخصية وهي ممسكة بسارية الحرب في الكنيسة بمناسبة تتويج الملك. عيناها ليست للأمام. بل للأعلى كذلك. رغم أن لوحة آنغر هي الأشهر عن هذه الشخصية إلا أني أحببت لوحة شيفر هنري هذه, وهي تصور الشخصية وهي في ميدان الحرب تسير بهدوء واثقة من النصر, على يسارها رجال الدين الذين يؤمنون بها, وسيصبحون فيما بعد أشد أعداءها, وعلى يسارها الريفيين والفقراء الذين أحبوها حباً هائلاً جراء حرارة عطفها يوم كانت في حال أخرى. هي تشاركهم في كل شيء, من الطفولة وحرارة التدين والوطنية. حتى في السينما رغم أن الموقف ليس نفس مواقف الرسامين. في تحفة كارل درير الصامتة الشخصية تنظر للأعلى باعتزاز. رغم أنها محاطة بكم هائل من أعداءها ومن الطبيعي أن ينظروا لها مصوبين أعينهم للأسفل بما أن مكانهم مرتفع – قاعة محكمة – إلا أن نظرتها مختلفة وفريدة وهي تنظر للأعلى. بل بإمكان عينيها رسم نص حواري في هذا الفيلم الصامت الذي يعتبر من التحف السينمائية.

عن من أتحدث هنا؟ أتحدث عن راعية الأغنام الريفية. الساحرة والشيطان في القرون الوسطى. القديسة والعذراء في القرن العشرين. كل هذا وأكثر في شخصية جان دارك. تمتزج الأسطورة مع الحقيقة التاريخية ويطغى اللاواقع على الواقع بشكل مكثف لتكون جان دارك ذات شخصية خاصة تفتح الباب مشرعاً للأدب والشعر والفنون التشكيلية والمسرحيات والسينما في معالجات فنية. وسأقتصر هنا على معالجة الشاعر الألماني يوهان شيلر من مسرحية عذراء أورليان.

جان دارك مجرد فتاة ريفية بسيطة, متدينة كعادة أهالي الريف الفرنسيين في القرون الوسطى. تذهب إلى الغابة القريبة وتستمع لصوت الطبيعة والتي هي ملاذ للإيمان, للسكينة والهروب من نيران الحرب بين أمراء فرنسا وقوات الإحتلال الإنجليزي في حرب المائة عام. تصاب بزلزال عميق يهز أركان عقلها وقلبها: ها هنا أصوات سماوية تخاطب جان مباشرة, الفتاة الريفية البسيطة, لتذهب إلى شارل السابع وتطلب منه قيادة الجيش لتحرير فرنسا. في ميزان الواقع كل معطى يقول أن هذه ليست سوى خرافة. كيف بفتاة ترعى الأغنام وتهوى نسج الصوف في المنزل وتذهب للكنيسة للتوبة من خطايا فكرت بها فقط ولم تفعلها نظراً لحرارة تدينها, كيف بفتاة تحمل هذه الصفات أن تتفوق على قادة الجيش في رسم الخطط العسكرية وقيادة الأمة الممزقة وتوحيد الصفوف لتحرير أورليان من الحصار الإنجليزي الخانق وتنصيب شارل السابع ملكاً على فرنسا, فقط لأن فتاة بسيطة سمعت منادياً يبشرها بين أشجار الطبيعة أن تحرير فرنسا لن يكون إلا على يديها.

وصلت إلى الملك تطلب مقابلته ليضعها في مقدمة الجيش لتحرير أورليان. في مجلس الملك هناك بعض المشاهد التاريخية هي التي شكلت إطاراً حول حقيقة إدعاء جان دارك حول حقيقة الأصوات التي تقول أنها إلهية. وحقيقة إدعاء الطرف الآخر كذلك بأن جاك دارك مجرد كائن شيطاني يمارس السحر والشعوذة تحت غطاء ديني. حين دخلت جان دارك المجلس تنحى الملك عن كرسيه واختفى بين الجمهور, وطلب من شخص آخر أن يقف مكانه ليتحقق من حقيقة هذا الصوت الإلهي الذي تدعيه جان. تدخل جان بخطوات ثابتة أمام الشخصية المزيفة. وقبل أن تقع في الفخ, تتحول عيناها إلى الجمهور وتنظر في عين كل واحد من الجمهور المحيط بالملك المزيف, حتى تقف عند شخص تراه للمرة الأولى هو الملك نفسه وتخاطبه بمولاي الملك. ومن أجل أن تثبت حقيقة ما تدعيه, ستقول له ثلاث دعوات كان يدعو بها الله وحده, فيؤمن الملك بما تدعيه هذه الفتاة العذراء, وإن كان سيضع لها عدة اختبارات للتيقن من حقيقتها. اختبار من قبل رئيس الأساقفة للتثبت من حقيقة إيمانها, واختبار ثاني جسدي للتحقق هل هذه الفتاة فعلا عذراء! كانت هناك نبؤات بأن فرنسا التي وقعت تحت نير الاحتلال بسبب أم الملك المستقبلي لن تتحرر إلا عبر فتاة عذراء.

يظهر البعد المأساوي لجان دارك والذي خلد اسمها في صفحات التاريخ في سيرة حياتها الغريبة, والنهاية الحزينة, محترقة وهي حية بأمر محاكم التفتيش. فبعد أن كانت المُلهمة والمحررة وقائدة التحرير ومن وحد الأمة تحت راية واحدة, هاهي في محاكم التفتيش من الجانبين المتصارعين على حد سواء, متهمة بالسحر والشعوذة وممارسة طقوس سحرية تدعي بأنها إلهية وما هي إلا سحرية حسب إدعاءات محكمة رجال الدين. حين تم استجوابها للمرة الأولى تراجعت عن الإدعاء بأنها تتلقى أصوات من الملائكة, وحكم عليها بالسجن المؤبد. ثم تراجعت وأصرت على رأيها السابق ودافعت عنه, مما أدى إلى إعادة محاكمتها والحكم بإعدامها حرقاً. تم وصمها بالساحرة حينئذ. بعد عدة قرون تم نقض هذا الحكم وإعطاءها صفة القديسة.

ظهرت عدة أعمال فنية ومسرحية تبحث في البعد السحري والديني عند جان دارك, والأهم من ذلك: سيرة حياتها الغريبة كل الغرابة, والتي تصح أن تكون أسطورة لا حقيقة. في مسرحية هنري السادس المنسوبة إلى شكسبير – هناك شك في أصل كتابة شكسبير لهذه المسرحية – يُظهر شكسبير شخصية جان دارك كساحرة وعاهرة تقوم بأعمال سحرية وتكذب على الفقراء التي تعالجهم حينما كانت في الريف. شكسبير متعصب هنا, طغت الوطنية المتعصبة تجاه عدوة بلده الساحرة لديهم, القديسة في موطنها. على النقيض من ذلك بشكل كلي يظهر الشاعر الألماني شيلر, جان دارك في مسرحية عذراء أورليان كقديسة سماوية قادت أمتها إلى الكرامة وتحقيق الإتحاد والنصر بعد عدة هزائم.

يتبع

يوسف
29-12-2010, 03:25 PM
http://lh5.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/TRqHd8AL3TI/AAAAAAAAAWk/KhWquh_yCjo/Schiller.JPG

طريقة معالجة شيلر لشخصية جان داراك تستحق الإهتمام. فهو لم يهتم بالمادة التاريخية كما هو متعارف عليه, ويستطيع هو ذلك أن يكتب مسرحية كما كانت في الحقيقة, فهو أستاذ تاريخ وشاعر كبير وصديق للشاعر العظيم غوته, ومزج بين فلسفة كانط عبر الشعر ونظرة غوته ليقدم مادة جمالية جديدة من ضمن المواد التي سار عليها علم الجمال. وهو إلى ذلك من مؤسسي الحركة الكلاسيكية في الأدب الألماني. بين الواقع الداخلي والشكل الخارجي يقصي شيلر الواقع الداخلي المتعارف عليه. يأخذ الشكل الخارجي بتمامه ليبني عليه واقعاً جديداً يهتم بالفن والجمال. يُطرح هذا الرأي عند قراءة أي عمل مسرحي أو أدبي مستمد من التاريخ: هل هذه حقيقة؟ هل ما جرى في صفحات الرواية هو ما جرى على أرض الواقع؟ في عمل شيلر الشكل الخارجي والنتيجة هو الأمر الأكيد. وإن كان هناك من اختلاف فهي في نظرة الفنان تجاه الشخصيات عند تشكيله إياه. يستمد شيلر هذه النظرة الجمالية من نظريته التي ترى الشخصيات التاريخية فنية بدرجة أولى, من صنعه هو. البطل الرئيس من ضمن هذه الشخصيات في التراجيديا المسرحية يجب أن يثير جانب الشفقة في القارئ والإشفاق لما يعانيه, يسعى إلى هدف يوشك أن يكون الكمال المطلق, ثم يموت ميتة تراجيدية تجمع بين العظمة الإنسانية والعدالة التاريخية.

النهاية المتعارف عليها تاريخياً أن جان قُتلت حرقاً وهي حية بأمر محاكم التفتيش. شيلر يقصي محاكم التفتيش نهائياً ويقلب التاريخ رأساً على عقب في المسرح. جان ماتت في ظرف آخر مغاير ومختلف ومميز. لا مكان فيه لرجال الدين المرتشين الذين ساقوا فتاة في التاسعة عشر إلى منصة الإعدام. بل في مكان كله جلال ورهبة في النفس. وهي مغطاة بأعز مالديها: راية الحرب. تقول جان دارك في رسالة لها أن راية الحرب أفضل وأعز لديها من مائة سيف يبطش بالأعداء. تاريخياً لم يذكر أنها قتلت أحداً في الحرب, كانت هي المحرض وتشحذ همم الجنود وتطلب منهم الاعتراف قبل الدخول في ساحة القتال لأنهم مقبلون على حرب لن تبقي فيهم أحد. في عمل شيلر تحولت جان دارك إلى رجل يقدس الموت ويُجِله, بل تشارك في الحرب وتصارع كبار قادة الجيش المحتل. حديثها وهي تنازل أحد قواد الجنود تظهر شخصية بلغت فيها الوطنية درجة لا تعقل من التطرف والحقد. لو وقع من يصارع جان في يد لبؤة أو مخالب نمر لكان في وسعه أن يجد الشفقة, أما أن يقف بين يدي العذراء فهذا هو الموت المحقق. لأن اتفاقاً رهيباً يربطها بالمملكة القاسية للأرواح ولا يجوز انتهاكه, يلزمها بأن تقتل بالسيف كل كائن حي يرسله إله المعارك أمامها قضاءً وقدراً.

الأساس الذي يرتكز عليه شيلر في هذه المسرحية هي روح جان داراك. يتلاعب بها, ويقلب حالها من حال إلى حال. حين كانت في الريف وشاهدت خوذة الحرب لأول مرة وجدت مصيرها. رغم أن فترة حياتها من الصغر جسدها شيلر بكل حذافيرها: نشأتها, إحساسها, أحلامها, تهيؤاتها, نيتها الخفية, علاقتها المتوترة بأهلها, إلى أن تصل إلى نقطة اللاعودة. حياة الحرب والثورة: وداعاً أيتها الجبال والمراعي الحبيبة, وأنتِ أيتها الأودية السامية الهادئة وداعاً. إن جان لن تسكن بعد وسط هذه الربوع. إن جان تودعكم وداعاً أبدياً. أنتِ أيتها المراعي التي رويتها, والأشجار التي غرستها, استمري في الاخضرار مبتهجة! وداعاً أيتها المغارات, وأنتِ أيتها الينابيع الباردة, وأنت أيها الصدى, هذا الصوت العذب الذي يتردد في هذا الوادي والذي طالما أجاب على أغانيّ, إن جان ذاهبة كيلا تعود أبداً. وأنتِ جميعاً, أيتها الأماكن الشاهدة على مسراتي البريئة, إني أتركك وإلى الأبد. يا أيتها الخراف تفرقي على المروج, أنتِ الآن بلا راع. إن عليّ أن أرعى قطعاناً أخرى هناك بعيداً, في الساحة الدامية للخطر. بهذا يأمر صوت الروح الذي سمعته في داخل نفسي وليس تدفعني إلى هذا رغبة أرضية. هذا الموجود بالأعالي قد تحدث إليّ من خلال غصون هذه الشجرة قائلاً: اذهبي! إن عليك أن تشهدي لي على الأرض, ستحبسين أعضاءك في الحديد القاسي وستغطين الرقيق بالصلب. لا يوقدن حب إنسان في قلبك الشعلات الآثمة للشهوات الأرضية الباطلة, لا يزينن رأسك تاج الزفاف, لا يرضعن ثديك طفلاً رقيقاً, بيد أني سأبسط عليك مجد القتال, وستكونين مشهورة فوق سائر النساء. وحين يرى الشجعان أن شجاعتهم قد خارت في معمعات المعركة, وحين يلوح أن الساعة الأخيرة قد اقتربت, هناك ستحملين رايتي. إن هذا الحديد يشيع في نفسي قوة إلهية, وشجاعة الملائكة. إني أشعر وأسمع في أذني الصيحة القوية للحرب. والفرس المتعطش للقتال, والأبواق تترد أصواتها.

في المشهد التاسع يبدأ الإنحدار في روح جان دارك عبر منازلتها للفارس الأسود. هناك من فسر شخصية الملثم الأسود بأنه شبح أحد القادة الإنجليز الذين قتلوا. إلا أن آخرين فسروا هذا الفارس الأسود بأنه مستوحى من التقاليد الأدبية التي بدأها هوميروس في الإلياذة وواصلها شكسبير في تجليات الأشباح حتى وصلت إلى شيلر. الهدف من هذه المشاهد هو الإعداد لتطور الأحداث في الفصول التالية, وبهذا الفصل يبدأ انحدار الأحداث بعد بلوغها القمة بالانتصار على الإنجليز. إن كانت هناك من براعة في رسم مسار المسرحية فهو في الفصل العاشر الذي كان كافياً لنجاح العمل الفني أو ربما فشله لو لم يمتلك شيلر الأدوات الفنية لذلك. سبب ذلك أن شيلر غير نطاق الأحداث من هنا بشكل كامل ولم يلتزم بالحقيقة التاريخية كما قلت سابقاً. في الجانب الحقيقي رجال الكنيسة من الجانبين اتهموا جان بالسحر والهرطقة. وجان متمسكة برأيها بأنها تسمع من الملائكة تعاليم من السماء يجب أن تقوم بتنفيذها. في العمل الفني لشيلر تم إقصاء رجال الدين ولم يكن هناك أي شك من قبلهم, وزرع مشكلة الشك في روح جان دارك ذاتها في الفصل العاشر. عندما كانت تنازل قائد من فرسان الإنجليز سقط القناع عن وجهه وهالها ما رأت. كانت مؤمنة بأنها لن تحب مخلوقاً أرضياً في حياتها, فهي وهبت نفسها للسماء بكل مافيها من حب. تنظر لعيني هذا الفارس ووجدت السيف في يدها اليمنى يسقط. هل يستحق هذا النبيل أن يقتل بالسيف؟ ألم يكن من الأفضل له أن يرحل بعيداً ويتزوج ويؤسس عائلة وينعم بسلام بدل أن يراق دمه في ساحة المعركة. وجان, هل أحبته هنا في غمرة هذا النزال. من هنا تتغير الأحداث وتتصاعد. تبدأ جان الشك في حقيقة هذه الأصوات التي تأمرها بالحرب والثورة وتحرير الوطن. والأعظم من الشك: انتهكت حرمة من المحرمات التي لا يجب أن تفكر مجرد التفكير فيها. أن تحب ك امرأة, أن تعيش كأنثى, تلبس ملابس النساء وتتجمل. أن تنجب. وها قد فكرت في كل هذا مجرد النظر إلى عين هذا القائد. المسرحية تتصاعد من فصل إلى آخر بسرعة عالية. لا يركز شيلر على الحوار الطويل والإستطراد الممل للشخصية. كل ما يريد التعبير عنه يخرج سلساً في ساحة المعارك. لوهلة حسبت نفسي أقرأ العاصفة لشكسبير مرة أخرى بسبب العواصف. حين أصاب جان الشك في أمر حقيقة الأصوات كانت تسير أمام الملك لتتويجه في الكنيسة أمام الشعب. يخرج أبو جان ليتهم ابنته بالسحر. رغم أنه – تاريخياً لم يتهمها بذلك, بل كان فخوراً بها وطالبت عائلتها لاحقاً بإعادة محاكمتها بعد ربع قرن من حرقها -, أقول, خرج أبو جان في الكنيسة بصوت عال أمام الجميع يتهم ابنته بالسحر والخروج على تعاليم الدين. كانت جان واقعة في أشد لحظات الشك. هي مؤمنة بأن ما تسمعه أمر صحيح. لكنها انتهكت أمر قد يؤدي إلى نكران هذه الحقيقة لديها. كان يسألها ويطلب منها الإعتراف. لم تجاوب ولا تستطيع ذلك. شيلر أراد لها أن تكون قديسة في المسرحية. كان من يجيب عنها صوت الرعد الذي يضرب بشدة بعد كل سؤال يوجه إليها.

http://lh6.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/TRqHdZ6KKJI/AAAAAAAAAWg/jiNqkCbojsU/s512/Joan%202.jpg

بعد إلقاء القبض عليها تم محاكمة جان بتهمة الهرطقة والسحر. رغم أن أمر إعدامها كان محسوماً من البداية بسبب إصرار الملك الإنجليزي على إعدامها بصورة غير طبيعية. إلا أن الطريقة لم تكن واضحة. اقترح بعض أعضاء المحكمة أن الأمر ينبغي أن يعرض على البابا حتى يقضي في أمرها. أبدت جان رغبتها في أن ترسل إليه، لكنها عقدت مفاضلة قضت عليها، فإنها تعترف بسلطة البابا العليا في شؤون العقيدة، أما فيما يتعلق بما فعلته إطاعة لهواتفها، فليس لها من قاضٍ غير الله. وأجمع القضاة على أن قولها هذا هرطقة. وقضت في المحاكمة شهوراً أنهكتها، انتهت بحكم الإعدام حرقاً. من مشهد إعدامها يقول ويل ديورانت في قصة الحضارة: أُحضرت العذراء في عربة يصحبها راهب أوغسطيني مؤمن بجان دارك, معرضاً حياته للخطر, اسمه إسامبار. طلبت صليباً، فسلمها أحد الجنود الإنجليز إياه، وقد صنعه من قضيبين من الخشب، فقبلته، ولكنها طلبت أيضاً صليباً باركته الكنيسة، وأقنع إسامبار الموظفين أن يحظروا إليها صليباً من كنيسة سانت سوفير. فزمجر الجند من التأخير لأن الوقت أصبح ظهراً. وسأل قائدهم: أتريدوننا أن نتناول غذاءنا هنا؟ فانتزعها رجاله من أيدي القساوسة، وساقوها إلى القائمة التي تشد إليها. ورفع إسامبار، أمامها صليباً، وصعد راهب دومينيكي معها إلى المحرقة. وأشعلت أكوام الحطب، وارتفعت ألسنة اللهب إلى قدميها. فلما رأت الراهب الدومينيكي لا يزال إلى جانبها ناشدته أن يهبط آمنا. وابتهلت إلى هواتفها، وقديسيها، ودخلت في سكرات الموت. وتنبأ أحد كتاب سر الملك الإنجليزي بحكم التاريخ باكياً: قضي علينا، لقد أحرقنا قديسة!

المسرحية من إصدار المجلس الوطني الكويتي للثقافة والآداب, من سلسلة إبداعات عالمية وترجمة المفكر الراحل عبدالرحمن بدوي.

يوسف
09-01-2011, 03:03 AM
مدام بوفاري: مرافعة ماري سينار

http://lh5.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/TSfJiQjAUfI/AAAAAAAAAXs/ki_jR0z7t5A/Madame%20Bovary.jpg


قبل سنتين قرأت آنا كارينينا, والسنة الماضية قرأت عشيق الليدي تشاترلي, وبدأت هذه السنة بمدام بوفاري. أكملت سلسلة الأعمال التي تحمل ثيمة واحدة هي الخيانة الزوجية. لن أبالغ إذا قلت أن مدام بوفاري لم تعجبني بعد أن أتممتها. هل يعود ذلك إلى أسلوب فلوبير؟ بالتأكيد لا. بل يستحق فلوبير أن يوصف بالروائي الذي يفكر بالكلمة قبل أن يضعها في مكانها الصحيح. كل كلمة وكل سطر كتب بدقة متناهية إلى درجة أن إزالة كلمة واحدة قد تعطي معناً آخر غير المعنى الذي يقصده المؤلف. هل يعود ذلك إلى واقعية فلوبير؟ ربما يكون هو السبب الرئيس. ولكن لماذا لم تعجبني؟ عندما نتحدث عن أي رواية قد نسمع هذا الرأي: جمالها في واقعيتها, وعند قراءة مدام بوفاري والتي هي أشد واقعية من مثيلاتها الآخريات أقول لم تعجبني! مع أنها شديدة الواقعية ورسم فلوبير شخصيات هي أقرب للحقيقة من أي عمل آخر. لا أعرف بماذا أفسر هذا السؤال الغريب. ربما يتضح ذلك بعد قراءة ردود الفعل والتصريحات التي صدرت من المؤلفين أنفسهم بعدما كتبوا هذه الأعمال التي قوبلت بثناء شديد وهجوم لا يقل حدة عن الثناء.

بعد أن أغلقت الصفحة الأخيرة من آنا كارينينا قبل سنتين تمنيت لو أن الرواية كانت أطول من ذلك بكثير, لم يفارقني قط جمال هذه الرواية, والتي هي من أجمل ما قرأت في الأدب. عمل إعجازي فني لا يجود الزمن بمثله. قوة هذا العمل في تلك الشخصيتين: آنا كارينينا, وقسطنطين ليفين. قدرة تولستوي الفذة في رسم شخصياته عبر اقتياد القارئ إلى أماكن شاسعة في النفس البشرية, إلى درجة أن كل قارئ لا يستطيع أن يصدر حكماً على أي من الشخصيات. قتل تولستوي مِلكة الحكم الأولي على الشخصيات وسرنا معه في الطريق مع آنا كارينينا وهي تسأل لماذا؟ وبموازة ذلك كنا نتبع الطريق مع ليفين الذي يبحث عن سر الحياة وجعل الحياة محتملة مع تلك الآلام التي تعذب الروح. رغم أن كل شخصية تعبر عن أفكارها إلا أن سلطة الرأي لدى القارئ تتجه لدى المجتمع وليس إلى الشخصيات نفسها. رد الفعل الذي أتبع آنا كارينينا هي في اعترافات تولستوي. من يقرأ الاعترافات سيجد روح قسطنطين ليفين هي نفسها روح تولستوي في بحثها عن الله والإيمان بعد مروره بعدة مراحل فنية وشعرية حتى لا يصل إلى ما وصل أخيه الذي توفي بداء السل. يرى كونديرا أن تولستوي كسر حاجزا شاسعاً في الرواية عبر تحطيمه لسيرة البطل الذي بموته ينتهي العمل الأدبي, فهو لم يتوقف بعد أن حطم أعظم شخصياته بل استمر في الخط الثاني وأضحت سيرة البطل مجرد صدى يتلاشى وخطى رشيقة لذكرى تبتعد.

في عشيق الليدي تشاترلي رد الفعل الذي تلقاه ديفيد لورانس هو نفس رد الفعل الذي تلقاه جوستاف فلوبير, وإن كان أشد وطأة: المحاكمة بتهمة الفساد الأخلاقي في العمل الأدبي. رواية ديفيد لورانس منعت لعقود وتم وصف الكاتب بالمؤلف الإباحي نظراً لحديثه الصريح عن الجنس. بعد ذلك بعدة عقود تم فسح الرواية في انجلترا ووصفت بالعمل الأخلاقي وكاتبها بالمؤلف الذي يضع العلاقة الجنسية في إطار من القدسية والجلال والاحترام. كان لورانس يتحدث بصراحة في الرواية ولا يسلك طريق الرمز في وصف العلاقة. وحتى خيانة الليدي تشاترلي لم تكن بهدف تجميل الخيانة أو شيء من هذا القبيل. الجنس في عمل لورانس هو وسيلة لرسم صورة حية وصادقة للجنس الحقيقي, الجنس الذي تم تدميره تحت غطاء العاطفة المزيفة والحب الكاذب, ذلك الذي سقطت فيه إيما بوفاري بكل مافيها. لم يسمح الزمان للورانس بأن يقف في قاعة المحكمة يدافع عن عمله هذا. ولو وقف فأنا متأكد بأن لن يقوم بأي دفاع للرواية, بل سيقرأ المقال الذي كتبه عن الرواية والمعنون برؤية ذاتية عن عشيق الليدي تشاترلي. وفي نظري أن المحكمة ستعطيه الفسح اللازم لنشر روايته بعد أن يقرأ هذا الجزء من مقاله: هم يتهمونني بالبربرية, وبأنني أريد العودة بإنجلترا إلى البدائية, ولكن ما اعتبره بربرياً وبدائياً هو البلاهة والموت فيما يتعلق بالجنس. الرجل الذي يجد أكثر أجزاء المرأة إثارة ملابسها الداخلية هو الذي يكون بربرياً. يقول السيد برنارد شو أن أعظم عاهرة في أوروبا هي من يجب أن تستشار في أمور الجنس. وهو في ذلك على حق, العاهرة الأعظم ستعرف عن الجنس ما يعرفه السيد برنارد شو نفسه, الجنس المزيف الذي يمارس بالتحايل والخداع, لا تعرف عن الجنس الذي له إيقاع الفصول والسنين ودفء الشتاء وعاطفة الربيع, لن تعرف عن هذا الشيء أبداً, لأنها لكي تكون عاهرة يجب أن تفقده أولاً.

تولستوي أدان المجتمع وأضحت آنا كارينينا بريئة في نظر القارئ الذي غاص في نفسية هذا المجتمع وانكشف كل الزيف والخداع الذي غلف هذه العلاقات الإجتماعية. لورانس لم يكن مهتماً بإدانه الليدي تشاترلي, فهي تحمل فكرة يريد أن يوصلها المؤلف إلى كل القراء وأفراد المجتمع الصناعي الذي أضحت علاقة أفراده مع بعضهم البعض مادية بحتة. أما جوستاف فلوبير في مدام بوفاري فهو لم يتردد بإدانه إيما بوفاري وإن لم يقل ذلك صراحة. مجمل العمل الفني بشكل عام ينطبق في أي مجتمع من المجتمعات. إيما بوفاري فتاة لمزارع عاشت في حضن المؤسسة الدينية لثلاثة عشر سنة. لم تكن تحفل بأي علاقة قد تقودها إلى درب يحمل سمة الخطيئة, وإن كان تتمنى أن ترتكب الأخطاء حتى تذهب وتطلب المغفرة والرحمة نظراً لحرارة تدينها ولتأثير المكان الذي تربت فيه. عند أول اصطدام لها مع العالم الخارجي مع زوجها الذي يحمل صفات عادية ولا يستطيع التعبير عن نفسه كما يجب, تتفاجئ بهذا العالم الذي لا تعرف عنه شيئاً وأصبح بابا مشرعاً لسعادتها. لم تلبث أن انساقت إلى اقناع نفسها بأن حب زوجها خال من الحرارة. أصبحت أوقات انطلاقه وتحلله منتظمة. يقبلها في مواعيد معينة وكأنه يمارس عادة من العادات, أو كأنه يتناول حلوى بعد عشاء ممل. كانت أفكارها لا تلبث أن تهيم بلا غاية: لماذا تزوجت؟ تركت رحلتها الأولى إلى عالم ليس من عالمها, وإلى طبقة ليس من طبقتها ثغرة في حياتها كتلك الثغرات الواسعة التي تخلفها العاصفة في الجبال أحياناً في ليلة واحدة. هي تعتقد أن الحب يأتي فجأة مصحوباً برعد وبرق كما لو كانت عاصفة تنقض من السماء على الأرض, فتقلب كيانها وتنتزع الإرادات انتزاعها لأوراق الشجر, وتجرف القلب, ولم تعلم إلى أن المطر يحيل الشرفات إلى بحيرات إذا كان الميازيب مغلقة, حتى اكتشفت ذات يوم صدعاً في الجدار.

أين جمال الرواية الذي ابحث عنه؟ بصراحة لم أجده في عمل فلوبير, وإنما في دفاع المحامي انطوان ساير الذي أعد مرافعة دفاع عن الرواية في محاكمة جوستاف فلوبير وناشر روايته, والتي اعتبرها نقد أدبي جميل وممتع يكشف جمال الرواية في كل صفحة. لم استمتع قط بقراءة الرواية, رغم مقدرة فلوبير الجميلة القادرة على جمع الجمال والقبح في سطر واحد وفي كلمات معدودة. وفي مرافعة محامي الدفاع التي أجدها أجمل من الرواية يحلل المحامي النص الأدبي ويكشف كيف يتم تحويل النص الذي يُقال أنه مثير للشهوات إلى نص صريح في إدانه لهذه الأفعال, بالإضافة لتحليل شخصيات العمل الفني الواقعية ويقارن بعض المقاطع بمقاطع أخرى مقتبسة من فلاسفة فرنسيين تلقى القبول في المؤسسات الرسمية والشعبية, بينما في عمل فلوبير تتلقى الهجوم وتحاكم بتهمة الفساد الاخلاقي والديني. من أكثر أجزاء الرواية التي استند عليها الإدعاء العام في دعواه تجاه فلوبير بتهمة الفساد الأخلاقي هي هذه الجزئية التي اقتصها المدعي العام بشكل جزئي ولم يظهرها بشكل كامل: كانت تعد نفسها بسعادة عميقة في كل رحلة مقبلة. ثم كانت تعترف بأنها لم تحس بشيء خارق للعادة. وأمحت هذه الخيبة تحت تأثير أمل جديد. عادت إليه إيما بوفاري أكثر اشتعالاً ونهماً, فكانت تتعرى في عنف, وتنزع شريط صدرها الرفيع الذي يدور حول ردفيها كما يتسلل الثعبان, وكانت تذهب على أطراف أصابعها العارية لكي تتأكد مرة أخرى من أن الباب مغلق, ثم تسقط ملابسها كلها بحركة واحدة, وتتهالك على صدره شاحبة صامتة في رعشة طويلة.

في هذه الجزئية يثني المدعي العام على موهبة فلوبير التصويرية, لكنه يتهمه – عبر هذا التصوير الفني – بأنه ملعون من حيث الأخلاق ويجمل علاقات الخيانة. بينما محامي الدفاع أكمل عند النقطة التي توقف عندها المدعي: ومع ذلك فقد كان فوق جبينها المغطى بقطرات العرق الباردة, وفوق شفتيها المتمتمتين, وفي حدقتيها الضالتين, وفي ضمة ذارعيها, شيء مسرف وغامض, مقبض, يلوح لليون أن ينساب بينهما في تسلل, وكأنه يقود أن يفصل بينهما .. أيها السيد محامي الإمبراطورية, تقول أن هذا لوناً شهوانياً ويثير ويحرك الحواس .. لكن ها هنا الموت في هذه الصفحات! الموت في هذه الصفحات!.

في مقالة ديفيد لورانس كان لورانس يهاجم عاطفة الحب المزيف والمتعة الآنية الخالية من العواطف البشرية الصادقة والحارة, والتي تقود لاحقاً إلى تفجر الكراهية بين الزوجين بشكل غريب وغير ظاهر الأسباب. لم يذكر لورانس أمثلة من التاريخ ليدلل على ذلك, ولو استعان بشخصية مدام بوفاري للتدليل على ذلك سيكون واضحاً بشكل مرعب. في الوقت الذي تقترف إيما بوفاري الخطيئة تعترف – وهي في قوة غمرتها وسعادتها مع عشيقها – أن هناك خطأ ما, هناك خطأ في هذه العلاقة. هذا الخطأ يمتد إلى كل حياتها الزوجية ويتأثر بذلك زوجها وابنتها, يقودها هذا الزيف إلى الكذب على نفسها بأنها تعيش سعادة غامرة بينما هي تؤجل تفجر الأمر لوقت لاحق حتى يتم الإعلان في شوارع الريف أن المنزل الذي تسكنه أصبح مصادراً بسبب ارتفاع فوائد القروض التي أخذتها إرضاءً لنزواتها.

كنت قد تحدثت سابقاً عن جمال التصوير الفني للموت في آنا كارينينا. وكيف أن تولستوي غاص في نفس آنا حتى كتب مشهد تصويرياً للموت لا مثيل له. هذا الجمال التصويري صادم, خلاق, يشرك تولستوي قارئه مع آنا في طريقها نحو سكة القطار. حتى كونديرا عندما نشر كتابه الستارة خصص مقال للحظات الأخيرة من حياة آنا بعنوان جمال الموت. وهو صادق في هذه الجملة. بينما في مدام بوفاري لا أظن كونديرا أو أي قارئ آخر سيقول جمال الموت, بل قبح الموت: ذلك الزرنيخ الأسود الذي يطل من اللسان كوحش منتقم من بشاعة الإنسان في حياته الواقعية.

شاهدت فيلم كلود شابرول Madame Bovary 1991, رغم أني انتصر للرواية ولكن هذه المرة سأقول أن الفيلم كان أكثر وضوحاً وخفة من تفاهة تفاصيل الحياة اليومية التي يقذفها فلوبير في كل سطر من سطور الرواية. قال أحدهم أن ردة الفعل التي ترفض الرواية لعدم جمالها, على رواية تشاؤمية مثل مدام بوفاري, فهذا يعني أن المؤلف نجح نجاحاً تاماً في إيصال ما يريده إلى القارئ بكل دقة. إن كان هذا هو ما يريده المؤلف فيجب أن يعرف فلوبير أنه أوصل وجهة نظره إلي بالتمام, وبالتأكيد لن أقرأ له مرة أخرى.

Salieri
09-01-2011, 04:15 AM
http://www.buffyholt.com/blog/wp-content/uploads/2009/07/jorge-luis-borges.jpg


لقاء مع خورخي لويس بورخيس

هذا اللقاء نتاج حوارين للكاتبة الأرجنتينية ريينا روفيه بالمؤلف عام 1982 , كان الأول في مدينة شيكاغو و الثاني في نيويورك , وقد نشرت الكاتبة أجزاء منها في عدد من الدوريات و المنتخبات في الأرجنتين و الولايات المتحدة , ثم نشرته في شكله النهائي في مدريد في 1999

- ذكرت في إحدى المرات أن قصصك المفضلة هي " الدخيلة " و " الألف " و " الجنوب " هل مازلت تعتقد ذلك ؟
كلا , فالآن قصتي المفضلة هي " أولريكا " . و أولريكا فتاة نرويجية حاضرة في مكان رفيع الثقافة , يورك , مكان مختلف عنها تماماً . أما " الدخيلة " فتجري في ضواحي بوينس أيرس في أدروغيه , في تورديرا , و كل شيء يحدث في الأعوام اللاحقة على 1890 تقريباً , لذا فلا وجه للمقارنة بين القصتين , و أنا أعتقد أن " أولريكا " أفضل . لكن هناك من يقول إن أفضل قصصي , و ربما قصتي الوحيدة الجيدة , هي " ذاكرة فونس " و هي قصة جميلة تمخضت عن تجربة أرق مطولة .
كنت أنزل في فندق في أدروغيه , هُدم فيما بعد , و كنت أجرب النوم و أنا أفكر في ذلك الفندق الرحيب , و أفنيته العديدة , و شرفاته الكثيرة , و طوابقه المختلفة , فيعز على النوم .
حينئذٍ طرأت علىّ القصة : رجل يحيا تحت وطأة ذاكرة لا نهائية . هذا الرجل ليس في وسعه أن ينسى شيئاً و كل يوم يخلف له حرفياً آلاف الصور التي لايستطيع التخلص منها , و يموت في ريعان الصبا بسبب هذه الذاكرة اللانهائية .
و هي حبكة قصص أخرى لي فأنا أقدم أشياء تبدو عطايا أو هبات ثم نكتشف أنها رهيبة . منها على سبيل المثال الأشياء المسحورة في قصة " الظاهر " و موسوعة عالم فانتازي في قصة " تلون . أوقبار , أوربيس تيرتيوس " وفي قصة " الألف " هناك نقطة تتركز فيها كافة نقاط الفضاء الكوني . هذه الأشياء رهيبة بالفعل و أنا كتبت قصة بعنوان " ذاكرة شكسبير " بناء على حلم رأيته . كنت في أوربا , و كنا أنا و ماريا كوداما نجكي أحلامنا . خي سألتني ماذا حلمت ؟ فأجبتها : حلماً شديد الغموض لا أتذكر منه سوى عبارة واحدة بالإنجليزية : I sell you shakespeare's memory فيما بعد , فكرت في أن مسألة " بيع " تلك لم تكن مناسبة , وذلك العمل التجاري لم يعجبني , لذا فكرت في شخص يهدي شخصاً آخر ذاكرة شكسبير أو ذاكرته في الأيام الأخيرة السابقة على وفاته .
هذه القصة أُلِفت كي تكون قصة رهيبة , رجل " تسحقه " ذاكرة شكسبير فيصبح على حافة الجنون وليس في وسعه أن يبلغ أحداً بذلك لأن شكسبير فعل ذلك على نحو أفضل في أعماله المكتوبة في التراجيديا و الدراما التاريخية في المسرحيات و السونيتات .

- " الغولِم " و " حدود " هما قصيدتاك المفضلتان ؟
-ذكر لي بيوي كساريس أن " الغولِم " أفضل قصائدي , لأن بها دعابة غير حاضرة في قصائدي الأخرى . أما " حدود " فتنتمي إلى التجربة مر بها كل شخص وربما لم يعبر عنها بعض الشعراء : مسألة أن المرء عندما يبلغ سناً بعينها يمارس الكثير من الأفعال للمرة الأخيرة . و أنا شعرت بذلك الإحساس . كنت رجلاً متقدماً في العمر وحين نظرت إلى المكتبة فكرت : ما أكثر الكتب الموجودة هنا التي قرأتها ولن أعاود قراءتها .
وهنالك أيضاً فكرة أن المرء حين يلتقي شخصاً فإن ذلك يساوي وداعاً محتملاً , لأن من المحتمل ألا يعاود رؤيته مرة أخرى . أي أننا على نحو متصل نودع الأشخاص و الأشياء , وهذا ما لا نعلمه .


الغولِم

لو أنّ الاسمَ (كما يزعمُ الإغريقيُ في الكراتيلو)
عبارةٌ عن هيكلِ الشيء،
إذن لكانت الوردةُ في الحروفِ التي تتهجى "الوردةَ"،
و لتدفقَ كلُ النيلِ في كلمةِ "النيل".

و لذا، باجتماعِ حروفٍ صائتةٍٍ و صامتة،
قد يتشكلُ اسمٌ رهيب،
يحملُ في شفرتهِ كُنهَ اللهِ، قدرتَه المتعالية،
مخفيةً وسطَ حروفٍ و أصوات.

آدمُ و النجومُ كانوا يعرفونهُ في الحديقة.
لطخةُ الإثمِ أزالتهُ
(كما تزعمُ طائفةُ الكابالا)
و بعدَ ذلكَ فقدتهُ الأجيال.

دهاءُ و خلوصُ الإنسانِ
ليسَ لهما حدٌّ. نعلمُ أنَّ شعبَ اللهِ المختارَ
بحثوا عن الاسمِ، و هم يُمضونَ
ساعاتِ الليلِ المتأخرةَ معتكفينَ وسطَ حيّهم.

بخلافِ أولئكَ الذين تتلاشى ظلالُهم
في هُلامِ التاريخ،
تبقى ذكراهُ يانعةً و حيّة،
(يهوذا ليون)، رابي براغ.

وسطَ غمرةِ عطشهِ كي يعرفَ ما يعرفهُ الربُ،
(يهوذا ليون) أخذَ ينظمُ حروفَ الأبجديةِ
في تركيباتٍ مُعقدةٍ، حتى استطاعَ في النهايةِ
أن ينطقَ الاسمَ الذي كانَ هوَ المفتاحُ،

هوَ البابُ، هوَ الصدى، المُضيفُ و القصرُ،
فوقَ دميةٍ شكلتها يداهُ الخرقاوتان،
أخذَ يلقنُها العلومَ السرّيةَ الخاصةَ
بالرموزِ و الحروف، بالزمانِ و المكان.

الدميةُ رفعتْ حاجبيها النعساوين
و لدهشتها، رأتْ أشكالاً و ألواناً تطفو
في عالمٍ من الأصوات، و بعدَ ذلك
اجترأتْ خطوةً مترددةً فزِعة.

تدريجياً (و كما هوَ حالُنا)
أصبحتْ الدميةُ سجينةً للشبكةِ المتذبذبةِ
لِـ قبل، بعدَ، أمسِ، أثناءَ، الآنَ،
يمين، شمال، أنا، أنتَ، هم، الآخرون.

يهوديّ الكابالا الذي صنعَ هذا الإغماضَ
أطلقَ عليهِ اسمَ (الغولم)
(هذه الحقائقُ تُروى عن شولم
في إحدى المقاطعِ العارفةِ من مجلدِه)

الرابي اليهودي شرحَ للغولم أسرارَ الكون،
"هذه قدمي، هذه قدمُك، و هذا حبلٌ،"
تمرُ أعوامٌ و الغولم لم يتعلمْ
من الرابي سوى أن يكنسَ السيناغوغ.

لربما الاسمُ المقدسُ نُطقََ خطأً
أو لربما كان نطقهُ خافتاً أو مُستعجلاً.
السحرُ القويّ لم يعطِ أبداً مفعولَهُ:
تلميذُ الانسانِ لم يتعلمْ أبداً النطق.

عيناهُ أقربُ للكلبِ من الانسان
بل أقربُ للشيءِ من الكلب،
بواسطتهما صارَ يلاحقُ كل حركةٍ يقومُ بها الرابي
في معتكفهِ المتجهمِ المظلم.

شيء فظٌ و غيرُ طبيعي كان في الغولم،
إذْ أنَّ قطة الرابي، بمجردِ أن تراهُ يتحركُ
تهربُ مذعورةً و تختبئ (ليسَ هناكَ قطةٌ في مجلدِ شولم
و لكني اصطنعتُ واحدةً من وراءِ خليجِ الوقت.)

رافعاً يديه المضطربتين نحوَ إلهِه،
أخذ الغولمَ يقلدُ صلواتِ سيدهِ –حتى أتفهها-
أو بابتسامةٍ بلهاء ينحني كلياً
في سلاماتٍ مُحدودبة، كما يفعلُ الرجالُ في الشرق.

الرابي تأملَ مخلوقَهُ في حنانٍ مشوبٍ بالهلع
أخذَ يتساءلُ: "كيفَ أمكنني أن أحضرَ هذا المخلوقَ
المسكين في هذا العالمِ؟ كانَ من الأفضلِ
أن لا أعملَ شيئاً،

ما الذي دفعني كي أضيفَ إلى السلسلةِ غير النهائيةِ للرموزِ
رمزاً آخراً؟
أن أضيفَ إلى خيطِ المغزلِ و هوَ ينحلُ بلا نهايةٍ
سبباً و نتيجةً؟"

في ساعاتِ عذابهِ و اضطرابِ نورِه،
تتوقفُ عيناهُ و تسرحانِ فوقَِ الغولم.
من ذا يخبرنا عن ما يجولُ في خاطرِ الله
و هو يتأملُ من أعلى عذاباتِ الرابي؟


ترجمة: علي الزيبق
Jan 10/ 2010

Salieri
09-01-2011, 04:37 AM
http://www.enotes.com/w/images/thumb/d/d5/Jorge_Luis_Borges_Hotel.jpg/300px-Jorge_Luis_Borges_Hotel.jpg
- وهل تودع نفسك أيضاً ؟ ففي نهاية قصيدة " حدود " تقول هذا المعنى في بلاغة
- تقول القصيدة " المكان و الزمان و بورخيس هاهم يتركونني " . هذه الفكرة طرأت على منذ نحو أربعين عاماً , و لكنني في ذلك الوقت نسبتها إلى شاعر متخيل من مدينة مونتيفيديو أطلقت عليه أسم خوليو ريبيرو آيدو. في مبتدأ الأمر , كانت القصيدة من ستة أبيات فيما بعد انتبهت إلى أن بها إمكانات أكبر و ظهرت " حدود " التي تحمل الفكرة ذاتها " إلى الأبد أغلقت باباً / و ثمة مرآة تنتظرك بلا جدوى و المفترق يعن لك طريقاً مفتوحاً / و السهاد , " يانوس " ذا أربعة الأوجه "
- هل يكرر الكاتب معالجة الأفكار نفسها في أعمالهم , سواء أكانت أفكارهم أم أفكار كتاب آخرين ؟
- لدي أفكار قليلة جداً , أي أنني أكتب دائماً القصيدة نفسها مع تنويعات طفيفة , و على أمل تصحيحها و أو تجويدها , و مع ذلك , مايقرؤه المرء مهم جداً .
وهذا يلاحظ بشدة على أعمال ليوبولدو لوغونس , فوراء كل كتاب من كتبه هناك مؤلف هو كالملاك الحارس له فنجد خوليو لافورج وراء " التقويم القمري العاطفي " و وراء كافة أعماله فيكتور هوجو الذي يعتبره واحداً من الأربعة الكبار الذين يذكرهم لوغونس بالترتيب الزمني وهم : هوميروس , دانتي , هوجو , ويتمان .
لكنه حين ينشر " التقويم القمري العاطفي " يتخلى عن ويتمان , لأنه كان يرى أن القافية أساسية , ولما كان ويتمان واحداً من رواد الشعر الحر , لم يعد شاعره النموذجي .
- من قبل , كنت ترى أن ويتمان هو الشعر كله .
- أجل . لكن من الخطأ أفتراض أن شخصاً هو الشعر كله , فلذلك دائماً غير مناسب .
- ذكرت الآن الملاك الحارس للوغونس , فمن هم ملائكتك ؟
- كم وددت أن أكون جديراً بستيفنسون أو تشسترتون , ولكنني لا أدري إن كنت كذلك .
على أية حال , أنا قرأتهما بمتعة كبيرة , رغم أن كتابتي خرقاء . لا علم لي إن كنت كاتباً جيداً , لكنني قارئ جيد , وذلك أهم . أنا قارء معترف بالجميل و انتقائي , درست عدة لغات محاولاً معرفة كل الأدب , وذلك محال . عموماً , أشعر بالأمتنان لعدد كبير من اللغات و المؤلفين و الأقطار . كانت أمريكا كريمة مع العالم , خاصة نيو إنجلند . ففي نيو إنجلند إدغار آلان بو و ميلفيل و ثورو , و إميلي ديكنسون و هنري جيمس .

http://quarterlyconversation.com/images/jorge-luis-borges.jpg


- في " بحث ابن رشد " خلقت مناخاً يلوح كل شيء فيه بعيد المنال , بلا جدوى . أنت نفسك تقول إنه مسار هزيمة .
- هذا موضوع جد مركب . ثيمة " بحث ابن رشد " هي كالتالي : إذا كنت اخترت ابن رشد بطلاً للقصة فلإن ابن رشد هذا ليس ابن رشد حقيقة , بل هو أنا . فمثلاً , أكتب قصيدة لهيراكليتوس و أقول : هيراكليتوس لايعرف اليونانية . بالطبع ! لأن هيراكليتوس بالفعل ليس هيراكليتوس , بل هو أنا أصطنع كوني هيراكليتوس . لذا أواصل استدعائي لابن رشد و في نهاية القصة أعي أن ابن رشد هذا انعكاس لي , و من ثم أجعله ينظر في المرآة . ينظر في المرآة فلا يرى أحداً لأنيي لا أعرف كيف وجه ابن رشد , و هكذا تذوب القصة . و هذا كله ثمرة قراءتي لكتاب لرينان عن ابن رشد .
- في " المعجزة السرية " هنالك قصة داخل قصة .
- إنها اللعبة التي نجدها في " ألف ليلة و ليلة " على نحو متصل , و التي استخدمها ثربانتس أيضاً . في الجزء الأول من " دون كيخوته " على سبيل المثال , نجد قصة " الفضولي السفية " , و نجد مسرحاً داخل المسرح في تراجيديا " هاملت " .
- في قصتك " حديقة الطرق المتشعبة " , ثمة متاهات في المكان و في الزمان . من أين تأتي فكرة المتاهة عندك ؟
- تأتي من نقش في كتاب فرنسي كانت توجد في عجائب الدنيا السبع و من بينها المتاهة التي كانت مثل حلبة مصارعة ثيران كبيرة لكنها عالية جداً . كان يُرى أنها عالية جداً إذا كانت هناك شجرة صنوبر لاتكاد تبلغ سقف المتاهة و كانت هناك شقوق . في طفولتي اعتقدت أنني لو نظرت منها لاستطعت رؤية " المينوتور" الموجود في الداخل . في الواقع عابثت هذه الفكرة و يروقني التفكير في أنني مازلت أعابثها . فما أجمل الكلمة : متاهة .
- في نصوصك تمحو الواقع فكرة اللامتناهي , لكنك في ذات الوقت تبدع لا واقعاً مثيراً للكرب في رأيي .
- حسن ليتني كنت كذلك , فأنتِ كريمة معي .
- يبدو ذلك شديد الوضوح في " الموت و البوصلة "
- أجل . لكنني سأضطر إلى إعادة كتابة هذه القصة , لأنني كتبتها بشكل بالغ السوء . أعتقد أن من واجبي أن أشير بشكل بيلغ إلى أن المحقق السري يعرف أنهم سيقتلونه , و إلا فإنه يبدو كالأحمق , لذا من الأفضل أن يبدو كأن له ميولاً انتحارية .
من ناحية أخرى بما أن الشخصيتين شديدتا الشبة فيما بينهما ( فالمجرم أسمه Red scharlach و المحقق اسمه Lonort أي " أحمر " أيضاً لكن بالألمانية ) و تفكران بالطريقة نفسها , فإن من الأفضل تغير نهاية القصة قليلاً , و حذف عنصر المفاجأة المحتمل . و أنا بالطبع حين كتبت هذه القصة كتبتها على غرار القصص البوليسية , لكنني الآن أعتقد أن هذه القصة يمكن أن تشتمل على شيء مختلف , بوسعها أن تكون استعارة للانتحار , أي يمكن أن تثرى بإضافة أربعة سطور أو خمسة إليها .
من أجل هذا ينبغي أن أجعل أحداً يقرؤها على بصوت عال و أن أدقق في فقراتها لكنني كسول

يتبع إن شاءالله bp039

يوسف
09-01-2011, 04:41 AM
يا هلا أبو فهد أهلاً وسهلاً. كيفك يا عمنا عساك بخير.
الحديث عن بورخيس يطول, وإن كان من هناك شخص محظوظ فلن يكون إلا آلبرتو مانغويل الذي قرأ لبورخيس لسنتين وبصوت عال, كان بورخيس يطلب من مانغويل أن يتوقف عند هذا البيت مثلاً ويرجع إلى ذاكرته ليقارن ويضع التشبيهات ويفكر باللغة ولماذا اختار هذا اللفظ وغيره. على فكرة هناك اعترف يجب أن أخبرك به, أنا كرهت مدام بوفاري:D, هناك عدة أسباب تخص المؤلف نفسه, بس الظاهر أن وودي آلن هو السبب في ذلك, قرأت الرواية وأنا أفكر بفيلم Interiors :D, ربما يأتي الوقت للحديث عنه لا حقاً, لكن الآن أتمنى أن تشاهد فيلم كازو إيشيجيرو المقتبس من عمله Never Let Me Go, شاهده وليكن الحديث لاحقاً حول قطعة الحزن هذه.


* متابع معك

Salieri
09-01-2011, 04:52 AM
يا هلا أبو فهد أهلاً وسهلاً. كيفك يا عمنا عساك بخير.
الحديث عن بورخيس يطول, وإن كان من هناك شخص محظوظ فلن يكون إلا آلبرتو مانغويل الذي قرأ لبورخيس لسنتين وبصوت عال, كان بورخيس يطلب من مانغويل أن يتوقف عند هذا البيت مثلاً ويرجع إلى ذاكرته ليقارن ويضع التشبيهات ويفكر باللغة ولماذا اختار هذا اللفظ وغيره. على فكرة هناك اعترف يجب أن أخبرك به, أنا كرهت مدام بوفاري:D, هناك عدة أسباب تخص المؤلف نفسه, بس الظاهر أن وودي آلن هو السبب في ذلك, قرأت الرواية وأنا أفكر بفيلم Interiors :D, ربما يأتي الوقت للحديث عنه لا حقاً, لكن الآن أتمنى أن تشاهد فيلم كازو إيشيجيرو المقتبس من عمله Never Let Me Go, شاهده وليكن الحديث لاحقاً حول قطعة الحزن هذه.


* متابع معك

يا أهلاً و سهلاً نورت مطرحك يا مولانا , الحمدالله أنا بخير , بشرنا عنك
فعلاً ذاك الشخص محظوظ و على فكرة عرفت المعلومة منك بقراءة عن كتابة تاريخ القراءة و كي أكون صريحاً و صادقاً معك لم أستطع أكمال القراءة من الحسد :D , أول ما قرأت الخبر صعقت و الآن تذكرني , بالنسبة لوودي آلن و فيلمه ذكرتني فيه يا مولانا - على قول العقاد - << معجبتني الكلمة :D , لا أستطيع أعذرني لا أعلم لكن على طول اقارنه بفيلم بيرجمان و لعلك قمت بمشاهدة الفيلم و بالتأكيد لاحظت التشابه بين الفيلمين أقصد " Autumn Sonata "



http://www.filez.st/screenshots/82/5868421982_Interiors_1978_DvdRip.jpg
ياللمصادفة بالأمس شاهدت فيلم للمخرج العظيم بيرجمان يتمحور عن علاقة أم و ابنة , و اليوم أشاهد فيلم للمخرج العظيم أيضاً وودي آلن عن علاقة أم ببناتها الثلاث , المثير للاستغراب أن الفليمين أنتجا بسنة واحدة 1978 ,
و الغريب أيضاً أن الفليمين يدوران بفلك واحد بشكل أو بآخر , ها هنا تظهر نزعة وودي البيرجمانية , لا يخفي باطبع على محبي المخرج وودي آلن بأن وودي من أشد المعجبين بالمخرج الكبير بيرجمان و ساق على نهجه بعدة أفلام " الداخل 1978 , سبتمبير 1987 , جنايات و جنح 1989 "

و بحسب مشاهدتي القليلة لأفلام المخرج العظيم بيرجمان اسمحوا لي بالقول بأن سينما وودي لا تختلف عن سينما بيرجمان من ناحية الفكرة إلا أن المعالجة بالتأكيد مختلفة أشد الاختلاف , فالثيم الاساسي بأفلام وودي آلن عن العلاقات الإنسانية و كذلك بيرجمان إلا أن طريقة العرض تختلف تماماً
وودي يقدم علاقاته بطريقة ساخرة بينما بيرجمان على العكس تماماً على الاقل مما شاهدت من أفلام بيرجمان , عموماً القضية ليست قضية مقارنة بين المخرجين إلا أن فيلم وودي هذا يسير على نفس نهج المخرج بيرجمان
وودي هنا مختلف ليس لانه ابتعد عن سخريته المعتادة ابداً , اختلافه هنا بالعلاقات نفسها فالفيلم على خلاف افلام وودي يتناول حياة ثلاث نساء يمرّن بظروف صعبة و لعل اصعب هو ظرف انفصال الوالدين فحاول هنا التنويع من العلاقات
أو كأن وودي اضاف جميع ما قدم من العلاقات بأفلامه السابقة بهذا الفيلم
فعلى سبيل المثال هانا و شقيقاتها فإن العلاقة المعقدة بالفيلم تكون بين رجل متزوج وشقيقة زوجته و مع أن فيلم الداخل اقدم من الفيلم اعلاه إلا اننا نلاحظ انجذاب زوج ريناتا لأختها و محاولة اغتصابها ثم هناك علاقة الاخوات ببعض
و علاقة الام بكل واحدة منهن و المشكلة الاكثر تأثيراً على مشاعر الجميع الانفصال

http://magiclanternfilm.files.wordpress.com/2010/04/interiors.jpg
وودي هنا مختلف تماماً لا يجعل للمدينة أي أهمية بل حتى أنه بالكاد يغادر منزل العائلة و ها هنا تظهر النزعة البيرجمانية كما ذكرت سابقاً على عكس بقية أفلام وودي آلن , الاحتيجات العاطفية بالفيلم كانت تنقسم بالنسبة لي بأفلام وودي إلى الحب أو علاقة في المناطق شديدة التحضر في المدن و وسط الشريحة العليا من الطبقة الوسطى في مدينة نيويورك ,
لكن هنا الشخصيات لا تحتاج إلى علاقة , وودي هنا يركز على الشجن الناتج عن علاقة البنات بالوالدين , و بالتأكيد وودي يركز على الوالدين أيضاً الأم مثلاً كانت تعانى من الوحدة بعد إخفاق زواجها و انهيار حياته المثالية كما تتصور , فتحاول أن توهم نفسها بأن زوجها سوف يعود إليها يوماً ما مع العلم بأنها تعلم بأن هذا من المستحيلات
و هنا يظهر و يوضح وودي علاقة الأم بالبنات خصوصاً ريناتا و جوى ,
ريناتا تحاول مؤاساة امها بالامل بأنه فعلاً سوف يعود إليها , أما جوى فتخبر أمها بالواقع بأنها لن يعود إليها " من المهم أن تكوني واقعية " , " ريناتا تعتقد أنه ممكن "
هنا تتضح علاقة الشائكة بين جوى و والدتها , و كذلك تتضح العلاقة بين ريناتا و جوى , علاقة جوى و ريناتا شائكة جداً و مصدر هذي العلاقة ناتج عن علاقتهم بوالدتهم
هنا تختلف ثيمة الفيلم عن فيلم بيرجمان " Autumn Sonata " ولو أن هناك تشابه واضح خصوصاً بالمشهد الاخير
العلاقة تتسع هنا بين أربعة اطراف الام و الاب و ريناتا و جوى , ريناتا شاعرة مبدعة فتفضلها على هذا على الاقل بالنسبة لجوى , فتحاول جوى
أن تبدع بعدة مجالات فتفشل مع أنها تملك الموهبة لكنها تعانى من عقدة إبداع أختها ريناتا
مما يجعلها تظن بأنها لا تملك الموهبة , فتضع اللوم على والدتها فلا تعلم ماهية العلاقة بينها و بين والدتها حب أم كره " كل نوبات الصداع التي تنتابك كلما عادت إلى البيت , لم تريديها أن تعود للبيت ابداً "
و ريناتا كانت تشعر دائماً بأن والدها يفضل جوى عليها , و هذا مما يجعل علاقتهم هلامية
عند بيرجمان هناك لحظات عاصفة بالفيلم , لحظات تكشف حقيقة الشخصيات دائماً , على سبيل المثال فيلم " Autumn Sonata " لحظة كابوس الام و المواجهة الاخيرة , هنا يسير وودي على نفس النهج
فكانت لحظة زواج الأب هي اللحظة العاصفة , لحظة وضع النقط على الحروف , مشهد المواجهة الاخيرة بين جوى و والدتها كانت مشابهة لمشهد مواجهة الام و الابنة بفيلم بيرجمان



بمشهد المواجهة الاخير بين جوى و والدتها تضع جوى اللوم على والدتها على كل ماحدث للعائلة فتتهمها بأنها انانية مع كل الحب الذي كانت تكنه لها
لم تواجه من إلا الصد بعكس ريناتا التي لم تحفل بها يوماً و مع ذلك تحبها لأنها مبدعة بل تذهب بعيداً لتوضح
علاقة العائلة بأن لا أحد منها عرف المشاعر الحقيقة ابداً على الرغم من تواجدهم الدائم مع بعض إلا أن لا مكان للمشاعر بينهم , بما أننا نتحدث عن بيرجمان فبصمات بيرجمان كانت حاضرة طوال مدة الفيلم
الوجود النسائي بالفيلم سمة من سمات سينما بيرجمان , كذلك المرض أو الموت فجميعها حاضرة هنا بشخصة الام و لازلت بحالة استغراب من مدى تشابه الفيلمين لا أعلم ايهم كان الاسبق إلا أن الفيلمين كانا رائعين
و حقيقة كأني حضرت فيلمين لبيرجمان و هذا ليس تقليلاً لسينما وودي بل على العكس تماماً

كتبت هالمقال أول ماشفت الفيلم و الآن أجحده بكل قوة :D , أجل أسلوب وودي مشابه لأسلوب بيرجمان بس تعرف الواحد تحت الضعط يتهور pb027

و فيلم كازو إيشيجيرو إن شاءالله في القريب العاجل يا مولانا

يوسف
09-01-2011, 05:01 AM
يا مولانا ساليري - لن أقرأ هذه القراءة حول فيلم وودي آلن.:d أنا بنفسي أجلت الكتابة عنه بسبب تحفة بيرجمان صرخات وهمسات, لأن تحفة بيرجمان هذه هي الأساس التي استند عليه وودي في هذا الفيلم. تعرف ايش المشكلة يا ساليري؟ شاهدت صرخات وهمسات ويوم اشتد الفيلم وارتفع لأقسى درجة أغلقت التلفزيون. هذا ليس للمشاهدة وحسب, يحتاج لوقت خاص ومشاهدة خاصة. المشكلة أني لا أعرف متى يأتي هذا الوقت. أما عمل صاحبنا إيشيجيرو فشاهدت هذا الفيلم قبل يومين مع ثلاثة من الأصدقاء, وسأعيد مشاهدته بعد قليل. والله يطرب إيشجيرو بقصصه. لي رجعة إذا شاهدت الفيلم مرة ثانية. بذكر لك أسماء كتب لبورخيس -إذا طلعت الكتب من الكراتين-, ليست من تأليفه, أنا متأكد بأنك ستصل معه إلى حالة من الإندماج والهوس :d

Salieri
09-01-2011, 05:17 AM
و الله يا مولانا شفت فيلم همسات و صرخات في صباح رمضان تخيل ! :d , بتقول وش القوة اللي فيك
الفيلم رهيب جداً و بالتأكيد انتظر قراءة للفيلم , و دائم هالرد كان بالغلط و مصيره الحذف قلت خل ارد عليك :d

A.M.S.B
09-01-2011, 07:38 PM
يوسف

أقرأ حالياً عشيق الليدي تشاترلي للورانس ، الرواية جميلة إلى حد كبير لكن النزعة الأخلاقية فيها ليست هي ما يصنع جمالها برأيي ، المسألة برأيي صراع بين المادية والروحانية ، وليست صراع بين الأخلاق وانعدامها ، العلاقة بين الليدي تشاترلي وعشيقها لم تكن أخلاقية أصلاً لأنها مهما كانت سامية في مضمونها فهي تبقى في شكلها نوعاً من الخيانة ، لكن ما يهم لورانس هو هذا السمو الناتج عن العشق وليس الحكم الأخلاقي ، المضمون الذي يحرر النفس من المادية. هي أشبه بالإعتراض على طبيعة العصر الحديث ، يكفي أن تقرأ الجملة الأولى من الرواية: "عصرنا في جوهره عصر تراجيدي، ولذا نرفض أن نتعامل معه تراجيدياً" عصر الفحم والحديد والمعدات الميتة التي يتطرق لها لورنس بكثرة ، أقبح المواد وأكثرها جموداً هي ما يكتسب أهمية أكبر في هذا العصر ، هذا التشوه ينعكس على نفوس سكان هذا العصر ويسرّب إليهم خصائصه ، مجرد كائنات جامدة فارغة تمارس أعمالها وحياتها اليومي بشكل شبه آلي ، المصيبة أنهم يمارسونه بتبلد وبلا وعي دون إدراك أن هناك خلل عظيم في الطريقة التي تسير بها الأمور ، الليدي تشاترلي وعشيقها يمثلون استثناء ، حالة تحرر من كل هذه الشوائب ، كان هناك نوع من الاظطراب والتوتر في شخصية الليدي تشاترلي الذي يبقيها في حالة تحفز إلى هذا التحرر، وكان الجنس بينهما هو الوسيلة يمكن من خلالها النفاذ إلى خارج هذا العالم المادي ، لإيجاد فسحة في الزمن إلى ما هو أبعد من هذا العصر الجامد ، أي أن العشق هنا مجرد تمثيل لإمكانية إيجاد تلك الروحانية ، بغض النظر عن مدى أخلاقيته.

لم أقرأ مدام بوفاري لكن نتيجة مشاهدتي للفلم وقرائتي لبعض المقارنات بينه وبين الرواية أتصور أنها رواية رصد وتصوير واقعي وليست رواية فكرة مثل رواية لورانس ، بوفلير لا يتخذ موقف من شخصيته مثل المواقف التي يتخذها لورانس من تشاترلي وانتصاره لها نوعاً ما، ولا يتعامل بوفلير مع بوفاري بذات الحميمية والقرب ، هو فقط يبحث في التصرفات والأفكار والعواطف التي يمكن أن تمارسها شخصية كهذه فيما لو مرت بظروف مشابهة ، كأنه اكتفى بخلق أساسات هذه الشخصية وظروفها الزمانية والمكانية ثم تركها لتمارس دورها في هذه الحياة التي اختارها لها دون أن يتدخل أكثر من ذلك ، المصير النهائي للشخصية كان هو فقط مصيرها الطبيعي والواقعي التي كانت تسير إليه نتيجة تلك الظروف وليس نوعاً من الإدانة للشخصية وأخلاقياتها برأيي ، أي أن بوفلير لا ينتقد نوعية الحياة التي عاشتها بوفاري إنما يستعرض إمكانية هذه الحياة، لا يوجد هنا بالضرورة هدف محدد أو حكم أخلاقي أو موقف للكاتب مما كتبه، وإن كان بوفلير يبدو بالنسبة لي أقرب إلى خالق سادي نتيجة اختياره لهذه الظروف التشاؤمية التي قذف بشخصيته وسطها. بخصوص قبح الموت في مشهد وفاة مدام بوفاري أعتقد أنك يجب أن تكمل تحفة بيرغمان صرخات وهمسات ، شابرول بتصوّري تأثر لحد كبير بمشاهد احتضار هارييت اندرسون في هذا الفلم ، الطريقة التي صوّر بها احتضر ايزابيل أوبير من الزرنيخ كانت مشابهة جداً ، أو أن أوبير بأدائها العظيم هي من خلقت هذا التشابه ، في كلا الحالتين هو شبه موفق ، لم يقترب أحد برأيي من حقيقة الموت ولم يصور أحد تفاصيل الاحتضار الباردة والمخيفة كما فعل بيرغمان في ذلك المشهد.

أنتظر رأيك في فلم إيشيجيرو الجديد ، ومتابع طبعاً لك أنت وأبو فهد ، لا يوقف :d

يوسف
09-01-2011, 09:13 PM
أقرأ حالياً عشيق الليدي تشاترلي للورانس

كتبت رد قبل قليل فيه تفصيل للرواية, انتبهت متأخراً أنك لم تنتهي منها بعد.:d قراءة ممتعة بداية .. لا اختلف معك في تعقيبك الأول حول لورانس. لكن المثير في كتابات لورانس في الليدي تشاترلي وأيضاً في قصائده أنه مثير للجدل بشكل دائم. قيل عن لورانس بأنه طبيعي, وأنه واقعي, ورمزي, وكاتب رومانسي, بل قيل أنه كاتب انطباعي. وكأن أسلوبه في التعبير أشبه بلغز. في كل ما كتبه لورانس من رواية وقصة وشعر ورسائل نقد, كرس ذلك لفنه ورؤياه في الحياة, ينظر إلى عين عصره بعين العداء, ويكن له المقت, ولو أن حياته طالت عن الأربع والأربعين التي عاشها فلا شك في أن مقته كان سيتزايد. قد يكون مرد ذلك إلى انتسابه للطبقة المتوسطة, حيث كان والده أحد عمال المناجم, أمياً غير مفكر, ثملاً في الغالب, بعكس والدته التي زرعت فيه حب الفكر والأدب. نلحظ نقد لورانس لعصره في قصيدة جنون المال, ولكن نقده لعصر يظهر بشكل أكبر ومكثف في عشيق الليدي تشاترلي, والتي تعتبر بحق رائعته التي جمعت خلاصة أفكاره وفنه.

ماوجدته في الرواية تقديس للجسد بشكل هائل, يتعامل معه باحترام واجلال, بل يصل إلى مرحلة يضفي عليه مسحة من الروحانية حين يجعل الإتصال الجسدي بين الرجل والمرأة عندما يصلان في لحظة الوصول إلى الإلتحام بنوع من الغموض المقدس في الحياة: إلى التوحد مع كل أشكال الحياة في الكون, وكل قوى الطبيعة من ريح وبركان ومطر.

منذ بداية الرواية يدور لورانس في عالم الصناعة, طغيان المادة, عالم تسمع من خلاله من بعيد صوت ضربات المطارق المناجم, وجوه سوداء, أصوات انفجارات تودي بحاية العمال, تفوح منه رائحة الأدخنة والكبريت والحديد. في مقابل هذا العالم الصناعي, يفجر ديفيد لورانس كل طاقاته التصويريه الهائلة لوصف الطبيعة والحديث عنها: عالم من أشجار البلوط والصنوبر, وأزهار البنفسج والنرجس, الينابيع التي كان روبن هود وصحبه يرتوون منها, عالم تسمع فيه أصوات العصافير, ونقار الخشب, للأشجار أصوات كذلك, هناك أصوات غريبة كثيرة للغاية في الغابة .. إنها الأشجار تصر وتحتك معاً. من خلال وصف الطبيعة وتقدير لورانس لتلك النزعة الطبيعية المذهلة, من الممكن القول بأن لورانس تأثر تأثراً بالغاً بروسو, يظهر ذلك جلياً عندما يصف تشوهات حضارة الفحم والحديد من جهة, ويصف بالمقابل الغابة في كل تحولات الفصول, ثم يتصور حسب رؤياه كيف أن هذ الجمال للطبيعة وتلك السكينة التي تغمر الروح سوف تتلاشى وتزول. في حديثه عن قطعة الغابة المقطوعة الأشجار كان يرمز إلى أن حضارة الفحم والحديد قد باشرت بالقدوم إلى الغابة.

عالمين متناقضين. عالم صناعي مادي مرتبط بالعقل والفردية والصراعات الطبقية, وعالم طبيعة مرتبط بالحس والفطرة النقية. عالم لا يعرف سوى لغة الأنا العليا والعقل, وعالم يتحدث بلغة من لغات الذات تتعرف عليها الليدي كونستانس حين تتعرف عليها في ومضة من ومضات اللاوعي حين يقع بصرها على حين غرة على جسد ميلورز وهو يغتسل في فناء كوخه: سيطر عليها إحساس الوحدة, إحساس كائن وحيد يسيطر عليها, مخلوق عار يعيش وحيداً, وداخلياً فقط. وعلاوة على ذك هناك جمال للكائن العاري, ليس مادة للجمال, ولا حتى جسد الجمال, بل هناك خفقان ما, دفء شعلة بيضاء لحياة مقدرة تكشف عن نفسها في ثنايا يمكن أن يلمسها الإنسان: الجسد.

على مثل هذا الرنين, وهذا الإتصال الجسدي بين الرجل والمرأة, تستيقظ مشاعر كونستانس على عنصر جديد يبقي الحياة نظرة: لغة الجسد. وبقدر ما تتفتح كونستانس على الحياة, بقدر ما يتفتح ميلورز بعد عزلته وانفصاله, يدرك شيئاً غير ذاته الموجعه, تحقيقه لحياته الإنسانية المتكاملة لا يتم إلا من خلال الإتصال الحسي الذي يصل إلى أقصى مدى له في الإلتقاء الجنسي الذي يوحده لا مع الليدي, بل مع الحياة.

لم أقرأ مدام بوفاري لكن نتيجة مشاهدتي للفلم وقرائتي لبعض المقارنات بينه وبين الرواية أتصور أنها رواية رصد وتصوير واقعي وليست رواية فكرة مثل رواية لورانس ،

وهذا هو السبب الرئيس في عدم إعجابي بالرواية. لا توجد أفكار. ربما يعود ذلك إلى النمط الواقعي الصرف الذي يتصف به فلوبير, لم يعجبني صراحة. أما الحكم على بطلة الرواية من منظور أخلاقي فمباركة فلوبير لكل ماجاء في مرافعة الدافع عن الرواية تنفي ذلك, من يقرأ الرواية يجب أن يقرأ مرافعة محامي الدفاع الذي أهدى فلوبير الرواية له في الصفحة الأولى من الرواية.

تعرف بالطبع موت المؤلف, أي انتهاء العلاقة بين المؤلف والنص. يبقى النص لوحده في هذا العالم يتلقى كل التأويلات والتفسيرات. تولستوي ابتعد كثيراً ولم يعد يربطه بالرواية أي شيء آخر, باستثناء الاعترافات التي كانت تثور في روحه, فلوبير ولورانس لم يبتعدا عن الرواية, بل استمرا طوال حياتهم يكتبون على هذه الأعمال حتى بعد نشرها بسنوات. فلوبير في قاعة المحكمة, ولورانس كذلك لم يتبعد عن نصه ولم يمت, بل كتب مقال بعد صدور الرواية يخص الرواية التي كتبها, أتمنى بحق أن ينشر مع الترجمة الكاملة للرواية لأن هذا المقال يعبر عن رؤية المؤلف تجاه الليدي تشاترلي .. سأذكر هذا المقال بعد قليل, وهو من أجمل مقالاته بالطبع.

يوسف
09-01-2011, 09:15 PM
الكلمات ربما تكون قوية إلى درجة لا نستطيع قبولها, والقوة الإستدعائية لما تسمى بالألفاظ الفاضحة لا بد وأنها كانت شديدة الأثر على أصحاب العقل المظلم, وشديدة القوى لذوي العقل البطئ والطبيعة المتدنية. لكن الثقافة الحقيقية تجعلنا نعطي للكلمات تلك الاستجابات العقليلة والتخيلية التي تنتمي للعقل وتحفظنا من الانفعالات الجسدية العنيفة. في الماضي كان الإنسان ضعيف العقل ومحدود الفكر بحيث كان لا يمكن قبول من يتكلم معه في وظائفه الجسدية دون أن يختلط كل شيء عليه في صورة انفعالات ترهق قواه.

بينما نحن نفكر, فإننا لا نفعل, وبينما نفعل لا نفكر. الحاجة العظمى هي أن نفعل وفقاً لأفكارنا, وأن نفكر وفقاً لأفعالنا. ولكننا ونحن نفكر لا نفعل, وعندما نعمل لا نفكر. شروط التفكير والعقل تبدو متناقضة أحياناً تبادلياً على الرغم من أن التفكير والعقل يجب أن يكونا على صلة ببعضهما. هذه هي النقطة الأساسية في عشيق الليدي تشاترلي. أريد أن يستطيع الرجال والنساء أن يفكروا في الجنس بكليتهم وبصورة كاملة وحيادية, حتى لو لم نستطع أن نمارس الجنس بطريقة توفر لنا الرضا الكامل.

اليوم .. الإدراك الواعي الكامل للجنس يعد أكثر أهمية من الفعل في حد ذاته. بعد قرون سحيقة يريد العقل أن يعرف الحقائق كاملة. فالجنس دائماً في حالة انتظار. حين يمارس الناس الجنس حالياً فهم يمثلون, ويمارسونه بالغريزة, إلا أنهم يعتقدون أن ذلك أمر عادي. بينما في الحقيقة العقل هو الذي يبدي الشغف والجسم يحتاج إلى إثارة. الناس سابقاً كانوا يمارسون الجنس بالغريزة البحتة دون أن يفكروا فيه مطلقاً أو يدركوا حقائقه بحيث أن الممارسة الآن أصبحت ميكانيكية وكئيبة ومخيبة للأمل ولن ينعشها سوى الإدراك العقلي الجديد. يجب أن يتوافق العقل مع الممارسة الجسدية للجنس. نحن نتلكأ في تفكيرنا الجنسي في ظلام الخوف, وتركنا العقل جامداً دون أن يتطور. يجب أن يتوافق العقل مع إدراك أحاسيس الجسد وتجاربه. توافق بين فهم معنى الممارسة بالغريزة والممارسة ذاتها, وأن نجعل الاثنين متناغمين.

الحياة محتملة فقط عندما يكون العقل والجسم في حالة توافق, وهناك توازن طبيعي بينهما, وكل منهما لديه احترام طبيعي للآخر. حياة الجسد هي حياة الإحساس والعواطف الرقيقة, حين يشعر بالجوع الحقيقي والفرحة الحقيقية تحت الشمس أو تحت الجليد. وبالمتعة الحقيقية في رائحة الورود أو في الزهور, ويشعر بالغضب الحقيقي, والحزن الحقيقي, والحب الحقيقي, والرقة الحقيقية, والدفء الحقيقي, والعاطفة الحقيقية, والكره الحقيقي, والأسى الحقيقي, كل هذه المشاعر تنتمي للجسد ويتم التعرف عليها بالعقل. قد نسمع خبراً يسبب لنا حزناً طويلاً, ولا نشعر إلا بحزن مؤقت لحظة سماعه, ولكن بعد ساعات طويلة يستوعبه العقل ويصل الإدراك إلى المراكز الجسدية, عندها يعتصر الأسى الحقيقي قلبك.

إن العواطف العليا مقيدة تماماً ويجب عدم إظهارها. أعني بالعواطف العليا الحب بكل تجلياته من الغربة الحقيقية إلى الحب الرقيق, حب رفاقنا من البشر, وحب الله, أعني بالحب الفرحة والسرور والأمل والغضب الحقيقي والإحساس بالعدل والظلم والحقيقة والزيف والشرف والنبل وحب الطبيعة, والإعتقاد في أي شيء, كل هذه الأشياء قد ماتت حالياً ولدينا مكانها العاطفة المزيفة. لم يكن هناك عصر أقل عاطفية وأكثر خواء من المشاعر الحقيقية ومبالغة في المشاعر الزائفة مثل عصرنا هذا. العاطفة والمشاعر المزورة أصبحتا كالمباراة, كل شخص يحاول أن يبتز جاره. وسائل الإتصالات والسينما عبارة عن أدوات لتزييف المشاعر طوال الوقت. الصحافة والأدب هما على نفس الوضع, تعطي الناس مشاعر مزيفة يعيشون فيها وبعد ذلك يعرفونها.

الجنس الحقيقي يقاوم العاطفة المزيفة, لأن الجنس بلا حب هو دعارة مؤكدة. الناس الذين لا يحبون بعضهم بعضاً ويدعون غير ذلك هم ظاهرة زماننا. الذين اعتقدوا أنهم أحبوا بعضهم بعضاً بشدة وعمق وظلوا على اعتقادهم هذا لسنوات طويلة, يجدون فجأة كراهية حادة وعميقة قد حلت محل الحب, وقد يحدث ذلك في مرحلة مبكرة. لا شيء يثير الفزع والأسى في نفسي أكثر مما أشعر به حيال من اعتقدوا أنهم في وقت ما قد أحبوا بعضهم بعضا, ثم تفجرت الكراهية بينهم بشكل شديد الغرابة. الكائن الجنسي في الرجل والمرأة يصرخ في يأس من الممارسة الفجة الخالية من العاطفة, وبعد كم الحب الزائف الذي كابده. عنصر الزيف في الحب يقتل الجنس العميق بالفرد, ولكن قد يكون من الأجدر القول بأنه يثير التقزز, ثم يقتل الرغبة كلية في النهاية. أسوأ المشاركين في الحب الزائف هم الذين يصلون إلى درجة التشبع, أما الذين كان حبهم مشوباً بالعاطفة وعلى درجة من الإخلاص, هم دائماً ما يكونون أكثر رقة وأكثر استمرارية, لانهم لم يتعرضوا للغش في مشاعرهم.

المأساة هي أنه في عصر يسيطر فيه الزيف ويشكك في المشاعر وخاصة المشاعر الجنسية, فإن عدم الثقة وعدم الرضا المتولدين من الزيف يتغلبان ويطفئان الشعلة الصغيرة الحقيقية للالتحام الحقيقي في الحب الذي من الممكن أن يسعد الطرفين. هم يتهمونني بالبربرية, وبأنني أريد العودة بإنجلترا إلى البدائية, ولكن ما اعتبره بربرياً وبدائياً هو البلاهة والموت فيما يتعلق بالجنس. الرجل الذي يجد أكثر أجزاء المرأة إثارة ملابسها الداخلية هو الذي يكون بربرياً.

يقول السيد برنارد شو أن أعظم عاهرة في أوروبا هي من يجب أن تستشار في أمور الجنس. وهو في ذلك على حق, العاهرة الأعظم ستعرف عن الجنس ما يعرفه السيد برنارد شو نفسه, الجنس المزيف الذي يمارس بالتحايل والخداع, لا تعرف عن الجنس الذي له إيقاع الفصول والسنين ودفء الشتاء وعاطفة الربيع, لن تعرف عن هذا الشيء أبداً, لأنها لكي تكون عاهرة يجب أن تفقده أولاً.

يتبع ..

يوسف
09-01-2011, 09:17 PM
الجنس هو توازن الذكر والأنثى في الكون, الانجذاب والتنافر, الانجذاب الجديد, التنافر الجديد, دائماً مختلف وجديد. الحياد الطويل للصوم عندما يكون الدم راكداً, وبهجة قبلة العيد, المرح الجنسي للربيع, شهوة منتصف الصيف, الانطواء البطئ وأسى الخريف, ثم مجئ الشتاء ولياليه الطويلة. الجنس يتبع إيقاع السنة في الرجل والمرأة, يتغير باستمرار مع تغير إيقاع الشمس في علاقتها بالأرض, ويا لها من كارثة للإنسان عندما قطع نفسه عن إيقاع السنة وعن توحده من الشمس والأرض, ويالها من كارثة أيضاً أن يمنع الحب عن الاتصال السحري بالانقلاب والاعتدال الشمسي, نحن ننزف من جذورنا لأننا عزلنا أنفسنا عن الاتصال بالأرض والشمس والنجوم. الجنس هو المفتاح للحياة الإنسانية, ولكن لا يوجد زواج بعيداً عن الشمس الدوارة والأرض الناعسة, عن دوران الكواكب وروعة النجوم. أليس الإنسان مختلفاً تماماً في الفجر عما يكون عليه في الغروب, والمرأة أيضاً؟ ألا يصنع التناغم المتغير الموسيقى الخفية للحياة. ألا يكون الأمر هكذا عبر رحلة الحياة؟ الرجل يختلف في الثلاثين عن الأربعين والخمسين والستين. والمرأة أيضاً تختلف. ولكن أليس هناك اتصال غريب في اختلافاتهما؟ ألا يوجد تناغم خاص في فترة الشباب, وفي فترة الإنجاب وفترة تربية الصغار وفترة تغير حياة المرأة التي تكون مؤلمة وفترة فتور الغربة وانطفاء العاطفة والفترة الكئيبة التي تسبق الموت عندما ينظر الرجل والمرأة إلى بعضهما بالخوف المبهم من الانفصال. ألا يوجد توازن غير مرئي وتناغم متكامل كالسيموفنية الصامتة التي تتحرك من مرحلة إلى مرحلة وهي مختلفة أشد الاختلاف في نغماتها ولكنها في حقيقتها سيمفمونية واحدة صنعت من ألحان حياة غريبتين, حياة رجل وحياة امرأة؟

هذا هو الزواج, وسر الزواج. الزواج لا يكون زواجاً ما لم يكن في الأساس وبصوة دائمة جنسياً, ما لم يكن متصلاً بالشمس وبالأرض, بالقمر والنجوم والكواكب, بإيقاع الأيام وإيقاع الشهور, وإيقاع الفصول والسنين والقرون. لا يكون الزواج زواجاً ما لم يكن نظيراً للدم, لأن الدم مادة الروح والإدراك العميق. بالدم نكون, وبالقلب والكبد نعيش ونتحرك وتكون لنا حياتنا. في الدم, المعرفة والكينونة والإحساس, وكلها شيء واحد غير منقسم. لدم الرجل ودم المرأة تياران مختلفان لا يمكن أن يمتزجا. علمياً على الأقل. وعلى ذلك فهما النهران الذان يحيطان بالحياة. في الزواج تكتمل الإحاطة وفي الجنس يتلامس النهران ويجددان بعضهما بعضاً بدون أن يختلطا. عضو الذكر عمود من الدم يملأ وادي الدم بالمرأة. النهر العظيم لدم الذكر يلمس أعماق النهر العظيم لدم الأنثى ولكنه لا يتخطى حواجزه. إنه أعمق اتصال كما جاء في كل الديانات, وهو أحد الأسرار العظيمة, إن لم يكن أعظمها على الإطلاق.

نهران من الدم هما الزوج والزوجة, تياران خالدان متميزان, لهما القدرة على التلامس والإتصال والتجدد وتجديد بعضهما بعضاً دون أن يتخطيا حدودهما وبدون أن يحدث أي اختلاط. عضو الذكر هو الرابطة التي تصل بين النهرين, وهو الذي يجعل التياران يصيران متوحدين ويخرح من ثنائيتهما مفرد جديد هو التوحد, والذي يتحقق بينهما تدريجياً عبر فترة الحياة هو أعظم إنجازاً للزمن أو الأبدية, فمنه تنبع كل الامور الإنسانية: الأطفال والجمال والأشياء الرائعة. كل الخليقة الإنسانية, وكل ما نعرفه عن إرادة الله, وأنه أراد ذلك التوحد أن يحدث ويتحقق في فترة الحياة, وداخل ثنائية التيارين العظيمين للدم.

كل الجنس الحديث هو أمر خاص بالأعصاب, بارد وبلا دماء. هذا هو الجنس الشخصي. هذا الجنس البارد والعصبي له أثر فسيولوجي محدد علاوة على الأثر السيكولوجي. تياران من الدم يتلامسان, في الرجل والمرأة كما يحدث في حث عاطفة الدم ورغبة الدم. ولكن بينما التلامس في حث رغبة الدم يكون إيجابيباً ويجدد الدم, فإنه في حالة الرغبة العصبية الشخصية يصبح هداماً, حيث يكون الدم راكداً وفقيراً. هذا الجنس مدمر للدم ومحبط, بينما الإتصال المشوب بالعاطفة والرغبة الحارة للدم له نشاط بناء. بدأت أدرك سر هجوم النقاد على تعظيمي للجنس: هم يعرفون فقط طرازاً واحداً منه, الطراز العصبي, الشخصي والمشتت. الجنس البارد.

هناك القليل من الأخلاقيات تتعلق بالأشخاص والاحتياجات الصغيرة للإنسان, وهذه هي الأخلاقيات التي نعيش بها, ولكن توجد أخلاقيات أعمق تتعلق بالرجولة والأنوثة والأمم والسلاسلات وتؤثر في مصير الإنسانية على مدى الزمان, وتتعلق بالإحتياجات الأكبر للإنسان وتتعارض غالباً مع الأخلاقيات الصغيرة للإحتياجات الصغيرة. علمنا الإدراك المأساوي أن أحد الإحتياجات العظمى للإنسان هي معرفة الموت, كل إنسان يحتاج إلى معرفة الموت في جسمه الخاص. ولكن الإدراك الأعظم لأحقاب ما قبل المأساة – أن الإحتياج الأعظم للإنسان هو التجدد الأبدي للإيقاع الكامل للحياة والموت, إيقاع السنة الشمسية والسنة الجسدية لفترة العمر والسنة الأكبر للنجوم وسنة الخلود للروح. هذا هو احتياجنا أو حاجتنا الضرورية. إنها حاجة الروح والعقل والجسم والنفس والجنس كلها معاً. لا فائدة إذن من السؤال عن كلمة لتشبع هذه الحاجات. لا توجد كلمات بمقدروها فعل ذلك, لقد قيلت الكلمة. أغلب ما نحتاجه هو أن نصغي بإهتمام, ولكن من الذي سيضعنا في الفعل, الفعل العظيم للفصول وللسنة, فعل دورة الروح, فعل حياة المرأة المتوحدة مع الرجل, الفعل الصغيرة لتجوال القمر, والفعل الأعظم لتجوال الشمس والنجوم. إنها أفعال الحياة التي علينا أن نعيها, فنحن من المفترض أن نعرف العالم ولكن انظر إلينا! إننا مستعدون الآن لموت حياتنا الصغيرة, وانتظار البعث في حياة أكبر, على علاقة بالكون الدوار.

يوسف
05-02-2011, 03:38 AM
جماليات المكان في سينما تورناتوري

http://lh3.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/TUZSFvluXVI/AAAAAAAAAZE/TGcTZFd-_mM/Cinema.jpg

الضحك عند رؤية شيء يحمل ذكريات خاصة للفرد هي السمة الغالبة عند الجميع. لغة عالمية. قد تختلف وسيلة التعبير نظراً لذكريات المكان. لو كان المكان يحمل ذكريات جميلة قد نضحك ونبتسم. وعند رؤية مكان يحمل ذكريات سيئة قد تعبس وجوهنا ويصيبنا الألم, وقد لا نلتفت للمكان خشية عودة هذه الذكريات إلى الذاكرة من جديد. تشكل الذكريات والتاريخ الشخصي للإنسان والمكان مراكز قوى في أعمال المخرج الإيطالي جيوسيبي تورناتوري. ويحتل الجانب القصصي والرؤية الموسيقية أساس لهذه المراكز. عند قراءة قصة عظيمة تصيبنا تلك النشوة داخل الروح. نبحث بعد القراءة عن مراكز القوة في هذه القصة التي استطاعت أن تنفذ داخل الروح دون استئذان منا. وللدخول في روح كل مشاهد عن طريق السينما يجب أن توقظ فيه الإحساس العميق بجمالية المكان القديم, المكان الخاص به وما يشكله من ذكريات تحمل الأفراح والأتراح. ذكريات الطفولة والشباب وفترة المراهقة والجنون, ولكن كيف يمكن تجسيد ذكريات ومكان كل مشاهد. هذا الأمر غير معقول. لكنه ممكن وليس مستحيل. الموسيقى ترسم لنا صورة ما نشاهده. صورة البحر وموسيقاه الداخلية. نبضات قلب العاشق. ارتعاشة الفتاة عند اللقاء الأول, القبلة الأولى. قطرات الندى في الصباح, وزخات المطر. والعواصف المدمرة. وثورات الإنسان: نجاحه, فشله, كل هذا من الممكن تجسيدها بإيقاظ الحنين داخل نفس الإنسان إلى ذكريات لم تعد موجودة, ومكان لم يعد موجود.

شاهدت غالبية أفلام تورناتوري: سينما باراديسو, الأسطورة 1900, إجراء شكلي, صانع النجوم, مالينا, باريا بوابة الريح, المرأة المجهولة. هناك اختلاف في أعماله بلا شك. اختلاف قصصي حقيقي وليس شكلي. ومع ذلك هناك عدة أمور ظاهرية تجمع -بعض- أعمال هذا المخرج في بوتقة واحدة, والتي حازت على نجاح واستحسان الجمهور: الذكريات والمكان. في Cinema Paradiso الحائز على جائزة أفضل فيلم أجنبي عام 1989م, قرية من القرى الإيطالية لا تتوفر لديهم وسيلة للتسلية إلا التجمع في صالة السينما لمشاهدة الروائع الكلاسيكية. فقراء وأغنياء وشباب طائشون وأمهات مع أبنائهم الصغار يجمعهم مكان واحد وذكريات واحدة للتسلية ولتقضية أوقاتهم. إيقاظ الحنين دفعة واحدة وبشكل مباشر أمر صعب لن يتقبله المشاهد, ولا يستطيع أن يشارك المشاهد أبطال العمل الفني ذلك الحنين كذلك. سوف يبحثون عن سبب حنين هذا البطل. وعند البحث عن السبب, يختفي الحنين عند المشاهد وينتهي. هذه هي البراعة التي يتميز بها تارناتوري, أن يشارك المشاهد أبطال الفيلم لحظة الحنين. قد يضحك بطل الفيلم عندما تعود له الذكريات, لكن المشاهد عندما يوقظ الحنين بداخله: هل سيضحك أم يبكي؟ قد يضحك فقط. وقد يبكي فقط. بل وربما يضحك ويبكي في نفس الوقت. الضحك لجمال هذه الذكريات. والبكاء على أيام ذهبت مع الريح.

سلفاتوري الرجل الكبير في السن يتلقى اتصالاً من والدته التي لم يراها لثلاثين سنة, تخبره فيها عن وفاة ألفريدو, الرجل المسؤول عن تشغيل الأفلام السينمائية في سينما البلدة. يتأثر سلفاتوري, الرجل العاقل في عمره هذا والذي حقق نجاحات ما كان ليحققها لو استمر في بلدته. تظهر قسمات الحزن على وجه, فيبدأ المخرج سرد سيرة سلفاتوري الطفل المشاغب / الشاب العاشق الذي يبحث عن النجاح, مع ألفريدو مسؤول السينما. في المرحلة الأولى نرى براءة سلفاتوري مع سكان البلدة الذين يتناسون آلامهم وهمومهم لحظة بدء عرض الفيلم في قاعة السينما. في الوقت الذي يجلس الأباء مع أطفالهم لرعايتهم والقيام بتنشئتهم, يجد هذا الطفل الذي فقد أباه في الحرب نفسه منجذباً بسحر هذا الرجل العجوز اللطيف, يُدخل السعادة في قلوب كل السكان بلا استئذان. أول ارتباط حقيقي مع المكان لسلفاتوري هو في مبنى السينما. المكان الذي يجد فيه نفسه. كشاب في مقتبل العمر, هل هذا المكان الذي يجبرك على الجلوس لساعات في غرفة لإدارة العروض السينمائية, هل هذا المكان هو المناسب لهذا الشاب؟ ربما يكون مناسباً لرجل كبير السن هو ألفريدو. ولكن ماذا عن سلفاتوري! هناك عشق للمكان, ارتباط خفي بأماكن قد نظن بأننا سنكون هنا دائماً وعند الخروج منه قد نتعثر. ما سيصحب العشق لهذا المكان هو الحنين الذي أساسه الذكريات. كررت مفردة الحنين هنا كثيراً: ماهو هذا الحنين؟ إنها أشياء تافهة. أشياء عظيمة في فترة البراءة والجنون. أشياء لا تشكل وقد لا تصنع أي نجاح في التاريخ الشخصي الخاص بالفرد. تبقى معنا لفترة ثم تختفي. عندما تختفي تتشكل الذكريات في ذاكرتنا الشخصية. تبدأ بالنمو. عندما تكون حية بذاكرتنا تبقى مجرد ذكريات مررنا بها. قد نصادفها في أماكن أخرى, لكنها ليست مثل تلك, والتي هي جزء منا وصنعت أشياء بداخلنا. عندما تقف وجها لوجه مع هذه الذكريات دون تخطيط مسبق, وعندما يصبح المكان الذي يحمل هذه الذكريات أضحى مجرد جدران يجب أن تسقط, يظهر الحنين دفعة واحدة ويصيب قلب الإنسان. يبدأ الإنسان بالتأثر. يتذكر حرارة ما مضى. سلفاتوري يعود إلى صالة السنيما بعد ثلاثين سنة. إلى المكان الذي كان يسرق منه شيئاً لا يستحق السرقة, وسيصبح فيما بعد أقوى دعامة لحنينه. يمسك الشريط المعلق الذي علق به الغبار والأوساخ. في هذه الغرفة كان يعلق تاريخ الإصدار, ولحظة العرض والتوقف. هنا يحرك الآلة التي تبهج السكان. في هذه القاعة كل تاريخه الشخصي. ارتباط الإنسان مع مكانه الخاص. إلا أن قوة الحنين تحتاج لقوة دافعة, شيئاً ملموس يحمل براءة الطفولة. وكم هي موجعة براءة ألفريدو العجوز الذي أعاد سلفاتوري طفلاً في دقائق معدودة. طفلاً مشاغباً يسرق شيء لا يستحق, وسيصبح بعد عدة عقود أقوى دعامة لحنينه وذكرياته. ونضحك مع سلفاتوري مجبرين على ذلك. كل من يضحك على هذا المشهد شارك سلفاتوري الحنين. ولكن أي حنين؟ حنين سلفاتوري أم حنين المشاهد؟

http://lh5.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/TSkeEHM7SCI/AAAAAAAAAX4/h_C_aVumiYI/The%20Legend%20of%201900.jpg

إذا كان المكان يشكل حضوراً رئيسياً في أعمال تورناتوري فهو ليس بقيمة ثابتة محورية يجب أن يسير عليها بشكل عام. نلحظ هذا التفاوت في قيمة المكان في تحفته القصصية السينمائية الأسطورة The Legend of 1900. ألفريدو العجوز ينصح سلفاتوري, أو كما يسميه توتو على الذهاب وترك هذا المكان حتى يجد الحياة مفتوحة أمامه ويستطيع من خلالها أن ينجح ويبرز في المجتمع. ولكن ماذا لو كانت هذه النصيحة موجهة لبطل تورناتوري الآخر 1900, هل سيسمع له؟ ها هنا قيمة أخرى للمكان. هل يمكن أن تبقى في مكان واحد إلى أن تموت؟ هل يمكن أن ترفض كل شيء في سبيل أن تعيش لحظات السعادة التي اكتشفتها في هذا المكان؟ مفاتيح البيانو المعدودة والمحددة, هل من الممكن أن تشكل فلسفة حياة؟

في العام 1900 م, بعد مغادرة المسافرين السفينة التي أقلتهم من إحدى المدن الأوروبية إلى نيويورك, يفتش أحد عمال السفينة على بقايا لساعة قد تحطمت هنا أو علبة سجائر فخمة ألقى بها أحد رجال الأعمال, يسير ويبحث في أرضية السفينة وهو يشتم هؤلاء القوم من الطبقة الراقية, ثم يجد ما لا يخطر على بال: طفل صغير سيصبح فيما بعد حديث كل مسافر لبراعته الجنونية في العزف على آلة البيانو. ولد هذا الطفل في هذه السفينة, لا يعرف شيئاً عن الياسبة ولم تلمس قدمه الأرض. أصبحت السفينة موطنه ومكانه المقدس, وجد فيها السعادة بالعزف على آلة البيانو. سلفاتوري وجد النجاح عندما ترك قريته. فهل يستطيع 1900 أن يغادر هذه السفينة حتى يجد النجاح الذي أصاب سلفاتوري؟

من يريد الإجابة فليشاهد الفيلم وسيجد الإجابة. ولكن كيف تكون مفاتيح آلة البيانو سبباً في تكوين فلسفة لحياة هذا الأسطورة؟ في السفينة يعزف على آلة مفاتيحها نهائية, بالإمكان تأليف مقطوعات لا نهائية منها. هذه هي فلسفة شخصية الأسطورة: بما أن المكان نهائي ومحدود فهو يستطيع من خلالها أن يبدع ويؤلف موسيقى بلا نهاية. ليس موسيقى فقط, بل وأن يعيش ويحيى ويسير في هذه الحياة في مكان معروف ومعلوم ولا حاجة لك في البحث عن سبب وجود هذا المكان أو ماحقيقة هذا الشيء وغيره. يكون الذهن صافياً ومحدوداً بالمساحة العامة وكل ما يتعلق بتاريخك وذكرياتك موجودة في هذا المكان. بينما لو قرر هذا الشخص أن يغادر إلى العالم اللا نهائي لن يجد ما يعبر عنه ويعلن وجوده من خلاله. سوف ينشغل في البحث, وتصبح حياته مليئة بالبحث حول سر هذا المكان اللانهائي. فكيف يمكن أن تبدع بلا نهاية في مكان لا نهائي. النتيجة المنطقية حسب فلسفة آلة البيانو أن المكان النهائي المحدود هو المكان الذي يستطيع من خلاله الإنسان أن يعيش, ويبدع, ويصنع موسيقى كونية. من أجمل الحوارات التي شاهدت في أعمال توناتوري هو في هذا الفيلم, وتحديداً المشهد الذي يبوح فيه الأسطورة بكل مافي نفسه من ذكريات شكل المكان ركنا أساسياً منها.

يوسف
05-02-2011, 03:40 AM
http://lh4.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/TSkeEm80RaI/AAAAAAAAAX8/Fh7AzF5tHMg/Stanno%20tutti%20bene.jpg

هذه مفارقة لا يمكن أن يكون فيها الضحك أو البكاء وسيلة للتعبير عن الحنين إلى الذكريات والمكان القديم. إذا كان المكان القديم يشكل حنيناً في الذاكرة سيرتبط الإنسان حينها بالأشياء المحسوسة, بغرفة النوم أو الطاولة أو الخزائن, الموجودات الثابتة في كل ركن من أركان المكان لسنين طويلة. بينما إذا كانت الدعامة الحقيقية لحنينك هو إنسان آخر سيصبح الأمر مختلفاً. أنت تبني آمال وطموحات على هذا الإنسان الذي هو طفل من أطفالك, تريد أن تراه حقق نجاحاً في حياته, أن يحقق ما لا يقدر عليه الأب. ولكن الحقيقة أنك لا تستطيع أن تتحكم به وتفرض عليه وسائل وطرق ونتائج يجب أن يحققها. هو إنسان له طموحات وأفكار وعدة طرق لكي يسير بها في حياته. فكيف ستكون النتيجة إذا كانت الآمال المطروحة في ذهن الأب مختلفة عن تلك التي حققها الإبن, بعيداً عن أعين الأب الذي يرى هذا الإبن طفلاً حتى لو بلغ الستين من العمر. المخضرم الإيطالي مارشيلو ماستروياني في فيلم كلهم بخير Stanno tutti bene موظف متقاعد في مدينته صقلية. أرمل وأب لخمسة أبناء، جميعهم يعيشون خارج صقليّة, يأتيه أبناءة في كل عطلة صيف، وعندما يقرّر مفاجئتهم بزيارته لهم، فإنه يجد ما لا يتخيّله. هناك تشابه ظاهري بين هذا العمل وتحفة بيرجمان سوناتا الخريف التي تحدثت عنها هنا. ولكن يوجد اختلاف في طريقة التنفيذ والفكرة. في سوناتا الخريف شبهت الأمر وكأننا أمام اعترافات حارة قد يحملها الكائن البشري في داخله ولا يستطيع الإفصاح عنها إلا في حالة واحدة, وهو أن ينكشف غطاء الكذب الذي يغلف العلاقة مع الطرف الآخر. بينما عمل تورناتوري هي رحلة ذكريات أكثر من أن تكون اعترافات. بطل الفيلم العجوز ماتيو يرى أبناءه من منظاره الخاص, منظار الأب الذي يرعى أطفالاً صغاراً. يمسك بأيديهم ويلعب معهم ويغني معهم. هو أطلق أسماء أبناءه على أبطال قصائد غنائية. عندما يزور كل واحد من أطفاله يجد العكس تماماً. لا يجد نجاح ولا يجد الروح التي كان يعيش بها مع زوجته الراحلة. حينما يصل إلى المدينة الأولى يطلب غرفة محددة فقط لأنه سكن فيها قبل خمسة وأربعين سنة مع زوجته الراحلة عندما قدموا للمدينة. بينما عندما يشاهد أطفاله يجد الإنهيار الإجتماعي بأبشع صوره. أكثر ما أحبه في أعمال تورناتوري بشكل عام وهذا العمل بشكل خاص هي روح الكوميديا والبساطة التي يتصف بها أهالي القرى. رغم أن رحلة هذا العجوز جد حزينة ويعيش مع المشردين في الشوارع إلا أنه يتناسى كل صخب المدينة ويضحك بعفوية عن مايراه. فهو عندما يعرض عليه أحد الشحاذين بالقول: سيّدي، أنا عندي ثلاثة أطفال .. يلتقطها العجوز ويرّد عليه: هنيئاً لك ، أنا عندي خمسة! يستطيع أن يقولها بكل بساطة ابن القرية الذي يرى كل شيء من منظوره الريفي البسيط. إلا أنه لا يستطيع أن يكون حزيناً ويصرح بالحقيقة علانية. يخشى أن يعرض حنينه للخطر ويسبب الألم لزوجته الراحلة. بعد زيارة كل هؤلاء الأطفال, وبعد أن يجلس في كرسيه أمام قبر زوجته, لا يستطيع إلا أن يقول بكل حرقة: كلهم بخير!

http://lh4.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/TSkfKi3cOpI/AAAAAAAAAYE/KNuO_SK7uLg/A%20Pure%20Formality.jpg


في فيلم A Pure Formality شخصية روائية تعيش صراعاً, هو الروائي أونوف, والذي يجسد دوره الفرنسي جيرار دوبارديو، من بداية الفيلم نلحظ هذه الشخصية القلقة وهي تسير هاربة في الغابات, في جو ممطر عاصف, وكأن هذا الروائي يهرب من وحش يريد افتراسه. كل المؤشرات الأولية تشير إلى جريمة قتل ارتكبها هذا الروائي الشهير, والذي أصدر أعمالاً أضحت كلاسيكية خالدة. يتم القبض عليه بتهمة ارتكابه جريمة قتل, ثم يتم التحقيق معه بشكل مكثف ومزعج. من جسد دور المحقق هنا هو المخرج رومان بولانسكي. المحقق معجب بأعمال هذا الروائي ويحفظ بعض المقاطع الأدبية المقتبسة من أعمال الروائي عن ظهر قلب. إلا أن المحقق لن يتخلى عن مهنته وأمانته في أداء الوظيفة كرماً لشخصية يحبها. كيف ستكون نتيجة هذه المبارزة النفسية بين شخصيتين فنيتين بارزتين؟

تورناتوري في أعماله التي تحدث عنه هنا يقدم الذكريات والمكان بشكل طبيعي. يجبر المشاهد على مشاركة هذا التدفق للذكريات والمكان القديم عبر أبطاله البسطاء. ولكن هنا ذكريات ترفض الخروج. المحقق يرفض هذه الذكريات التي يسردها الروائي ويعيد التحقيق معه عدة مرات حتى ينفجر كل شيء في هذا المكان الصغير الموحش ويكشف الروائي عن مكنونات روحه بسبب ذكريات صغيرة: صور فوتوغرافية لشخصيات أحبها الروائي سابقاً.

في هذه الفيلم يقدم تورناتوري جمالية أخرى من جماليات المكان. الروائي يهرب من مكانين. يهرب من الأرض الفسيحة ومنزله في القرية التي يأنس بها ويفضل الكتابة فيها, ويهرب من هذا المكان الي وجد نفسه فيه دون إرادة منه, ولا يستطيع أن يتحرك إلا في مساحة قصيرة. هو يهرب من المكان الكبير, الأرض الرحبة الوسيعة إلى المجهول. و يهرب كذلك من المكان الصغير – غرفة التحقيق – إلى المكان الكبير حيث المجهول مرة أخرى. كل الأمكنة تؤدي إلى المجهول. لا يوجد مكان يجد فيه الاستقرار النفسي والخلاص لهذه الازمات التي تعذب روحه.

الروائي أونوف يعاني صراع وجودي حول هويته الحقيقة وعن أعماله التي اشتهر بها. من أجل ذلك هو لا يستقر في مكان واحد. يفضل الهروب إلى أن يجد مكان يتخلص فيه من جسده. هذا العمل مسرحي بامتياز: مكان واحد وديكور واحد وشخصيتان تتصارعان: محقق يريد أن يكشف جريمة ليس لها وجود, وروائي يعاني صراعاً يرفض أن يصرح بذكرياته خشية تحطيم نفسه وأن يسقط أمام جمهوره. بعد أن شاهد الصورة الفوتوغرافية لشخصية لها أثر في حياته: رأى نفسه على حقيقتها, وجها لوجه! كان يهرب من نفسه ولا يريد أن يصرح بحقيقته, انطلقت الشرارة التي كانت كافيه لإشعال وإحداث هذا التحول الدراماتيكي الخطير في نفسه. لقد كانت الشخصية في الصورة هي شخصية بائسة, تفضل العيش في البؤس, لكن هذا الروائي المترف الشهير لم يستطع يوماً أن يتحلى بشجاعة جان فالجان ويصرخ بملئ قلبه: أنا رجل بائس!

يوسف
05-02-2011, 03:43 AM
المراهق

http://lh6.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/TUY-QEd3wPI/AAAAAAAAAY8/bBIvMlf9cX0/The%20Adolescent.jpg

عندما أقرأ المقال السابق عن مدام بوفاري أشعر بالسخط على نفسي وعلى هذا المقال الذي أريد أن ألقي به في سلة المحذوفات. كيف أجبرت نفسي على قراءة كتاب لم أجد في أي صفحة من صفحاته أية ذرة من أدب وجمال؟ نعم .. لم أجد في أي صفحة من هذه الرواية أي شيء يثير الإعجاب. سبب قراءتي لمدام بوفاري في المقام الأول كانت بسبب الرؤية التي ستتضح عن روايات الخيانة الثلاث, كيف رسم كل روائي طريق روايته وماهي الفكرة المطروحة. بعد تتابع القراءة كنت أعزي نفسي قليلاً: سأجد الجمال قريباً, سأقرأ اعترافات حارة وصادقة, ولكن لا شيء من هذا قد حدث. بل حدث أشد من ذلك: كرهت القراءة بكل مافيها.

في السنوات الثلاث الماضية كنت أبدأ قراءات السنة الجديدة برواية من خوالد دستويفسكي الخمس. اخترت هذه المرة المراهق: رابع عمل من أعمال دستويفسكي الكبيرة والضخمة. اختياري رواية لدستويفسكي ينبع بالدرجة الأولى للثقة المطلقة التي أكنها لدستويفسكي. إن كنت قد كرهت القراءة بسبب عمل فلوبير, فدستويفسكي سيعيدني إلى حيوية القراءة وحرارتها وجنونها, ويالها من لحظة رائعة حين بدأت بقراءة رواية المراهق. بعد ثلاثين صفحة أحسست بشيء غريب يشبه المس, شيء يقول أني أقرأ. أصبحت كلمة القراءة فعلاً عظيماً بعد أن تحطمت في عقلي. آمنت من جديد بقوة الكلمة وحرارتها وجمالها وسخطها وغضبها. كأني بعثت من جديد. أقرأ وأقرأ وأشارك أبطال رواية المراهق جنونهم العبثي والسخط العام والفوضى المدمرة. يبدو استخدام كلمة جنون عبثي وفوضى مدمرة وكأن الرواية تعاني من خلل كبير في بنيتها السردية. هناك شيء من هذا القبيل ولكن بصورة أخرى. الشاعر الروسي نيكراسوف حين قرأ المراهق قال: هذه الرواية مجنونة بكل مافيها, لقد أتممت قراءتها بليلة واحدة. أما تورغنييف الروائي الروسي فوصف هذه الرواية بالفوضى المدمرة. أما دستويفسكي مؤلف الرواية فيقول في يوميات الكاتب: الشيء الأساسي في المراهق هو التفسخ الشامل, التفسخ هو الموضوع الرئيسي للرواية. كل شيء يتهاوى – حتى الأطفال! مجتمع يتحلل بالمعنى الكيميائي.

إن جمال رواية المراهق بالمقام الأول لا يعود إلى القصة الرئيسية وشخوصها والأفكار التي طرحها دستويفسكي, بل بجنونها والفوضى التي تحيط بها من كل صوب, وكأن جدار منزل يتساقط بعد كل قراءة كل فصل, حتى بعد انتهاء القراءة يجد القارئ نفسه أمام منزل محطم بالكامل, لا شيء فيه. يعود هذا الجنون أو كما يقول تورغنييف مهاجماً دستويفسكي بأن هذه الرواية عبارة فوضى مدمرة, أقول يعود هذا الجنون إلى الفكرة التي كانت بذهن دستويفسكي لكتابة رواية إجتماعية. لم تكن الرواية وليدة لحظة واحدة كما في الجريمة والعقاب والأبلة والشياطين, بل كانت عبارة عن قصص متفرقة ومقالات إجتماعية وفكرية قام بالربط فيما بينها وقدمها في قالب روائي ساخط ومجنون.

رغم أن هذه الرواية أقل حظاً وشهرة وقوة من الأعمال الخمسة الكبيرة إلا أنها قادرة على منازلة أي عمل من الأعمال الأدبية الكلاسيكية العظيمة لأي مؤلف آخر. صاغ دستويفسكي الرواية عن طريق السرد الذاتي لبطل الرواية: دولوجوركي الابن الغير شرعي لصاحب الأملاك فيرسلوف, والذي يحكي سيرة حياته من الطفولة الضائعة الذليلة إلى جنون الشباب والوضع الفكري والعاطفي الذي وجد نفسه فيه, يعيش في طبقة نبيلة اشتعلت في كل أركانها فوضى إجتماعية وأخلاقية ناتجة من الوضع العام الذي كان يعصف بأوروبا وروسيا في ذلك الوقت.

بما أن الفكرة التي تحيط ببطل الرواية هي محض جنون وفوضى, الطريقة المثلى للسرد هي أن يسرد بطل القصة تاريخ حياته ليس بهدوء وثقة ويفسر ويحلل كل نقطة, بل أن يكون حاضراً في ذلك المشهد بأكمله وينقل تلك الحالة من جنونية المشهد إلى صفحات الورق: أي أن تكون كتابة السرد الذاتي محض جنون وعبث. فها هو البطل في البداية لا ينفك أن يطرح في تجمع فكري عام عن أن الاقتناع العقلي يولد عاطفة تناسبه. هذا الاقتناع بالنسبة له ليس مهما أن يكون مؤطراً بقواعد وأخلاقيات كونية ثابتة وعالمية, بل في الأساس الأول يجب أن يكون مقتنعاً به اقتناعاً كاملاً, أن يعتنقه ويعمل به. هناك فكرة تشغل ذهن دولوجوركي: أن يكون روتشيلد. أن يكون غنياً إلى درجة لا تعقل. ليس المهم المال هنا, المهم هو ما يتبع هذا المال: حين يكون قوياً يتحكم بكل شيء, يستصغر أي شيء أمامه, ثم يتخلى عن كل شيء إكراماً لقوته هذه ويعلن انتصاره وحضوره. العذاب الذي يسيطر على شخصية المراهق ويظهر بصوة واضحة في الحلقة الفكرية هو في الضياع الإجتماعي الذي عاش فيه البطل ولم يعرف إلى أي عالم هو ينتمي, وفي الضياع الفكري الذي زلزل الدول المجاورة وألقى بظلاله السوداء الهائلة على جمع من مثقفي البلاد. إذا حددت بصورة رئيسية الضياع الفكري, تظهر مكانة البطل في هذا العالم الذي يوصف بالإنسانية ويظهر بعض مفكريه دعوات لخدمة هذه الإنسانية, ماذا ستقدم الإنسانية إذا قدمت لها روحي, ماهي النتيجة التي ستظهر إذا أظهرت كل الفضائل وقابلني هذا العالم بكم هائل من الرذائل الهائلة والموجعة. هل من الأفضل أن يفني حياته الواحدة في سبيل هذه الإنسانية التي لن تتذكره ولن تحفل به, أم يعيش حراً, ممتلكاً حريته بشكل كامل, لا يحرك مجرد أصبعه خدمة لهذه الإنسانية السوداء, ثم يبصق عليها مع دعوات لإلقاء هذه الإنسانية بأكملها إلى الجحيم! لديه فكرة يريد أن ينفذها, ولكن ماذا يمكن أن تكون فكرة إنسان عاش ذليلاً مهاناً, ساخطاً وغاضباً؟ إنه يريد أن يتجاوز كل الناس, يحطم الأسوار ويسحق الحجج والبراهين, أن يكون مهاباً عظيماً, ماهي الوسائل لتنفيذ ذلك؟ ليس عليه سوى أن ينظر حوله لكي يقدر الدور الكبير والمهم الذي تقوم به الثورة والغنى في المجتمع.

هذه هي الفكرة التي تستولي على ذهن البطل. يختبر دستويفسكي فكرة هذا البطل بين عالمين متناقضين, عالم الأب الغير شرعي فيرسلوف النبيل, وعالم والده الرسمي, عالم الفلاحين والقنانة. عالم لشخصية, هام لفترة طويلة في أرجاء الفكر الأوروبي, وعالم لشخصية هام بحب الأرض ومؤمن إيمان هائل بالإنسان والدين وبالله. هذه الرواية مثقلة بالخطايا, تصرخ بالأرض, محترقة, عابثة بقلوب البشر, ثم ما تنفك أن يتحول كل شيء أمامك إلى عالم إيماني هائل بعد أن يرى الإنسان نفسه على حقيقته الواضحة كل الوضوح, متخطياً مجمل الأمراض الإجتماعية والفكرية التي ما تنفك تسحق العقل.

هناك عالمين يواجههما دولوجوركي, لكن في قراراة نفسه لا يريد سوى عالم واحد يريد أن يراه, أن يحبه, ينتقم منه, يعشقه ويقبل أقدامه, يقتله ويمشي بجنازته في الشوارع, هذا العالم هو عالم المفكر فيرسلوف: والد البطل الغير شرعي من علاقة مع والدته الفلاحه. شخصية فيرسلوف من أجمل شخصيات الرواية وأكثر إثارها للجدل, بل هو في نظري يحتل المرتبة الأولى في الرواية, ومن الأولى أن تسمى الرواية باسمه أو باسم النبيل الروسي, لأن الرواية في مجملها دفاع عن النبلاء الروس الذين يعتبرهم ستويفسكي المثال الأنقى للمثقفين في مواجهة التغريب وجميع الحركات الفكرية التي غزت روسيا في تلك الفترة. مايعزز صورة بطولة فيرسلوف في الرواية هو الفكر. الجميع يعلم أن روايات دستويفسكي هي روايات أفكار: راسكولينكوف في الجريمة والعقاب, وميشكين في الأبله, وستافروجين في الشياطين, هم مفكرين, أصحاب أفكار تحدث دوياً في مجتمعاتهم. فيرسلوف ينتمي إلى هؤلاء الشخصيات. رغم أن البطل دولوجوركي لا ينفك يطرح أن فكرة ما تعذبه, إلا أنه لم يكن صاحب فكر مثل أبيه.

http://lh5.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/TSlERc1CD-I/AAAAAAAAAYM/ChlTiMB1IMQ/Acis%20and%20Galatea.jpg

يرسم دستويفسكي صورة فيرسلوف كواحد من ثمار النبل الروسي, يحتل الفن أعلى القيم لديه ويذرف الدمع سخياً أمام كل جميل. طريقة السرد الروائي في الرواية منعت القارئ بأن يقرأ كثيراً عن أفكار فيرسلوف وإزدواج الإرادة والمشاعر لديه. يجب أن يكون البطل مع فيرسلوف حتى ينقل لنا البطل في سرده الذاتي رؤية وأفكار فيرسلوف. ولو كانت الرواية تم سردها كما في رواية الأبله, لربما قرأنا الكثير عن فيرسلوف وأفكار المتناقضة. ومع ذلك, الفصل الخاص باعترافات فيرسلوف يعطي القارئ ما يريد وأكثر من ذلك. يتقابل فيرسلوف مع ابنه الغير شرعي ويتحدث عن كل ما اعتمر في قلبه طيلة هذه السنوات: عن الإزواجية في الإرادة, والحب الذي تحول إلى حب نقي وصافي, وحب جامح وقاتل وكره, أو ما يصح أن يطلق عليه بالحب الكره. رغم أن هذه المصطلح لا يصح منطقياً ولا لغوياً, لكنه عند مزدوجي الإرادة صحيح وينطبق عليهم. يبدأ فيرسلوف اعترافاته بسرد حلمه عن لوحة كلود لورين: آسيس و غلاطيا. يقول: لقد حلمتُ بحلمٍ، وَ هذا غير متوقعٍ بالمرةِ بالنسبة لي، لأني لم أفعل شيئاً مثلَ هذا من قبل. وسطَ المعرضِ الموجودِ في درسدن توجدُ لوحةٌ للرسام كلود لورين، أعتقد اسمها كانَ -حسب ما يذكرهُ الكتالوج- آسيس و غلاطيا، وَ لكني دعوتها دوماً بالعصر الذهبي، لا أدري لماذا. لقد سبقَ لي أن رأيتها من قبل، وَ الآن، قبلَ ثلاثةِ أيام، ها أنا ألاحظها مرةً أخرى وسطَ طريقي. لقد حلمتُ بتلك اللوحة، ليسَ كلوحةٍ، وَ لكن كما لو أنها كانت شيئاً حقيقياً. كانت قطعةً من الأرخبيلِ اليوناني، كانت هناك غيوم زرقاء لطيفة، جزرٌ وَ منحدرات، ساحلٌ مُزهِر، بانوراما سحرية عبر الأفق، وَ شمسٌ غاربة تنادي. لا تستطيعُ أن تصفَها بكلمات. هنا، محفوظةً في ذاكرتِه، مهد الانسانِ الأوروبي. هنا كانت أول المشاهدِ الميثولوجية، جنته على الأرض.. هنا عاشَ أناسٌ جميلون، كانوا يستيقضون من النوم ليعودوا إليه في المساء، سعداء و أبرياء. الأخاديدُ كانت ممتلئةً بأغانيهم السعيدة، أمواج متلاطمة من الطاقةِ الخالصة كانت تصبّ في الحبِ وَ السعادة البريئة. الشمسُ كانت تغسلُ تلك الجزرَ وَ البحر بأشعتِها، محتفلةً بأطفالِها الجميلين. حلم رائع ! خيالٌ متعالٍ ! أكثر الأحلامِ استحالةً، ذاك الذي سخرتْ البشريةُ جهودها جمعاء على مرِّ حياتِها، من أجلهِ ضحت بكلِ شئ، من أجلهِ صُلبَ الناسُ وَ قتلت الرسل، وَ بدونهِ لا تريدُ البشريةُ أن تحيا، وَ لا تستطيعُ أن تموت. لقد شعرتُ كما لو أني عشتُ كلَ هذه الأحاسيس في الحلم. لا أدري ما الذي كنتُ أحلم فيه بالضبط، وَ لكن المنحدراتِ وَ البحرَ وَ الأشعة الهابطة للشمسِ الغاربة- كل ذلك كان باستطاعتي أن أراه عندما استيقضتُ وَ فتحتُ عينيّ، وَ التي كانت لأولِ مرةٍ في حياتي مليئةً بالدموع. شعورٌ بالسعادةِ -لم يسبق أن شعرتُ به من قبل- سرى إلى قلبي، إلى درجةٍ شعرتُ معَها بالألم..


يتبع

يوسف
05-02-2011, 03:45 AM
في مهد الفكر والفن الأوروبي يحلم فيرسلوف المرتحل من الأراضي الروسية الباردة بخير الإنسان وجماله, بحقيقة أن هناك هدف له, الفرنسي قد يكون فرنسياً فقط, والألماني يكون ألمانياً وفقط, أما الروسي – الطبقة التي ينتمي إليها – أفكارهم تشمل هؤلاء جميعهم, تشمل الأوروبيين وغيرهم, يعتبر الفن والحجارة وهذا الفن الذي آن له أن يندثر أعز عليه من محبة أصحاب هذا التراث له. قبل الحلم هناك حياة بأكملها ولحظات من الشعور والعاطفة. وبعد الحلم هناك الواقع والحقيقة وثورات الشعوب. يتسيقظ هذا المفكر الحالم على تلك الشمس الغاربة في آخر أيام الإنسانية الأوروبية, فوق أوروبا كلها كانت تسمع نواقيس جنازة, كل العالم القديم انقضى تحت أصوات البارود, تشتعل الأرض بحرارة, لكن هذا المفكر بمثالية عجيبة يرفض كل هذا دفعة واحدة, كممثل للفكر الروسي الرفيع يستطيع المصاحلة بين جميع الأفكار المتعارضة مصالحة شاملة: فرنسي مع الفرنسيين, ألماني مع الألمانيين, يوناني مع يونانيي العصر القديم, لا يشبه أحد.

هناك تناقض هائل ومرعب في شخصية هذا المفكر. فهو يتحدث بمنطق رغم التعارض الهائل في الأفكار. وهنا بالتحديد يعود دستويفسكي ليطرح سؤاله الأساس والذي يتكرر في جميع خوالده الخمس: هل تؤمن بالله؟ هذه ثيمة يفضل دستويفسكي طرحها بكثرة بعد خروجه من السجن وتجدد الإيمان بداخله. رغم أن الحوارات الدينية في الأعمال الثلاث السابقة كانت حارة ومشتعلة دينيا إلا أنه يطرح الفكرة الأكثر شهرة في أعماله في رواية المراهق: هل يستطيع الإنسان أن يحيا بدون إله؟ رغم أن فيرسلوف مؤمن بالله, إلا أن إيمانه إيمان مختلف, هو مؤمن بالله كمثل إيمان الفلاسفة, لا يؤمن بالدين, وينتصر للفن والجمال الذي يجد فيه تجليات الله. تبدو هذه الفكرة رائعة, أن يطرح المؤلف شخصية مفكرة متناقضة تناقضاً صارخاً ذات جانب ديني وجمالي صارم, ولكن دستويفسكي لا يريد لهذه الشخصية أن تبقى, أن تعلن انتصارها وتحقق ما تريد. ليس مثل هذه الشخصية يريد دستويفسكي أن يكون النبلاء, بل يجب أن يعودوا إلى الأرض وحرارة الأرض: أي إلى الدين الذي يؤمن به الإنسان البسيط. من أجل ذلك يقذف دستويفسكي شخصية بطله فيرسلوف في أزمة أخلاقية تتعلق بحقيقته الإجتماعية وعواطفه المزدوجة ومشاعره المتناقضة والصارخة. فهو يحب كاترين نيكولايفنا بشغف ووله, ويحب أم المراهق بدافع الشفقة. يجب أن يختار بين الإثنين حتى يكون إنساناً واحداً, بفكر واحد, لا شخصيتين في جسد واحد. ما أروع هذا التحليل النفسي الضخم لشخصية فيرسلوف. هذه هي العبقرية التي أقدسها واعتبرها قمة العبقرية. من أين تنبع فكرة التناقض والإزوداجية في فكر الإنسان: هل الروح الإيمانية لها طرف موجه وذات تأثير, أم هي العواطف الهائلة التي تحدث تحت تأثير صورة جمالية هائلة تخطف الأبصار وتعبث بالروح!

دستويفسكي لا يجيب عن ذلك ولا يفسر هذا التناقض, بل يدفع ببطله إلى الحد الأقصى من التناقض حتى يجد نفسه بنفسه ويتضح كل شيء أمامه كالشمش المشرقة. هنالك شمس مشرقة هائلة في الرواية, روح شرقية دينية صافية كالماء, هو الشيخ الفلاح والد المراهق الرسمي, الذي يؤمن بأن هناك سر في هذه الحياة, ليس سراً واحداً, بل أسرار. كل شيء سر كما يقول, كل عشبة وشجرة و كل طير يغرد, كل نجم متلألئ في الليل, ذلك كله سر, أسرار ترهب القلب وتثير فيه العجب, لأن يوجد سر فذلك أجمل: ” أن يعيش المرء بدون إله فذلك عذاب. الإنسان لا يستطيع أن يعيش بغير سجود. بغير سجود لا يمكن أن يحتمل الإنسان نفسه.”

قارئ دستويفسكي قبل أن يستمتع بالرواية والحوارات, يستمتع بالقصص المحكية داخل العمل الأدبي. هذه القصص الصغيرة تفوق أحياناً بنية الرواية نفسها, فمثلاً في الجريمة والعقاب هناك مشهد حلم راسكولينكوف حول الحصان القتيل. في الأبله هناك قصة الطفلة ماريا التي كانت تُقذف بالحجارة وأضحت قديسة يحبونها الأطفال بعد عذاب هائل. أما في المراهق فهناك قصتين لهي جديرة أن يشارك القارئ أبطال دستويفسكي البكاء. البكاء على هذا الواقع المحزن والمحطم. هذا العالم الواقعي. لقد تساءلت سابقاً لماذا أقول أن واقعية هذا المشهد رائعة ومذهلة رغم أني أكره المذهب الواقعي الأدبي كما في مدام بوفاري. السر في المحتوي, في الطريقة وإظهار عذاب النفس, في واحدة من أروع فصول الرواية تأتي أم المراهق صوفيا لزيارة ابنها في معهد توشار, طلاب المعهد يعيرون المراهق بابن الزنا, ويحاول المدير أن يجعل من المراهق شخصاً حقيراً وذليلاً. هذا الفصل هو من روائع الأسلوب الواقعي السايكولوجي الشاعري, حيث يلقي الضوء على أصدق درامات الواجدان البشري. هو ذاته المرض بعينه الذي يقود الإنسان إلى حتفه مباشرة. هو نفسه المرض الذي قاد الفتاة أوليا إلى الإنتحار في أولى القصص المحكية في الرواية. وهذه الشخصية “أوليا” ليست شخصية رئيسية, بل ليست فرعية حتى, هي ابنة فقيرة تعيش مع أمها, نشرت إعلاناً تعلن فيه استعدادها للتدريس بمقابل مالي. يحاول أن يستغلها أحد السافلين فتثور لكرامتها, ثم يأتي فيرسلوف فيكرمها بمبلغ مالي دون أي خدمة. ها هنا تظهر العبقرية بكل تجلياتها. إذا قلت أن الفتاة انتحرت حتى لا يتهمها أحد في شرفها, رغم أن ذلك لم يحدث, هل سيكون حديثي هنا واقعياً وطبيعياً؟ سوف تطرح الأسئلة: لو كانت مؤمنه لما انتحرت, أو, لو لم تكن واثقة من نفسها لما انتحرت, ثم لماذا تنتحر من مجرد أقوال لم تصدر حتى ولم يعرف أحد عنها شيء. هنا تتكشف العبقرية. ليس الذين فقط لا يؤمنون هم الذين ينتحرون, بل حتى المؤمنين منهم ينتحرون, لا عن شعور بانهيار قيمة الإيمان في داخلهم, بل لعدم مقدرتهم على التحكم بعواطفهم, توقف العقل عن التفكير, لم يعد له دور في تبيان الحقيقة. أصبح العقل مغلف بطبقة سميكة من السواد أغلق كل الطرق لأن تسير الحياة بطبيعتها. إنه مرض يكتسح العقل, وليس انهيار, أيكون الانتحار طرق للحياة. لا أحد يفكر بذلك. ولكن دستويفسكي يجعلك تفكر بهذا. ما أن تفرغ من قراءة هذه القصة ذات الصفحات العشر في رواية المراهق حتى تفكر: لماذا؟ .. كيف بعشر صفحات فقط أن تكون بمثابة قوة هائلة تفوق قوة الرواية نفسها! إنه أمر غريب! ولا أصدق أن راه يتكرر في أعمال مؤلف واحد فقط. الشاعر الروسي نيكراسوف الذي نشر الرواية في جريدته الرسمية قال عن هذه القصة القصيرة أنها بلغت قمة الكمال الأدبي والفني.

قصة أخرى كذلك, ولكن هذه المرة على لسان الشيخ الفلاح, والد المراهق الرسمي. لو لم تكن القصة غير موجودة في الرواية لقلت بأن كاتبها هو تولستوي بعد مرحلة الاعترافات. إنها قصة شعبية عن رجل أعمال جشع وطاغية يكون السبب الرئيس في وفاة رب عائلة وخمسة من أطفاله, يتبقى لدى هذه العائلة طفل واحد والأم, فتذهب الأم تتوسل هذا الطاغية أن يبقي على هذا الفتى ولا يمسه بسوء. لم يتعض ولم يدخر هذا الرجل وسيلة من وسائل الطغيان إلا ويستعملها, فيقذف الرعب في ذهن هذا الفتى الصغير, فيقتله دون إرادة منه ودون رغبة أكيدة في القتل. فيظهر هذا الفتى في خيالات رجل الأعمال, في أحلامه ويقظته حتى ينغص عليه حياته. أصبحت حياته غير محتملة, يبحث عن وسيلة للخلاص, ولا يجد للخلاص طريقاً إلا عبر المتبقي من هذه العائلة المنكوبة: الأم.

أعشق في الأدب وتحديداً في النصوص الأدبية لحظات خروج المؤلف عن النص ويتحدث عن نفسه أو عن ما يعشق أو قد يقوم بانقلاب فيشارك مع القارئ القراءة, قراءة النصوص الأدبية ويسقطها على أبطاله, كما في رواية التشيكي ميلان كونديرا الخلود. قد يقال أن هذه رواية حداثية, نعم هي حداثية وجميلة, ولكن عندما أرى التجليات التي يعرضها دستويفسكي في فنه أجده سبقهم بمراحل, وصل إلى مرحلة من المراحل لم تكن لتظهر في ذلك العصر. من التجليات التي يعرضها دستويفسكي داخل فنه في هذه الرواية هو دور دستويفسكي كقارئ, يقرأ الآداب العالمية ويتفاعل معها. هذه التجليات ربما يتم تحييدها من قبل بعض الأدباء الروس كتولستوي وتشيخوف وحتى غوركي في رواية الأم, لكنها عن دستويفسكي يجب أن تعرض ولها مكان رئيس. مثل اللحظات الأخيرة قبل الإعدام في الجريمة والعقاب, وحالة الصرع في الأبله, في رواية المراهق يغلب عليها دور دستويفسكي كقارئ, يتحدث أبطال الرواية عن الروايات التي أحدثت أثراً بداخلهم. قبل أن يكتب دستويفسكي المراهق تم زجه بالسجن في السجن لمدة أسبوع بسبب الديون. في فترة السجن هذه قرأ رواية البؤساء للعظيم فيكتور هيجو مرة أخرى. هاهو المراهق يذكر هذا الأثر الفني الخالد الذي يغرس الألم في داخل الروح, ثم ينتقل إلى غوته ويفكر أحد أبطال الرواية بتأليف أوبرا مستمدة من مسرحية فاوست لغوته, فيرسم لوحة موسيقية كبيرة عبر كلمات غوته, ثم يصل أخيراً إلى تشارلز ديكنز ويذكر كيف كان المراهق يقرأ مع شقيقته رواية متجر الأعاجيب القديم. ولكن هذا التصور لرواية ديكنز, وهذا التجلي ليس سرد يتحدث فيها دستويفسكي عن الرواية سرداً جافاً, بل قراءة أدبية تصلح لأن تكون خاتمة لرواية ديكنز, كما في هذا النص: لا شك أنك تتذكر ذلك الجزء من أواخر القصة, الذي نراهما فيه, ذلك الشيخ المجنون وتلك البنية الصغيرة, حفيدته, التي عمرها ثلاثة عشر سنة, نراهما, بعد هروبهما العجيب وتجوالهما الطويل, يجدان ملجأ يأويان إليه بمكان في أقاصي انجلترا, قرب كاتدرائية قوطية قديمة, وترى البنت الصغيرة تحصل هناك على وظيفة دليل وتري الزائرين الكاتدرائية. في ذات يوم تغرب الشمس, فإذا بالطفلة, الواقفة في فناء الكاتدرائية, وقد غمرتها أواخر أشعة النهار, إذا بها تنظر الشمس الغاربة وقد امتلأت نفسها, نفس الطفلة, نفسها المدهوشة, امتلأت تأملاً هادئاً وتفكراً عميقاً, كأنما هي تقف أمام لغز من الألغاز, لأن الشيئين كليهما, الشمس التي هي فكر الله, والكاتدرائية التي هي فكر البشر, إنما هما لغزان حقاً؟ … أليس هذا صحيحاً؟ آه, إنني لا أجيد التعبير, ولكن الإله يحب هذه الخواطر الأولى التي تملأ نفوس الاطفال. وهناك, على مقربة منها, فوق الدرجات, كان ذلك الشيخ المجنون, جدها, يتأملها بنظرة جامدة, صحيح أن هذا كله ليس فيه شيء خارق, هذا المشهد الذي رسمه ديكنز, ولكن المرء لا يمكن أن ينساه. وفد بقي في أوروبا كلها. لماذا؟ لأن هذا هو الجمال. لأن في هذا براءة. كنت واقفاً مع أختي ذات يوم, نقرأ هذه الرواية تحت أشجار الزيزفون في دارنا, وكانت الشمس تغرب أيضاً, فإذا نحن ننقطع عن القراءة, ويقول كل منا للآخر: نحن أيضاً سنكون خيرين, سنكون جميلين ..

يوسف
07-02-2011, 05:22 PM
1984 : هل صدق جورج أورويل؟

https://lh6.googleusercontent.com/_9v2YUg_7CDY/TU5NC_JwyLI/AAAAAAAAAZQ/RT6wsle_qUU/George.jpg

ما يزال لدى الكثيرين منا اعتقاد راسخ بأن كل خيار, حتى الخيار السياسي, هو بين الخير والشر, وأنه إن كان شيء ما ضرورياً فهو أيضاً خير. أعتقد أننا يجب أن نتخلص من هذا الاعتقاد الذي ينتمي إلى الطفولة المبكرة. ففي السياسة لا يستطيع المرء أن يفعل أكثر من تقرير أي الشريّن أقل. وهناك بعض الحالات لا يستطيع المرء أن يتخلص منها إلا بالتصرف كالشيطان أو الممسوس. فالحرب مثلاً, قد تكون ضرورية, لكنها بالطبع ليست خيرة أو عاقلة. وحتى الانتخابات العامة ليست مشهداً مفرحاً أو مهذباً تماماً. فإن كان عليك أن تشارك في أمور كهذه – وأظن أن عليك أن تفعل, مالم تكن محصناً بالشيخوخه أو الغباء أو النفاق – فسيكون عليك أيضاً أن تُبقي جزء من نفسك غير منتهك.
* من كتاب مقالات جورج أورويل / الجزء الرابع

في غالبية الكتب الأدبية حتى لو كانت قصة حب هناك مجال للسياسة. هناك من كتب عن الثورة ومجد لها مثل مكسيم غوركي في رواية الأم, وهناك من هاجم الثوريين الذين يريدون القيام بإنقلاب شامل في الدولة عبر إراقة الدماء وحلل ذهنيتهم مثل دستويفسكي في الشياطين, وهناك من رسم لوحة درامية هائلة للفرد في ثورة بدل أن تعلي من شأن الفرد وحريته واستقلاله قامت بقمعه وجعلته آلة حقيرة مثل الدكتور زيفاجو للشاعر ليونيد باسترناك. ولكن هؤلاء الكتاب في الأخير يستطيعون الكتابة دون أن تكون السياسة ذات ركن أساسي يستند عليه البناء الروائي بأكمله. أستطيع تخيل هذا الشكل للبنية الروائية. روائي يكتب وفي ذهنه فكرة لا علاقة لها بالسياسة, ثم دون إرادة قوية منه يضع هذه الفكرة في قالب عام, السياسة جزء منه. ولكن من هو الكاتب الذي كانت أعماله الأدبية سياسية في المقام الأول. لطالما أبدع الروس كما في الأعمال السابقة, ولكن أياً من هؤلاء لم يستطع أن يزيح الروائي الإنجليزي جورج أورويل عبر عمله الشهير 1984 والذي يُعتبر من الكلاسيكيات الأدبية السياسية.

كتب جوروج أورويل في إحدى أشهر مقالاته "لماذا أكتب" : أكثر ما أردت أن أفعله خلال السنوات العشر الماضية هو تحويل الكتابة السياسية إلى فن. بالنظر إلى الوراء من خلال أعمالي أرى أنني دائماً حين لا يكون لدي هدف سياسي فإنني أكتب كتباً لا حياة فيها. توصل أورويل إلى حيث يرى نفسه كاتباً سياسياً. يقول عنه كاتب سيرة حياته برنارد كريك : لم يدع أنه فيلسوف سياسي, ولا حتى مجادل سياسي, إنه كاتب. كاتب بشكل عام. كاتب روايات ومقالات وقصائد ومراجعات كتب لا حصر لها. وكلها كانت تنم عن وعي سياسي. وبهذا المعنى يعتبر أفضل كاتب سياسي باللغة الانجليزية منذ جوناثان سويفت الذي تأثر به أورويل كثيراً.

في غمرة هذه الثورات التي تعصف بالعالم العربي, والتحركات المنادية بالإصلاح والقوة الهائلة لمواقع التواصل الإجتماعي والتي أصبحت ذات سلطة هائلة ومرعبة قررت إعادة قراءة رواية جوروج أورويل 1984. في الصفحة الأخيرة قرأت تاريخ انتهائي من قراءتي الأولى لها 31/10/2007م. أربعة سنوات مرت على هذه القراءة. أربعة سنوات انقلبت فيها المفاهيم وأصبح للطبقة الفقيرة رأي وحراك وأحدثت دوياً تتابعه وسائل الإعلام, ومواطنوا الدول الأخرى يتعلقون بهذا الخبر ويتابعون بحماس وكأن الأمر هو جزء منهم.

في عالم لا حرية فيه, في عالم لا تستطيع أن تتنفس فيه بكل حرية دون أن تتهم بمخالفة أوامر الدولة, في مثل هذا العالم يكتب ونستون سميث بطل رواية جورج أورويل بخط رفيع في ورقة مسجلاً التاريخ بأنه العام 1984, وبثورية غمرته للحظات يصرخ من داخله دون أن يصرح خشية أن تلتقط كاميرات المراقبة هذه الكلمات: ليسقط الأخ الأكبر .. ليسقط الأخ الأكبر. يكتب بسرعة رهيبة. ما يغمر شعوره في لحظات قد لا يأتي مرة أخرى: سيرمونني بالرصاص ولن أبالي .. سيطلقون عليّ النار من الخلف غير أني لا أبالي, وليسقط الأخ الكبير .. إنهم دائماً يطلقون النار عليك من الخلف, لكنني لن أبالي. وليسقط. سميث مواطن في دولة مختلقة هي أوشيانيا, يرتدي مع جميع سكان هذه البلدة زياً موحداً, في منازلهم آلة رصد ترصد تحركاتهم, الأطفال جواسيس على الآباء, الجيران جواسيس على الجيران الآخرين. أي موعد تعطيه لفرد آخر هي محاولة مدبرة من الذهن للقيام بتحركات غير مشروعة. يستيقظ سميث على وقع كلمات الأخ الكبير في آلة الرصد ثم يذهب إلى عمله في وزارة الحقيقة. هو لا يقوم بالحفاظ على الحقيقة, بل يقوم بتغيير الماضي لجعله يتوافق مع الحاضر. بمعنى إذا كانت توقعات الحزب مخالفة لما هي عليه في الوقت الآني, يتم تغيير التوقعات الماضية في السجلات بحيث تتطابق مع الواقع الحالي, أي أن الحزب الحاكم أو الأخ الأكبر هو بمثابة الإله: كل ما يقوم به, كل تحركاته, كل حركة وكل قرار يتخذه هو قرار حكيم وصائب وغيره خطأ. حتى لو قال الأخ الأكبر أن 2+2 = 5, فيجب أن تكون هذه هي النتيجة الصحيحة.

أتذكر ذلك الشعور الذي غمرني لحظة قراءتها قبل أربع سنوات. في غمرة الصدمة قلت هذه الرواية بالغة الروعة. إنها تصف العقل المفكر للحزب أو للدولة ذات التوجه الرسمي الواحد. كيف يتصرف مع السكان وكيف يستحوذ على عقولهم إما برضا منهم أو رغماً عنهم. لم يكن إعجابي بسبب بنية الرواية بشكل كامل, بل بسبب الكتاب الثاني الذي زجه جورج أورويل في الرواية وهو كتاب غولدشتاين. وكتاب غولدشتاين هذا هو كتاب أهداه أحد ضباط الشرطة لسميث ليقرأه حتى يعرف الطريق للثورة وكيفية تحطيم الحزب الواحد وتغيير الواقع الذي يعيش فيه. ثم يكون هذا الكتاب السبب الرئيس في عودة عقل سميث المضطرب إلى أحضان الحزب ويتقبل كل ما يقوله الأخ الأكبر رغماً عنه ودون إرادة منه. والآن وبعد أن أعدت قراءة الرواية تساءلت: كيف تقبلت هذا الكم الهائل من التشاؤم قبل أربعة سنوات؟ إنها رواية تشاؤمية بامتياز. تحطم إيمان الفرد بالأمل, بالحب, بكل شيء جميل على هذه الأرض. هل كان أورويل مهتماً بزرع هذه الروح التشاؤمية الهائلة وأن ينشرها كعلامة على تحطيم الأمل وأية بذرة حقيقية في الحياة؟

لا أظن ذلك. كتابة الرواية كانت أشبه بالتحذير الذي قد تخلفه هذه الأنظمة في شعوبها. حيث يؤمن شعب هذه الدولة بأن نهاية التاريخ قد حلت. يستيقظ سميث ومن هم من أمثاله في دول العالم الواقعة تحت نظرة واحدة وفكرة واحدة بأن الماضي ابتداء من الامس قد تم محيه بالكامل. وحتى إذا كان له وجود فقد يكون في أشياء قليلة مصمتة لا كلمات عليها. لا نعرف شيئاً محدداً عن الثورات والسنوات التي سبقتها, كل السجلات تم إتلافها أو تحريفها, وكل كتاب أعيدت كتابته, وكل صورة أعيد رسمها, وكل تمثال وشارع وبناية جرى استبداله, وكل تاريخ جرى تحريفه, ومازالت تتواصل حتى يتحقق نهاية التاريخ. انتفت صفة الوجود عن كل شيء عدا الحاضر الذي لا نهاية له. المقارنة بين النظام الذي قام بخلقه جورج أورويل في روايته قد ينطبق بالتمام على النظام السوفييتي السابق والأنظمة الاشتراكية في أوروبا الشرقية في الثلاث العقود الأخيرة من القرن العشرين. سيكون مبالغاً فيه أن يتم وصف نفس هذا النظام الأورويلي بالأنظمة العربية ذات الرؤية الواحدة. الإدارة ليست هي نفسها. ولكن الفكرة: الفكرة الأورويلية هي ماهي موجودة في غالبية النظم الديكتاتورية في العالم قديماً وحديثاً. أي أنها تنطبق على الدول ذات الحكم الواحد بلا استثناء. إن مشاهد التحقيق والتعذيب الذي مر بها سميث هي نفسها سلطة القمع التي تصادر حرية الإعلام, وتفرض وجهة نظر واحدة يجب أن يتقبلها. قد لا تكون وسيلة الإعلام هي الصحافة كما هو متعارف عليه. بل عملية ذهنية منظمة تنتقل إلى الفرد عبر التعليم والإقتصاد والنظم الإجتماعية وغيرها. يتم تكبيله من جميع الأطراف إلى أن يصل إلى حالة يتوحد فيها مع النظام دون إرادة منه. يفقد الأمل في التغيير. يفضل أن يعيش دون أن يتعرض له أحد, مهدداً إياه في أبناءه وحياته وسلامة جسده وعقله.

يتبع ..

يوسف
07-02-2011, 05:23 PM
https://lh3.googleusercontent.com/_9v2YUg_7CDY/TU8rl9DIg5I/AAAAAAAAAZY/SfNLf36s6qc/V%20for.jpg

هذه أول مرة أجد نفسي أهرب من الأفلام المقتبسة من أعمال أدبية. حاولت مشاهدة Nineteen Eighty-Four 1984 المقتبس من رواية أورويل هذه ولم أستطع أن أواصل المشاهدة, بسبب مشهد التحقيق وعملية تحطيم إرادة سميث وإعادة خلقه من جديد عبر شخصية أوبراين, والذي يتم تشبيهه بالمفتش العام في رواية الأخوة كارامازوف. يتم القبض على سميث ويقوم أوبراين بعملية تحطيم الفكرة التي تدور في ذهن سميث حول الدولة والثورة والأخ الأكبر. إن كان هناك من شك حول النظام العام يجب أن لا يتم تحطيمه فحسب, بل يجب أن يلغى من الذاكرة نهائياً. لا شيء حقيقي في هذا العالم سوى الأخ الأكبر والحقائق التي يقصف بها أوبراين عقل سميث. الحقيقة عند أوبراين ليست حقيقة بالمعنى المتعارف عليه, هي مجموعة من الأكاذيب التي يجب أن تكون حقيقة ثابتة, حتى لو وقفت العمليات الرياضية والفيزيائية ضد هذه الأكاذيب, يجب أن يتم تحطيم المنطق والعمليات الرياضية الأكيدة لتتناسب مع فكرة الأخ الأكبر. هذا المشهد الطويل والمرهق نفسياً هو شبيه بالمشهد الذي يقوم فيه الثائر V في فيلم V for Vendetta بزج إيفي في الحبس والقيام بتعذيبها والتحقيق معها بأسلوب قاسي. إلا أن الفكرة التي يسير عليها البطلين مختلفة كل الإختلاف. هناك من يزرع الخوف, وهناك من يحطم الخوف. سميث يخرج من الغرفة 101 ولم يعد يعرف من هو, هل له روح بالأصل, هل هو إنسان يسير على قدميه أم مجرد آلة تسيرها ماكينة الإعلام الضخمة لحزب الأخ الأكبر. بينما إيفي تخرج وهي تبسط ذراعيها وكأنها تحتضن القادم من نشيد V في الخامس من نوفمبر, إنسان جديد وروح جديدة وإرادة جديدة وُجدت لتعيش.

أحد النقاد قال بعد قراءة الرواية : أورويل في عمله هذا ليس لديه أي أمل, لا يترك لقارئه أية ارتعاشة فتيل من الأمل. هنا دراسة في التشاؤمية لا تسمح بالارتياح أو الاستبدال إلا بفكرة أنه إذا كان الإنسان قادراً على تصور 1984, فإنه يستطيع أيضاً أن يتجنبه. أظن أن هذا الناقد تناسى الفصل السابع من الرواية, وتحديداً المقدمة ذات العشر أسطر. هذه السطور تمثل قمة الأمل, بل هي مانراه الآن ويراه العالم على الشاشات, حين يقول سميث: إن كان هناك من أمل, فالأمل يكمن في عامة الشعب. من هذه الكتلة البشرية يمكن أن تنبعث القوة القادرة على تدمير الحزب. لا يمكن إسقاط الحزب من داخله. فأعداؤه, إن كان له أعداء أصلاً, لا يمكنهم أن يجمعوا صفوفهم أو حتى أن يتعارفوا. أمر الانتفاضة يعرف من نظرة في العيون أو نبرة في الصوت أو في الغالب بكلمة يُهمس بها من وقت لآخر. لذلك لو أمكن لعامة الشعب أن يدركوا مدى قوتهم لما كانت هناك حاجة للتآمر, فكل ما يحتاجه الأمر أن ينتفضوا مثلما ينتفض الحصان لإزاحة الذباب بعيداً عنه. ولو أرادوا لمزّقوا وأحالوا الحزب هشيماً تذروه الرياح بين عشية وضحاها, ولا بد أن يخطر لهم ذلك إن عاجلاً أو آجلاً .. !

coco for ever
09-02-2011, 05:36 AM
يوسف , شكرا ألف ولا تكفي
استمتعت فعلا وانا اقرأ مشاركاتك هنا

يوسف
11-02-2011, 05:29 PM
مجرد رأي

قرأت كما قرأ الجميع خبر إيقاف برنامج سلمان العودة الحياة كلمة. يجب أن أعلنها بصراحة قبل أن أقول رأيي في ذلك: لست من انصار سلمان العودة ولست من متابعي برنامجه المنتظمين ولا أحفل بالفتاوي بشكل مطلق ولم أعد أؤمن بفتاوي تناقض الواقع الذي أعيش فيه, ولا أصدق فتوى بدل من أن تعلي من شأن الفرد وحريته واستقلاله, يتم تركيع هذا الفرد وإظهاره بأن حياته يجب أن تساق مع المجموع العام للأمة حتى يظهر الفرد في الأخير كآلة تسير مع مجموع عام هي الأمة بأكملها.

لكني أرفض إيقاف البرنامج فقط لأن سلمان العودة عبر عن رأيه. أرفض أن يتم تكميم الأفواه فقط لأن مجرد فرد عبر عن رأيه بكل حرية, ولم يدعو إلى قتل أو حرب أو تحريض على العنف أو الإرهاب. في أي زمن نحن يا ترى؟ أشعر بأننا نعيش في القرون الوسطى. قبل عدة أشهر ليست بالبعيدة كنت أريد أن أتصفح خبر عن شوبان في القسم الموسيقي في جريدة إيلاف. وجدت الجريدة تم حجبها من قبل سلطة الحجب والقمع! الغريب في ذلك أن وزير الإعلام قبل الحجب بعدة أيام كان يمجد الحرية الصحافية, وأنه مع كل الصحافة الحرة التي تناقش وتعلي من شأن الفرد, ويعتبر نفسه من ضمن مجموعة عامة يجب أن تخدم الدولة والمواطن بكل حرية وشفافية .. أين هذه الشفافية! أين هذه الحرية التي يتحدث بها وزير الإعلام ثم يتم انتهاكها دون تقدير واحترام. يا معالي وزير الإعلام: واجبك الأخلاقي يحتم عليك الإجابة عن هذا السؤال: لماذا سياسية الحجب لازالت مستمرة في العقلية السعودية ويتم التعامل مع المواطن وكأنه طفل لا يعرف كيف يعبر عن رأيه؟ .. لماذا يتم إيقاف برنامج له فائدة كبيرة على شريحة كبيرة من المواطنين؟ .. ربما أنت يا وزير الإعلام لست السبب في هذا الحجب لإيلاف وإيقاف برنامج سلمان العودة. وأظن أنك لست السبب في ذلك. لا أعرف بالتحديد من صاحب هذه القرارات, لكن هناك واجب أخلاقي, واجب أخلاقي في داخل العقل, يقول هذا الواجب: عبر أنت كذلك عن رأيك وإن لم تستطع أن تنفذ رؤيتك في حرية الصحافة فقدم استقالتك واخرج خروج مشرفاً وأنت راضي عن نفسك ومؤمناً بأن القيم التي عبرت عنها لم يتم انتهاكها.

هذا الزمن ليس زمن تكميم الأفواه. لم يعد بالإمكان العودة إلى عقود وأيام: "كله تمام طال عمرك". التعبير عن الرأي - دون التحريض على العنف أو القتل أو الدعوة إلى الإرهاب أو العنصرية - هي من القيم العظيمة التي أرسل الله لها الأنبياء والرسل. يقول الله في كتابه: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين. لم يقل الله في كتابه العظيم أرسلنالك لتقمع العالمين أو لتكمم الأفواه. من معاني هذه الرحمة, الصدق في المعاملات. ومن مضامين الصدق أن يعبر الطرف الآخر عن رأيه بكل حرية. أن تتحدث بصدق مع الوزير أو الحاكم أو الملك. إن كان هناك من معارضين لرأيك في قرار لا يعني ذلك أنك لا شيء أو أنك نكرة. بل هذا هو الطريق الأفضل للتصحيح.

بعد أيام سيتم افتتاح معرض الرياض الدولي للكتاب. لنسأل هذا السؤال: مافائدة القراءة والكتاب ومعارض الكتاب إذا كانت القيم التي تدعو إليها الكتب - ومن أعظمها كتاب الله - أقول مافائدة هذه القراءة وهذه الكتب والمعارض والحوارات إذا كانت القيم لا تعني شيئاً ويتم انتهاكها بشكل سافر. الكتاب هو الحرية, القارئ يجد حريته في القراءة ومع الكتاب. وعندما يتم انتهاكها يجب أن يرفض القارئ ذلك. إن لم يعارض ذلك ويرفضه فهو مناقض لنفسه, إذ ما هي فائدة القراءة والكتاب إذا كنت صامتاً ولم أعبر عن رأيي في انتهاك للقيم الجميلة التي يدعو بها الله ويبشر بها الكتاب. لطالما تحاشيت الحديث عن الشئون العامة والقضايا الإجتماعية هنا, ليس لشيء سوى البعد عن الأزمات وعدم الدخول في جدالات عقيمة لا فائدة منها. ولكن ها هنا لا أستطيع أن اخرج عن الواقع الذي أعيش فيه وأجد أهم القيم التي يؤمن بها القارئ ويبشر بها الكتاب يتم التلاعب بها لخدمة أهداف سياسية أو غيرها من الأهداف.

قرأت قبل أيام كتاب لأحد رجال الدولة يسرد فيها سيرة حياته وكيف تجاوز الصعاب ليصل إلى ما وصل إليه من نجاح. لن اذكر اسم الكتاب هنا لأنه ليس السبب الرئيسي في حديثي هنا. بل بعض ما جاء في الكتاب أو ما يصح أن أقول أنها مجموعة أفكار يؤمن بها هذا المؤلف ويريدها أن تتحقق يتم انتهاكها الآن بشكل بشع. من بينها قول فولتير الشهير المؤيد لحرية التعبير. هناك فرق بين القول والتطبيق. هناك من يؤمن بقيم جميلة وإنسانية وعالمية, ثم لا يستطيع أن ينفذ شيئاً من هذه القيم. بينما فولتير, ليرحمه الله.. لقد كان أكثر إسلامية من بعض الذي يؤمنون بهذا الدين حين قال: إنني مستعد أن أموت من أجل أن أدعك تتكلم بحرية مع مخالفتي الكاملة لما تقول !

أنديرا غاندي
11-02-2011, 06:15 PM
ربما علينا أن نلوم انفسنا أكثر مانلوم , نحن من صدق كذبة التغيير الجزئي , بل إن بعضنا يراه كلي , نحن من صدق أن البلاد بدت منفتحة أكثر , متفهمة التعددية والتباين واستقلالية الرأي , صحيح أن شيء من هذا الانفتاح قد حدث , لكنه انفتاح يصب في قناة واحدة أو لأجل قناة واحدة !!
وإذا ماعبثت الدلتا ذات الشجون بمجرى القناة أو حاولت , سيتم اجتثاثها .

يوسف
11-02-2011, 09:21 PM
نار الحرية .. !

http://msnbcmedia1.msn.com/j/MSNBC/Components/Slideshows/_production/ss-110127-egypt-unrest/ss-110211-egypt-transition/ss-110211-egypt-transition-01.grid-8x2.jpg
/
http://a2.sphotos.ak.fbcdn.net/hphotos-ak-ash1/hs882.ash1/179066_196832300328675_195858097092762_769595_4859 278_n.jpg


أيها الواقفون على حافة المذبحة
أشهروا الأسلحة!
سقط الموت، وانفرط القلب كالمسبحة.
والدم انساب فوق الوشاح!
المنازل أضرخة،
والزنازن أضرحة،
والمدى.. أضرحة
فارفعوا الأسلحة
واتبعونى!
أنا ندم الغد والبارحة
رايتى: عظمتان.. وجمجمة،
وشعارى: الصباح!
* أمل دنقل

يا لهذه الليالي التي تسطع على المنطقة العربية. من كان يظن بأنه سيعيش مثل هذه اللحظات في حياته؟ كل شيء حدث في لحظة غامضة, في ساعة لا يمكن أن نعرفها, في مكان لا أظن أن أحداً قد زاره أو عرفه, شرطية من قوات الدرك تصفع رجلاً على وجه, تهين أباه, تقوم بإذلاله, لم يعد يملك شيئاً. كل شيء في هذه الحياة تم سلبه منه. هو مثل الخيل الأسود الذي ألقي القبض عليه, فأنطلق مسرعاً إلى منطقة غير معروفة سيجد فيها حريته وكرامته .. إلى منطقة لا يمكن لأحد أياً كان أن يأخذ منه حريته وحياته وكرامته .. إلى الموت. الموت دفعة واحدة, وبضربة واحدة, وبقوة واحدة. و يالقوة هذه الضربة وهذا الحريق. التهمت أجزاء هائلة من هذا الكون. مساحة النار صغيرة في الجسد, وكبيرة في الحياة, لم تنطفئ, لم تُخلق لتنطفئ, بل لتشعل نيران الغضب من جديد, لتثبت به أركان الحياة من جديد, لتعيد إلى الحياة بلسمها الوحيد. النار التي تم إشعالها في الجسد ليعلن عن حريته. قتله اليأس فنفث في روحه الحرية. هواء. مجرد هواء فقط يخرج من داخل روحه عبر فمه ليعبر عن رأيه, ليصرخ, ليعلن عن غضبه, إنه يحدث الله بروح حرة, أن أنا أشعلت في نفسي ناراً ولتلتهم كل العروش القابعة في غياهب الموت, القابضين على العروش, القاتلين لشعوبهم. الشعب التونسي والشعب المصري أعادوا إلى هذه الأمة روحاً جديدة. روح تقول: أن الحقوق تنتزع انتزاعاً ولا تعطى, رحم الله البوعزيزي الذي أشعل جسده فأحرق الأرض العربية وهز عروش, وبث الرعب في قلوب المتحكمين بمصائر شعوبهم. أشعل شمعة في جسده, فأشعل نيران الحرية في منطقة لم تعرف كلمة الحرية من قبل .. ! من قال أن الحرية فقط هي مجرد حلم؟ من قال أنها موجودة في طيات الكتب وصفحات التاريخ وفي ساحات الحروب؟ ها هي أمامنا الآن, يُكتب التاريخ من جديد, لا يكتبه رجال السياسه الذين يؤجلون كل شيء إلى وقت قادم, ولا تدخلات أجنبية تريد ترسيخ نظام بائد, بل هم أهل البلد نفسه, شبابه الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل أن يستنشقوا هواءً صافياً حراً نقياً. وليهنئوا بالاً الآن. فتراب قبورهم أضحى ورداً وأُعلن الصباح !

11/2/2011م

dhym
16-02-2011, 03:28 AM
اكمل ولي عودة لاحقا ان شاء الله

يوسف
17-02-2011, 08:47 AM
يقظة الأطفال وإرادة الحلم عند دستويفسكي

https://lh3.googleusercontent.com/_9v2YUg_7CDY/TVhfT-xTQiI/AAAAAAAAAZk/vnXhVckSl00/White%20Nights.jpg

البطل الصغير. قصة قصيرة كتبها دستويفسكي وهو مسجون بانتظار الحكم عليه في قضية بتراشوفيسكي الشهيرة. إن روائياً شهيراً وعالم نفس مثل دستويفسكي كان من الممكن أن يكتب نصاً أدبياً يسرد فيه اللحظات الأخيرة من الحياة, اللحظة الأخيرة قبل الرحيل, اللحظة الأخيرة قبل الموت. وها هو يفكر بثلاث قصص و روايتين يكتبها في سجنه. غالباً ما يقول أن في ذهنه الآن عدة أعمال سيشرع في تنفيذها ثم تصبح هذه الأعمال عملاً واحداً. وهذا ما جرى في فترة السجن حيث كتب قصة من أجمل قصصه القصيرة: البطل الصغير. هذه القصة مختلفة في تركيبها وتقنياتها وفي شخوصها, فبدلاً من الفقراء والمسحوقين ومدينة بطرسبورغ وموسكو, يقيم دستويفسكي عالماً روائياً في الريف حيث الطبيعة بجمالها وسحرها الذي يخطف الأبصار. ويُسقِط هذه الطبيعة على شخوص أبطاله: حياة تشبه الأعياد, تتعاقب فيها المباهج, من رحلات على صهوات الجياد إلى الغناء والتمثيل والموسيقى. لطالما قلت أن دستويفسكي فاشل في سرده الروائي في عالم قائم في الطبيعة أو الأرياف. مجاله الخصب والثري هو في عالم الشقق المعروضة للإيجار وفي الحانات والشوارع. ليس في الأرض الخضراء والورود والزهور. ولكن ها هو يستعرض قوته الهائلة في عالم طبيعي ساحر, كأحد شعراء الطليعة الرومانسيين في القرن الثامن عشر الذي اتخذوا من الطبيعة وسحرها مادة خصبة وثرية. رغم اختلاف المكان بشكل أساسي في هذه القصة عن مجمل أعمال الكاتب إلا أنه لا يبتعد كثيراً عن مجاله الخاص في الكشف عن أحوال النفس البشرية في عذاباتها وعواطفها.

يبحث الكاتب في هذه القصة في نقطة جد جذابة تتعلق بيقظة العواطف عند الطفل. قد يتوله الطفل بحب الأب أو الأم أو المربية أو الإخوة المقربين, ولكن متى يستطيع الطفل أن يقول : أنا أحب هذا الإنسان؟ أنا أحب, أحب .. متى يستطيع الطفل أن يعلن عن حضور عاطفته ويعلنها بصراحة وبكل حرية من داخل أعماقه. هذه القضية جد شائكة, قضية إيقاظ العاطفة عند الطفل. هناك عالم كبير وهائل حول الطفل. إن كانت العاطفة تم إيقاظها هل يصرح بها أم لا. وعند التصريح بها قد يتعرض للحرج أو للسخرية نظراً لأنه طفل. فهل يكتمها في داخلها, أم يعلن عنها ويتعرض لكل أنواع السخرية. يتعرض البطل الصغير لعدة مواقف تفجرت من خلالها عواطفها التي آن لها أن تظهر ولا تبقى طي الكتمان. أولى هذه المواقف هي علاقته بالسيدة الشقراء, وهي سيدة شهيرة في مجتمعها بجمالها العذب الساحر, إلا أن وراء الأكمة ما وراءها, فتسخر من الطفل وعواطفه حتى يعلن البطل الصغير أن هذه الفتاة هي معشوقته الشقراء وعدوته الأبدية لاستخفافها بمشاعره. وهناك على الطرف الآخر من السيدة الشقراء, شخصية السيدة م .. إن جمال السيدة الشقراء, والتي تساوي في نظر الطفل الصغير تلك السمراء الشهيرة التي تغنى بها في شعر رائع شاعر كبير أقسم أنه مستعد أن يموت إذا سمح له أن يلمس بطرف أصابعه خمار حسنائه, أقول مثل هذا الجمال الذي يخطف الأبصار يحمل من التأثير على قلب هذا الطفل وعلى غيره كذلك شعوراً بالرفعة والسمو. إلا أنه ينقضي ويذهب. لا يبقى للأبد. هنا تأتي مشكلة الروح أو ما يقال أنه جمال الروح. ربما يكون ذلك هو ما تتصف به السيدة م .. ولكن الجمال الذي تتصف به لا يظهر في الشكل الجسدي الخارجي, بل يظهر في قسمات الوجه و العيون. يصف البطل الصغير السيدة م … بالتالي: جمال السيدة م .. يحمل شيئاً خاصاً يميزها عن جمهرة النساء. قسمات وجهها تجذب إليها القلوب جذباً لا سبيل إلى مقاومته, وتوقظ في نفس كل إنسان نوعاً من الاهتمام بها والاحترام لها. هنالك وجوه وهبت لها الطبيعة هذه النعمة: يحس المرء حين يجالسها بأنه قدر ارتفع على ذاته, فهي توقظ في النفس شعوراً بالحرية والعذوبة. هذا الخوف الغريب الظاهر على وجهها, يسكب على وجهها الهادئ هدوء عذراء إيطالية ويضفي عليه أسى وكآبة يبلغان من القوة أن الحزن يتسرب إلى نفس من ينظر إليها ويتأملها. الجمال الكامل الطاهر في هذا الوجه الشاحب الناحل يوحي بصورة الطفولة التي ما تزال قريبة جداً!

تسير القصة على مسار السيدة الشقراء والسيدة م … والبطل الصغير لا ينفك دون دراية منه يعد الساعات الأخيرة من حياته كطفل, حين يقع في يده صدفة رسالة كانت للسيدة م … السيدة م كانت تحس بالألم الهائل جراء فقدها لهذه الرسالة الغالية عليها. هي أغلى من كل شيء, حتى من حياتها. يستحيل أن يتألم المرء أقسى من هذا العذاب, أن يتم عرض السر الأكبر في حياتك أمام جمهرة من الناس ثم تمضي حياتك لا آخر لها ولا رجاء فيها. يفكر الصبي بخطة لرد الرسالة دون مجرد التفكير في فتح الرسالة وقراءتها. أحب من داخل أعماقه السيدة م, أكثر من السيدة الشقراء التي كان جمالها طاغياً لا حد له. الكيفية التي تم بها إيصال الرسالة للسيدة م في قمة الشاعرية والعذوبة. وهو شيء غير مستغرب نظراً لأن كل أحداث القصة فيها شعر ونثر وموسيقى ورقص ومسرح وسباق وأزهار. عالم كل خير لا شر فيه. إلا أن المكافأة التي حصل عليها الطفل من السيدة م كانت هائلة ومرعبة, أصاب الطفل الصغير الخجل وثار الدم في وجهه الصغير. لقد قبلته من شفتيه! هل هذه مشكلة؟ ليست هنا هي المشكلة, فلو كان يعرف البطل الصغير طريقة قد يحصل من خلالها على هذه القبلة لما تردد في فعل أي شيء في سبيل ذلك, ولكن الأكثر رعباً أن هناك عالم آخر أعلن قيامه. أو كما يقول دستويفسكي على لسان بطله الصغير في إحدى أروع نهاية قصصه القصيرة: لقد انتهت طفولتي! .. هناك ما أحب أن أسميه بكلمة أو كلمتين في نهاية قصة قصيرة تصف مجمل العمل الأدبي القصير ككل. لأكثر من أربعين صفحة نستكشف إيقاظ العاطفة لدى هذا الصبي ذو الحادية عشر من العمر. لقد قرأت كتاب العالم الانجليزي تشارلز داروين التعبير العواطف عند الإنسان والحيوانات, ولم أقرأ في كل صفحات كتاب داروين أي إشارة من قريب أو بعيد لكيفية يقظة العاطفة عند الطفل. هذه هي العبقرية التي أجدها في كل عمل فني لدستويفسكي, فهو ليس رائد في التحليل النفسي, وسبق فرويد في هذا المجال فحسب, بل سبق علماء الفراسة وتحليل العواطف وتفسيرها الذين فسروا كل ما يتعلق بقسمات الوجه وتناسوا العواطف الداخلية, لحظة الحضور الأول لهذه العواطف. أعود إلى البطل الصغير .. لا يمكن أن نقدم أي انتقاد أو ملاحظات لأنه طفل أحس بتغيير داخلي تفرضه السنين على الكائن البشري. ولكن الكلمة الأخيرة للبطل الصغير تفتح صفحة جديدة ننظر من خلالها إلى الصبي نظرة أخرى!. لقد انتهت طفولتي. بثلاث كلمات يختصر البطل الصغير عواطفه وأفراحه وسنين البراءة التي كانت بيضاء, وسوف تصبح عما قريب ملطخة بشتى الألوان. هل لأن البطل الصغير شرير.. بالطبع لا, لكنه سيكون مجبراً في سنواته القادمة أن يشاهد الشر داخل النفس البشرية.

حين يعبر دستويفسكي عن رجل قد يقول رجل ما هذا الكلام حقيقي لأني أعيش فيه الآن. أو في وصفه لعاطفة من العواطف وغيرها من هذه الأمور. ولكن متى تكون لدينا القدرة على وصف قدرة دستويفسكي على وصف عواطف الأطفال ومشاعرهم تجاه أهاليهم وتجاه الآخرين؟ يمكننا القول كذلك لأننا عشنا تلك الفترة وذقنا كيف تحررت العاطفة وظهر للوجود عالم جديد فيه الخير والشر بدل من عالم الخير فقط. عاطفة الأطفال التي تظهر على قسمات الأوجه عند احمرار الوجه وكتم الغيظ والهروب المتكرر والحديث دون شعور لحظة اختلال وتقلب العاطفة والعقل. في عالم الأطفال هناك قسمين يسير فيهما السرد الروائي. هناك خير لا نهائي في حياة طفل يقابل جميع الناس. وهناك خير وشر لا نهائي في علاقات الكبار المتحررين من كل الضغوط والإحراجات تجاه الأطفال. هذا الخير اللا نهائي يظهر مثلاً في قصة ليلة عيد الميلاد وليلة الزواج. في هذه القصة يصف دستويفسكي بهجة الأطفال في ليلة عيد الميلاد وكيف يلعبون في هذا العالم الذي يشع بياضاَ. لا يهرب الكاتب من عالم المحرومين فيقسم هؤلاء الأطفال إلى طبقات غنية سيرثون أموالاً طائلة فور بلوغهم السن القانوني, وأطفال مسحوقين دخلوا في طبقات الأطفال الأغنياء, فيتلقون معاملة مختلفة ويُؤمرون لحضور أو جلب لعبة وغيرها من هذه الأمور. في غمرة هذه البهجة يدخل رجل أعمال شهواني يلاعب طفلة ستصبح غنية في القريب العاجل. بعد ست سنوات من ليلة عيد الميلاد هذه تبلغ هذه الفتاة السادسة عشر وتسير في الكنيسة وهي ترتدي البياض لا تعرف أين هي وماهي مهمتها على وجه التحديد. بقربها رجل الأعمال الشهواني الذي خطط قبل أن تدرك الأمور أن هذه الأموال من نصيب الفتاة ستكون له, زوج المستقبل. يدين دستويفسكي هذا الزواج القائم في ذلك العصر, والذي يسمى زواج العقل والحكمة. رغم فكرة هذه القصة الإجتماعية المثيرة للجدل إلا أن قصة دستويفسكي الأخرى الطفل عند يسوع في ليلة عيد الميلاد هي من أجمل ما وصف فيه عذابات الطفل الشريد الفقير, سرد عاطفي وشاعري للغاية وحزين إلى درجة البكاء, في عالم تحت الأقبية وفي الشوارع. في الوقت الذي يستعد فيه الأطفال بتجهيز شجرة الميلاد يستيقظ الطفل الصغير تحت إحدى الأقبية وبقربه والدته التي لا تتحرك. الكل يلعب الآن, ولقد اختار هذا الطفل أن يلعب, فلم تكن لعبته إلا النفخ من فمه ليرى هذا البخار يخرج من فمه علامة على شدة البرد, وهو لا يلبس أي شيء يقيه من شدة البرد. يتلمس وجه والدته فيراها نائمة لا تتحرك. فيمضي إلى الشوارع لكي يجد الأكل ويحتفل مع بقية الأطفال بعيد الميلاد. يقف عند أحد النوافذ فيرى الأباء والأمهات يلاعبون صغارهم, والجد والجدة يعزفون بالكمان ويتطلعون إلى المائدة العامرة بكل مالذب وطاب فيها. يقذف أحد كبار السن بقطعة قرش لكي يلتقطها هذا الصبي, فتتدحرج منه ولا يستطيع ملامستها بسبب قوة البرد. لا احتفال بعيد الميلاد, ولا بهجة ولا سعادة ولا دفئ للأطفال أمثال هذا الطفل التعيس. يسقط على الأرض نائماً. ينام بطريقة لم ينم بها أبداً في حياته. يحس برعشة سريعة خفق لها قلبه وأعاد له الدفئ. أحس أنه سعيداً لأول مرة في حياته. يشاهد أمامه شجرة ميلاد لم يرى مثيلاً لها في حياته. بقرب الشجرة أطفال ربما شاهدهم سابقاً في حياته, هؤلاء الأطفال هم الفقراء التعساء الذين لم يجدوا بهجة أي عيد في حياتهم, هم الأطفال الذين سقطوا في الشوارع جراء البرد, هم الأطفال المرضى الذين قتلوا لعدم توفر لقمة العيش, هم الأطفال الذي لم يجدوا في حياتهم أي جنة, فارتقوا إلى الجنة, إلى الله, هناك .. حيث وجدوا شجرة عيد الميلاد عند السيد المسيح. شجرة ميلاد مخصصة للاطفال الصغار الذين لم يكن لهم شجرة على الأرض!.

يتبع ..

يوسف
17-02-2011, 08:51 AM
https://lh3.googleusercontent.com/_9v2YUg_7CDY/TVhfTdORb-I/AAAAAAAAAZg/61aJSh7tUB4/Le%20Notti%20Bianche.JPG

من أكثر الشخصيات قرباً لدستويفسكي على الإطلاق هي شخصية الحالم في قصة الليالي البيضاء. بل أنه قرر ذات يوم أن يكتب رواية بكاملها يكون عنوانها الحالم. لماذا قلت أن شخصية البطل هي أكثر قرباً لدستويفسكي؟ ليس لأنها تصف دستويفسكي الشاب الرومانسي, بل لأن حياة العزلة والأحلام وهذا الخيط الرفيع بين الحلم والواقع هي ما كانت تتصف به حياة دستويفسكي الشاب في بطرسبورغ. فهو أقام في هذه المدينة لعدة سنوات دون أن يكلم أحد أو يختلط مع الناس, فأقام حول نفسه حصار هائل يدور حول أحلامه المثالية الرائعة. فهو بدل من اختلاطه بالناس يسير بالطرقات والشوارع وتحت الأنفاق ويقابل وجه هذا الرجل الذي يشاهده لثلاث أيام في الأسبوع, ثم يأتي الأسبوع القادم ولا يرى هذا الرجل, فيضرب تساؤلات في نفسه عن سر اختفاء هذا الرجل, ثم ما إن يظهر عليه تبدو عليه سيمياء الفرح ويحيه برفع قبعته تحية له. وهو إلى ذلك يقيم حواراً مع الجمادات والأبنية والمحلات. يسير في شارع فينسكي ويشاهد بناية زرقاء تشكي له من معاملة أصحاب الدار الذين قرروا تغيير اللون إلى لون آخر. وهذه بناية أخرى تضحك أمام هذا الحالم لأن سكان المنزل قرروا المغادرة إلى الريف لقضاء إجازتهم الصيفية هناك. وهذه بناية تبكي بكاءً عنيفاً لأن العمال سينقظون عليها هدماً وتكسيراً بعد خدمة لسنوات طويلة. عالم آخر يعيش فيه هذا الحالم الذي يحلم بأن يكون كاتباً لا يشق له غبار, يصاحب الموسيقيين العظام ويرسم نوتات لأوبرا عظيمة, يتخيل نفسه بطل من أبطال الملاحم الشعبية ويعيش قصة حب ثرية غامرة بالحب والعطف. يحلم بأن تكون أناه هي العالم بكامله. يرى العالم من خلال أناه, والعالم يراه من خلاله فقط. لا يوجد كره ولا منغصات ولا حياة كريهة. هناك عالم كله حب وطمأنينة وتأملات وسكون ووحدة وعزلة. في الشمس الغاربة لأحد الأيام وعلى أحد الجسور ينتبه هذا الحالم إلى فتاة تبكي على الجسر. يحاول التقرب إليها ثم تبتعد عنه هاربة من هذا الرجل الذي لا تعرفه. ثم تتعرض للسرقة فينجدها هذا الرجل الذي أصبح صديقاً لها طيلة الليالي البيضاء. إن حياة العزلة التي كان يحياها هذا الحالم كانت تقتضي أن يكون على ماهو عليه سابقاً قبل لقاءه الفتاة. أن يسير ويستمر في أحلامه, ولكن إلى متى؟ أما لهذا الحلم أن ينتهي وينزل الحالم إلى أرض الواقع ليواجهه بكل صراحة. ها هنا ينهار الخيط الرفيع الذي أنشاءه الحالم في عقله وعواطفه. بدل أن يكتم أحلامه في نفسه, ها هو يعترف بكل أحلامه وعواطفة لهذه الفتاة “ناستكا” طيلة أربعة أيام. ثم أن الفتاة كذلك في أزمة. فهي وقعت في الحب, وضرب لها الحبيب موعداً بعد لقاءهم الأول للقاء بعد سنة والزواج منها متى ما تحسنت ظروفه. الحالم فُتح له باب الواقع وأصبح يتحدث بكل حب إلى هذه الفتاة. وناستكا التي وجدت في هذا الحالم قلباً خيراً عوضها عن سنة الانتظار براحة بال وطمأنينة, وفتح كل واحد منهم قلبه للآخر. أتمنى أن يقرأ أي كاتب روائي أو كاتب قصص قصيرة هذه القصة الفذة في محتواها الشكلي والفني والجمالي. رب قارئ لهذا المقال يقول أن هناك قصة حب نشأت بين هذين البطلين, صحيح ولكن أي حب؟ عن أي حب يتحدث دستويفسكي هنا .. ليس حباً طبيعياً قائم على الفطرة بين رجل وأنثى, بل عن حب آخر مختلف. الحب الأخوي, الحب الخالي من المصالح والشهوات, حب قائم على احترام عقلي وعاطفي لعاطفة وعقل الطرف الآخر. حب قائم على التضحية من أجل الطرف الآخر. ولكن, إذا قلنا أن شخصية الحالم تحمل سمات غير واقعية, فكيف يكون هذا النوع من الحب الذي يتحدث عنه الحالم في القصة واقعياً؟ من الأجدر أن يكون غير واقعياً أو بمعنى أصح رومانسياً للغاية. ذلك صحيح, ولكن للإجابة عن ذلك يجب أن يقرأ أي قارئ هذه القصة حتى يكتشف أن كل هذا الحب الذي يحكيه دستويفسكي هو واقع نعيشه ونحس فيه, أليس هناك حب لا يقوم على المصالح أو المنافع؟ هل يجب أن تكون نهاية هذا الحب جنسياً كما يقول ديفيد لورانس! ها هنا وجهة نظر أخرى بعيداً عن رؤية ديفيد لورانس.

هذه القصة هي أكثر عمل لدستويفسكي تم تجسيده في أعمال سينمائية, ولعل أشهر تجسيد لهذه القصة هو فيلم المخرج الإيطالي الكبير لوتشيانو فيسكونتي Le notti bianche 1957. شاهدت النسخة الأمريكية الحديثة المقتبسة من القصة Two Lovers ولم استطع اكمال الفيلم. ما يعجبني في معالجات لوتشيانو هو في قدرته على إظهار الروح القصصية التي كتب بها المؤلف القصة دون الاقتباس من القصة بحواراتها ومشاهدها. المخضرم الإيطالي الذي جسد دور الحالم مارشيلو ماستروياني يسير على الجسور وعبر النهر وفي الشوارع هائماً لا يعرف أين يذهب. هو حالم. والحالم يسير على غير هدى, مطلقاً لذهنه العنان في الذهاب بعيداً دون حدود الواقع. إلى أن يلتقي بالفتاة نتاليا فيفتح باب آخر في علاقته بينه وبين نفسه, بين الإنسان الحالم والإنسان الواقعي, وبين حياته كإنسان له عواطف وأحاسيس يستطيع التفاعل مع محيطه العام الواقعي. عند انهيار هذا العالم الذي كان محتجزاً به لن يكون حديثه ثقيلاً أو موزونا, بل سريعاً ويجري بسرعة إلى مكان اللقاء, ينطلق في حديثه بسرعة ويتدفق كالنهر الجارف يأخذ ما يقابله من أفراح وأتراح. لو كان مكان التصوير واحداً, والديكور ثابت والإضاءة على ماهي عليه من بداية الفيلم – بمعنى أصح مسرح – لنجح فيسكونتي في إظهار القصة كما هي عليه في الفيلم. الفيلم طابعه مسرحي من البداية للنهاية. تعبيرات وتصرفات الفتاة لحظة اللقاء الأول بحبيبها, وسقوطها المدوي في القراءة, وعلاقتها مع الحالم الذي تريد أن تحبه دون أي مصلحة من ذلك, يظهر الطابع المسرحي للقصة, للحياة, أليست الحياة مسرحاً ما نحن إلا ممثلين فيه كما يقول الشاعر!.

يتبع ..

يوسف
17-02-2011, 08:52 AM
https://lh4.googleusercontent.com/_9v2YUg_7CDY/TVw0Jh6p1QI/AAAAAAAAAZ4/cR1XOse5QCQ/Ilya%20Glazunov.JPG

وبما أني دخلت في عالم الحلم في عوالم دستويفسكي لا أستطيع أن أنسى قصة قرأتها قبل أربعة سنوات, – قصة حلم رجل مضحك – كانت هذه القصة أول عمل أدبي أتم قراءته لدستويفسكي, أعجبت بها للغاية, ومن خلالها قمت بمقارنة بين دستويفسكي وفيكتور هيجو حول تأثير الأطفال في أعمالهم عبر تحطيم الطرف الآخر. ربما يكون كلامي غير واضحاً. سأتحدث عنها بعد قراءتي الأخيرة لها اليوم. لا أعرف إذا كان هذا التصنيف صحيحاً لكني سأعتبره صحيحاً لأني أعبر عن وجهة نظري بالنهاية وليست أراء علمية ثابتة. هناك إرادة للحلم. هذه الإرادة ليست ثابتة. بمعنى من يبنى عوالم خيالية في عقله ويبتعد عن الواقع مثل شخصية الحالم في الليالي البيضاء هو من الذين يمتلكون إرادة التحكم بالحلم, يصبح الحلم على هواه يقلبه كيفما يشاء. لا يستطيع أن يرى الحالم الممتلك لإرادة الحلم أفكار أو أحلام تسبب له الأذى والشر. هو يبحث عن الجمال في عوالم لا تمت بصلة للعالم الواقعي. رغم أن الحالم يسيطر على إرادة حلمه إلا أن يعيش في حالة نفسية سيئة للغاية لا يعترف بها, ضرب حصاراً حول عقله وعاطفته ولم يعد يؤمن بالواقع. ما إن يتم كسر هذا الحاجز – إرادة الحلم – حتى يجد الواقع مختلفاً عن الحلم بكثير. هذا النوع من الإرادة هي التي ظهرت في مقدمة الليالي البيضاء. أما الإرادة الثانية فهي إرادة الحلم نفسه, لا يتحكم الإنسان بهذا الحلم ولا يقلبه كيفما يشاء. يظهر له في حالة المرض والإرهاق الجسدي والنفسي. تأثير هذا الحلم يعتمد على حياة الإنسان نفسه والموقف الذي رأى من خلاله الحلم وكيفية تفسيره له قبل وبعد الحلم. قد يرى الإنسان في هذا الحلم أحد المواقف التي مر بها قبل عدة أيام, فربما تعيده لجادة الصواب أو تطرح تساؤلات في عقله عن حقيقة هذا الفعل الذي قام به وظهر له في الحلم معاكساً له, مظهراً له أن الفعل كان خاطئاً ويجب أن يتم إصلاحه أو تفاديه. هذا النوع من الحلم يظهر بأقوى ما يكون في قصة حلم رجل مضحك وهي النقيض لليالي البيضاء. شخصية البطل هنا جد غريبة ومريضة, هو مضحك, في كل حديثه وتصرفاته وحياته, فقد الإيمان في داخله وقرر بعد أن تطلع السماء في ليلة سوداء مظلمة أن يقتل نفسه وينتحر حتى يحرر نفسه من هذا القيد الذي يكبل جسده وعقله. يصادف في الشارع فتاة صغيرة. ها هنا المشهد الذي قمت من خلاله بمقارنة بين فيكتور هيجو ودستويفسكي. فتاة صغيرة توفيت والدتها في الشارع تبحث عن نجدة لوالدتها. تستعطف هذا الرجل وهي تردد : أمي .. أمي .. ولا يلقي لها بالاً. تصر عليه وترجوه بأن ينقذ والدتها ثم – في لحظة غضب – ينهرها بأن ابتعدي عني ولا شأن لي بك أو والدتك. لنرسم هذا المشهد من جديد عبر التحليل النفسي. هذا البطل قرر أن ينتحر. ثم تأتي فتاة وتطلب منه انقاذ والدتها. أليس الانتحار الذي يبحث عنه هذا البطل هو السبب في عدم نجدة البطل لهذه الفتاة والأم المتوفية؟ هذا صحيح على وجع عام, لكن البطل تناسى أن هناك شيء اسمه الشفقة. تناسى أن هناك عاطفة يحملها الكائن البشري بوجه عام. السعادة التي كان يبحث عنها هذا الذي سينتحر, كان سيجدها في مد يد العون لهذه الفتاة ووالدتها, كان سيحس بالإيمان يتجدد بداخله بعد أن يحمل الطفلة ويدفئ يديها ويساعدها في الأزمة التي حلت عليها. هذا أول اصطدام يتعرض له البطل نفسياً قبل أي شيء آخر: إذا كان مقبلاً على الانتحار لماذا يفكر بهذه الفتاة؟ لماذا يشفق عليها؟ يعود إلى شقته المحطمة, تحت هذا الضغط النفسي الرهيب يذهب في نوم عميق, ويظهر له الحلم. كانت ملامح هذا الحلم في البداية طلقة وجهها إلى قلبه فأضحى منتحراً وهاهو يتحدث عن نفسه المنتحرة دون أن يتحرك أو يهمس لأنه ميت. في قبره يظهر له عالم آخر, يذهب بعيداً خارج كوكب الأرض بأكمله, بجانبه ملاك يطير به بعيداً إلى أرض السعادات الخالية من أي منغصات وآلام وعذابات. يتطلع إلى الأرض الصغيرة التي تضم بني البشر, فإذا بالغيرة تشتعل في قلبه مجدداً, غيرة نبيلة مقدسة, حتى يعترف في بداية رحيله : كيف يمكن أن يحدث هذا التكرار؟ وما جدواه؟ إنني أحب هذه الأرض التي غادرتها, ولا يمكن أن أحب سواها, هذه الأرض التي بقيت عليها لطخات من دمي حين عمدت, أنا الإبن العقوق, إلى إنهاء حياتي برصاصة أطلقتها في قلبي. وما كففت في يوم من الأيام عن حب هذه الأرض قط, حتى في الليلة التي ودعتها فيها, بل لعلني كنت أحبها عندئذ حباً أقوى استئثاراً بالنفس وأشد تقطيعاً للقلب من حبي لها في أي وقت مضى. هل الألم موجود على هذه الأرض الجديدة؟ لقد كنا هناك في أرضنا لا نستطيع أن نحب إلا بألم, ولا نستطيع أن نحب إلا من خلال الألم. فنحن لا نحسن أن نحب إلا هذا الحب, ولا نعرف حباً آخر. فأنا أطلب الألم لأستطيع أن أحب. ما أشد شهوتي وما أشد ظمئي إلى أن أعانق تلك الأرض وحدها باكياً, تلك الأرض التي أحببتها وهجرتها, ولا أريد أن أعيش في أي أرض أخرى غيرها, بل أرفض أن أعيش في أي أرض أخرى غيرها .. !

يصل البطل المنتحر إلى أرض السعادة, فيجد بشر من نوع مختلف وصلوا إلى درجة الكمال, لا يفكرون في معنى الحياة كتطلعنا نحن إلى معرفتها. ليسوا في حاجة إلى علم ليعرفوا كيف يجب عليهم أن يحبوا. في المساء يعزفون الأغنيات ويتحدثون بلغة الأشجار والحيوانات الأليفة والمتوحشة تمر أمامهم بكل شوق دون أن تتعرض للأذى. وصف حالة من السمو البشري لم يصل لها أي جنس بشري على أي أرض على الإطلاق, إلا أن المصيبة حلت بعد قدوم هذا المنتحر .. لقد أفسدهم جميعاً!. انفجر الدم لأول مرة وتوالى تفجير الدماء حتى انقلبت هذه الأرض البيضاء إلى دم وغدر وكذب ورعب وتحالفات بين قادة وحروب, لم يعد يأمن الإنسان أخيه الإنسان في أرض السعادة تلك. البطل لم يتحدث معهم في شيء, ولم يقم بعمل تحالفات مع مجموعة ضد أخرى, بل كان وجوده في هذه الأرض السعيدة خطأً جسيماً لا يجب أن يكون. إن من طينة هذا المنتحر لا يبشر بالقيم العليا ولا بالأخلاق, بل لقد سحق النفس الخيرة في الإنسان وحطم الروح التي تساعد الفقير وتعطف وتحس بالشفقة. لقد كفر بكل جماليات الاخلاق التي بشر بها الأنبياء والزهاد والتقاة, لقد قتل روح الأم التي تعطف على الطفل, وروح الأب الذي يشقى لسعادة طفله, أعلن الإنهيار الأبدي للمثل العالمية التي يؤمن بها البشر كافة. هو ليس إنسان وليس بحشرة, بل شيء قذر تم قذفها في عالم سعيد فأصبح هذا العالم مرعب وكابوس لا أمان فيه. في تلك الدقيقة التي طلبت فيها الفتاة من المنتحر المساعدة كان سيجد كل ما يبحث عنه ولم يجده طيلة حياته. يجب أن أقول أن الانتحار كان في الحلم, بينما هو على أرض الواقع في القصة كان يغط في نوم عميق جراء عذابه النفسي الرهيب, والآن أصل إلى حقيقة القصة مع البطل بعد الاستيقاظ: ما الحلم؟ أليست حياتنا كلها حلم؟ بل إنني لأمضي إلى أبعد من ذلك فأقول: ليس يهمني ألا تعود تلك الجنة أبداً بعد الآن أبداً, وليس يهمني أنها لم تعد موجودة وأنا أدرك ذلك, ولكنني سأمضي أبشر بالجنة رغم كل شيء. وما أبسط الأمر مع ذلك. إن من الممكن أن يعاد بناء كل شيء في يوم واحد, في ساعة واحدة, وإنما المهم أن يحب الإنسان قرينه الإنسان كما يحب نفسه. ذلك هو الشيء الأساسي الذي هو كل شيء ولا حاجة بنا إلى شيء آخر سواه: فمتى وفرتموه عرفتم على الفور كيف تبنون الجنة. على أن هذه حقيقة قديمة ما أكثر ما قرأها الناس وكرروها مليارات المرات! ولكن اسمعوا: إنها لم تغرس جذورها في النفوس, إنها لم ترسخ في القلوب. لا يزال الناس يتصورون أن وعي الحياة أعلى من الحياة, وأن معرفة قوانين السعادة أعلى من السعادة. وهذا بعينه ما يجب أن نكافحه. ولسوف أكافح. يكفي أن يريد الناس حتى يتم بناء كل شيء .. أما تلك البنت الصغيرة, فقد وجدتها .. وسأمضي إلى الأمام .. سأمضي!

أصل إلى تأثير الأطفال في شخصيات دستويفسكي وهيجو الروائية. في قصة حلمُ رجل مضحك لدستويفسكي استوقفت طفلة فقيرة بطل القصة المضحك لكي ينقذ أهلها من الموت, البطل كان خارج وعيه ويعاني من صراعات نفسيه مريرة. لم يهتم بطل القصة للطفلة, ولكن لاحقاً تبين له أن هذه الطفلة هي من أنقذته من الإنتحار الذي كان سيقدم عليه. هذه الطفلة أعادت له الحياة بعد أن كان لا يفكر إلا بالموت, كانت ذا تأثير عميق غير مسار القصة بالتمام: سأمضي وأمضي وأمضي حتى أجدها, كما يقول الرجل المضحك. في رواية البؤساء نلحظ هذا التحول الدرامي في شخصية جان فالجان. بعد أن يسرق جان فالجان من الطفل الصغير ماله وهو لا يدري انتابه القلق والألم النفسي جراء هذا الفعل الوحشي, سرقة, ومنِ من؟ من طفل! هذا الطفل الذي سرقه جان فالجان هو من جعل فالجان يبكي ويصرخ بندم حقيقي ومرعب بقوله : أنا رجل بائس. بحث عن هذا الطفل لكي يعيد إليه ماله المسروق. كان جان فالجان يعاني صراعاً جراء الغارات التي شنها الأسقف عليه, ولكنها لم تحدث أي تأثير. هذا الطفل الذي صادف جان فالجان في طريقه هو من فجر هذه الغارات لتظهر على السطح.

يوسف
18-02-2011, 01:41 PM
إشكالية التحيز: رؤية معرفية ودعوة للإجتهاد

http://lh6.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/TRtW9VZhyjI/AAAAAAAAAW0/SjImvBWjDdU/ms.jpg

هناك من يقبل كل التفاعلات الحضارية بشرها وخيرها. وهناك من يرفض بحجة الحفاظ على الموروث الديني. وهناك من يتفاعل معها ويحمل عقلاً نقدياً يُخضعها للنقد والتمحيص. والنتيجة المنطقية لكل شخص من هؤلاء الأنماط الثلاثة, أن هناك تحيز. من يدعي بأنه على الحياد ويقف في المنتصف بين رأيين متنازعين هو في ذات الوقت منحاز. كيف ذلك؟ وماذا يعني أن أكون منحازاً؟ هل بإمكاني أن أكون مستقلاً ومنحازاً في نفس الوقت ؟

هناك صورة عامة حول هذا المصطلح تحديداً "التحيز" إذ أنه يشير بصورة أو بأخرى أنه ناجم عن عداوة وسوء قصد. بينما هو عند آخرين طبيعة إنسانية لا يستطيع الباحث باعتباره إنساناً أن يتخلص منها مهما بلغت درجة إنصافه. لكن في المقابل بالإمكان التقليل من آثار هذا التحيز وتحييد تأثيرها ولو بدرجة ما. أما الإشكالية الخاصة بالتحيز فهي كالتالي: بما أن كل إنسان يتربى على قيم وعادات فهو يحمل تحيزات. هذه التحيزات يتشارك بها مع أفراد مجتمعه ككل حيث تجمعهم لغة واحدة ودين واحد وقيم واحدة. عند التعامل مع الآخرين - الأقوى منهم معرفياً واقتصادياً - النتيحة المنطقية أن كل طرف يحمل تحيزات مستقلة. ونظراً لحالة الخمود المعرفي أصبح أفراد هذا المجتمع يتبنون تحيزات الطرف الآخر للتعامل مع الآخر نفسه. يرى نفسه من منظور الآخر, ويدافع عن نفسه أمام الآخر بتحيزات الآخر نفسه.

عند طرح فكرة التقدم الإقتصادي مثلاً يتم النظر إلى الطرف الأقوى كمثال حقيقي يحتذى به. عند الوصول إلى ما حققه الطرف الأقوى يصبح التقدم محققاً وحقيقي, بينما إذا لم يتم الوصول إلى ماوصل إليه الطرف الأقوى نصبح متخلفين ومتأخرين جداً على طريق التقدم بشكل عام. عندما نسير على نفس الطريق الذي سار فيه الطرف الأقوى ستتوفر معطيات معرفية جديدة ليست من بيئتنا الحضارية. هذه المعطيات تحمل بداخلها تحيزات كامنة بداخلها قد لا يصح أخذها هكذا بشكل مجرد. تحمل تحيزات الطرف الأقوى في تعامله معنا. فعندما نستقبلها سنصبح متحيزين معه, وسنتعامل معه بتحيزاته هو, وهذا هو عنوان البحث الذي قام بتحريره المفكر الراحل عبدالوهاب المسيري: محاولة اكتشاف التحيزات الكامنة في مصطلحاتنا ومناهجنا وقيمنا المعرفية, واقتراح مصطلحات ومناهج بحث وقيم معرفية بديلة تتسم بقدر كبير من الإستقلال والحيادية. استخدم المسيري في تحريره للبحث "فقه التحيز" بدلاً من "علم التحيز", لأن الكلمة الأولى تسترجع البعد الاجتهادي والإبداعي للمعرفة, على عكس كلمة "علم" التي تؤكد الجوانب الدقة واليقينية والنهائية.

من القواعد التي يرتكز عليها فقه التحيز كما طرحها المؤلف أن التحيز حتمي. مرتبط ببنية عقل الإنسان وبإنسانيته. فكل ماهو إنساني يحوي على قدر من التفرد والذاتية ومن ثم التحيز. من جهة أخرى قد يكون التحيز حتمياً لكنه ليس بنهائي, وفي تفسيره لهذه القاعدة يقول: التحيز ليس بعيب أو نقيصة, بل يمكن أن يُجرد من معانيه السلبية, ومن ثم توضع إشكالية التحيز على مستوى مختلف تماماً. بدلاً من أن أضع تحيزي في مقابل تحيزهم, يصبح التحيز هو حتمية التفرد والاختيار الإنساني. وهذه مفارقة ولكن هذه هي حياة الإنسان. هي مفارقة يمكن أن تشكل إطاراً عاماً لإنسانيتنا المشتركة المتنوعة لا الإنسانية الواحدة, وهذه السمة المزدوجة للتحيز هي تعبير عن تلك الثنائيات التي لا يمكن اختزالها أو تصفيتها. يقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى. وهذا مطلق أخلاقي لا جدال فيه. ومع هذا فإن هوية الأعجمي تختلف عن العربي, وتحيزاتهما من ثم مختلفة, إلا أن ثمة مرجعية نهائية مشتركة بينهما تماماً وهي التقوى. وهذا ما أعنيه بأن التحيز حتمي لكنه ليس نهائي. حتمي فلا يمكن تجاوزه, وليس نهائياً, فهو ليس نهاية المطاف, فالنهائي هو الإنسانية المشتركة والقيم الأخلاقية التي تسبق أي تنوع أو تحيز.

قسم المسيري التحيز إلى عدة أنواع: منها التحيز لما يراه الإنسان أنه الحق, وهذا النوع من الأشخاص على استعداد لوضع ثمره بحثه ومعرفته في موضع الاختبار. هو لا يؤمن بأن أحكامة - المتحيزة - هي الحكم النهائي إذ أن أحكامه أولاً وأخيراً اجتهاد. وهناك التحيز للذات, وهو النقيض للنوع الأول حين يجعل الإنسان من نفسه مرجعية مقبولة. وهناك التحيز الواعي الواضح, وهو تحيز من يختار عقيدة ايديولوجية ثم ينظر للعالم من خلالها ويقوم بعملية دعاية وتعبئها في إطارها.

هناك بعض الملاحظات طرأت في ذهني عند قراءة الكتاب قبل شهر من الآن. بعيداً عن مصطلح التحيز وأقسامه وتفسيراته, ما يريد أن يصل إليه المسيري والباحثين الذين شاركوا في تحرير الكتاب هو إيجاد قيمة ثقافية عالمية من الثقافة العربية والإسلامية تصلح لأن تكون وسيلة للتخاطب والتحاور مع الآخر. ما هي الأسس والمرجعيات التي تحكم ردة الفعل على هذا الكم الهائل من الأدوات الحضارية, هل تكون أسسنا ومرجعياتنا الفلسفات الصادرة من الآخر هي الحكم في ذلك أم من الثقافة العربية والإسلامية. هذه هي الفكرة بشكل عام بعيداً عن مصطلح التحيز. ثم ساق المسيري أمثلة للتدليل على ذلك. قد يفهم أحد القراء هذا المصطلح وكأنه مرادف لنظرية المؤامرة. لا أنكر أني لحظة قراءة الكتاب كنت أحمل رأياً مسبقاً يقول أن الكتاب ماهو إلا ديباجة من قوميين يريدون رفع نظرية المؤامرة من جديد. ومن الجيد أني لم أجد شيئاً عن المؤامرة ولو بطرق ملتوية. إلا أني لاحظت الآتي: بعض الأمثلة تفسر التحيزات الكامنة فيها بشكل خارجي, ولم يدخل الباحثين أو المسيري في العمق لمعرفة سبب ذلك. في أحد الأمثلة ينتقد المؤلف الإشادة مثلاً بالثورة الفرنسية لأن النتيجة التي ظهرت بعدها بحر من الدماء. هذا المثال وطريقة تفسير التحيز بداخله غير منطقية بالمرة, فهو لم يفسر لماذا ظهر العنف بهذا الشكل وماهو السبب في ذلك. ثم أن النتائج لا تكون بعد حدوث الشيء بشكل مباشر خصوصاً فيما يتعلق بمسألة السلطة وعلاقتها بالمواطن. بل تظهر بعد عقود طويلة حيث يتم فيها اختبار القوانين التي تم الاتفاق عليها وهل ستنفذ على الجميع أم سيعود الأمر كما كان. الملاحظة الثانية: تم نشر وتحرير الكتاب في فترة زمنية مختلفة بشكل كامل عن الوقت الحالي. في ذلك الوقت كانت وسيلة الاتصال تحتاج لبعض الوقت بعكس الآن الذي تنتقل فيه المعلومة في ثانية واحدة ويتم تناقلها في هذا العالم أجمع مرة واحدة ويتشارك فيها الجميع. إذا كانت منطلقات أو تحيزات الآخر مثلاً تحمل قيم إيجابية - وقد تكون لصالحنا في الأخير - لماذا لا نتشارك مع الآخرين فيها حتى لو كانت من الآخر نفسه. لماذا نضرب حصاراً حول أنفسنا من جديد ونعيد طلاء التفاعلات الحضارية لتكون محلية. بالطبع يجب أن نأخذ من هذه التفاعلات ما يلائم بيئتنا وثقافتنا, ولكن من يحكم هذه التفاعلات ويقرر أن هذه الفكرة مثلاً أو هذه المادة ملائمة لنا دون أن يكون لنا الجرأة للقيام بنقد حقيقي. إذا توفر النقد بشكل عام - داخلياً بالأخص ومع من نتشارك معهم القيم والثقافة - من الممكن أن تظهر تفاعلات حضارية مستمدة من ثقافتنا المحلية. أما دون وجود النقد والحوار الصريح فلن يكون هناك تفاعل مع القيم الحضارية بشكل مؤسسي.

لم انتهي من قراءة الكتاب حتى الآن. هذا البحث نُشر في كتابين, الكتاب الأول بعنوان فقه التحيز, والكتاب الثاني بعنون محور العلوم الطبيعية. وجميع هذه الكتب من إصدار المعهد العالمي للفكر الإسلامي - واشنطن.

يوسف
11-03-2011, 06:37 PM
لست سوريالياً, أنا السوريالية !

https://lh5.googleusercontent.com/_9v2YUg_7CDY/TXl3Uw4MzlI/AAAAAAAAAeg/zBK7Krp5xkA/s512/dali.jpg

الرسام ليس هو الشخص الملهم، لكنه الشخص القادر على إلهام الآخرين.
سلفادور دالي - الاعترافات السرية

كان فرويد ينعت السوريالية بالجنون, و من يسلكون هذا الخط هم مجانين يجب أن يتم علاجهم. يتطلع إليهم كحالة لا كأشخاص. بعد لقاءه سلفادور دالي قال فرويد في تراجع ملفت للنظر عن رأيه بالسوريالية بأن رأيه قبل لقاءه بدالي كان خاطئاً, ومن المهم إعادة النظر في المنهج النقدي لهؤلاء التعبيريون والسورياليون من جديد, لكن العمر لم يسمح له بأن يفتح منافذ جديدة من المنظور السوريالي. وهل نحتاج لفرويد حتى نتعرف على السوريالية؟ وهل يجب أن نقرأ سيرة كل السورياليين حتى نحاول فهم هذا الفن وطرق تعبيره وأدواته ومنهجه الفني؟ ولكن بالمقابل كيف يتطلع الجمهور إلى فنون هؤلاء وما يثيره من انتقادات وهجوم قد تصل إلى نعت هذه الفنون بالعبثية, وبأنها ترتكز على أساس الفن من أجل الفن ذاته؟

كان جورج أورويل مؤلف الرائعة الأدبية 1984 يرفض لوحات دالي وينتقدها, بل يقول أنها تثير التقزز لبشاعة موضوعاته وأفكارها. لكنه أبداً لم يقم بإدانة هذا الفن الذي شكل صدمة هائلة في الفن الحديث. دالي يشكل عند جمهور واسع من الجمهور أحد عظماء الفن في العصر الحديث, وهو عند جمهور واسع آخر كذلك رجل مريض ومعتوه, غريب الأطوار لا ينفك أن يطرح لوحات فنية صادمة تثير الإشمئزاز والغرابة.

في الاعترافات السرية لسلفادور دالي, والتي تشكل سيرة ذاتية فنية لفنان كان أحد المؤثرين في حركة الفن الحديث, لم يقم دالي بمحاولة تقديم السوريالية للجمهور الغير العارف بهذه الحركة, أو الدفاع عنها تجاه منتقديها. لسبب محوري ورئيسي يخص دالي نفسه. عبر قوله الشهير: أنا السوريالية, والسوريالية هي أنا! حين قرأت هذا القول منه تذكرت نابليون عندما عاد من المنفى وهو يعد العدة لغزو أوروبا من جديد, يخطب في الجمهور الفرنسي الموالي له بكلمات هي نفس كلمات دالي ذاتها: أنا فرنسا, وفرنسا هي أنا!. من أجل أن نفهم دالي - حسب تصور دالي- يجب أن نفهم السوريالية, وإذا أردنا فهم تقنيات السورياليين يجب أن نقرأ السوريالية ذاتها متجسدة في أساسها, والمتمثلة بدالي نفسه!.وهو إلى ذلك يقدم أسباب لتأليفه هذا الكتاب, منها حسب قوله فتح أبواب المعرفة على الأعماق المتقلبه لحياته, وطرح الإجابات لمشاعر الموت وأزمة الزمان والمكان, وكشف مصادر المنهج الذي سمح له بترويض الجنون, كل الجنون.

دالي في اعترافاته هذه يقدم نفسه كمفكر سيكولوجي يبحث في أساسيات الفن والصورة, وكيف قام بخلق المنهج الفني للسوريالية من خلال الطبيعة البشرية ذاتها, بجنونها وطيبتها وعنفها. وهو إلى ذلك يكتب بأسلوب مختلف لم أعتده أنا كقارئ من فنان. فأسلوبه في الكتاب يصبح شاعرياً للحظات عندما يتحدث عن ملهمته جالا وإقليم كاتالونيا وسواحلها التي كانت المنبع لهذيانه وإبداعه, ثم ينقلب بصورة درامية, يتحدث وكأن نيتشه عاد من جديد, بأسلوب نيتشوي صريح لا يعطي للشاعرية مكان إلا في الأماكن الحميمية له, أما بقية العالم فيفتح النار عليه بأسلوب متفجر نيتشوي مثير للإعجاب, وإن كان ماهو الأكثر إثارة هي صراحته المدهشة. عقل دالي حسب تصوره بلغ حداً من المنزلة الرفيعة والتركيز لم يصل إليه أحد في القرن العشرين إلا نيتشه الذي مات مجنوناً على أية حال.

فن دالي قائم على أساسيات البارانويا, أو ما يفضل بأن يسميه بالبارانويا النقدية. عندما أتطلع إلى الأساس الذي يقوم على أساسه فن دالي أجده يستند على أشياء تعتبر من الأمراض النفسية كالشكوك وإضطراب الشخصية وجنون العظمة والشك والتوهم. لكن هذا الأساس عند دالي غير واقعي ويجب أن يتم التحكم به. عند اضطراب الشخصية في النفس البشرية تصبح إمكانية العبقرية أعلى من مثيلاتها في النفس البشرية التي لا تعاني من البارانويا. عند الاضطراب تصبح العبقرية في هذه الإزدواجية بين أعلى مستوى من الذكاء النقدي وبين نقيضه الديناميكي غير المنطقي. الهذيان البارانوي هو الجوهر الحقيقي للسوريالية, كما يقول دالي: البارانويا هي ذلك التنفس الهائل للحياة, وهي ثورة جنون تدفع بي إلى الوجود ولها قدر من الثبات بقدر الصور التي أقوم بتحريكها. أنا أعلم أن الحياة ليست حلماً لأن حياتي واضحة أمامي, تسكن في هذا التنفس لقوى الحياة, والتي تثيرني وتلون كل الأشياء, لكن, يا له من خواء! يا له من تباين! ما الغرابة في كل هذا من حولنا؟ كيف نعتقد في المادة في حد ذاتها؟ وماهي المادة؟ تبدو لي أحياناً أنها على طرف فرشاتي, لدي حاسة عميقة بالحقيقة اللانهائية, أؤمن برفض تصديق الحقيقة, و أن دور الفنان هو أن يقوم بتنظيم الفوضى بفرض هواجسه على الآخرين. و الفكرة هي استعمال عناصر العالم الخارجي لتصوير تصميم العقل, و أن تخلق حقيقة للصورة المزدوجة للتطبيق الصحيح لمنهج البارانويا النقدية بالخدعة و المهارة والاستفادة بأقل المصادفات للأشكال و الألوان, التي تحول صورة العنزة الى حصان، والسحابة الى امرأة، و تسارع الرغبة يعطي هذه القوة الخلاقة القدرة اللانهائية.

أنا دالي .. موتي تسبق ولادتي!
كان لدالي أخ شقيق أكبر منه - اسمه سلفادور دالي - توفي قبل ولادة دالي الفنان بثلاث سنوات. شكلت وفاة الأخ الأكبر صدمة لعائلة الفنان, فأطلقوا على الابن الثاني اسم الأخ الأكبر سلفادور دالي. كان دالي يتطلع في البيت وغرفة النوم وفي المقبرة الموجودة على طريق المدرسة, يجد صدى أخيه يتردد في أذهانه ويرسم صورة عبر لاوعيه تقول بأن دالي المتوفى هو نفسه دالي الفنان, دخل عالم الموت ليخرج منه بعد ثلاثة سنوات إلى الحياة. حياة دالي في العشرين سنة الأولى من حياته يمكن وصفها بالجنون والعبثية, يستلذ بتعذيب الأطفال وركل ذوي الإحتياجات الخاصة الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم, يقضم خفاش ميت بأسنانه ليتطلع إلى الدم, يضع نفسه في مواقف تعذيب ليجرب الألم في لحظات أقل ما يقال عنها بأن دالي شخصية مضطربة مريضة إلى أقصى حد, يجد اللذة الكبرى في تحطيم والده ووالدته. هذا الجنون العبثي تم إيقافه ومن ثم توجيهه إلى مسار آخر هو الفن. من أوقف هذا الجنون ووجه كل طاقات دالي إلى الإبداع الفني ؟ إنها جالا دالي. حبيبة دالي وعشيقته وملهمته. إن كان فن دالي قائم على الهذيان الذي يحيى من خلاله, فإن جالا هي من قامت بترويض هذا الثور الهائج ليوجه كل قوته صوب الفن. في لقاءها الأول مع دالي كشفت جالا حقيقة دالي, والتي يرفض أن يعترف بها أو يصدقها. كان العبث والجنون والهذيان يسيطران على دالي, في أول لقاء بينهما ألقت جالا مقاصد دالي الإجرامية في وجهه مجردة, بتفاصيل دقيقة كمخرج يضع مشهداً رئيسياً. من خلال هذا الكشف العقلي لحقيقة دالي أزالت جالا الحواجز, وحررته من قلقه, وثورته التدميرية للذات, حتى تحول صمت دالي إلى حياة, لم يتمادى دالي في الجنون, لأنها سيطرت على الجنون .. جنون دالي.

ولكن عن أي جنون يمكن الحديث عنه هنا. أو بمعنى أصح كيف يمكن قراءة الجنون الذي تم ترويضه وانطلق إلى الفن, أو بصورة أخرى كيف نقرأ لوحات دالي؟ إذا قلنا مهرج سوف يسخر منا دالي بأن التهريج هي سخريتنا العبثية, والمجتمع بلا وعيه الساذج والذي يلعب لعبة التحلي بالجدية, ويخفي جنون نفسه. أو كما يقول دالي عن لوحاته: لوحتي هي تركيبة قمت بحفرها مرة واحدة وإلى الأبد, هي اليد والفوتوغرافيا اللونية للصور الكامنة والرائعة والمتقنة والمفرطة الحساسية للاعقلانية الملموسة. هذا ليس تعريفاً عقلياً! فأنا أفكر بأحشائي, بأمعائي, بكل جسدي, وقعت في الحب من خلال أذني في قمة البرج, واكتشفت الحقيقة الملموسة من خلال كوعي, أنا أقدر القيم الميتافيزيقية الجمالية والأخلاقية من خلال فكي! وأنا أعلن أن أول أداة فلسفية للإنسان هي فكاه, وأنا أتيح الوعي بالحقيقي, أنا في طليعة رجال عصري لأن جسدي بأكمله موصل بالحقيقة, وبسبب ذلك كان لدي موهبة التحذير التي ظهرت على سبيل المثال قبل ستة شهور من الحرب الأهلية الإسبانية, بإنذار لوقوع مثل هذه الحرب.

الحياة مع سلفادور دالي في سيرته الذاتية هي حياة أوروبا العجوز وأمريكا المراهقة, وكلاهما ينفحه بالقصص الطازجة بما يكفي لتقديم رؤية لا تنسى, سواء في صالونات باريس أو شوارع نيويورك أو متاحف إسبانيا. فدالي صديق للوركا, و بونويل, و بيكاسو وهيلينا روبنشتاين و كوكو شانيل. وإن كان لدي من وقفة في هذه السيرة فهو في حديث دالي عن لوركا. المؤرخ الإسباني إيان غيسبن, والذي أمضى سنوات طويلة في البحث عن تاريخ لوركا ومن قتله, يقول بأن السوريالية ليست في دالي, بل في لوركا, وإن كان لدالي بأن يوصف بالسوريالي فذلك بفضل لوركا الذي يجسد السوريالية بكليتها, وهو من بعث هذه السوريالية إلى دالي ومختلف أصدقاءه. لم يقل دالي ذلك صراحة ولا أظن بأنه نطق بها, لأنه يؤمن بأنه هو السوريالية بأكملها. في الفصول الأولى من السيرة الذاتية يأخذنا دالي إلى لوركا عبر رسمه لمشهد. الرمزية بداخل هذا المشهد شفافة ورائعة. يقول دالي: جارثيا لوركا يمثل هيأته, ما زلت أستطيع تذكره وجهه ميتا وفزعاً, وراقداً على سريره محاولاً المرور بمراحل موته البطئ, العفونة من وجهة نظرة تستمر أياماً خمسة, ثم يصف التابوت وكفنه, والمشهد الكامل لغلقه, وتقدم النعش في شوارع غرناطة الورعة. وحين يتأكد بأننا جميعاً قد تملكنا الفزع, ينهض فجأة منفجراً بضحكة بريئة تظهر كل أسنانة البيضاء الرائعة ويرسلنا خارج الباب عدواً بينما يعود لسريره لينام هادئاً في حرية . دالي دون شعور منه اعترف ضمنياً بأن لوركا هو من يستحق بأنه هو السوريالية. لا أعرف كيف كتب دالي سطراً من سيرته الذاتيه يسقط من خلاله كل أفكاره حول نفسه والتي يصفها بأنها هي السوريالية و يحولها إلى لوركا. فهو لا يردد بأنه كشف رمز الموت في لوحاته, وهو أعظم إسباني على الإطلاق, كالفارس النبيل دون كيخوته. ولكن في حديث دالي عن لوحة هاجس الحرب الأهلية أو ماتعرف بالتشكيل الناعم للفاصوليا المسلوقة قال دالي عن موت لوركا : كان لا بد للوركا أن يموت لأنه أعظم إسباني على الإطلاق, ولأنه رمز لكل الموتى .. !

الفراشة زينة
16-03-2011, 05:56 AM
.. للمرة الثانية تحرضني سطورك على إعادة قراءة كتاب .. المرة الأولى حين أعدت قراءة رواية " هوارد فاست ": المواطن توم بين، بعد قراءتك لـ كتاب : في الثورة . والمرة الثانية الآن بعد قراءة ما كتبت عن قصة الليالي البيضاء لدستويفسكي ..
أدركت الآن أي نوعٍ من القراء أنا أما م هذا الروسي العبقري ، يجب أن أقرأ العمل أكثر من مرة ..ففي كل قراءة تتجدد المتعة ، تتسع الرؤية ،أُصدم من بعض حقائق النفس الإنسانية، والتي يعرج إليها دستويفسكي لشرح وتحليل شخوصه بطريقةٍ مبدعةٍ وأمينة للغاية ..
بضع ليالي حورت مسار الشخص الحالم من عالم أحلام اليقظة والعزلة إلى عالمٍ صلب حقيقي ، قاسي ، ولكن لا يخلو من جمال وسعادة حقيقية كتلك التي أنارت حياته حين وجدت ناستنكا _ كما جاء اسمها في الراوية _ حبيبها ، وحين قتلت الوحدة في حياة الشخص الحالم برغبة صادقة لمساعدته وحبٍ صافٍ خالص .. لا منافع وراءه ولا أهداف ، فولدت في حياة الحالم دفقة نور من سعادة أبدية حقيقية تنير له باقي أيامه .
ناستنكا ذاتها لم تدرك أي محبة تولدت بينها وبين هذا الشخص إلا حين تراءى لها خيالُ الحبيب ، فهربت بعد أن ترددت بين حبيبها وهذا الشخص عدة مرات في مشهد حركي وصفي لا يجيد كتابته إلا الروس .. وفي الغد حين قرأ الحالم رسالتها وتحليلاتها وأعذارها أدرك أي حبٍ وقع بينهما كما أدركت هي ذلك ، هو حبٌ روحي يشبه حب الأخوة ، حين يذود الأخ عن أخته ويسعى لمساندتها لا لشيء سوى أنها أخته !
هو كان لديه شكٌ تجاه محبتها له ، ولكن كان لديه أمل أن تعشقه وتنسى حبيبها الشاب ، كان متوجساً خجلاً وهو يحكي حكايته وينظر في عينيها الخائفتين السوداوين . هي كانت تجد فيه الأمان متجرداً ، والحكمة الخالصة ،لذا لم تخجل وهي تحكي له عن علاقتها بجدتها وخوف الجدة عليها مثل طفلة غريرة .بينما خجلت هي حين اكتشف جارها وحبيبها أن ثوبها وثوب الجدة مرتبط بمشبك ، فبكت وانهارت ،وحاولت الفكاك ومراوغة ذلك القيد .
بضع ليالي انهار فيها عالم أحلام بطلنا ، وبدأ التحول بمهل لشخصٍ حقيقي وإن تأكدت نفسه واقتنعت بأن عالم الأحلام أجمل وأجلّ كما قال وهو يحكي الحكاية :
" الحلمُ الجديد معناه سعادة جديدة ! الحلم الجديد جرعة جديدة من السم الذي يميت الواقع ويجعله جثة هامدة فارقتها الحياة . "
" إنني في حقيقة الأمر يا ناستنكا أعتقد إعتقاداً راسخاً جازماً أن عالم الخيال هذا ليس مجرد سراب وأوهام ، ولكن له وجوده الحقيقي ، وهو ليس ناشئاً عن مجرد اختلاق مشاعري وإحساساتي ، وهو ليس مجرد خدعة خدعني بها خيالي وتصوراتي الشخصية ، ولكن له وجود حقيقي بالفعل ، وجود أصلي وليس مجرد انعكاس لنوع آخر من الوجود ، إنه وجود لعالم موجود يعيش حياة مستقلة كعالم مستقل بذاته . "
أحببت التعليق :rolleyes:..
ودفعتني القراءة لكتابته هُنا وإن ترددت قبل ذلك ، لإن مثل هذه السطور لا تجابه ماكَتَبت عن هذا العبقري ..فشكراً لهذه المساحة، وأتلهف جداً لرؤية الفيلم.

يوسف
05-04-2011, 07:13 PM
.. للمرة الثانية تحرضني سطورك على إعادة قراءة كتاب .. المرة الأولى حين أعدت قراءة رواية " هوارد فاست ": المواطن توم بين، بعد قراءتك لـ كتاب : في الثورة . والمرة الثانية الآن بعد قراءة ما كتبت عن قصة الليالي البيضاء لدستويفسكي ..
أدركت الآن أي نوعٍ من القراء أنا أما م هذا الروسي العبقري ، يجب أن أقرأ العمل أكثر من مرة ..ففي كل قراءة تتجدد المتعة ، تتسع الرؤية ،أُصدم من بعض حقائق النفس الإنسانية، والتي يعرج إليها دستويفسكي لشرح وتحليل شخوصه بطريقةٍ مبدعةٍ وأمينة للغاية ..
بضع ليالي حورت مسار الشخص الحالم من عالم أحلام اليقظة والعزلة إلى عالمٍ صلب حقيقي ، قاسي ، ولكن لا يخلو من جمال وسعادة حقيقية كتلك التي أنارت حياته حين وجدت ناستنكا _ كما جاء اسمها في الراوية _ حبيبها ، وحين قتلت الوحدة في حياة الشخص الحالم برغبة صادقة لمساعدته وحبٍ صافٍ خالص .. لا منافع وراءه ولا أهداف ، فولدت في حياة الحالم دفقة نور من سعادة أبدية حقيقية تنير له باقي أيامه .
ناستنكا ذاتها لم تدرك أي محبة تولدت بينها وبين هذا الشخص إلا حين تراءى لها خيالُ الحبيب ، فهربت بعد أن ترددت بين حبيبها وهذا الشخص عدة مرات في مشهد حركي وصفي لا يجيد كتابته إلا الروس .. وفي الغد حين قرأ الحالم رسالتها وتحليلاتها وأعذارها أدرك أي حبٍ وقع بينهما كما أدركت هي ذلك ، هو حبٌ روحي يشبه حب الأخوة ، حين يذود الأخ عن أخته ويسعى لمساندتها لا لشيء سوى أنها أخته !
هو كان لديه شكٌ تجاه محبتها له ، ولكن كان لديه أمل أن تعشقه وتنسى حبيبها الشاب ، كان متوجساً خجلاً وهو يحكي حكايته وينظر في عينيها الخائفتين السوداوين . هي كانت تجد فيه الأمان متجرداً ، والحكمة الخالصة ،لذا لم تخجل وهي تحكي له عن علاقتها بجدتها وخوف الجدة عليها مثل طفلة غريرة .بينما خجلت هي حين اكتشف جارها وحبيبها أن ثوبها وثوب الجدة مرتبط بمشبك ، فبكت وانهارت ،وحاولت الفكاك ومراوغة ذلك القيد .
بضع ليالي انهار فيها عالم أحلام بطلنا ، وبدأ التحول بمهل لشخصٍ حقيقي وإن تأكدت نفسه واقتنعت بأن عالم الأحلام أجمل وأجلّ كما قال وهو يحكي الحكاية :
" الحلمُ الجديد معناه سعادة جديدة ! الحلم الجديد جرعة جديدة من السم الذي يميت الواقع ويجعله جثة هامدة فارقتها الحياة . "
" إنني في حقيقة الأمر يا ناستنكا أعتقد إعتقاداً راسخاً جازماً أن عالم الخيال هذا ليس مجرد سراب وأوهام ، ولكن له وجوده الحقيقي ، وهو ليس ناشئاً عن مجرد اختلاق مشاعري وإحساساتي ، وهو ليس مجرد خدعة خدعني بها خيالي وتصوراتي الشخصية ، ولكن له وجود حقيقي بالفعل ، وجود أصلي وليس مجرد انعكاس لنوع آخر من الوجود ، إنه وجود لعالم موجود يعيش حياة مستقلة كعالم مستقل بذاته . "
أحببت التعليق :rolleyes:..
ودفعتني القراءة لكتابته هُنا وإن ترددت قبل ذلك ، لإن مثل هذه السطور لا تجابه ماكَتَبت عن هذا العبقري ..فشكراً لهذه المساحة، وأتلهف جداً لرؤية الفيلم.



مرحبا بالفراشة.
هناك خاصية أجدها متوفرة في القصص والأعمال الأدبية التي يقرأها القارئ لمرة واحدة, ثم يعيد قراءتها من جديد, هذه الخاصية هي التجديد, من ناحية القارئ ومن ناحية النص. القارئ أصبح يمتلك تقنيات أكثر ويعرف كيف يفكك النص ويعرف مداخله ومخارجه, ومن جهة أخرى هناك النص الذي يحمل مفاتيح مغلقة تظهر بشك مبعثر - ممتع - في المرة الأولى, ثم تبرز بشكل واضح بعد إعادة القراءة, لأن النص, حي, يستطيع الحياة في أي عصر من العصور. وهذا ما يجعل الليالي البيضاء وفي قبوي وقصص تشيخوف تعيش لسنوات طويلة رغم مرور أكثر من قرن على نشرها.
الأعمال السينمائية, إن شاء الله أحصل الروابط وأضيفها هنا - ولن أتأخر بالتأكيد -
جزيل الشكر زينة.

يوسف
05-04-2011, 07:13 PM
يوميات: سيرة ذاتية لجماداتي المتكلمة *


http://img840.imageshack.us/img840/2372/22436173.jpg
هنا صور أكثر/ أوضح + قائمة فهرس بالكتب (http://www.4shared.com/file/V5XPmi06/_online.html?fb_xd_fragment#?=&cb=f1cfd1ff0c9c9e6&relation=parent&transport=fragment&frame=f2f39920fd48314)


أنا قارئ .. إذاً لدي مكتبة.
قانون لم يُكتب, لأنه مترسخ في ذاكرة القارئ. أن أكون عاشق للكتاب ولدي حب للقراءة, من المنطقي أن يكون لدي مكتبة. تعود إليّ الذكرى الأولى قبل سنوات مضت, حين قمت بتأسيس أول مكتبة خاصة بي. هي ليست مكتبة على وجه التحديد, لكنها مكان للحفاظ على الكتب. هذه المكتبة عبارة عن أدراج كبيرة, ضمن أثاث غرفة نوم, بحيث يمكن وضع في هذه الأدراج مقتنيات وأوراق وأشياء صغيرة لا تتجاوز حجم الكتاب. كانت الكتب المتوفرة في أحد هذه الأدراج كتاب رياض الصالحين للنووي, وإحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي، والطب النبوي لإبن القيم وبعض الكتب الصغيرة جداً - دينية على الغالب - وأوراق مصورة وأشياء من هذا القبيل. الغريب أني لم أقرأ إلا كتاب إحياء علوم الدين فقط, ولم أكن قارئاً وقتها, كنت أقرأ صفحة أو صفحتين كل شهر. مع ذلك كنت مهتماً بهذه المكتبة - الدرج - وأخشى عليه. من خلال هذا الدرج الخيالي اكتشفت عادة مرتبطة بي منذ الصغر, سببت لي الكثير من الأزمات: هوس الترتيب. إذا قمت بفتح الدرج, تختلط الأوراق والكتب مع بعضها البعض. أحقد حينها على الدرج بكل ما فيه, فأقوم بإفراغ محتويات كامل الدرج وأعيد ترتيبها من جديد. كان الأمر يتكرر كل مرة: كلما هممت بفتح الدرج اختلط كل شيء, وأقوم بتفريغ كل محتويات الدرج وأعيد ترتيبه. قمت بإضافة درج آخر خاص بروايات من إصدارات دار البحار ( عربي/ انجليزي) وروايات دانيال ستيل وغيرهم. وكان الأمر يتكرر ذاته, هوس الترتيب, باستثناء أمر مهم حدث و تنبهت إليه. أصبحت قارئاً أسعى إلى الكتاب وابحث عنه واحصل عليه. أي أن وجود مكتبة أصبح أمر حتمي و مؤكد. انتهت فترة التظاهر بوجود مكتبة لشخص لا يقرأ وأصبح وجود المكتبة أمراً ضرورياً و حيوياً.

لا أعرف ماذا حل بهذه الأدراج, وبالكتب التي كنت أحرص على ترتيبها متى ما قمت بفتحها. سبب ذلك أني - لا أعرف ماذا اسمي هذه الحالة - تخليت عن غرفة النوم ولم أعد أصعد للطابق الثاني منتصف الليل. قمت باحتلال أحد المجالس في الدور الأرضي وحولته إلى ركن خاص بي, ليس لأحد الحق في دخول هذه الغرفة إلا بإذن خاص مني وبحضوري. كانت هذه الغرفة تضم كل شيء خاص بي. قمت بشراء مكتبة لم أضع فيها أي كتاب لسنة ونصف تقريباً, وكانت كل وسائل التسلية الخاص بي متوفرة: من فيديو وجهاز دي في دي وتلفزيون. قناة الجزيرة كانت صاعدة للتو, لم تكن مشاهدة مثل الوقت الحالي. كنت أُصبح وأُمسي على قناة الجزيرة - لم يكن لدي عمل وقتها إذ قضيت ما يقارب السنة ونصف عاطلاً عن العمل!- تلك الفترة ساهمت بآثار سلبية على عينيّ حيث أصبحت ارتدي النظارات بعد أن كنت أسخر من كل الذين يرتدون نظارات في العائلة. هذه المكتبة الفارغة لأكثر من سنة ونصف لم تضم أي كتاب إلا بعد مرور السنة والنصف - بعد أن تخليت عن البطالة -, فبدأت أحوالي تتغير, تصرفاتي وطريقة معالجتي للأمور وعلاقتي مع الجميع. كنت منعزلاً لفترة طويلة لم أقم حينها بأي علاقة صداقة مع أحد. لا أدري ما السبب ولكن حسبي أنها تجربة خرجت منها بالكثير. بدأت حينها بالقراءة, والحصول على الكتاب. الكتب التي كنت أحصل عليها كنت أقرأها مباشرة دون تأخير. وبدأت بترتيب الكتب في المكتبة الفارغة.

حدث أول تغير قبل خمس سنوات, حين بدأت أقرأ المجلدات والآداب الروسية والآجنبية وغيرها. كانت المكتبة كريمة معي: تضم ما أحصل عليه بكل شوق. بمعنى أصح: كانت المكتبة قوية تتحمل كل الكتب مهما كانت ضخامتها. وكنت بين حين وآخر أمارس عادتي, والتي أدعو الله أن لا يصاب بها أحد لأنها تحولت إلى عادة - أو قد تكون مرض لا أعلم-: هوس الترتيب. فكنت أنثر كل الكتب على الأرض واخترع تصنيف أسير عليه لإيجاد الكتاب متى ما أردت. هذا التصنيف يقوم على قاعدة:

1 - هوية الأدب ( روسي / انجليزي / الخ )
2 - ضخامة أعمال المؤلف ( من له كتب أكثر يحتل الأولوية )

كان الرف الأول في المكتبة مخصص لكل الآداب الروسية, كان يضم دستويفسكي وتولستوي وتشيخوف وغيرهم. لدستويفسكي كان متوفراً أعماله الكاملة ( 18 مجلد ), وتولستوي ( 6 مجلدات ) وتشيخوف ( 4 مجلدات )

كان كل شيئاً طبيعياً وترحب المكتبة بكل الأصدقاء, إلا أن حلت اللعنة قبل ستة أشهر, حين انهارت الرفوف وسقط أحد الرفوف على الرف الأسفل, ولم يجد من ينجده إلا الكتب التي أصبحت دعامة حقيقية للرف بدلاً من معدات التثبيت. استغربت هذا السقوط: ليس له أي مبرر على الإطلاق, وحين بدأت بالبحث عن الأسباب وجدت الكارثة! كان الأدب الروسي يحتل رفاً كاملاً قبل خمس سنوات, ولكن الكتب الموجودة في هذا الرف تحتاج لثلاثة رفوف أخرى حتى تستوعبها!. كان دستويفسكي يحتل مساحة صغيرة, أصبحت كتبه الآن تحتل رفاً كاملاً! تولستوي الذي لم يكن لديه إلا ستة مجلدات أصبح يحتل رفاً كاملاً! الأدب الإنجليزي الذي كان يحتل نصف رف, أصبح محتاجاً لثلاثة أرفف!

تحدثت عن الكتب الأدبية فقط. لم أتحدث عن كل الكتب بما تضمه من مختلف الآفاق والاتجاهات. هذه (http://egla33.googlepages.com/jo1.jpg) هي المكتبة قبل سنتين, كانت جميلة ووادعة. إلا أن هناك سر كبير حدث ولم انتبه له إلا قبل ستة أشهر! من يلاحظ الصورة يجد الرف الأيسر في أعلى المكتبة مختلف عن المقابل له! لم أفكر حينها أن الرف سقط بكل ما فيه وأصبح مستنداً على الكتب ! عندما أردت سحب كتاب البؤساء للإطلاع فقط على أوراق بداخل الكتاب لم أستطع سحبه. استغربت! لم أعرف سبب تمسكه بمكانه .. حين سحبته ظهر لي كل شيء على حقيقته, سقطت كتب الرف الأعلى - يسار الصورة -عليّ بصورة مثيرة للشفقة, وكاد الرف أن يضرب رأسي.

اكتشفت المهمة الموكلة إليّ: يجب تأسيس مكتبة أخرى. هذه المكتبة انتهت, حان وقت دفنها وبناء واحدة أخرى, ولكن كيف؟ بعد شهر سأسافر و سأحصل على كتب أخرى, وقد تكون كثيرة. إذاً سوف أفكر ببناء المكتبة بعد الحصول على كتب. ثم ظهر معرض الرياض وقمت بتأجيل الأمر إلى ما بعد المعرض حتى أعرف عدد الرفوف التي أحتاجها وكيف ستكون. بعد معرض الرياض ظهرت لي الحقيقة بكاملها, والتي كنت اهرب منها: لم تعد مكتبتي تتحمل أي شيء, من أجل ذلك قمت بنثر كل كتب المعرض على الأرض. لم يعد ينفع التأخير, وانتهى وقت التأجيل, وحان وقت بناء المكتبة من جديد.

ومن أجل وضع المكتبة في مكانها يجب أن تفرغ المكتبة من محتوياتها! هنا عادت لي الهواية الجميلة - والمرهقة للنفس والجسد!-: هوس الترتيب. قمت بإفراغ المكتبة بأكملها على الأرض, وقمت بتصنيفها على أمل إعادة ترتيب هذه الكتب في المكتبة القادمة كما رتبتها وصنفتها. مع الاسف, المكان المخصص لترتيب المكتبة هو مجلس النساء. تحت سخط العائلة وغضبهم ( مع الشكر لهم كثيراً ) قمت بنقل الكتب إلى المجلس. لأكثر من ثلاثة أيام أصنف وأرتب بكل سعادة, إلى أن وصلت إلى درجة لم اتحمل تصنيف الكتب وترتيبها, فقمت بقذف كامل محتويات المكتبة المبتقية إلى المجلس دون تصنيف.

سؤال طرحه أحد الأقارب عندما شاهدني أقوم بنقل الكتب إلى المكتبة:
لماذا أخذت كل هذه الكتب؟ هل قرأتها كلها؟

ليس من الضروري أن أنهيها في فترة قصيرة, وإذا توفرت كتب في مكتبتي لا يعني ذلك أن أتوقف عن الشراء. أولاً لأنه هوس, أو سموه ما شئتم, من الصعب أن تربط يد القارئ بحجة توفر كتب في مكتبته. ثانياً: من أجل الفوضى. لدي طريقة أو منهجية - لا تعتبر منهجية بمعنى أصح - وهي الفوضى. ليست فوضى بالمعنى المتعارف عليه, لكنها فوضى أحسبها منظمة ومرتبة. هذه الفوضى قائمة على الإحالات, فالنص الذي بين يدي يحيلني إلى كتاب آخر, وهذا الكتاب الآخر يحيلني إلى كتاب آخر حتى أجد نفسي في الأخير أفتح أبواب لم أفكر بالدخول إليها مسبقاً.

مثال:
الجريمة والعقاب لدستويسفسكي / البؤساء لفيكتور هيجو / الثورة الفرنسية للويس عوض / في الثورة لحنة أرندت / قصة الحضارة لويل ديورانت / مسلسل جون آدامز / اعترافات روسو / الأخوة كارامازوف / الأمريكيون الجوامح / الرجال الذين اخترعوا الدستور.

بدأت برواية هي الجريمة والعقاب. دستويفسكي فتح لي الباب لقراءة البؤساء - وأذكر أني قمت بعرض وسائل التشابه فيما بينهم. هيجو فتح لي الباب لقراءة كتاب الثورة الفرنسية للويس عوض. كتاب لويس عوض فتح الباب لقراءة في الثورة لحنة أرندت. في الثورة فتح لي الباب لقراءة كتاب في العنف لحنة أرندت. كتاب في الثورة وكتاب في العنف فتحا لي الباب لمشاهدة مسلسل جون آدامز. وقراءة اعترافات روسو و رواية الأخوة كارامازوف. مسلسل جون آدامز فتح لي الباب لقراءة موجز التاريخ الأمريكي, والحصول على كتابين: الرجال الذين اخترعوا الدستور, والأمريكيون الجوامح وأصول الدستور.

النتيجة : ثلاث روايات في تاريخ الأدب. كتاب بمثابة مقدمة للثورة الفرنسية. كتاب فلسفي عن الثورة والفرق بين الثورة الأمريكية والفرنسية, وكتاب عن العنف, وكتاب تاريخي مهم عن الحضارات الإنسانية, ومسلسل يحكي قصة أحد آباء الدستور الأمريكي. وكتابين عن الدستور الأمريكي واعترافات روسو. هذه الطريقة تشبه وجود مفتاح سري في كل كتاب. ما إن يتم اكتشافه حتى أجد الباب الآخر وأقوم بفتحه. هذه المنهجية كما يمكن أن يقال عنها- مع أني أفضل بأن أسميها فوضى- فوضوية مريحة للأعصاب ولا تجبرني على قراءة شيء من أجل المسايرة وبعيداً عن الضغوط الإعلامية.

نتيجة هذه الإحالات والمفاتيح السرية هي هذه المكتبة. ظننت سابقاً أن لدي الكثير - بسبب المكتبة السابقة - لكن الآن يبدو أن مكتبتي صغيرة. أنا سعيد بذلك, هذا يعني أن المجال مفتوح للإضافات ولن أخشى أن أضيف كتاب آخر أو سلسلة كتب جديدة.

هناك أمر آخر مثير للحيرة. الرفوف العليا في المكتبة جد مزعجة, بعيدة المنال ولا سبيل للوصول إليها إلا بوسائل مساعدة. حين قمت برفع هذه الصناديق - تحوي كتب دراسية - تذكرت لوحة دودة الكتب للألماني كارل شبيتزوغ. في هذه اللوحة دودة كتب بكل ما تعنيه الكلمة من معنى, يرتقي عالياً ليصل إلى الرفوف العليا من المكتبات, يحمل بيده اليمنى واليسرى أكثر من كتاب. هل من الممكن أن أصل إلى هذه الدرجة, أي أكون دودة كتب حتى أصل إلى الكتاب الذي أريد في أعلى الرف .. هذا الأمر لا أستطيع تخيله!


* العنوان من تدوينة للزميلة هيفاء

..waleed
05-04-2011, 11:12 PM
سؤال طرحه أحد الأقارب عندما شاهدني أقوم بنقل الكتب إلى المكتبة:
لماذا أخذت كل هذه الكتب؟ هل قرأتها كلها؟

ليس من الضروري أن أنهيها في فترة قصيرة, وإذا توفرت كتب في مكتبتي لا يعني ذلك أن أتوقف عن الشراء. أولاً لأنه هوس, أو سموه ما شئتم, من الصعب أن تربط يد القارئ بحجة توفر كتب في مكتبته. هنا تكمن المشكلة يايوسف؛ كثرة الاقتناء . أتفق معك ماذكرته بخصوص بعض الكُتب التي تنقلك لكتبٍ أُخرى, ولكن كُثرة الاقتناء أعتبرها داء لا دواء له. أتذكر جيدًا ردّك في موقع الجسد بخصوص انهيار مكتبتك, ووقوفك عن القراءة لفترةٍ طويلة, والوقت الذي استطعت إيجاده و تخصيصه للقراءة في خضم مشاغلك, لكنك كُنت محتارًا أي الكُتب تقرأ؟!
لا أنكر أنّ كثرة الاقتناء لها إيجابيات: مثلاً عندما ذكرت أنك تكثر من الاقتناء في حال وقوفك عن القراءة- ولمست امتعاضك من هذا الشيء - لكنك ذكرت في نفس الوقت أنك "مبسوط " ؛ لأن كل ماتحتاجه في مكتبتك! وهذا شيء جميل.
لكنها لاتخلو من السلبيات أيضًا. فمثلاً عندما تقع عيناك على آنا كارنين, تشدك البؤساء, ومن البؤساء تشدك الحرب والسلم, ومن الحرب والسلم تشدك الجريمة والعقاب...إلخ. وينتهي وقتك المخصص للقراءة, ولم تنتهِ أنت من تنقلك بين الكتب.
طبعًا أحكي لك, وأنا الذي أبحث عبثًا عن دواء لهذا الداء-كثرة الاقتناء-.

وألف مبروك عليك المكتبة يايوسف, والله يهنيك ياعم.bp039

وبعدين ترى مو بس أنت اللي مصاب بهوس الترتيب .:D

يوسف
28-04-2011, 03:17 AM
في الثورة (http://www.vb.eqla3.com/showthread.php?t=709889)

http://abuwabdallh900.googlepages.com/Arendt.JPG

يوسف
28-04-2011, 03:19 AM
يـوميـات (http://www.vb.eqla3.com/showthread.php?t=717668)


http://lh6.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/TKIBkvfZBiI/AAAAAAAAAQg/I1MGFVuovtI/book1.jpg

يوسف
28-04-2011, 03:20 AM
شِعرية الصورة في سينما كيشلوفيسكي (http://www.vb.eqla3.com/showthread.php?t=763426)

http://lh3.ggpht.com/_9v2YUg_7CDY/TPvWVkDtViI/AAAAAAAAAVY/SyHUxK93TsI/Krzysztof.JPG

يوسف
28-04-2011, 03:22 AM
قلق الوجود في سينما إنجمار برجمان (http://www.vb.eqla3.com/showthread.php?t=857131)

https://lh3.googleusercontent.com/_9v2YUg_7CDY/TYlCOrzLLmI/AAAAAAAAAew/-ihjorqlD5c/The%20Magic%20Lantern.jpg

الليالي البيضاء
30-04-2011, 03:04 AM
لك وحشة ياصديقي :)

أنديرا غاندي
04-05-2011, 08:12 AM
يوميات: سيرة ذاتية لجماداتي المتكلمة *


http://img840.imageshack.us/img840/2372/22436173.jpg
هنا صور أكثر/ أوضح + قائمة فهرس بالكتب (http://www.4shared.com/file/v5xpmi06/_online.html?fb_xd_fragment#?=&cb=f1cfd1ff0c9c9e6&relation=parent&transport=fragment&frame=f2f39920fd48314)


أنا قارئ .. إذاً لدي مكتبة.
قانون لم يُكتب, لأنه مترسخ في ذاكرة القارئ. أن أكون عاشق للكتاب ولدي حب للقراءة, من المنطقي أن يكون لدي مكتبة. تعود إليّ الذكرى الأولى قبل سنوات مضت, حين قمت بتأسيس أول مكتبة خاصة بي. هي ليست مكتبة على وجه التحديد, لكنها مكان للحفاظ على الكتب. هذه المكتبة عبارة عن أدراج كبيرة, ضمن أثاث غرفة نوم, بحيث يمكن وضع في هذه الأدراج مقتنيات وأوراق وأشياء صغيرة لا تتجاوز حجم الكتاب. كانت الكتب المتوفرة في أحد هذه الأدراج كتاب رياض الصالحين للنووي, وإحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي، والطب النبوي لإبن القيم وبعض الكتب الصغيرة جداً - دينية على الغالب - وأوراق مصورة وأشياء من هذا القبيل. الغريب أني لم أقرأ إلا كتاب إحياء علوم الدين فقط, ولم أكن قارئاً وقتها, كنت أقرأ صفحة أو صفحتين كل شهر. مع ذلك كنت مهتماً بهذه المكتبة - الدرج - وأخشى عليه. من خلال هذا الدرج الخيالي اكتشفت عادة مرتبطة بي منذ الصغر, سببت لي الكثير من الأزمات: هوس الترتيب. إذا قمت بفتح الدرج, تختلط الأوراق والكتب مع بعضها البعض. أحقد حينها على الدرج بكل ما فيه, فأقوم بإفراغ محتويات كامل الدرج وأعيد ترتيبها من جديد. كان الأمر يتكرر كل مرة: كلما هممت بفتح الدرج اختلط كل شيء, وأقوم بتفريغ كل محتويات الدرج وأعيد ترتيبه. قمت بإضافة درج آخر خاص بروايات من إصدارات دار البحار ( عربي/ انجليزي) وروايات دانيال ستيل وغيرهم. وكان الأمر يتكرر ذاته, هوس الترتيب, باستثناء أمر مهم حدث و تنبهت إليه. أصبحت قارئاً أسعى إلى الكتاب وابحث عنه واحصل عليه. أي أن وجود مكتبة أصبح أمر حتمي و مؤكد. انتهت فترة التظاهر بوجود مكتبة لشخص لا يقرأ وأصبح وجود المكتبة أمراً ضرورياً و حيوياً.

لا أعرف ماذا حل بهذه الأدراج, وبالكتب التي كنت أحرص على ترتيبها متى ما قمت بفتحها. سبب ذلك أني - لا أعرف ماذا اسمي هذه الحالة - تخليت عن غرفة النوم ولم أعد أصعد للطابق الثاني منتصف الليل. قمت باحتلال أحد المجالس في الدور الأرضي وحولته إلى ركن خاص بي, ليس لأحد الحق في دخول هذه الغرفة إلا بإذن خاص مني وبحضوري. كانت هذه الغرفة تضم كل شيء خاص بي. قمت بشراء مكتبة لم أضع فيها أي كتاب لسنة ونصف تقريباً, وكانت كل وسائل التسلية الخاص بي متوفرة: من فيديو وجهاز دي في دي وتلفزيون. قناة الجزيرة كانت صاعدة للتو, لم تكن مشاهدة مثل الوقت الحالي. كنت أُصبح وأُمسي على قناة الجزيرة - لم يكن لدي عمل وقتها إذ قضيت ما يقارب السنة ونصف عاطلاً عن العمل!- تلك الفترة ساهمت بآثار سلبية على عينيّ حيث أصبحت ارتدي النظارات بعد أن كنت أسخر من كل الذين يرتدون نظارات في العائلة. هذه المكتبة الفارغة لأكثر من سنة ونصف لم تضم أي كتاب إلا بعد مرور السنة والنصف - بعد أن تخليت عن البطالة -, فبدأت أحوالي تتغير, تصرفاتي وطريقة معالجتي للأمور وعلاقتي مع الجميع. كنت منعزلاً لفترة طويلة لم أقم حينها بأي علاقة صداقة مع أحد. لا أدري ما السبب ولكن حسبي أنها تجربة خرجت منها بالكثير. بدأت حينها بالقراءة, والحصول على الكتاب. الكتب التي كنت أحصل عليها كنت أقرأها مباشرة دون تأخير. وبدأت بترتيب الكتب في المكتبة الفارغة.

حدث أول تغير قبل خمس سنوات, حين بدأت أقرأ المجلدات والآداب الروسية والآجنبية وغيرها. كانت المكتبة كريمة معي: تضم ما أحصل عليه بكل شوق. بمعنى أصح: كانت المكتبة قوية تتحمل كل الكتب مهما كانت ضخامتها. وكنت بين حين وآخر أمارس عادتي, والتي أدعو الله أن لا يصاب بها أحد لأنها تحولت إلى عادة - أو قد تكون مرض لا أعلم-: هوس الترتيب. فكنت أنثر كل الكتب على الأرض واخترع تصنيف أسير عليه لإيجاد الكتاب متى ما أردت. هذا التصنيف يقوم على قاعدة:

1 - هوية الأدب ( روسي / انجليزي / الخ )
2 - ضخامة أعمال المؤلف ( من له كتب أكثر يحتل الأولوية )

كان الرف الأول في المكتبة مخصص لكل الآداب الروسية, كان يضم دستويفسكي وتولستوي وتشيخوف وغيرهم. لدستويفسكي كان متوفراً أعماله الكاملة ( 18 مجلد ), وتولستوي ( 6 مجلدات ) وتشيخوف ( 4 مجلدات )

كان كل شيئاً طبيعياً وترحب المكتبة بكل الأصدقاء, إلا أن حلت اللعنة قبل ستة أشهر, حين انهارت الرفوف وسقط أحد الرفوف على الرف الأسفل, ولم يجد من ينجده إلا الكتب التي أصبحت دعامة حقيقية للرف بدلاً من معدات التثبيت. استغربت هذا السقوط: ليس له أي مبرر على الإطلاق, وحين بدأت بالبحث عن الأسباب وجدت الكارثة! كان الأدب الروسي يحتل رفاً كاملاً قبل خمس سنوات, ولكن الكتب الموجودة في هذا الرف تحتاج لثلاثة رفوف أخرى حتى تستوعبها!. كان دستويفسكي يحتل مساحة صغيرة, أصبحت كتبه الآن تحتل رفاً كاملاً! تولستوي الذي لم يكن لديه إلا ستة مجلدات أصبح يحتل رفاً كاملاً! الأدب الإنجليزي الذي كان يحتل نصف رف, أصبح محتاجاً لثلاثة أرفف!

تحدثت عن الكتب الأدبية فقط. لم أتحدث عن كل الكتب بما تضمه من مختلف الآفاق والاتجاهات. هذه (http://egla33.googlepages.com/jo1.jpg) هي المكتبة قبل سنتين, كانت جميلة ووادعة. إلا أن هناك سر كبير حدث ولم انتبه له إلا قبل ستة أشهر! من يلاحظ الصورة يجد الرف الأيسر في أعلى المكتبة مختلف عن المقابل له! لم أفكر حينها أن الرف سقط بكل ما فيه وأصبح مستنداً على الكتب ! عندما أردت سحب كتاب البؤساء للإطلاع فقط على أوراق بداخل الكتاب لم أستطع سحبه. استغربت! لم أعرف سبب تمسكه بمكانه .. حين سحبته ظهر لي كل شيء على حقيقته, سقطت كتب الرف الأعلى - يسار الصورة -عليّ بصورة مثيرة للشفقة, وكاد الرف أن يضرب رأسي.

اكتشفت المهمة الموكلة إليّ: يجب تأسيس مكتبة أخرى. هذه المكتبة انتهت, حان وقت دفنها وبناء واحدة أخرى, ولكن كيف؟ بعد شهر سأسافر و سأحصل على كتب أخرى, وقد تكون كثيرة. إذاً سوف أفكر ببناء المكتبة بعد الحصول على كتب. ثم ظهر معرض الرياض وقمت بتأجيل الأمر إلى ما بعد المعرض حتى أعرف عدد الرفوف التي أحتاجها وكيف ستكون. بعد معرض الرياض ظهرت لي الحقيقة بكاملها, والتي كنت اهرب منها: لم تعد مكتبتي تتحمل أي شيء, من أجل ذلك قمت بنثر كل كتب المعرض على الأرض. لم يعد ينفع التأخير, وانتهى وقت التأجيل, وحان وقت بناء المكتبة من جديد.

ومن أجل وضع المكتبة في مكانها يجب أن تفرغ المكتبة من محتوياتها! هنا عادت لي الهواية الجميلة - والمرهقة للنفس والجسد!-: هوس الترتيب. قمت بإفراغ المكتبة بأكملها على الأرض, وقمت بتصنيفها على أمل إعادة ترتيب هذه الكتب في المكتبة القادمة كما رتبتها وصنفتها. مع الاسف, المكان المخصص لترتيب المكتبة هو مجلس النساء. تحت سخط العائلة وغضبهم ( مع الشكر لهم كثيراً ) قمت بنقل الكتب إلى المجلس. لأكثر من ثلاثة أيام أصنف وأرتب بكل سعادة, إلى أن وصلت إلى درجة لم اتحمل تصنيف الكتب وترتيبها, فقمت بقذف كامل محتويات المكتبة المبتقية إلى المجلس دون تصنيف.

سؤال طرحه أحد الأقارب عندما شاهدني أقوم بنقل الكتب إلى المكتبة:
لماذا أخذت كل هذه الكتب؟ هل قرأتها كلها؟

ليس من الضروري أن أنهيها في فترة قصيرة, وإذا توفرت كتب في مكتبتي لا يعني ذلك أن أتوقف عن الشراء. أولاً لأنه هوس, أو سموه ما شئتم, من الصعب أن تربط يد القارئ بحجة توفر كتب في مكتبته. ثانياً: من أجل الفوضى. لدي طريقة أو منهجية - لا تعتبر منهجية بمعنى أصح - وهي الفوضى. ليست فوضى بالمعنى المتعارف عليه, لكنها فوضى أحسبها منظمة ومرتبة. هذه الفوضى قائمة على الإحالات, فالنص الذي بين يدي يحيلني إلى كتاب آخر, وهذا الكتاب الآخر يحيلني إلى كتاب آخر حتى أجد نفسي في الأخير أفتح أبواب لم أفكر بالدخول إليها مسبقاً.

مثال:
الجريمة والعقاب لدستويسفسكي / البؤساء لفيكتور هيجو / الثورة الفرنسية للويس عوض / في الثورة لحنة أرندت / قصة الحضارة لويل ديورانت / مسلسل جون آدامز / اعترافات روسو / الأخوة كارامازوف / الأمريكيون الجوامح / الرجال الذين اخترعوا الدستور.

بدأت برواية هي الجريمة والعقاب. دستويفسكي فتح لي الباب لقراءة البؤساء - وأذكر أني قمت بعرض وسائل التشابه فيما بينهم. هيجو فتح لي الباب لقراءة كتاب الثورة الفرنسية للويس عوض. كتاب لويس عوض فتح الباب لقراءة في الثورة لحنة أرندت. في الثورة فتح لي الباب لقراءة كتاب في العنف لحنة أرندت. كتاب في الثورة وكتاب في العنف فتحا لي الباب لمشاهدة مسلسل جون آدامز. وقراءة اعترافات روسو و رواية الأخوة كارامازوف. مسلسل جون آدامز فتح لي الباب لقراءة موجز التاريخ الأمريكي, والحصول على كتابين: الرجال الذين اخترعوا الدستور, والأمريكيون الجوامح وأصول الدستور.

النتيجة : ثلاث روايات في تاريخ الأدب. كتاب بمثابة مقدمة للثورة الفرنسية. كتاب فلسفي عن الثورة والفرق بين الثورة الأمريكية والفرنسية, وكتاب عن العنف, وكتاب تاريخي مهم عن الحضارات الإنسانية, ومسلسل يحكي قصة أحد آباء الدستور الأمريكي. وكتابين عن الدستور الأمريكي واعترافات روسو. هذه الطريقة تشبه وجود مفتاح سري في كل كتاب. ما إن يتم اكتشافه حتى أجد الباب الآخر وأقوم بفتحه. هذه المنهجية كما يمكن أن يقال عنها- مع أني أفضل بأن أسميها فوضى- فوضوية مريحة للأعصاب ولا تجبرني على قراءة شيء من أجل المسايرة وبعيداً عن الضغوط الإعلامية.

* العنوان من تدوينة للزميلة هيفاء



ربما أتفهم هذا الهوس وهذه الحالة , لدي مايشبهه بشكل أخف حدة - ربما - عملية بعثرة الكتب هذه وإعادة تنظيمها هوس لذيذ , ليس مرضا إنما أنت تشعر بشيء من الأبوة تجاههم - أعتقد - : ))
" يعني تحب تشوفهم حوليك بين فترة وفترة زي الجلسة العائلية ظهيرة جمعة مثلا هههه
أفعل هذا ليس دائما , لكنني في الترتيب أطمئن لديوي أكثر لم أفلح باختيار تنظيم آخر وأنا - بالأصل -لاأملك مايمكن تسميته مكتبة , هي خزانة واحدة صغيرة من خمسة أرفف شُغلت خلا رف واحد .

بالمناسبة جرب ديوي سهل وسلس ومرن ويخدمك : )

شكرا يوسف للأحاديث الممتعة هذه .

يوسف
04-05-2011, 07:41 PM
استثنائي
الآن انتهت المشكلة ولله الحمد. إذا تطلعت إلى المكتبة استطيع الاختيار بكل سهولة بعكس السابق. ربما الترتيب اسهم في ذلك. أما الاقتناء, فلنكن مدمنين يا صديقي. الإدمان مرحلة يجب أن يمر بها القارئ.:d


الليالي البيضاء
يا هلا والله ومرحبا .. حياك الله أبو مطلق. أنت اللي واحشنا
حفظك الرب يا أكبر قارئ تراث عرفته في حياتي.

انديرا غاندي
لو أعمل مثل ديوي ممكن اسبب أزمة لنفسي. لأني أعرف برجع ارتبها من جديد حسب اختياري
هل هذه أبوة؟ أعتقد كذلك. أعجبني وصفك لها: جلسة عائلية مثل ظهيرة جمعة:D
شكراً غاندي وحياك.

يوسف
05-05-2011, 09:56 PM
المتنبي: رسالة في الطريق إلى ثقافتنا


أن أُمسِك بديوان شِعر, ولشاعر من عظماء الشعر العربي, هذه تجربة تستحق التدوين. العلاقة التي تربطني بالشعر والتراث العربي هي علاقة الانتماء والمسمى. لا توجد رابطة وصلة قرب حقيقية ما بيني وبين التراث, من ناحية الإطلاع والقراءة والبحث. لم أجد نفسي منجذباً للشعر وكتب التراث والمجلدات الضخمة. أنا مدين للزميل الدكتور عدي الحربش بمعرفتي بالمتنبي. وقد يتفاجأ بذلك إذ كيف يكون هو صلة الوصل التي تربطني بالمتنبي رغم أن أبيات المتنبي تسير بين الأفواه كحِكم يستخدمها الصغير والكبير في كافة شئون الحياة العامة والخاصة. اكتشفت المتنبي بعد قراءة قصة سرُ أبي الطيّب للزميل عدي. وهي قصة تحمل عنواناً غريباً بالنسبة لي إذ ماهو السر الذي يحيط بالمتنبي. وهل هناك سر في الأصل أم لا. وما علاقة هذا السر بحياة الشاعر وقصائده. إذا كان هناك سر في حياة أبو الطيب, أعظم شعراء العربية, فهو مرتبط بقصائده. هذا يعني أن القصائد ترجمة لحياة الشاعر المختومة بسر غير معروف. وإذا كان هناك سر في حياة شخصية عجيبة مثل المتنبي, هذا يعني أننا أمام شخصية روائية هي المتنبي: يبث في قصائده أحزانه وعواطفه ونشوة الفرح والإنتصار والثورة والتغرب. السر الذي يحيط بشخص ما يصبح قوة دافعة للحياة, حين يصل إلى نقطة يسعد فيها قد يكتب الشاعر ما يسليه لأنه شعر بذلك الفرح واستولى عليه. وحين يصل إلى نقطة أوصلته إلى طريق مسدود قد يكتب الشاعر قصائد يبث أوجاعه فيها بكل قوة وحرقة. لا يضيع أوقاته في كتابة وإلقاء قصائد من أجل التكسب والربح. بل يطلب المجد والعلى في الوقت الذي يتسابق فيه شعراء ذلك العصر على طلب المال والتكسب من الشعر. في قصة الدكتور عدي يرسم الكاتب شخصية أبو الطيب وهو في السجن, يكتب كل قصائده المتعارف عليها دون أي مناسبة. ليس لها من سياق. كلها خيالات. حين حلقت روح المتنبي وهو في السجن يكتب قصائده دون سياق, وصل خياله إلى رسم خارطة حياة له كما يقول الكاتب: : " ملوكاً عرباً لا يركبُ رقابَها العَجَم، و شرفاً رفيعاً يسيلُ من أجلهِ الدم. تخيّل فارساً عربياً، يجندلُ أسداً بسوطِه، و تخيّل أميراً حلبياً يخرجُ كل شهرٍ للقاء الروم، فيدكّ حصونهم و يجندلُ أبطالَهم. تخيّل أنه يقعُ في غرامِ أخت هذا الأمير الحلبيّ، و تخيّل أنها تموت فيرثيها دونَ أن يبوح، و تخيّل أنّ الوشاة يسعون في تأليب الأمير عليه، ليخرجَ مُغضباً من إيوانه، و لينزحَ بعدَها إلى مصر، أرض الكنانة. تخيّل عبداً زنجياًً يغتصبُ تاجَ الإخشيد، و تخيّل أنهُ يحرمه الولاية فيتشاجرُ معَه، ليهربَ يومَ العيد في مسيرةٍ بطولية قاطعاً مصر و الشآم و العراق. تخيّل أن جدته تمرض، و أنها تكتبُ إليه، و لكن الأعداء يحولون بينَه و بينها، لتموت تاركةً حفيدَها وحيداً بين طغام الخلق. تخيّل النيروز في أرجان، و تخيّل نفسه غريباً في شيراز، يمشي في مماليكه و عبيده تحتَ ورق الشجرِ الورديّ، دون أن يحسّ ببهجةِ الربيع و بأنسِه. تخيّل، و تخيّل، و تخيّل، و ما كان له أن يحيا لو لم يتخيّل."

كل هذه التخيلات هي من صميم حياة أبو الطيب. وكل فترة من هذه الفترات كان هناك مدح ورثاء وحِكم وتغير في الطبيعة البشرية, وتطور في النزعة نحو الرفعة وطلب الثأر, والخفوت والإنهيار في لحظات اليأس والفراق. حاولت قراءة قصائد لأبو الطيب المنشورة هنا وهناك, وصِدقاً: لم أعرف ماذا يريد أبو الطيب أن يقوله. أعرف أن هذا القول قد يسبب غضب محبي التراث والشعر العربي, ولكنها الحقيقة وأعرضها هنا بوضوح. لم أجد شيئاً باستثناء كلمات محكمة الصنعة والبيان, يتفجر منها الفخر وأصبحت حِكم في سائر الأرجاء. أتذكر أني قرأتها همساً وهذا أحد الأسباب في عدم معرفتي بماذا يريد أبو الطيب أن يقوله. دخلت إحدى المكتبات المعنية بكتب التراث وفي ذهني كتاب طه حسين "مع المتنبي" وكتاب "عيون الأخبار" لإبن قتيبة, ولم أجد كتاب طه حسين. وهذه أكبر هدية من الممكن أن اكتشفها في مجال القراءة. وجدت كتاب ابن قتيبة, وفي أسفل الرف لمحت عنوان من الممكن أن يفتح لي باباً في معرفة المتنبي وتقصي أحواله ومحاولة اكشاف سره, وهو كتاب المتنبي: رسالة في الطريق إلى ثقافتنا لمحمود محمد شاكر, أبو فهر, المحقق التراثي المعروف. فتحت الكتاب ووجدت تفصيلات كنت ابحث عنها, وفي الفصول الأخيرة وجدت نقد لكتاب طه حسين مع المتنبي, والذي صدر بعد كتاب محمود شاكر بفترة زمنية تقارب السنتين, ومن هنا فقط بدأت رحلتي مع المتنبي.

هذا الكتاب أضعه تحت تصنيف الكتب المفضلة لدي وعلى الدوام. كتاب لا تمل من قراءته مرة تلو المرة. تُكرر قراءة الفصول لأن هناك صنعة أدبية فذة في صياغة الكتاب وأسلوبه وطريقته. محمود شاكر في كتابه هذا لم ينقل ولم يعتمد على التراجم الشهيرة في بحثه عن المتنبي, بل قام بخلق شخصية ظاهرة للعيان نراها تسير من مدينة إلى مدينة, ومن رحلة إلى أخرى, ومن انقلاب عواطف الشاعر إلى شعور آخر. أظن أني قرأت رواية ولم أقرأ كتاباً يتتبع أخبار أبو الطيب. تم تأليف هذا الكتاب والمؤلف في سن السادسة والعشرين ونُشر في مجلة المقتطف المصرية.

اختط المؤلف خطة لكتابة هذه الصفحات عن أبو الطيب بمناسبة مرور ألف سنة على وفاته. هذه الخطة ذاتية بحتة تقوم على أساس استقصاء حياة أبو الطيب من خلاله قصائده وليس من خلال تراجم الأخبار المتوفرة في كتب التراث. وهذا الاستقصاء قائم على منهج يعتمد عليه محمود شاكر في فترة شبابه وهو منهج التذوق. وهذا التذوق قائم على معرفة حركة الوجدان في شعر أبو الطيب على اختلاف الأحوال والبلدان والناس والذين لقيهم. هذا الاختلاف قد يحمل في طياته صدمات محيرة: مثل الاختلاف الواضح بين صورة أبو الطيب التي تصورها هذه التراجم والأخبار, وبين صورته التي يصورها تذوق شعره مجرداً من تأثير الأخبار التي رُويت عنه. وهنا فقط يظهر الفرق بين تذوق الشعر معتمداً على الأخبار والتراجم, وتذوق الشعر معتمداً على شِعر الشاعر فقط, وما يكون عليه من نفس المتذوق من إدارك لمجمل عصر الشاعر والعصور التي قبله وللرجال الذين عاش بينهم وخالطهم. من الإشارات المهمة حول هذا المنهج أن لا أحد يستطيع الإدعاء بأنه يعرف هذا المنهج ويستطيع استخدامه في ترجمة لأي شاعر أو أي مؤلف. السبب بسيط جداً. يجب أن يكون التذوق تلقائياً ودون رغبة في المكافأة أو التأليف. أمر يخص المتذوق نفسه الذي وجد في هذا الشاعر غايته ومنتهى آماله, فينفق الوقت في تذوق النص وفهم مدلولاته وتتبع أخبار الشاعر عن عشق ووله, ثم تأتي مرحلة أخرى من التذوق الشخصي البحت, وهو ما قد ينتج عنه من تأملات خاصة بالمتذوق تجعله يسلك طريقاً آخر لتقديم هذا الشاعر بطريقة مبتكرة وجديدة للغاية. أي أن الأمر شخصي بحت يتعلق بهوى المتذوق ودرجة تعلقه بالشخصية التي يتذوق فنونها. فلو أحضرنا كاتباً وطلبنا منه الكتابة عن مؤلف باستخدام منهج التذوق سوف يتضح على الفور عدم واقعية هذا التذوق عند الكاتب, لأنه قد يستعين بأراء متعددة, وكل رأي له منهج خاص به. فتختلط هذه الأراء مع بعضها ويصبح الكتاب هجيناً مركباً من عدة أراء وليس به جهد شخصي بحت كمتذوق صرف. أما المتذوق, الذي يكتب عن عشق ووله, قد يأتي مالم يأتي به أي كاتب آخر. ليس لأنه استثناء, بل لأنه وصل إلى حالة من التوحد والمعرفة ما يعطيه الأهلية في نقد ترجمة هنا وإبطال هذه الترجمة وخلق ترجمة جديدة لم يأتي بها أحداً من قبل وهذا ما أراه في كتاب محمود شاكر.

يقول المؤلف أن لا أحد - لا من القدماء ولا من المحدثين - أتى بما نشره في كتاب المتنبي حول نسب المتنبي وعلويته. هذه الفرضية قائمة على تذوق المؤلف شِعر المتنبي حتى بلغ حد القطع بأن أبو الطيب علوي النسب. الأديب الكبير الرافعي تردد في قبول هذه الفرضية وإن كان معجباً بكتاب محمود شاكر. بعد نشر الكتاب بعدة سنوات ظهرت أوراق مصورة من مخطوطة لابن العديم فيها تأكيد على ما جاء في ترجمة ابن عساكر تظهر نسب المتنبي. ومن هنا كما يقول الرافعي في مقالة عن كتاب محمود شاكر:" كان الرجل مطوياً على سر ألقي الغموض فيه من أول تاريخه ( يعني علوية المتنبي ), وهو سر نفسه, وسر شعره, وسر قوته, وبهذا السر كان المتنبي كالملك المغصوب الذي يرى التاج والسيف ينتظران رأسه جميعاً, فهو يتقي السيف بالحذر والتلفف والغموض, ويطلب التاج بالكتمان والحيلة والأمل.

المتنبي في الزمن وفي الشعراء شخصية عجيبة. إذا أخذتها من جهة ظهر لك من جانب آخر, وهو كما قال ابن رشيق: مالئ الدنيا وشاغل الناس. نشأ وهو محب للعلم والمعرفة. جدته التي رثاها ربما تكون هي السبب في ذلك, تستفزه إلى ذلك ليتمم لها ما تؤمل من الفرح في نبوغه ويستطيع أن يدرك لها حظاً ويطلب لنفسه حقاً هُضم ومنع من دونه حتى أُلقي في أسوأ مجهلة وبشر منزلة, في خفاء من النسب وقلة من المال وبعد عن المجد. في صباه كات لو وفرة من الشعر تسيل على أذنية. قال له أحد الفتيان:" ما أحسن هذه الوفرة". فكان جوابه أعجب من صبي:

لا تحسُنُ الوفرة حتى ترى
منشُورة الضفرين يوم القِتال
على فتىً معتقلٍ صعدةً
يعُلها مِن كل وافِي السبال

بُعد في الهمة. لا يعبئ بلذةٍ لا تجدي خيراً ولا تؤتي ثمراً. يرى في نفسه ثائراً على الدوام لا يكل ولا يمل. يشرح المعنى النفسي في شعره فيقول:

يتبع ...

يوسف
05-05-2011, 10:02 PM
سُبحانَ خالِقِ نَفسي كيفَ لذّتُها,
فيما النّفُوسُ تَراهُ غايَةَ الألَمِ.
ألدّهْرُ يَعْجَبُ من حَمْلي نَوَائِبَهُ,
وَصَبرِ نَفْسِي على أحْداثِهِ الحُطُمِ

إن قراءة هذه الأبيات بصوت مسموع, وبمعرفة أحوال أبو الطيب, تبعث في النفس سروراً. سرور لهذه المعرفة وبهذا التفجر البياني للغة من فم شاعر لا يطلب إلا المجد والحرب والثأر لنفسه من الذين اغتصبوا حقه وجعلوه منِ طبقة سحيقة. وبليغ بلاغة إلى حد الدقة في اختيار اللفظ وإيجاز الصورة, حتى بلغ من دقته في وضعه ونفوذه في معرفته واتقانة أنه كان يقول القول في المدح وهو أبلغ الهجاء. من الحوادث المشهورة بحياة المتنبي هي النبوة التي قيل بأنه السبب في تسمية أبو محسد بالمتنبي. وفي سجنه كذلك. هل ادعى أبو الطيب لنفسه النبوة وطلب لنفسة البيعة كما قيل في الروايات التي رواها التنوخي واللاذقي, أم أن سر أبو الطيب وثورته الدائمة في الكشف عن حقيقته هي السبب في ذلك؟ المؤلف يرفض هذه الحادثة كما تنقلها بعض الروايات معتمداً على نقده للنص المتواتر عن نبوة أبو الطيب, وبتذوق شِعر الشاعر. ثم كيف يصح ويعقل أن يبايع أبو الطيب مجموعة من البشر وفيهم من فيهم من أئمة الدين والفقهاء. لا أحد يشك في أن أبو الطيب سجن لأمرٍ ما. هناك كما يقول المؤلف من جعل مسألة النبوة غطاء يسترون به حقيقة ما قام أبو الطيب فقبض عليه. كان أبو الطيب يُكثر من ذكر الأنبياء في قصائده ويردد أسمائهم ويشبه نفسه بهم, ويقيس أخلاق ممدوحيه إلى أخلاقهم. و من ذلك قوله : ما مُقامي بأرض نحلة إلا .. كمُقام المسيح بين اليهودِ. وقوله في نفس القصيدة: أنا في أمةٍ تداركها الله .. غرِيب كصالح في ثمودِ. روى أبي الفتح عثمان ابن جني أن المتنبي قال لقبت بالمتنبي بهذا البيت. ويروي أبو الحسن المعروف بالناشئ أن المتنبي حضر مجلسه سنة 325 بالكوفة وهو بعدُ لم يُعرف ولم يلقب بالمتنبي.

كل قارئ لأشعار أبو الطيب ( هذا الرأي موجه لمن هم مثلي لا يعرفون كتب الشعر والتراث إلا قليلاً, أما محبي الشعر والتراث فإليهم محبة وسلاما ) أقول يجب تتبع أحوال أبو الطيب وأخباره من خلال كتاب محمود شاكر هذا وهو الأفضل كما أظن, أو من خلال أشعار أبو الطيب وهو الأهم إذا كان القارئ مجيداً في العربية إجادة تعينه على تفحص المعنى وتقليب الكلمات والبحث عن أبو الطيب في قصائده. لأن قصائد هذا الشاعر هي حياته كلها. نبوغ المتنبي يتجلى ويتكشف حين أرغمته هماهم نفسه على استيعاب مايُحس به من العواطف المتباعده والمتقاربة. دراسة قلبه ومعرفة ما يحز فيه من الآلام, ثم المعاني التي تتولد من هذه الآلام, أصلاً من الأصول العظيمة في نبوغه, ثم في طبع شعره: "الشِعر لا يكون شعراً إلا حين يروى من معاني القلب ويستسقي منها."

إذا مدح, بدأ بنفسه, وعظمها ومجدها ثم يبدي آراءه في الدنيا ويكشف عن الثورة القائمة في ضميره وقلبه, ثم لا ينفك يهدد ويتوعد وينذر إلى أن حدث الاتصال مع بني حمدان وخاصة سيف الدولة, فأسبغ عليه ما كان يسبغ على نفسه من ثياب المجد: يعلو به إلى غاية السمو في القوة والسلطان والسماحة وعظم المطلب, ولم يذكر نفسه إلا حين يُحرجه الوشاة والساعون بالشر بينه وبينهم. كان هناك فصل من بين كل الفصول هو الأهم بالنسبة لي: حب المتنبي لخولة, أخت سيف الدولة. وما أجمل هذا الفصل من بين كل الفصول, وما أجمل هذه الأشعار وهذه الجمالية في التصوير البليغ لقلب عاشق يفوح ثورة واضطراباً. حين توفت شقيقة سيف الدولة الصغرى رثى أبو الطيب في قصيدة لسيف الدولة هذه الأخت. العجيب الغريب في قصيدة الرثاء هذه ( إن يكن صبر ذي الرزيئة فضلا ) أن أبو الطيب لم يذكر المتوفاة إلا في بيتين فقط. ذكر الأخت الكبرى خولة مقرونة بالأخت في ثلاثة أبيات. والغريب طريقة الرثاء. فهو يطلب من سيف الدولة أن يقيس أخته الصغرى التي ماتت إلى أخته الكبرى التي بقيت له, فإذا فعل كان له ذلك تسلية وتخفيفاً للمصاب, كيف يفكر هذا الشاعر؟ هو يرثي فتاة بتذكير الأخ الأكبر بوجود الأخت الكبرى التي أعمت بصيرته وزجها في قصيدة رثاء ليس لها دخل فيها! ثم حين ماتت الكبرى بعد ذلك بثمان سنوات رثاها أبو محسد, شاعر العربية الأكبر, - وكان يومئذ بالكوفة - بأربعة وأربعين بيتا, منها واحد وثلاثون في ذكر خولة هذه. العاطفة في قصيدة رثاء خولة متفجرة, لا يكتبها إلا شاعر أخذه الحزن والبكاء. محمود شاكر في تتبعه لهذه القصيدة يفضل الكشف عن الانتقال من معنى إلى معنى في شِعر أبو الطيب. عند الكشف عن الانتقال في الأبيات بالإمكان اكتشاف الموضع الذي ينبغي لنا الوقوف عنده وتمييزه والتبصر في أوائله وأواخره, ومن ثم تظهر شخصية المتنبي بأوضح صورة كاشفة أسرار قلبه وحياته ونفسه. القصيدة تبدأ بالبيت الشهير: يا أُخْتَ خَيرِ أخٍ يا بِنْتَ خَيرِ أبِ كِنَايَةً بهِمَا عَنْ أشرَفِ النّسَبِ . الانتقال الأول يحدث في البيت الخامس حين يذكر مصاحبة الموت لسيف الدولة في الحروب : وكم صَحِبْتَ أخَاهَا في مُنَازَلَةٍ وكم سألتَ فلَمْ يَبخَلْ وَلم تَخِبِ .. ثم يحدث الانقلاب بهذا البيت الذي يقول عنه المؤلف متأملاً بأنه البيت الأول الحقيقي في القصيدة:

طَوَى الجَزِيرَةَ حتى جاءَني خَبَرٌ
فَزِعْتُ فيهِ بآمالي إلى الكَذِبِ
حتى إذا لم يَدَعْ لي صِدْقُهُ أمَلاً
شَرِقْتُ بالدّمعِ حتى كادَ يشرَقُ بي

المتنبي يكتب بقلبه. وعند إضطراب النفس يصبح رد الفعل مباشراً, لا منتظراً لأراء أو مواقف. بل الدخول في العمق مباشرة دون تأخير. وفي حالة الرثاء - وهي من هي!- يصبح الأمر مباشراً بذكر تأثير ذلك على نفسه أولاً وكيف أصبح في حالة بين مصدق ومكذب. هذه الأبيات في الانتقال الأول تمثل الحالة النفسية الحية في قلب المتنبي بعد بلوغه خبر وفاة خولة أخت سيف الدولة. حين جاءه الخبر وهو في العراق وصل الخبر إليه دون غيره في العراق إلا ليخبره هو دون غيره. الحب دائماً يخص. سقطت نفس الرجل وغرقت في دمعها حتى شرقت بها. أي حالة هذه تكون لرجل إن لم يكن غير عاشق! لا يكتبها إلا الذي يحب ويهوى. لا يرثي أخت صديقه وأميره, وإنما كلام قلب مفجوع قد تقطعت آماله من الدنيا بموت الحبيب. والأبيات الباقية كفيلة بتبيين علاقة أبو الطيب بخولة. أذكر أني قرأت هذه القصيدة في غرفة مكتبي بصوت عالِ. ولكن أي من أبيات هذه القصيدة لم يستطع أن يسبب لي صدمة تصوير فني بديع مثل قصيدة فراق ومن فارقت غير مذمم.

رَحَلْتُ فكَمْ باكٍ بأجْفانِ شَادِنٍ
عَلَيّ وَكَمْ بَاكٍ بأجْفانِ ضَيْغَمِ
وَمَا رَبّةُ القُرْطِ المَليحِ مَكانُهُ
بأجزَعَ مِنْ رَبّ الحُسَامِ المُصَمِّمِ
فَلَوْ كانَ ما بي مِنْ حَبيبٍ مُقَنَّعٍ
عَذَرْتُ وَلكنْ من حَبيبٍ مُعَمَّمِ
رَمَى وَاتّقى رَميي وَمن دونِ ما اتّقى
هوًى كاسرٌ كفّي وقوْسي وَأسهُمي

قوله رحلت يعني رحلته إلى حلب, ثم ذكر بعده ما كان من جراء هذا الفراق, وأبان عن الذي كان سبباً فيه, وقابل في ذلك بين اثنين: رجل وامرأة. فذكر باكية تبكي على فراقه بعيني غزال, وباكياً يبكي بعيني أسد, وجازعة لفراقه زينتها قُرطها الذي في أذنها, وجازعاً زينته حسام! رحم الله أبو الطيب .. حياته سر, وقصائده تأريخ مسرحي لحياة الشاعر, مهاجراً من بلد إلى بلد, لم يكن الشِعر يسيل بين يديه من أجل الشِعر ذاته, بل من أجل نفسه, وهي التي عملت ما عملت في قصائده.

يتبع ...

يوسف
05-05-2011, 10:06 PM
كنت أتجول في مكتبة عالم الكتب Book World by Kinokuniya في دبي قبل أسبوع. ما أجملها من مكتبة! عالم آخر من الحياة. كأنها قطعة من الجنة. كل العالم مجتمع في تلك الأرفف وتلك الزوايا. كل المجالات موجودة. كلها. أكثر من ثلاث ساعات وأنا اكتشف عوالمها. ويوم عن يوم اكتشف أشياء جديدة. من يعمل في تلك المكتبة سيجد السعادة حين تطئ قدمه أرضية المكتبة, وحين يخرج سيشعر بالتعاسة, لأنه خرج من تلك الجنة الأرضية. دخلت فرع هذه المكتبة في ماليزيا قبل سنوات وكانت رائعة, ولكن الفرع في دبي غير معقول: أضخم من كل الفروع, بل هو مشابه في الحجم لمكتبة waterstones في لندن. حدث نوع من الحوار بيني وبين أحد الكتب. وقفت أمام رفوف خاصة بالشعر الإنجليزي وقرأت العنوان: Bright Star: The Complete Poems and Selected Letters. هو كتاب يضم كامل أعمال الشاعر الإنجليزي جون كيتس ومختارات من رسائله. شاهدت مثل هذا الكتاب كثيراً ولكن هذه المرة الأمر مختلف: غلاف الكتاب كان جذاباً! صورة مقتبسة لحبيبة جون كيتس من فيلم Bright Star الذي يتحدث عن اللحظات الأخيرة في حياة الشاعر, وهي تقرأ رسالة له وسط المروج الخضراء. أمامنا ها هنا شاعر توفي في الربع الأول من القرن التاسع عشر. ترك قصائده في هذه الدنيا. لا يستطيع توجيهها وتقديمها للناس. الأمر متروك للقارئ: متى ما فتح قارئ ديوان شعر لجون كيتس حتى يعود للحياة مرة أخرى.

ولكن ماذا إذا حصل هناك انقطاع بين القارئ والكتاب .. هل يستطيع الشاعر أن يستمر في ذاكرة الناس لسنوات قادمة؟ يجب أن يكون هناك تجديد: هذا التجديد قائم على حياة الشاعر, وعصره, ونتاجه الأدبي, وتأثيره, من خلال تجسيد أعمال فنية له: لوحات تشكيلية, مسرحيات, أفلام سينمائية, أفلام وثائقية. هذا التجديد يفتح باب علاقات جديدة ليس بين القارئ والشاعر فحسب, بل بين مجموعة كاملة من الجمهور الغير قارئ والشاعر, وهذه الطريقة هي من أفضل وأجدى وسائل التجديد الأدبي. مشكلة التراث العربي أنه يحوي كنوزاً هائلة. لكن التجديد فيه كارثي, بل وليس له وجود على أرض الواقع إلا من خلال اجتهادات فردية. الزمن العربي السيء هو السبب في ذلك! أم جمهور محبي التراث هم السبب في ذلك! أترك هذا الأمر لأنها قضية شائكة وكبيرة.

لنتخيل للحظة وجود أعمال سينمائية عن حياة المتنبي, كيف ستكون؟ ليس المهم تجسيد حياة الشاعر بأكملها لأنها مخاطرة ولكن بالإمكان اقتباس أجزاء من حياته التي تشكل ديوان شِعره: هناك المتنبي وسيف الدولة, المتنبي وخولة, المتنبي وسجنه, المتنبي في موطنه الأصلي وقضية النسب, المتنبي ومقتله, المتنبي في كل مدينة من المدن التي زارها, المتنبي والهم العربي, المتنبي والثورة, المتنبي وكيف أصبح أميراً لإمارة دائمة لا تنتهي! أعمال كثيرة لو ظهرت للجمهور لتم إقامة علاقة جديدة بين المتنبي وبين جمهور لا يهتم بالأدب ولا بالشعر. ليس في الأمر انتقاص من قصائد المتنبي, فهو شاعر ومن عظماء الشعر العربي, ولكن ذلك لا يعني خمود المتنبي معرفياً وشعرياً والحجر عليه في زاوية القراءة وسماع قصائده فحسب. ديوان المتنبي هو ديوان حياة, ما إن يكتشفها المرء حتى يتذوقها تذوقاً مختلفاً بعكس التذوق الأول الذي يأتي دون معرفة بسيرة حياة الشاعر.

المؤلف والموسيقي اللبناني الكبير منصور الرحباني يشكل علامة مضيئة في هذا التجديد الذي أتحدث عنه هنا, من خلال مسرحية أبو الطيب. هناك من يظن أن اتساع الرقعة الجغرافية في حياة المتنبي قد تشكل خطراً لعدم تنفيذ عمل مسرحي جميل للمتنبي, ولكن منصور يقدمها هنا بصورة جميلة للغاية. فها هنا نرى المتنبي في حلب, وفي شيراز, ومصر, وفي الكوفة, وفي كل مدينة نرى سلوك الناس وهمومهم وانشغالاتهم من خلال المتنبي الذي يتطلع في صورة سيف الدولة الذي وجد فيه ملاذه الذي يبحث عنه في الأراضي العربية. ثم هاهو المتنبي يبقى في حلب وسيف الدولة يخرج للحرب, يتغزل في خولة التي يراها تاج حكمه الموعود. ثم نرى خولة التي لا نسمع صوتها في التراجم العربية, تصرخ في المتنبي وهي تنشد بصوت كارول سماحة: يا متنبي! (http://www.4shared.com/audio/JNjFnO46/8_-___.html) هواجس تعصف بي, تفتك بي, وإننا نستوطن المحال .. إلا أن المتنبي وهو في غمرة عشقه لخولة, يرسم خارطة طريق لقصائده: خارطة طريق لارتحالاته وثورته الدائمة وقوميته العربية, يبث في ديوان حياته أعنف ما يهز قلبه, يصرخ بكلمات أصبحت حِكم ينطقها الصغير قبل الكبير, ولا نستطيع إلا أن نتغنى وراءه:

لِتَعْلَمَ مِصْرُ وَمَنْ بالعِراقِ
ومَنْ بالعَوَاصِمِ أنّي الفَتى
وَأنّي وَفَيْتُ وَأنّي أبَيْتُ
وَأنّي عَتَوْتُ على مَنْ عَتَا

حلم المدينه
05-05-2011, 11:29 PM
هذه الفوضى

تماماً أعيش فوضى قرائية ولكن بما ان قارئ محترف مثلك يمتهن الفوضى القرائية اعتبرها الان ميزة:d
فعلا الامر ليس مجرد قراءة كتاب وانتهى الكتاب الذي لايحرضني لقراءة كتب اخرى لايترك اثرا عندي
اشكركbp039

راجعه للرد على قراءتك للمتنبي

يوسف
10-05-2011, 03:20 AM
مجد بؤساء هيجو


http://farm3.static.flickr.com/2506/5704700351_550ba10b5b.jpg

أقرأ بين الفينة والأخرى أراء لبعض الروائيين والنقاد حول الأعمال الأدبية. كل واحد له وجهة نظر بالطبع. لا أستطيع فرض وجهة نظر على الآخرين, ولا يستطيع الآخر أن يفرض وجهة نظره عليّ كذلك. كل قارئ لديه دوافع ومكنونات ذاتية تدفعه دفعاً لعمل أدبي معين, مما يجعله في الأخير يقرر أن هذا العمل هو المفضل لديه, وهذا العمل لا يحتل مساحة تقدير كذلك. الأمر كما هو متعارف عليه:"وجهة نظر وأذواق". ولكن .. إذا كانت وجهة النظر مبنية على رؤى غير صحيحة من المهم تبيان ذلك حتى لا تتعزز تلك الرؤية التي تخفض من عمل أدبي, أراه شخصياً أهم عمل أدبي, بل من أكملها وأجملها, وأي قارئ في الأدب يجب أن يقرأ هذا العمل : رواية البؤساء لفيكتور هيجو.

هناك خطأ قد حدث من قبل دور النشر, وخطأ من قبل القارئ.
ما يخص دور النشر وتحديداً في رواية البؤساء: جميعنا يعرف هذه الرواية, ولا أظن أحد لا يعرف جان فالجان والمفتش جافيير والطفلة كوزيت. وحتى مسمى الرواية مرتبط بالطفولة. نتذكر من خلال الإسم تلك القصة الحزينة البائسة لرجل سرق من أجل إطعام نفسه وعائلته, ثم تم زجه بالسجن, ثم خرج وقام برعاية طفلة كانت تعمل خادمة في بيت مخدوميها. إنها قصة المسلسل الكرتوني الذي يعرض لنا هذا البؤس بصورة جميلة للغاية. ومن حالفه الحظ في القراءة, لا بد أنه قرأ رواية البؤساء بنسخة مختصرة للغاية لا تتجاوز المائة صفحة, وإن كان قارئاً بارعاً في فترة الشباب, لا بد أنه قرأ الرواية في خمسمائة الصفحة وهي متوفرة في المكتبات. الخطأ هنا! هل هذه هي رواية البؤساء؟

الجواب وبكل تأكيد: لا.
هذه الإصدارات التي تم إعدادها من قبل دور النشر في صفحات قصيرة لا تتجاوز الخمسمائة صفحة ليس فيها من البؤساء في شيء. وهذه أكبر جريمة حدثت لرواية البؤساء. تم مسخها وتحطيم روحها وهيكلها الفني. لا يوجد من بؤساء فيكتور هيجو في هذه الإصدارات أي شيء. بمعنى: هذه القصة التي قرأناها في الصغر ليست عمل أدبي لفيكتور هيجو. إنها رواية لكاتب آخر, شخص انتحل اسم المؤلف وقام بهذا العمل. يبدو حديثي هذا هجوم على دور النشر. سبب هذا النقد هو عدم تقديم إيضاح في بداية الصفحة أو على الغلاف. توضيح يقول: هذا العمل جزء بسيط من البؤساء الحقيقية. يعرض القصة الظاهرية دون الدخول في العمق الذي أكسب البؤساء شعبية وشهرة. لمن أراد معرفة القصة بظاهرها البسيط, هذه النسخة مناسبة لهم, أما من يريد النسخة الأصلية فيجب قراءة النسخة الكاملة, والتي تناهز عدد صفحاتها الألفين صفحة.

أصل الآن إلى الخطأ الذي وقع فيه القارئ
إذا كان القارئ قد قرأ النسخة الكاملة من العمل, فهو حر إذن في تقديم وجهة نظره سواءً سلباً أو إيجاباً. ولكن, وهنا الخطأ, من غير المقبول, بل هو أمر مرفوض, أن يقوم قارئ لم يقرأ البؤساء بنسختها الكاملة ثم يقول عنها بأنها للأطفال, أو بأنها لفترة الصغر فقط, أو بأنها موضة وانتهت. البؤساء لا تموت! هي حية وحارة وستعيش لعقود وقرون قادمة, لأن ما طرحه المؤلف في هذه الصفحات الهائلة الحجم هي مايعانيه البشر اليوم. إذا كان مجدة دستويفسكي قائم على خوالده الخمس, ومجد تولستوي قائم على الحرب والسلم وآنا كارينينا والاعترافات, وإذا كان مجد ديكنز قائم على مجمل أعماله: ديفيد كوبرفيلد وقصة مدينتين وأوليفير تويست والبيت المنعزل, وإذا كان مجد شكسبير قائم على التراجيديات والكوميديا والقصائد, فإن فيكتور هيجو يرتفع لوحده بعمل واحد فقط: البؤساء. حتى أحدب نوتردام لا تستحق أن تصنف بأنها عمل خالد أو يستحق, لأن المؤلف الذي استطاع أن يكتب البؤساء, يستحق أن يترك الكتابة ويتفرغ لهذا المجد الذي ارتفع ولن يسقط. أحب القراءة لدستويفسكي, وأحب قراءة تولستوي. أحب القراءة لهم جداً. بل إنهم أحد أكثر المفكرين الذين تأثرت بهم, لكن أياً منهم لم يكن مثل فيكتور هيجو. إنه يحكي هذه الرواية كشيخ طاعن في السن يقصها على مجموعة من البشر, فيهم الطفل والشاب والمراهق والعجوز, فيهم الرجل والمرأة. يتكلم بهدوء وبمحبة لهم, فيضحهكم هنا, ويبكيهم هناك, يخرج بهم من القصة إلى الفلسفة, ومن الفلسفة إلى الحب, ومن الحب إلى الإنسان: الإنسان القارئ, والإنسان بطل الرواية.

هل يعرف أحد ماهي البؤساء ؟
إنها رواية الفقير, رواية الغني, رواية الجريمة, رواية التكفير, رواية الذنب, رواية الغضب, رواية العقاب, رواية الإيمان, رواية الإلحاد, رواية الملكية الفرنسية, رواية الجمهورية الفرنسية, رواية الثورة الفرنسية, رواية الدكتاتورية الفرنسية, رواية الحرب, رواية السلام, رواية الجندي في ساحة المعركة, رواية القائد يؤمن بالنصر حتى وهو في أحلك أوقات الهزيمة, رواية الذنب الإنساني, رواية الجحود الإنساني, رواية الدين, رواية الفلسفة, رواية الفلاسفة, رواية فولتير, رواية روسو, رواية مونتسيكيو, رواية الموسوعة, رواية أنوار الشيخ الجليل, رواية المقصلة, رواية الطفل حين يلجأ لصدر أمه, رواية طفلة تعمل خادمة في منزل, رواية طفل يقود جموع في ساحة الثورة, رواية الحرية, رواية "المقابر تأخذ ما يقدم إليها", رواية "عظمة اليأس", رواية معركة واترلو, رواية ضابط المدفعية نابليون, رواية الدوق الحديدي وولنغتون, رواية الإنهيار, رواية البعث من جديد, رواية المجتمع البشري يصرخ في الميدان مطالباً بالحرية, رواية الفكر, رواية الأخلاق, رواية الظلمة العظمى, رواية الفجر الأعظم, رواية البحر, رواية الشعر, رواية النثر, رواية النفس البشرية, رواية النور في الإنسان, رواية الظلام في الإنسان, رواية المنفي, رواية المنفى,
رواية اللانهاية, رواية الله!

أقول شيئاً قد يفتح النار عليّ ولكني واثق من هيجو لأنه يستطيع إظهار ذلك بكل قوة: فيكتور هيجو كان أكثر حداثة من بعض الذي يصنفون أنفسهم بالحداثيين, الذين يختلقون تقنيات معينة لرسم بنية روائية جديدة في القرن العشرين. ويظنون أنفسهم خلقوا عالماً جديداً بذلك! ألم يطلع هؤلاء على فصل حرب واترلو في الرواية, عندما خرج المؤلف من نطاق النص القصصي الروائي وهو يسير في تلك المرتفعات الخضراء الهادئة, ويعيد بناء التاريخ من جديد حول المعركة, ونابليون والدوق الحديدي؟ لقد كان الطرف الفائز في تلك المعركة هي انجلترا والتحالف الذي قاده وولنغتون, لكن هيجو, "الذي يكتب عن الحرب عن طريق السلم", لم يجعله فائزاً أخيراً, بل جعل القائد العسكري الذي قال في لحظة اعدامه :"هرااء" هو البطل. خلق للتاريخ من جديد ورسم صورة حية للمعركة. كان كتّاب التاريخ حين يقومون بسرد معركة واترلو التاريخية يعددون صفات وذكاء نابليون وولنغتون, ولكن أي منهم لم يلمح مافي أعالي واترلو, في السماء, وعبر عنها هيجو بكل غضب: " لقد مر الله فوق واترلو .. حانت كلمة الله لكي تسطع من جديد وتوقف هذا السيل الهادر من الدماء!". وهناك الفصل السابع : "بين هلالين", هذا الفصل لو كتبه كاتب حداثي لقام بنشره في كتاب مستقل بحد ذاته. ولكن هيجو ينشره في كتبه البؤساء, ليس لأنه يرسم صورة مستقبليه لأبطال عمله, بل لأن الإنسان الذي يقرأ هذا الفصل سيشعر بأن هذا الفصل قريب منه, يتحدث عنه ويصف ملامح لرؤى ماضية ومستقبليه. حين يأتي مؤلف أدبي يصف نفسه بالمؤلف الذي يجيد الكتابة عن الروح, من الأفضل له أن يقرأ هذا الفصل حتى يعرف كيف تصبح الرحلة الروحية ممتعة وخلابة.

أتذكر جيداً قراءتي لرواية البؤساء. كنت متزوج. بالأحرى لم يمض على زواجي سوى يومين. حصلت على شهر إجازة من العمل, وزوجتي لم تحصل إلا على خمسة أيام بحكم أنها موظفة جديدة لم تُكمل السنة. كنت أستيقظ باكراً لإيصالها للعمل, ثم أعود للمنزل وافتح كتاب البؤساء. كنت مستعداً استعداداً جيداً. كنت انظر للكتاب وأقول: ما أكبر هذه الرواية! مجلدين ومن القطع الكبير, كيف تستطيع أن تفاجئني يا فيكتور هيجو؟ لقد قرأت الجريمة والعقاب وأصبت بالصدمة والذهول, لدي اكتفاء أدبي هائل, فماذا تستطيع أن تفعل مقابل هذا الروسي النحيل؟ كانت إجابته مزلزلة. قرأت الفصول الأولى ووجدت الرجل يتحدث بعاطفة شِعرية براقة. يفكر كإنسان, ويكتب عن إنسان, وإلى الإنسان. لا يوجد إنسان فوق طبيعي! إنه يتحدث عني وعنك وعن كل الناس. ثم وصلت إلى فصل كنت أظن بأني لن أجده إلا في مؤلفات الروس, ووجدت هيجو قد سبق تولستوي ودستويفسكي في ذلك: أتحدث عن التحليل النفسي. جان فالجان خرج من السجن وهو ملحد حتى أخمص قدميه. سُجن بحكم القانون الذي يحفظ للناس حقوقهم لأكثر من عشرين سنة بسبب قطعة خبز. كيف لهذا الملحد الذي لا يوجد في قلبه وعقله أي ذرة من الإيمان, كيف يرتد بلمح البصر إلى الإيمان بسبب قطعة فلس في الشارع؟ تصور لنا النسخة المختصرة هذا التحول عبر سرقة فالجان لقطع من الذهب من بيت القس الذي استقبله في منزله, ثم القبض عليه واعترافه بأنه هو السارق. هذه الرؤية خاطئة وغبية وليست من بؤساء هيجو. عاد إليه الإيمان بعد أن سرق دون إرادة منه قطعة نقدية من طفل؟ إذا كيف يتحول إلى الإيمان في طرفة عين بسبب هذا القطعة النقدية؟ هذا ما يجيب عنه هيجو بكل براعة. ولكن لننظر هنا. القانون الذي يحمي الناس من السرقة والعنف هو نفسه القانون الذي سجن جان فالجان لسنوات عديدة. كيف يصبح العدل في هذا المسألة؟ القانون حكم بالعدل, وفي نفس الوقت القانون ظالم ومجحف. فماهي روح القانون التي يجب تجسيدها على أرض الواقع؟ أو بمعنى أصح .. ماهو القانون؟ وكيف هو؟ وكيف يتم تطبيقه؟ وأي إلهام يجب أن يحكم هذا القانون ويغطيه؟ .. هيجو كتب كتابه هذا كمعماري, يبني عمارة من طوابق متعددة تحمل كل العواطف والتعبيرات البشرية في أغلب الأزمنة والأماكن.

هذا العمل ليس رواية. سأتفق مع أي أحد يقول ذلك. إنها كتاب ملحمي من الطراز الرفيع, لا يجعلنا نتساءل بقدر ما نحس بالعاطفة الإنسانية في أبهى تجلياتها وجمالها في مواطن البؤس والفقر والتعاسة. أجبت على سؤال لأحد الأصدقاء حول تأثير الأعمال الأدبية عليّ كقارئ. أجبت بصفة عامة ولكني الآن أحدد: بؤساء هيجو هذبتني كثيراً ويكفيني ذلك. هذبت تصرفاتي, ورؤيتي تجاه الآخر الذي اختلف معه في الرأي, والذي اختلف معه في الدين. سُعدت بقراءة هذا الكتاب. أحسب نفسي حين أقرأ البؤساء أسكن في أعالي قمم الأدب, لا يصلني أحد. ويكفي البؤساء أنها فعلت ذلك في نفسي.

النسخة الكاملة من إصدار دار العلم للملايين,
ومن ترجمة شيخ المترجمين, منير البعلبكي رحمه الله.

هنا (http://www.vb.eqla3.com/showthread.php?t=343651) قراءة لغالبية أعمال فيكتور هيجو:
البؤساء - أحدب نوتردام - اليوم الأخير لمحكوم بالإعدام
عمال البحر - رسائل وأحدايث من المنفى - قصائد.

يوسف
17-06-2011, 02:58 AM
مونولوج - حوت يونس



- 1 -
قال الله تعالى في سورة الأنبياء : وذا النُون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سُبحانك إني كنت من الظالمين, فاستجبنا لهُ ونجيناهُ من الغم وكذلك نُنجي المؤمنين.

وقال تعالى في سورة الصافات : وإن يونس لمن المرسلين, إذ أبق إلى الفلك المشحون, فساهم فكان من المدحضين, فالتقمه الحوت وهو مُليم, فلولا أنه كان من المسبحين, للبث في بطنه إلى يوم يبعثون, فنبذناه في العراء وهو سقيم, وأنبتنا عليه شجرة من يقطين, وأرسلناه إلى مائة أو يزيدون, فآمنوا فمتعناهم إلى حين.


- 2 -
أستطيع أن أتذكرَ ما تخيلته يومَها و أن أراه الآن رأيَ العين. أستطيع أن أرى الحوتَ و هو يسبح في أعماق المحيطات، سادراً لاهياً، ثم يلقي اللهُ في روعه أن اقفز فوق صفحة الماء و ابتلع الرجلَ المقذوفَ من السفينة، فيفعل، و ما كان له إلا أن يفعل. يبتلع الحوتُ يونس، ثم يغوصُ في أعماق المحيطات، و يرجع إلى سابق عهده. و لكن هذه المرة يحصلُ شيء مختلف، يبدأ يونسُ بالتسبيح، فيُصاب الحوت بمثل الصعق. لقد استمع إلى تسبيح دواب و حيوانات البحر ردحا طويلاً من الزمن، و لكن ما يسمعه الآن شيء مختلف، ها هنا ندم و إيمان يفيضان و يمتدان على امتداد المحيط. دواب البحر تسبحُ باستمرارٍ و بصوت مطمئن خفيض، و لكن ها هنا عصفٌ و طرق عنيف على أبواب السماوات. يقفل الحوت اتصاله بالخارج، و يركز جميع جوارحه إلى أحشائه، إلى مصدر التسبيح. لقد أصبح يونس بالنسبة إليه قلبَه النابض.

"و فجأة، و بمثل البداهة التي دفعت الحوت أن يبتلع يونس، يلقي الله في روعه أن اقذف يونسَ إلى الساحلِ، فيفعل، و ما كان لهُ إلا أن يفعل. آهٍ كم شعرَ بالفقدِ و الصمت بعد أن لفظ يونس! آهٍ كم شعر بالخواءِ و الموت بعد أن لفظ يونس! يحسُ الحوتُ فقداً هائلاً، يحسُ بقلبه يتوقف، بأحشائه تتمزق، يتعلم التسبيح ليلته تلك، إلا أنّ تسبيحه لن يصلَ وجعَ يونس! يهبطُ الحوتُ إلى قاع المحيطِ علّه يتعزى بتسبيح الدواب إلا أنها لا تصل وجعَ يونس! يصابُ الحوت بما يشبه الحمى، يتمنى قرباً من الله بعد أن سكت قلبه النبوي إلا أنه لا يجد! تخطرُ في ذهن الحوت هذه الخاطرة: 'لا بدّ أنّ الله فوق السماوات' يصعدُ الحوتُ إلى أعلى، و يشقُ عبابَ الماء، و يقفزُ في الهواءِ باتجاه السماء و النجوم و الليل، إلا أنه لا يصل. يحسُ بالفقد يعذّبه و يجلده، فيسبّح، و يغوص إلى القاع طلباً لمزيدٍ من التسبيح، إلا أنه لا يلقى. يعاودُ الحوتُ ديدنه المحموم المرة تلو المرة، تارةً يقفز في الهواء، و تارة يغوص إلى القاع. تارةً يقفز في الهواء، و تارةً يغوص إلى القاع. كل هذا و هو يلهجُ بذكر الرحمن، و يسبح بحمده، و يتمنى قربّه. يختلطُ الوضعُ على الحوت، و ينسى نفسَه، و تتشابهُ عليه النجوم السماوية مع الحصى في قاع المحيط. لقد تحولت لديه صفحة الماء مرايا يتناظر فيها الأعلى مع الأسفل و الأسفل مع الأعلى، فلا يدري أهو يسبح في المحيط و يقفز في الهواء أم يسبحُ في الهواء و يقفز في المحيط! عندها فقط يفهمُ الحوتُ أنّ المكان و الاتجاه ليسا مهمين، أنه لن يقترب مزيداً من الله بقفزه إلى السماء أو بإصغائه إلى دواب البحر، المهم هو أن يسبح بنفسه، أن يسبح باستمرار، أن يحمل فكرة الله دون انقطاع عوضاً عن حمله لنبيه، هذا ما سيقربه إلى الله، و إلى السماء، و إلى الجنة.

- من قصة (http://aljsad.net/showthread.php?t=3711207) اختفاء الحاكم بأمر الله للدكتور عدي الحربش

يوسف
17-06-2011, 03:29 AM
الفراشة زينة
أعتذر جداً عن التأخر. هذا (http://www.4shared.com/file/F7AAEqm-/Zorba_the_Greek.html) هو الرابط ( زوربا والليالي البيضاء )


حلم المدينة

فعلا الامر ليس مجرد قراءة كتاب وانتهى الكتاب الذي لايحرضني لقراءة كتب اخرى لايترك اثرا عندي

ولكن الأمر يصبح متعباً خصوصاً إذا ألزمت نفسك بقراءة هذه الكتب المتداعية أمامك. قبل أمس انهيت الأخوة كارامازوف. بعد القراءة مباشرة قمت بقراءة ثلاثة كتب تخص الرواية, وكتاب رسائل وكتاب مذكرات. ممتع بلا شك ولكن متعب.


من التقييم:
استوقفتني الايه هل هو نسخها نسخاً من المصحف او كتبها كما كتبتها انت لأن فيها اخطأ و هذا كلام ربي تعالى الله عز وجل و المعذره

إذا تقصدين أبيات بورخيس فهي ليست نص قرآني. بل قصيدة مترجمة للعربية. إذا كان هناك من توضيح أتمنى أن توافيني به. والنص القرآني كان له تأثير في الآداب العالمية. هذا (http://www.vb.eqla3.com/showthread.php?t=646638) الموضوع قد يفيدك. مع التحية والتقدير.

تحالف
19-06-2011, 04:32 PM
لاأرى سوى ثقافة وابداع وتجلي واضحٌ للأدب في هذه الصفحات الضخمة ذوات المعيار الثقيل جداً
pb094pb094pb094

متابعة بكل مااملك من مشاعر وأحاسيس وقدرات عقلية وذهنية وفكرية وروحية pb189pb189

لك كل التحية فأنت السبب في التحاقي بهذا المنتدى الرائع bp039

يوسف
21-06-2011, 04:52 AM
هاتشيكو

http://www.google.com.sa/url?source=imgres&ct=tbn&q=http://planet.naga.ph/wp-content/uploads/HLIC/fed4ba757c6c160620b6d4d8b86a75db.jpg&sa=X&ei=6ub_TZuiPIup8APG7JC3DQ&ved=0CAUQ8wc4gQE&usg=AFQjCNHBYAZM1vNKvzedRn6q8a8pmvdB2w

إرنست ثومسون سيتون. لم أقرأ لهذا المؤلف من قبل, وإن كان أكثر الأشخاص احفتظ بذكريات جميلة منه, وتحديداً من السلسلة التلفزيونية الكرتونية مخلص صديق الحيوان. قبل أربع سنوات تحدثت عن إحدى الحلقات الجميلة لهذا المسلسل هنا (http://www.vb.eqla3.com/showthread.php?t=351043), وهي قصة الحصان الأسود الذي قرر أن يعيد الحرية لروحه بعد أن اُنتزعت منه حريته الجسدية, حين قرر أن يركض بكل قوة على قمة أحد الجبال وهو مكبل, ثم سقط في حفرة عميقة لا قاع لها فكتب بدماء جسده قرار حريته. فإن كان لا يستطيع أن يعيش حراً طليقاً كما قدر له الله ذلك, الأفضل له أن يكتب حريته بدماءه وتحقق له ذلك.

أتذكر حلقة أخرى لحيوان آخر تحمل قضية أخرى. وهي قصة الكلب الوفي. صياد من أمريكا الشمالية خرج للبرية برفقة كلبه الصغير وحصانه. أقام مخيماً لبضعة أيام ثم زاره أصدقاء له, فقرروا القيام بجولة تقارب الثلاثة أيام في منطقة مجاورة. لكن هذا الصياد حين خرج مع رفاقه تطلع إلى كلبه الصغير بشدة, وطلب منه حماية الخيمة من الأعداء, وأمره بعدم الدخول إليها أو الاقتراب منها. ومن هنا تبدأ القصة. ذهب الصياد للصيد ولم يترك لكلبه الصغير أي وجبة غذائية. والخيمة ممتلئة بما لذ وطاب. هل ينتهك هذا الكلب الصغير أوامر سيده ويأخذ ما يكفيه, أم يتلزم بالأوامر الملقاة على عاتقه مهما كلف الأمر؟ نرى هذا الكلب لا يتزحزح من مكانه. ثم في ظلمة الليل يأتي حيوان آخر - ذئب ربما أو ثعلب - يريد الدخول للخيمة, لكن ها هنا الكلب الصغير الذي تلقى أوامر من سيده, لا يستطيع أن يسمح لهذا الحيوان أن يمر إلا على جثته. ها هنا جدلية مثيرة للغاية. إن كان الطرف الآخر - الصياد - لم يقم بالتزاماته تجاه حيوانه - الكلب الصغير - فكيف يضحي الكلب بحياته في سبيل إنسان لم يقم بواجباته لا كما تفرضها الحقوق الطبيعية, بل والدينية كذلك. يستمر غياب الصياد لثلاثة أيام, ثم يتذكر أن كلبه الصغير لم يترك له أي وجبة غذائية. فيعود بأقصى سرعة ليجد المفارقة الغريبة في نظر الإنسان, والطبيعية في نظر الكلب: فهو لم يقتحم خيمة سيده, ولم يتجرأ ليمد يده على الأغذية المكومة بداخل الخيمة, بل وقف أمام الخيمة كحارس كُلف بمهمة الموت دونها. والأكثر من ذلك: كان يدافع عن خيمة سيده لثلاثة أيام متتالية!

شاهدت هذه الحلقة قبل أيام تحت تأثير الفيلم الذي شاهدته قبل أسبوع Hachi: A Dog's Tale هاتشي: قصة كلب. وإن كانت قصة هذا الفيلم حقيقية هذه المرة, وحدثت في اليابان في الربع الأول من القرن العشرين. والكلب في هذا الفيلم - هاتشيكو أو هاتشي - قام بفعلته تلك حتى النهاية.

تبنى البروفسور الياباني ايزابورا اونو هذا الكلب وعاش معه أوقات أشبه ما تكون بالسعيدة والمطلقة الجمال. كان أونو عنما يذهب إلى محطة القطار يأخذ معاه كلبه الوفي هاتشيكو. تبدأ أولى علامات التعلق بهذا الرجل عبر الوقت الذي كان فيه هاتشيكو ينتظر صاحبه البروفسور في محطة القطار ليعود معه إلى المنزل. يقف أمام بوابة المحطة, يتطلع إلى هذا الرجل وهذه المرأة الغريبة عنه, ثم يطل أونو فيقفز من مكانه سعيداً, واثباً على صاحبه غامراً إياه بالقبلات, ثم يعودون سوية إلى المنزل ويتكرر هذا الأمر لسنتين إلى أن يحدث اليوم الذي غيّر كل شيء في حياة الكلب هاتشيكو. يذهب الكلب هاتشيكو مع صاحبه أونو ويودعه في محطة القطار. بعد عدة ساعات كان الكلب ينتظر إطلالة صاحبه في الوقت المحدد حتى يعودوا إلى المزل سوية. ولكن أونو, البروفسور الياباني, لن يعود مرة أخرى ولن يطل من بوابة المحطة ليجد أمامه كلبه الوفي. حدثت له أزمة قلبية فارق على اثرها الحياة, والكلب, هاتشيكو, لا يزال ينتظر صاحبه يطل عليه ليذهب معه إلى المنزل .. كم سيطول انتظار الكلب عند بوابة المحطة؟ يوم؟ يومين؟ شهر؟ شهرين؟ لا .. أكثر من ذلك بكثير. أكثر من عشر سنوات كان الكلب ينتظر إطلالة صاحبه من بوابة المحطة, حتى أصبح هذا الكلب وجهاً مألوفاً في هذه المحطة.

تم تجسيد الفيلم بنسخة يابانية ونسخة أمريكية من تمثيل ريتشارد جير عام 2009م. الشخصية ها هنا ليست بشرية نفهم تصرفاتها وعواطفها, بل هو من مخلوقات الله التي ليس بالإمكان إيجاد بيننا وبينهم وسيلة تخاطب مباشرة ومفهومة. العلاقة تقوم على أساس الفعل لا الحديث عن الفعل كما يفعل البشر. هاتشي في الفيلم بعد فقد صاحبه لا يفقد إيمانه بعودة صاحبه رغم اليقين الذي من الممكن أنه حدث في عقله بأن صديقه لن يعود. لكن إصراره تخطى الحد المعقول من الوفاء. بصراحة لا أجد كلمة وفاء مناسبة لحالة هاتشي في الفيلم أو في الواقع. فهو لا يؤمن بالفقد ولا بالموت, لا يجيد البكاء على الأطلال, بل يفضل القيام بما قام به في سنوات مضت في انتظار معجزة الإطالة السحرية التي لن تحدث.

زوار المحطة انتبهوا لهذا الكلب الذي ينتظر لصاحبه حتى أصبح مثالاً للوفاء والاحترام. فأصبحوا يلقون عليه التحية ويقدمون له الأكل ويصورون معه. فها هو كلب, يقوم بالتضحية بحريته وحياته في سبيل إيمانه بقضية أصبحت حياته معلقة بها, ولن تكون جميلة إلا بها. رغم أن الوفاء غريزة بالنفس البشرية والحيوانية إلا أنها عند هاتشي تحولت إلى جماليات لا تستقيم حياته إلا بوجودها. هاتشي لم يكن وفياً لصاحبه فحسب, بل حول هذا الوفاء إلى قضية رئيسية وغاية حياته, بل ووجوده في حد ذاته. اكتشف النقص الذي حلّ على حياته, فكتب على الرصيف المقابل لبوابة المحطة أن: صديقي في أي دقيقة سيعود. لن يفرقني الموت عنه مهما كان, من أجل ذلك سأنتظره يوم, ويومين, وشهر, وسنة, وعقد من الزمن إلى أن تحدث معجزة يظهر من خلاله صاحبي, أو ارحل معه إلى حيث ذهب, وهذا ما كان.

* الفيلم يصلح للمشاهدة العائلية.

يوسف
29-06-2011, 02:00 PM
الأخوة كارامازوف

https://lh3.googleusercontent.com/-3QAsjBs_cTk/TgcboiZxgZI/AAAAAAAAAgo/FRumhHj8ggY/Dosto.jpg

لكل كاتب روائي فترة زمنية محددة يصل من خلالها إلى قمة نتاج مجده الأدبي, ثم يقل هذا النتاج درجة فدرجة. هذا الانخفاض في النتاج الأدبي أمر طبيعي. فالكاتب تتغير أفكاره ورؤيته بعد توالي السنين وتحقيق المجد الأدبي. على سبيل المثال, نشر الروائي الفرنسي فيكتور هيجو أحدب نوتردام, ثم حلق عالياً بروايته البؤساء التي كتبت له الخلد في الأدب. حدث انخفاض في الناتج الأدبي ما بعد البؤساء: رواية ثلاثة وتسعون, والرجل الذي يضحك. رغم أن هذه الأعمال ليست بالصغيرة وتستحق القراءة لكنها لا تصل إلى البؤساء, أشهر وأجمل أعمال فيكتور هيجو. مثال آخر: الكونت ليو تولستوي. في بداية مشواره الأدبي نشر بعض القصص القصيرة, ثم هز الوسط الأدبي الروسي بعمله الكبير الحرب والسلم. لم يتوقف عند هذا العمل, بل ارتفع مرة أخرى ليقدم للتراث الأدبي الإنساني رائعة أخرى هي آنا كارينينا. ثم بعد ذلك حدث الانخفاض في مستوى النتاج. رغم أن أعماله الأخيرة ذات شهرة وتأثير مثل موت إيفان إيليتش والسيد والخادم والبعث. الانخفاض في المستوى لا يعني التقليل من شأن هذه الأعمال, ولا يعني أن الأعمال الأخيرة ذات مستوى ضعيف أو لا تستحق القراءة. بل هي قوية وجميلة وتمتلك حضوراً قوياً, لكنها أبداً لن تصل إلى الروح التي غلفت الأعمال الكبيرة, والتي أصبحت تراثاً إنسانياً وكلاسيكيات خالدة. هيجو وتولستوي وصلا إلى العظمة الأدبية قبل رحيلهم عن الدنيا بسنوات. وكانوا يتمتعون بمستوى معيشي مرتفع للغاية يكفل لهم حياة كريمة وتفرغ للأدب. ولكن ها هنا مثال نادر وحقيقي و مؤثر. ها هنا كاتب روائي لم يحدث أن انخفض لديه النتاج الأدبي, بل ارتفع وارتفع. وحين قال ما يظنه البعض بكلمته الكبيرة, والنص الأخير: كان يدور في ذهنه أفكار أخرى: شخصيات وأفكار وقصص وفلسفات تدور ثائرة في عقله. أتحدث هنا عن الروائي الروسي وعبقري الرواية الكلاسيكية فيدور ميخائيلوفيتش دوستويفسكي. في سنوات النصر أو العظمة كما يصفها جوزيف فرانك, نشر دوستويفسكي الجريمة والعقاب, ثم أتبعها بالأبله, فالشياطين, والمراهق. إلى أن وصل إلى عمله الأخير : الأخوة كارامازوف. عند نشره لهذه الخوالد كانت الذروة الأدبية تتصاعد لديه بصورة مدهشة وعبقرية للغاية. فها هو الكاتب الإستثنائي الذي لا يعرف الوقوف صاعداً إلى قمة مجد الأدب, بعد نشر عمله الأخير يعلن أن في ذهنه أربعة أعمال جاهزة للطرح, لكنها تحتاج عشرين سنة من أجل البحث والكتابة.

هل دوستويفسكي عظيم في الأدب؟
كتب الشاعر الألماني غوته يوماً أن محاولة الوصول للغاية والهدف, يحقق لك العظمة. دوستويفسكي عظيم لأنه لم يصل إلى غايته, ولم يحقق هدفه كما يقول الناقد والروائي الروسي – الفرنسي هنري ترويا. لنحاول تذكر فقط النقد الذي تلقاه دوستويفسكي عند نشر خوالده الأربع قبل الأخوة كارامازوف والحالة المعيشية والإنسانية التي كان المؤلف يقع تحتها.

كان يكتب والسيف على رقبته. تخفت نوبات الصرع, ثم تكشر عن أنيابها فتوقعه فريسة حالة مزرية من المرض. الديون تحاصره من كل جانب. المهر الذي أعطاه لزوجته قامر به وخسره كله. الدائنون يتلهفون لرؤيته حتى يقوموا بعمليات ابتزاز. عائلة أخيه تريد أموال. يسافر خارج الوطن لسنوات ثم يعود ليكتشف أنه مراقب من قبل أجهزة الدولة. يتوفى طفله الصغير عن ثلاث سنوات ونصف نتيجة مرض أورثه إياه -مرض الصرع-. ثم هو يكتب بحرارة, في غرف قاتمة كئيبة, يكتب عن شخصيات مريضة ومختلة عقلياً: يكتب عن القتلة والمصابين بأمراض عقلية وعصبية وجسدية, شخصيات تعرضت للانتهاك تبحث عن الخلاص: يناقشون في الشوارع والأقبية والسراديب عن القانون والإيمان والحرية والسياسة والأخلاق ووجود الله. ثم ينشر هذه الأعمال في الصحف الروسية, فيتلقفها النقد الأدبي بهجوم لاذع: يقول أحدهم : أعطونا شيء يستحق من هذه الأعمال! كل ما فيها مرض وانحطاط وبيئة سوداء قاتمة, وشخصيات أقرب للجنون. ألا يوجد أفراد عاقلين في هذا الكون!. ويقول أحد الروائيين حين يقرأ فصل الاعترافات في الشياطين: هذه أمراض عصبية يكتبها شخص خجول مختل عقلياً. ويقول أحد الشعراء حين قرأ فصل الانتحار في المراهق: هذا الفصل آية من الإعجاز الفني, لكن الرواية بأكملها فوضى مدمرة!. هكذا كانت تقابل الخوالد الأربع حين نشرها من قبل النقاد الروس. هذه الأعمال العبقرية حين نشرها لم يتم وصف المؤلف حينها بالعبقري, ولكن حين نشر كتابه الأخير, الأخوة كارامازوف. تغير كل شيء .. كل شيء!

الكتابة هي الملاذ الوحيد لهذا الروسي النحيل الخجول. عندما يلاقي الدائنين يتربصون به خارج المنزل كان يقتلهم في أعماله. عندما تظهر ظاهرة جديدة في المجتمع, وعندما يخسر في صالات القمار, وحين يتمدد على الأرض بعد الانتهاء من نوبة صرع, كان يلقي بكل هذه الأزمات في أوراقه: في قصص وروايات ومقالات وتحقيقات صحفية. حين نشر عمله الرابع المراهق حدث نوع من الإطمئنان الإجتماعي والطبي والديني لديه. تخلص من القمار بشكل كامل. تخلص من الدائنين الذين كانوا يطاردونه في منتصف شبابه إلى ما قبل وفاته بسنوات قليلة. نوبات الصرع بدأت تخفت وتختفي. أصبح مهيئاً تمام للكتابة دون وجود السيف الذي سيقتص من رأسه.

قبل أن يرحل إلى الله .. كان على دوستويفسكي واجب أدبي يجب أن يقوم بتنفيذه. كان يجب عليه أن يقول كلمته الأخيرة, كلمة أخيرة تلقي بكل هذه الأزمات إلى الأبد في طي النسيان. ولكن هذه المرة .. بكل قوة, بكل حرارة وتدفق. هناك من سيقول ماهي فائدة تتبع حياة الكاتب إذا كان العمل الأدبي هو المهم والأهم. هذا صحيح إذا كانت حياة صاحب الأثر طبيعية وعادية. لكنها في مثل هذه الظروف الغير طبيعية والغير مشجعة للإبداع, من المهم فحص حالة صاحب والأثر والأثر نفسه لأنهما مكملين لبعض, وكل واحد منهم يفتح مجال للآخر. الأثر – العمل الأدبي – هي بوابة صاحب الأثر – دوستويفسكي – للحرية. لم يكن عاشقاً للكتابة بقدر ما كان يجد حريته وانطلاقته نحو الآفاق الرحبة, صوب أغوار النفس البشرية العصية على الفهم. وهذا ما تحقق للكاتب. بعد نشر الأخوة كارامازوف أصبح الكاتب عبقري الرواية الروسية, بل أصبح منافساً ونداً للكاتب الأشهر تولستوي.

يتبع ..

يوسف
29-06-2011, 02:01 PM
ماهي روايات دوستويفسكي ؟ ولماذا نقرأ لدوستويفسكي؟
روايات دوستويفسكي لاتعتمد على الحدث بشكل رئيسي و مؤثر, رغم أنها تسير على سطح الأحداث – الجريمة وتوابعها-. ولكن الجريمة هنا تكون نتيجة لمسببات فكرية. الفكرة تحتل المساحة الرئيسية في هذه الأعمال. وهناك فكرة واحدة كانت تظهر بشكل بارز أو قد تكون متوارية تحت أفكار أخرى, وهي فكرة الله ووجود الله, ومسألة الخير والشر. في الجريمة والعقاب كانت هذه الفكرة تبرز تحت نيران الأفكار الأخلاقية حول الجريمة والقتل, وفي الأبلة ظهرت بارتباط الفكرة الجمالية, وكيف يمكن أن يعيش إنسان مطلق الجمال في بيئة إنسانية طبيعية. في الشياطين ظهرت بارتباطها حول فكرة الدولة ومشروعية الثورة, وفي المراهق كانت في بيئة إجتماعية فوضوية لإبن غير شرعي. كان هناك سؤال واحد يظهر في هذه الأعمال : هل أنت مؤمن؟ هل تؤمن بالله؟ هل الله موجود؟ .. كنت على يقين بأن هذه الأعمال الأربعة أفرغ فيها دوستويفسكي كل ما يدور بذهنه حول فكرة الله ووجود الله. وتبين لي بعد قراءة الأخوة كارامازوف أن هذه الأعمال ماهي إلا مقدمات بسيطة. مقدمات بسيطة لما سيتحقق في الأخوة كارامازوف, حين نثر المؤلف كل ما يختلج في عقله حول فكرة الله التي عذبته طوال حياته: " هذه المشكلة التي عذبتني لا شعورياً, وشعورياً, وعن وعي طوال حياتي. لقد تصورت وسأبداً قريباً كتابة هذه الرواية, يكون فيها الكثير من الشخصيات والكثير من الأطفال."

هناك تعددية ضخمة وثرية في المواقف الآيديولوجية في نصوص دوستويفسكي. هذه التعددية قد تدمر النص نظراً لضخامة الأراء وما تحمله كل فكرة. لكنها هنا متعادلة النفوذ بحيث لا يمكن أن يلغي المفكر الأول – الشخصية الروائية الأولى – في الرواية المفكر الثاني – الشخصية الروائية الثانية – الذي يختلف معه جملة وتفصيلاً. هذه هي البراعة: أن تكون المادة متجانسة بشكل كامل بحيث أن أي إزالة لأي مفكر/ شخصية في النص هو إزالة لكل بنيان النص الروائي. ولذلك: المجموع العام لقراء دوستويفسكي لا يمكن أن يظهر بينهم اتفاق عام لتفضيل هذه الشخصية من المفكرين أو تلك الشخصية. بل حتى قد يظهر قارئ يجد أفكاره متوافقة مع أحد الاطراف, ثم هو في ذات الوقت لا يخفي إعجابه بنقيضه. التيار الواقعي قد يأخذه الإعجاب في تصوير الأشغال الشاقة وشوارع وساحات بطرسبورغ. والمتدينون كما يصفهم أوتو كاوس يجدوا ما يدعم أرواحهم في ذلك الكفاح من أجل الإيمان. والمتصوفين ينجذبون لتلك الشخصيات الملائكية أمثال أليوشا والأمير الأبله. تنافرات حادة يظهر من خلالها القوة والصحة, والتشاؤم الشديد والإيمان الهائل للتكفير عن الخطايا والذنوب, وتعطش إلى الحياة وتعطش إلى الموت. الحياة بأكملها تم تجسيدها بشكل بارز, مفعمة بقوى ونوايا تبدو وكأنها مفصولة عن بعضها البعض بمسافات سحيقة. ما أصدق ما قاله هنري ترويا!, يقول: لا نشعر في الوهلة الأولى بأن هناك أي شيء مشترك بيننا وبين أولئك الذين يصفهم دوستويفسكي من المشردين والفوضويين والسكارى والمدمنين, وأشباه القديسين, وقتلة آبائهم والمصابين بالهستريا. لم نلتق بهم يوما في هذه الحياة. وسلوكنا المعتاد يختلف عن سلوكهم اختلافا كاملا. ومع ذلك فنحن نشعر بأنهم معروفون لنا, مألوفون عندنا على نحو سري عجيب. نفهمهم ونحبهم. بل أننا نتعرف على أنفسنا فيهم. كيف يمكن تحليل هذا التجاوب وهذا التعاطف معهم, ماداموا هم أشخاص مرضى, ومادمنا نحن أفراد أسوياء من حيث المبدأ؟ الحقيقة أن مجانين دوستويفسكي ليسوا مجانين إلى الحد الذي نتوهمه أول وهلة. كل ما هنالك أنهم ما لا نجرؤ أن نكونه! انهم يعملون ويقولون ما لا نجرؤ أن نعمله أو نقوله! انهم يظهرون إلى النور ما نكبته نحن في ظلمات اللاشعور. انهم نحن, إذا لوحظنا ورصدنا من الداخل. هذه الطريقة في التقاط المناظر, وهي أقرب ما تكون لعمل الجراح, تتناول ماهو مخبئ في أبعد الأغوار في أعماقنا .. انه يصور عالمنا الداخلي المختفي, أما العالم الخارجي فيبقى غامضاً كأنه حلم. انهم ليسوا بمرضى, أجسامهم ليست إلا فكراً, وكل من أدرك ذلك فسوف يقرأ دوستويفسكي ناسياً ما يتصف به أبطاله من طابع المرض, فلا يرى فيهم إلا الصراع الروحي الذي يمثلونه بلا أجساد. لم يصل دوستويفسكي إلى تلك الصور الرائعة إلا لأنه كان هو نفسه يعاني بعض الاختلال. كانت نوبات الصرع تلقيه -باعترافه هو نفسه-, إلى ملذات رهيبة. كان وهو في ذروة هذا التوتر العصبي, يعاين الموت حياً, ويتصل بالوجه الآخر من هذا العالم الذي نعيش فيه, فيفهم مالا سبيل إلى فهمه, ثم يعود إلى الأرض بعد التشنج الأخير مبهوراً مفئوداً, فهذه القدرة على التحليق فوق الظرف الإنساني تتيح له أن يؤكد وجود منطقة وسيطة لا هي في الواقع ولا هي الحلم. على مشارف هذه الحماسة تزدوج الشخصية ويسود الفكر ولا يبقى للجسد وزن ولا قوة ولا قيمة. وفي رحاب هذا الضياء الذي هو فوق الطبيعة, لا تبقى فروق ألوان .. إن السعادة عند دوستويفسكي وعند أبطاله هي الوجد, والشقاء هو التلاشي. في وسع كل إنسان أن يقول مثله: لم أزد خلال حياتي كلها على أن أدفع إلى النهاية القصوى ما لم تجرؤ أنت أن تدفعه إلا إلى منتصف الطريق..

رواية الأخوة كارامازوف عمل أدبي كامل فنياً وأدبياً. نص أدبي حين نضعه في خانة التراث الإنساني سيكون من ضمن الأعمال الإنسانية الضخمة مثل كوميديا دانتي والفردوس المفقود لملتون وتراجيديات شكسبير والحرب والسلم لتولستوي. وهي إلى ذلك خلاصة فكر دوستويفسكي بأكمله. إلى درجة أن كل المفكرين في أعماله الأدبية موجودين في الأخوة كارامازوف. وكل الأفكار التي ناقشها في الأعمال السابقة أظهرها هنا مرة أخرى. ولكن هذه المرة لا تحتل تلك الأفكار الأولوية. بل تظهر متناثرة هنا وهناك حول وجود الله وجدلية الإيمان والإلحاد. ما كان لهذا العمل أن يظهر بهذه القوة لولا تلك البراعة الفنية في رسم الخطوط العريضة لشخصيات العمل الفني وإلى أين ستصل, والأهم: الفكرة التي سيدور حولها العمل. الخير والشر, ومسألة الشر بوجود الخالق, وكيف يتفق بوجود الله الرحيم, وجود الشر.

أبطال الرواية من عائلة واحدة: الأب العجوز فيدور بافلوفتش كارامازوف. عجوز فاجر وسافل, غاية آماله أن يعيش لأطول فترة ممكنة حتى يعربد ويفسق دون وجود أي رادع يستطيع إيقافه. انجب ثلاثة أبناء من زوجتين لم يقم بتنشئتهم وتربيتهم. الإبن الأكبر ديمتري, وهو شهواني مثل أبيه, تقوم بينه وبين أبيه نزاعات مالية حول إرث الابن من أموال والدته, ثم يدور بينهم صراع إجتماعي قاسي وعنيف حول امرأة يتنافسون عليها. والابن الثاني إيفان كارامازوف, وهو مفكر عتيد وملحد, يفضل الدخول في نقاشات فلسفية حول الدين والأخلاق مع أخيه الصغير, أصغر أبناء كارامازوف, ويدعى أليوشا, والذي هو النقيض لإيفان.

في مقدمة العمل لأول مرة يهدي المؤلف كتابه هذا إلى شخص ما. جميع الأعمال السابقة لم يظهر فيها أي إهداء, بإستثناء هذا العمل الأخير الذي كتب المؤلف في مقدمته: إلى آنا جريجورريفنا دوستويفسكي. يهدي المؤلف هذه الرواية التي شكلت التاريخ المفصلي في حياة الكاتب إلى زوجته الثانية. وهي إلى ذلك, لا تستحق هذا الإهداء فحسب, بل إن هذا العمل لم يكن ليظهر لولا دعمها المطلق واللانهائي للمؤلف في أسوأ مراحل حياته. عاشت معه في الغربة والوطن في حالة من السقوط المالي والإجتماعي, ثم ارتفعت معه إلى المجد. هي الناقدة الأولى والقارئة الأولى, ولا يمكن للمؤلف معرفة عمق تأثير ما يكتبه إلا إذا شاهد دموعها تتساقط وهو يكتب ما يلقيها عليها زوجها, المؤلف. ثم بعد الإهداء, ولأول مرة كذلك يكتب المؤلف مقدمة لروايته. المقدمة عادية ولا يوجد فيها ما يستحق الذكر. وأظن أن المؤلف كتبها بعد نهاية الرواية. يخاطب المؤلف قارئه بالإستئذان بتقديم بطله للجمهور, أو كما يدعوه ببطل روايتي, وهو الإبن الأصغر المؤمن, أليوشا فيدور كارامازوف. لماذا لم يختار إيفان بطلا لروايته, أو ديمتري, أو أي شخص آخر. لماذا هو بالذات. هناك من يقول أن أليوشا يمثل حالة الخلاص للمؤلف, الحالة التي وجد فيها السلام بعد مراحل صاخبة وعنيفة كانت ثمارها المرحلة الرومانسية, وهو ما قد يظهر على شخصية ديمتري, والمرحلة الثانية بما تمتاز من نشاط فكري, وهي التي قادت المؤلف نحو الإشتراكية والإلحاد. ثم المرحلة الثالثة, والتي يمثلها أليوشا المؤمن الجميل, باتجاهه نحو الإيمان والأرض الروسية. هناك من هاجم المؤلف بالقول أن دوستويفسكي الخجول أصبح رجعياً بتدينه, لكن المؤلف يظهر ويقول مستاءً: لا .. لم أؤمن بالله ولم أعترف به كما يفعل طفل, وإنما وصلت إلى هذا الإيمان صاعدا من الشك والإلحاد بمشقة كبيرة وعذاب أليم. وعلى كل حال, في الأخوة كارامازوف كل شيء.


يتبع ..

يوسف
29-06-2011, 02:02 PM
ماهي مشكلة الأخوة كارامازوف؟ أحد أبطال الرواية الفرعيين يخاطب أليوشا بالقول: مشكلة آل كارامازوف أنهم أناس شهوانيين. حتى المؤمن الصغير المطلق الجمال, أليوشا, لازالت فيه ذرات من الشهوانية الجسدية التي عصفت بأبيه وأخيه الأكبر. وإن تأخر وصوله إلى هذه الحالة, فمرد ذلك أن الوقت لم يحن لهذا الصغير, فهو يحتاج أن يرتقي درجات ودرجات حتى يصل إلى مستوى أبيه من الفجور والعهر. تبدو الرواية حسب هذا الوصف بأنها محصورة بفكرة الجنس والشهوات الجنسية ولكن الأمر الحقيقي أنها ليست كذلك على الإطلاق.

الابن الأكبر ديمتري كارامازوف نسخة طبق الأصل من أبيه, غارق حتى أخمص قدميه في الملذات الحسية والجسدية. وهو على استعداد لأن ينفق ثروة كاملة في ليلة واحدة في سبيل ملذاته تلك. رغم ما يتصف به من فجور إلا أن فيه من شرف. هذه الصفات لا تظهر لنا مباشرة. فهو سكير وارتكب كما يقول الكثير من الخطايا في حياته. مثل هذا الشخص من التهور وعدم وجود النظام, هل يستحق أن يعيش؟ هذا السؤال غريب. من الذي يقرر أن هذا الإنسان يجب أن يعيش أم لا. لا أطرح هذا السؤال كقارئ, بل طرحه ديمتري نفسه في جلسة المقاضاة بينه وبين أبيه في اجتماع ضم رهبان ومثقفين كبار: أشار بيده إلى أبيه وهو يصرخ: لماذا يجب أن يعيش مثل هذا الإنسان؟ هذا السؤال سيجد دعما له من أخيه المفكر إيفان الذي سأعود له لاحقاً وسأعود لهذا السؤال بالتحديد. شخصية ديمتري رغم كل الموبقات التي ارتكبها إلا أنها ليست كريهة. وهي شخصية واقعية وقد نجد نماذج لها في واقعنا المعاصر. قبل أن نحكم عليه, نتساءل لماذا وصل إلى هذه الحالة؟ لقد ولد وهو لا يعلم هو ابن من بالضبط. بعد وفاة والدته التي هربت من سياط زوجها, مريضة بالكبد, تولى خادم العجوز ويدعى جريجوري, تربية الطفل وتنشئته, في بيت لم يخلو ولو ليوم واحد من سهرات ماجنة يرتكب خلالها العجوز أنواع الفجور. لقد شب وهو لم ينطق بكلمة أب ولو لمرة واحدة. حتى أن العجوز تناسى أن لديه طفل يدعى ديمتري. كلمة الأب, هذه الكلمة المقدسة, هل تستحق أن يوصف بها هذا العجوز؟ محامي ديمتري الذي تولى الدفاع عنه يرفض اطلاق كلمة الأب على هذا العجوز. لا يكفي المرء أن ينسل نسلاً حتى يكون أبا, وإنما ينبغي له أن يستحق شرف هذا الاسم. حب الابن لأبيه يصبح سخفاً حين لا يسوغه الخُلُق, الذي لم يجده الابن في بيت العجوز. في مرافعة محامي الدفاع لم يحلل المحلل سيكولوجية ديمتري المتوحشة, بل كان هو صوت المؤلف حين التقى مجموعة من المجرمين في سجون سيبريا حين تعرض للنفي. هناك, في أقاصي البرد ظهر للمؤلف مجرمون وقتلة يدل ظاهرهم على العنف والقسوة والإندفاع. لكنهم يملكون في أكثر الاحيان قلباً رقيقاً إلى أبعد حدود الرقة. قلوب متعطشة إلى الحنان والجمال والطهارة, كأنما تبحث عن ملجأ يقيها من عنف النفس وقسوتها. قد تكون هذه الصبوات وهذه الأشواق لا شعورية, لكنها مع ذلك عارمة قوية. ديمتري في فورة عشقه للمرأة التي سببت المشكلة مع أبيه, كان يرى الجمال شيئاً شيطانياً ومتوحشاً. تصوره للجمال مهتز من الأساس لأن البنيان الذي يستند عليه ليس بسليم ولا طبيعي. إذا أراد امتلاك هذا الجمال عليه أن يرتكب أكبر الخطايا, أي أن يقتل. ولذلك في نفسه تدور رحى معركة بين ما يمثله الجمال الذي يسمو بالنفس, وبين جمال سيقوده للأسفل ويلقي به إلى الهاوية.

ولكن الرواية ليست خاصة بديمتري. ديمتري كان النتيجة. وإيفان.. الابن الثاني للعجوز هو الأساس. يظهر لنا إيفان كشخصية صامتة عابسة لا تفضل الحديث إلا إذا طرح عليه سؤال. أثار انتباه المجتمع إليه وأصبح حديث الناس بسبب مقالة عن القضاء الديني. كان يكتب هذه المقالة لأجل التسلية ليس إلا, وما علم أنه أصبح حديث الناس وأصبح الطرفين المتخاصمين حول القضاء المدني والديني يجدون أدلة تدعم نظرياتهم حول القضاء والعقاب ومؤسسات الدولة وعلاقة الدين بالدولة في مقاله. ولكن هذه لم تكن مشكلة إيفان الرئيسية. في إجتماع المقاضاة الأول نشر إيفان قاعدته الرئيسية في حوار ضم رهبان ومثقفين. قاعدة إيفان تلك هي: إذا فقدت الإنسانية الإيمان بالله فسرعان ما ستختفي جميع ينابيع الحب, وسرعان ما يفقد البشر كل قدرة على مواصلة حياتهم في هذا العالم. ولن يكون هناك شيء يعد منافي للأخلاق وسيكون كل شيء مباحاً, كل شيء مباحاً! إيفان ملحد, ملحد مثقف. كان يستمتع بأن يرى أخيه وهو يسمع منه نكرانه لكل ينابيع الإيمان وحتى وجود الله. في نفس إيفان تدور رحى معركة جنونية. أزهق نفسه بالتفكير في شئون الحياة بدلاً من أن يعيش الحياة نفسها التي يحبها. ولكن, هل إيفان ملحد حقاً؟ إيفان هو أكثر مفكري دوستويفسكي ثورية, بل هو أكبر ثوري قرأت عنه في الأدب. لأنه ثائر ضد الشر. وممتلئ إنسانية ومحبة. يمتلك فائضاً رهيباً من الحب والتضحية. لكنه لم يخطو باتجاه العمل لأنه توقف في لحظات الفكر والسؤال والبحث عن سؤاله الأزلي: ماذنب الأطفال؟ حين أفكر بدوستويفسكي وأدب دوستويفسكي تظهر لي أشهر شخصياته: راسكولينكوف وستافروجين وشاتوف وميشكين, ولكن الآن, سيكون أولهم وأوحدهم هو إيفان فيدور كارامازوف. هذا الاختيار له ما يبرره, لأن المؤلف كتب على لسان هذه الشخصية أحد أروع النصوص الأدبية وأكملها في الأخوة كارامازوف. وتحديداً في فصل التمرد, وفصل المفتش العام, وفصل الشيطان.


يتبع ..

يوسف
29-06-2011, 02:03 PM
المفتش العام: بحث في طبيعة الشر


يلتقي المفكر إيفان بأخيه الأصغير المؤمن الراهب أليوشا. أليوشا يريد أن يسمع من إيفان حقيقة ما يفكر به, فربما وجد طريقة ينقذ من خلالها أخيه إيفان الذي وصل إلى مرحلة من التفكير بحيث أظلمت الدنيا أمامه ولم يعد يرى شيئاً أبداً. كان أليوشا موقن بأن أخيه ملحد وينكر وجود الله, لكن في الحوار الشهير بينه وبين أخيه ظهر إيفان الحقيقي. مرة أخرى: هل إيفان ملحد؟ يفاجئ إيفان قارئه وأليوشا بإعلانه صراحة, وهو المنكر لكل حقائق الإيمان في جلسة المقاضاة الأولى, بأنه يؤمن بالله وبوجود الله دون أي نقاش. يقول لأخيه في جلسة الحوار الشهيرة: إنني أؤمن بوجود نظام كوني شامل يضفي على الحياة معنى, وأؤمن بانسجام أبدي علينا أن نذوب فيه جميعاً ذات يوم فيما يبدو. أؤمن بالكلمة التي يتجه إليها الكون, الكلمة التي هي الله. ألا ترى هذا الرأي؟ ألا فاعلم إذاً الآن ختاماً لكل ما قلته أنني لا أقبل العالم على نحو ما خلقه الله, ولا أستطيع الموافقة على قبوله رغم علمي بوجوده. لست أرفض الله, ولكني أرفض العالم الذي خلقه ولا أريده. تدرج دوستويفسكي في إظهار حقيقة إيفان. فبعد أن ظهر لنا للمرة الأولى كشخص منكر لكل شيء, هاهو يتحدث بصراحة مطلقة بأنه يؤمن بوجود الله لكنه يرفض هذا العالم. هذا الرفض أشعرنا بوجوده المؤلف في فصلي التمرد والمفتش العام. فصل التمرد والذي يشير تحديداً إلى الأسباب التي جعلت إيفان يتمرد ويرفض هذا العالم, كتب دوستويفسكي على لسان إيفان نص من أروع النصوص الإنسانية. ولا أدري بالضبط كيف تجرأت آنا جريجورريفنا على كتابة هذا النص رغم هذا الكم من البؤس والشقاء والتعذيب والألم. حتى أن أحد النقاد السوفيتيين الرافضين لهذه الرواية والمهاجمين لها أعترف بأن هذا الفصل لم يُكتب إلا بالدم, وأفرغ فيه دوستويفسكي كل ما يفكر به من آلام. لنتناسى ولو قليلاً تمرد إيفان ولنفكر, ولو لوهلة بتلك القصص الثلاثة لأطفال تم التنكيل بهم من قبل أهاليهم وملاّكهم دون أي ذنب حقيقي. إن دوستويفسكي, أو بمعنى أصح المفكر إيفان يجعلنا نتسائل معه رغم تمرده: ماذنب الأطفال؟ ولكن إيفان يجد في الأطفال الدعامة الرئيسية لتمرده, فهو ثائر ضد الشر, ويعلنها بصراحة أن الإيمان والإنسجام الكليّ الذي أساسه تعذيب طفل, فهو يرفضه صراحة. يقول إيفان: إنني في حاجة إلى عدل وإلا دمرت نفسي. هذا العالم الذي أطالب به أنا لا أريده في لا نهاية لا يمكن الوصول إليها وفي أبدية تفوقني, وإنما أريد أن أراه على هذه الأرض, أن آراه بعيني. لقد آمنت, وأريد أن أشهد انتصار الحقيقة. أنا امرؤ مؤمن, ولكن الأطفال .. ماذنب الأطفال؟ كيف نبرر عذاب الأطفال؟ تلك مشكلة لا أجد لحلها سبيلاً. إذا كان على البشر أن يتألموا من أجل أن يمهدوا بألمهم للإنسجام الكليّ, فلماذا يجب أن يتألم الأطفال ايضاً؟ لماذا حبس الأطفال في هذه الدائرة, لماذا يجب عليهم هم أيضاً أن يساهموا في الإنسجام بعذابهم؟ ماذا جنوا حتى يُجروا في هذه الزوبعة؟. خلاصة فصل التمرد كما طرحها إيفان أن العذاب الذي يعانيه الطفل البائس كافي لزلزلة أي أساس مهما كان هذا الأساس. ولكن إيفان لم ينهي حديثه بعد, فهو قد طرح فكرة الشقاء الإنساني فحسب, وسيبدأ بتقديم بحثه العظيم, أو المونولوج العظيم كما يطلق عليه النقاد في فصل المفتش العام.

هذا النص "المفتش العام" هو ذروة أعمال دوستويفسكي في أدبه. وهناك من قال أن "المفتش العام" يمثل كلمة دوستويفسكي الأخيرة. وهناك من قام برسم فلسفة اللامتنمي على أساس هذا الفصل, مثل كولن ولسون الذي اعتبر إيفان أروع مثال لشخصية اللامنتمي, وأفكاره تمثل مواعظ للامنتمي. وهناك من عبر عن هذا الفصل عبر عدة رؤى وليست رؤية واحدة. فبينما يقول هنري ترويا في كتاب دوستويفسكي أن إيفان كان يدافع عن السيد المسيح والإيمان الحقيقي بشكل أفضل مما يقوم به أياً كان في أسطورة المفتش العام, يشير نقاد آخرون أن هدف دوستويفسكي من كتابة الرواية هو أن يحلل الإلحاد لكي ينقضه, لكن دوستويفسكي في فنه, وتحديداً في فصل المفتش العام, تغلب على غرضه في هذه القصة فجعل حالة إيفان عديمة الحل.

من هو المفتش العام؟
هو كاردينال عجوز في التسعين من عمره, يتولى منصب قضائي في محاكم التفتيش في أشبيليا بإسبانيا. له سلطة قضائية هائلة عبر إحراق المخالفين للكنيسة أياً كان المخالفين سواءً يهود أو مسلمين وغيرهم. في يوم من الأيام التي يأمر فيها المفتش العام بإحراق أكثر من مائة نفس, يظهر المسيح بين الجموع. فتخضع له كل القلوب والعقول, إلا أن المفتش العام كان له رأي آخر, فأمر باعتقاله وزج به في السجن. وفي ليلة مظلمة يتسلل إلى السجن ويضع المصباح على طاولة السجن ويخاطب السجين: أهذا أنت؟ أنت حقاً؟ وعندما لم يسمع جواباً تابع بسرعة: لا تجب! وما الذي يمكن أن تقوله؟ لماذا أتيت تعيق عملنا؟

هذا النص عميق ومبدع. وإن كنت أثني على ترجمة الدكتور سامي الدروبي إلا أن لدي ملاحظة على ترجمة هذا الفصل بالتحديد. كان النص بترجمة الدروبي هذيانياً بإمتياز إلى درجة اختلط فيها صوت المفتش العام بصوت الشيطان فحدث نوع أو لنقل اختلاط في النص بين قصة وأخرى. قرأت النص مرة أولى وأعجبت بهذا المونولوج كشكل فني على وجه التحديد, ثم قرأت النص ثانياً وظهرت لي قصة داخل مونولوج المفتش العام, وبمعرفتها بالإمكان فهم أفكار المفتش العام. وقرأت النص مرة ثالثة بعد قراءة القصة من مصدرها الأصلي, من إنجيل لوقا الإصحاح الرابع, وظهرت لي حقيقة هذا الفصل بشكل كامل.

تستند أسطورة المفتش العام على الإصحاح الرابع من إنجيل لوقا الذي يروي كما يعرف بالتراث المسيحي بغواية المسيح. يقول النص: وأما يسوع فرجع من الأردن ممتلئاً من الروح القدس, فاقتاده الروح في البرية أربعين يوماً, وإبليس يجربه, و لم يأكل شيئاً طوال تلك الأيام. فلما تمت جاع, فقال له إبليس: إن كنت ابن الله, فقل لهذا الحجر أن يتحول إلى خبز. فرد عليه يسوع قائلاً: قد كتب: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان, بل بكل كلمة من الله. ثم صعد إبليس إلى جبل عال وأراه ممالك العالم كلها في لحظة من الزمن وقال له: أعطيك السلطة على هذه الممالك كلها وما فيها من عظمة, فإنها قد سُلمت إليّ وأنا أعطيها لمن أشاء. فإن سجدت أمامي تصير كلها لك, فرد عليه يسوع قائلاً: قد كتب: للرب إلهك تسجد وإياه وحده تبعد. ثم اقتاده إبليس إلى أورشليم وأوقفه على حافة سطح الهيكل وقال له: إن كنت ابن الله فاطرح نفسك من هنا إلى الأسفل, فإنه قد كتب: يوصي ملائكته بك لكي يحفظوك, فعلى أيديهم يحملونك لئلا تصدم قدمك بحجر. فرد عليه يسوع قائلاً: قد قيل, لا تُجرب الرب إلهك.

استناداً إلى هذا النص, المفتش العام يطرح مشكلة الحرية أمام خيار صعب : إما أن يكون للفرد استقلالية مع أنواع مختلفة من العذاب المعنوي والنفسي والأخلاقي, أو يتجه للرفاهية مع الاستسلام والخضوع التام. خيار المسيح كما في نص لوقا أنه يريد جعل الناس أحرار, أحرار إذا أرادوا الإيمان أم لا. إن كان من فرد سيؤمن يجب أن يؤمن بكامل حريته دون الخبز الأرضي. ولكن المسيح سيذهب إلى الناس خالي اليدين إلا من وعد بالحرية. لم يريد أن يحرّم على الإنسان حريته, فأي حرية تلك التي تكون مشتراة بالخبز؟ هكذا حكم المسيح الأمر بالقول: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان. المفتش العام يرفض هذه الحرية ويدينها لأنه لا يفكر بالفرد بقدر ما يفكر بالجماعة ككل. فإن كان هناك من فرد حر سيتبع المسيح بكامل إرادته, فإن هناك أناس كثر – وهم الغالبية – جائعون وثائرون ويحملون في نفوسهم بذور التمرد والعصيان, مستعدين للتضحية بالحرية في سبيل الخبز الأرضي لا الخبز السماوي. المفتش العام يريد السيطرة على حريات الناس التي ضاعفها المسيح من أجل سعادتهم. حسب تصور المفتش العام كما يقول: بدل أن تمتلك حريات البشر وسعتها وضاعفتها وأثقلتها بعذابات ملكوت الإنسان الأبدي, لقد رغبت بأن يمنحك الإنسان حُبّه الحر, وأن يتبعك بكامل حريته, مفتوناً ومأسورا بك. وضعت قانوناً آخر يجبر الإنسان بقلبه الحر أن يميز الخير من الشر!. المفتش لا يتوقف في هجومه ودعواه الهجومية وهو يرتدي رداء الدين. في نظره: الأسئلة التي ألقاها الشيطان تمثل جوهر الإنسانية جمعاء. فلو قبل المسيح الخبز الأرضي لظهر البيان الواضح حول حاجة الفرد والجماعة وهي تتمثل في السؤال الأكبر:لمن سننحني؟. وتتوالى إدعاءات المفتش العام تجاه جوهر الأسئلة التي ألقاها الشيطان على المسيح. المسيح حسب النص رفض أن يجيب الشيطان بأي شيء, لكن المفتش العام ينتقده لعدم مواقته على أياً منها, فلو أجاب على أياً من الأسئلة لأقام مملكة السلام على الأرض من جديد دون يضع الإنسان في ضياع نفسي وأخلاقي رهيب. المأزق الذي يضع فيه المؤلف قارئه أن المونولوج في يد المفتش العام فقط. وهو يتحدث نسمع دعوى هائلة لإنقاذ البشرية من المأزق الذي وجدت نفسها فيه. من أجل ذلك بالإمكان فهم هذه الاختلافات حول الرؤية النقدية تجاه المفتش العام. من قال أن إيفان في قصيدة المفتش العام كان يدافع عن الإيمان الحقيقي وعن المسيح فهو أمر حقيقي. ومن قال أنه دافع عن الإلحاد بدل أن يحطمه وأن المفتش العام كان على صواب فهو صادق كذلك لأن المفتش العام كان يتحدث عن تجربة تسعين سنة لم يكن لها من هدف إلا السعادة لكل الضعفاء. أي أن في النص سيكولوجيتين بالإمكان من خلالها الدفاع عن الشيء ونقيضه. وهذا الأسلوب اتبعه المؤلف في فصول المحاكمة عن طريق الأدلة. فالمدعي العام مثلاً كان يدين المتهم بأدلة مادية. ومحامي الدفاع كان يدافع عن المتهم بنفس أدلة الإتهام, ولكن دون تقديم الأدلة المادية فحسب, بل يشحنها بتحليل نفسي وإجتماعي حتى تصبح أدلة الإتهام دليل للبراءة .. لكن المفتش العام ليس شخص ملائكيا هنا كما يظهر في قراءتي الأولى. لقد ظننته محباً مشفقاً على هذا الجنس البشري الذي يتعذب من أجله, ثم في القراءة الثانية وبعد أن فهمت القصة بأكملها ظهرت لي شخصية ستالين والأخ الأكبر في رواية 1984 وكل الطغاة والدمويين في هذا العالم. هل تنبئ دوستويفسكي بالثورة البلشفية في بلده في هذا النص؟ لا أظنه تخيل ذلك لكن هذا النص يجيب. الجدير بالذكر أن المفكرة السياسية حنة أرندت في كتابها في الثورة عندما أرادت تحليل قوة الشفقة والعاطفة المدمرة في شخصية أحد زعماء الثورة الفرنسية, ماكسميليان روبيسبير, استعانت بهذا الفصل.




يتبع ..

يوسف
29-06-2011, 02:03 PM
تبدو لنا صورة إيفان, المثقف المتحفظ, كما ظهر في التمرد والمفتش العام, على أنه قادر أن يستمر بالحياة وأن يتنفس ويعيش لأطول فترة ممكن دون أي عذابات خاصة. لكن الثقل الذي يرزح تحته فعل فعلته حتى قاده للجنون. إيفان عبر عن لا "نهائية" دفعت بفان جوخ ونتيشه إلى الجنون. كان يصرخ طالباً العدالة ثم هاهو يجد نفسه متهماً بجريمة قتل رغم أنه لم يقتل أحداً. لكنه مجرم فعلي وحقيقي. الجريمة بحد ذاتها في الأخوة كارامازوف ما كانت أن تظهر وتكشر عن أنيابها لو لم تجد أساس داعمه الرئيس هو إيفان حين قال كل شيء مباح. هذا الإنكار لكل قواعد الاخلاق وجده إيفان في نفسه الأخرى: سمردياكوف, شقيقه الغير شرعي, والمجنون. أحب سمردياكوف إيفان حباً جماً وأصبح المرآة الفعلية لمرآة إيفان النظرية. أصبحت أفكار إيفان تجد لها تطبيقاً حياً و مؤثراً. ولم يجد إيفان مخرجاً من ذلك إلا الشيطان, في فصل الشيطان, وهو التتمة لفصل المفتش العام كما أرى والنهاية الحتمية لذلك المفكر العتيد.

هناك شخصيات مشرقة في الأخوة كارامازوف, رغم هذا الظلام المريع الذي يكتنف الشخصيات الكبيرة أمثال العجوز وديمتري وإيفان وسمردياكوف. من الشخصيات المشرقة هي شخصية أليوشا, بطل دوستويفسكي الأثير والوجه المشرق للحياة. في بداية حياته أراد أن يصبح راهباً وأن يعتزل الحياة بشكل كامل. مستعد لأن يفعل أي شيء في سبيل أن يتوقف الصراع الهمجي بين أبيه وأخيه. ما كان له أن يفعل شيئاً لو كان في الدير معتزلا, نابذاً الألم الذي يسطع في الأرجاء. لكن الوجه المشرق الثاني, الشيخ زوسيما, يرفض وجود أليوشا في الدير. لأن مكانه الحقيقي ليس هنا في عالم كله رهبانية وصلوات. مكانه الحقيقي أن يعيش في هذا العالم المسعور ويتذوق الألم بكل قوة. وبتذوقه لهذا الألم يستطيع أن يعرف العذابات الإنسانية, ويستطيع أن يحب. شخصية أليوشا رغم طيبتها وجمالها إلا أنها أكثر واقعية من شخصية الأبله الذي لا يعرف الشر على الإطلاق. وهو ما أكسب الرواية حضوراً قوياً وإن كان أليوشا غير مؤثر في مسار الأحداث في عالم الكبار. لكنه مؤثر في عالم الأطفال. وما أجمل عالم الأطفال في هذه الرواية. كان خطة دوستويفسكي بعد نشر الرواية أن يستأنف الكتابة عن آل كارامازوف بعد مضي عشرين سنة, لكن القدر لم يمنحه سوى شهرين ذاق فيها عظمة الأدب ثم رحل. ولو قدر له أن يكتب تتمة لهذه الملحمة لرأينا الأطفال الذين يحبون أليوشا لا لشيء إلا لأنه يستمع لهم كما يستمع رجل لرجل آخر. دوستويفسكي في هذه الرواية جمع غالبية أطفاله في أدبه وزج بهم في هذه الرواية. منهم من ذاق الألم كما فصل التمرد, ومنهم من وصل إلى سن الرابعة عشر وأصبح يتحدث بحديث الكبار دون أن يفقه شيئاً وهذه خاصية نفسية مميزة. أتحدث عن الطفل كوليا وكيف كان يحدث أليوشا بكلمات مقتبسة من فولتير والإشتراكيين دون أن يفهم معناها. فهو يعلن – الطفل كوليا – أنه مستعد لأن يضحي بكل ما تجود به نفسه في سبيل الإنسانية, ولذلك هو إشتراكي, وإشتراكي عنيد. لو قابل هذا الطفل ديمتري لصفعه مثلما أذل أحد الاطفال وجعله يتمزق لرؤية أبيه يُضرب تحت سياط ديمتري. لكن أليوشا القريب من الأطفال كان يستمع لهم بكل حرارة. ويتقبل رأيهم, ثم يرد عليهم بكل هدوء, وكأنه فرد عاقل ورجل كبير. ولذلك أحبه الأطفال وأحبوه. وكانوا هم خاتمة الرواية وهم يصرخون: مرحى يا أليوشا! مرحى!

غالبية فصول الرواية جميلة, وإني لأجد نفسي حائراً عن أي الفصول أتحدث. هناك فصل حياة الشيخ زوسيما وتعاليمه. وهي فصول جميلة وتنضج حياة ومحبة بعكس فصول الموت. أتذكر أحد الفصول بعنوان المؤمنات, أو كما في الترجمة العربية "إيمان نساء الشعب". هذا الفصل مخصص لزوجة دوستويفسكي, وغالبية النص كان مقتبس بالحرف من زوجة المؤلف. قبل نشر الرواية بثلاث سنين توفي ابن دوستويفسكي ألكسي عن عمر يناهز الثلاث سنوات ونصف. تقول زوجة دوستويفسكي في مذكراتها: كان ألم زوجي، وألمي، يفوق التصور أيضاً. كان يحب صغيره حباً متميزاً، مأساوياً رقيقاً، وكان هاجساً يوحي إليه بقرب الفجيعة. وكان يحز فى نفسه بخاصة أن الطفل توفي في نوبة من الصرع الذي ورثه عنه. تبدل حالي و اختفت بشاشتي المعهودة واستولت علي لامبالاة مطلقة. عشت على ذكريات السنوات الثلاث الأخيرة، ذكريات صغيري الفقيد، وتحمل دستويفسكي المصيبة بصمت جعلنى أخشى عليه هو أيضاً. وكان يحاول أن يخفف علي أحزاني. وفيما بعد عمد إلى وصف الكثير من أفكاري وشكوكي وآلامي، بل أورد حتى كلماتي بالحرف الواحد، فى "الأخوة كارامازوف "، في فصل "المؤمنات"، حيث تعرض أم مفجوعة بوليدها كل ما تعانيه من الآم على شيخ الدين زوسيما. بعد وفاة ابننا الأصغر ألكسي كاد دستويفكسي يقضي غماً وكمداً. فنصحته بالسفر إلى "خلوة النساك" بمقاطعة كالوغا في أواسط روسيا، ذلك الدير المنعزل الذي غدا محجة للمفكرين والأدباء وسواهم من ذوي المشاعر المرهفة والنفوس القلقة التي تنشد السلوى والهدوء والطمأنينة في رحاب الإيمان، وتنهل من منابع الحكمة على يد شيخ الدين. عاد دستويفسكي من "خلوة النساك" أكثر هدوءاً واطمئناناً بعد أن التقى شيخ الدين مع الرعية مرة، ثم اختلى به مرتين في حديث صادق كان له وقع عميق في نفسه. وفيما بعد أورد دستويفسكي مواضع من هذا الحديث في الجزء السابع من "الأخوة كارامازوف"، وأحاد في وصف شخصية شيخ الدين ومعتكفه وصومعته كما رآه بأم العين. لقد كنت قارئته الأولى وناقدته الاولى. حينما أملى قرار الإتهام على لسان المدعي العام في الأخوة كارامازوف قلت له مازحة:

- يا ليتك كنت مدعياً عاماً ! بخطابك هذا تنفي حتى الأبرياء إلى سيبيريا !
- يعني أن خطاب الإتهام جاء موفقا ؟
- جداً.

و عندما أملى علي كلمة محامي الدفاع سألني رأيي فيها فأجبته هذه المرة أيضاً:

- ليتك كنت محامياً، فبوسعك أن تبيض صفحة أبشع المجرمين ! وفي بعض الأحيان كنت أكتب بيد و أكفكف دموعي بالأخرى، فيتوقف دستويفسكي عن الإملاء ويقترب منى صامتاً ويقبل رأسي بحنان.






يتبع ..

يوسف
29-06-2011, 02:04 PM
https://lh6.googleusercontent.com/-dDOwF-JdZM8/Tgl6aQlvTdI/AAAAAAAAAg4/VgDaZZdMZ9Q/Karamazovi.JPG


تم تجسيد الرواية في نسخة روسية من إنتاج ستوديو موسفيلم Bratya Karamazovy 1969. مدة هذه النسخة ثلاث ساعات في ثلاثة أجزاء, كل جزء ساعة كاملة. اعتمد منتجوا الفيلم على النص بشكل كامل بحيث أصبح الفيلم نسخة طبق الأصل من النص. وإن كانت هناك من ميزة فهي في التجسيد الفضائحي للرواية. ولا أقصد بالفضائحي مشاهد إباحية أو شيء من هذا القبيل. ما أقصده بالفضائحية هي الحوارات الصادمة التي تسبب الهرج والمرج. ودوستويفسكي استخدمها كثيراً في روايته حتى أن أحد الفصول يسمى "فضيحة". ولكن هل أعجبني هذا التجسيد للرواية؟ رغم نجاح الممثلين في السير على خطى المؤلف إلا أني لم استمتع. كنت أعرف الحوارات قبل أن يتحدث بها الممثلين. لا أدري هل هو تغير في نظرتي الفنية أم شيء آخر.

إن كان هناك من تجسيد مميز لرواية الأخوة كارامازوف فهي في الإصدار التشيكي Karamazovi 2008. هذا الفيلم المقتبس من الرواية غريب وعجيب. يسلك مخرج الفيلم Petr Zelenka رؤية حداثية للرواية وإعادة رسم خطوطها بحيث يظهر لنا في الأخير أن منتجوا الفيلم لم يفكروا بتجسيد الرواية بقدر ما أرادوا إعادة صياغة النص من جديد وهز اليقين لدى المشاهد. كيف ذلك؟

تذهب فرقة مسرحية تشيكية إلى بولندا للمشاركة في تقديم عرض مسرحي عن الأخوة كارامازوف. وعند وصولهم لبولندا يذهبون إلى مصنع للصلب لإقامة بروفات للمسرحية. الممثلون يقومون بعمل بروفات متقطعة للرواية في مكان واحد وقاعة واحدة. ولكن, وهذا الشيء المميز في هذا الفيلم الحداثي, أن في الأوقات الفاصلة بين مشهد ومشهد يتفرق الممثلون عن بعض, كل واحد يذهب لشأنه. وحتى هم مفترقين, يستمرون في أداء بروفات المسرحية ويستمرون بالحوار. هذا الاستمرار في الأداء قسم المكان الواحد إلى مجالين: المجال الأول هو المجال التمثيلي لبروفات المسرحية. والمجال الثاني حيث الحياة الطبيعية والحوارات العادية بين الممثليين أنفسهم. يخرج الممثلون من المجال الأول إلى المجال الثاني وهم مستمرين في أداء الحوار رغم ضرورة قطع الحوار لأن المجال الأول انتهى. والغريب كذلك أنهم حين يدخلون للمجال الثاني, أي في مجال الحياة الواقعية, تكون نصوص المسرحية هي من تسير حياتهم ويستخدمونها فيبما بينهم, للتعبير عن واقع يعيشونه. يجد المشاهد نفسه تائها في هذا الأزمنة. رغم هذا الضياع إلا أن المشاهد يجد عالم واحد هو عالم المسرحية, في زمنين مختلفين, وفي مكان واحد, وفي ساعة واحدة. إلا أن مخرج الفيلم لا يتوقف عند هذا الحد من المعالجة. فنرى في منتصف الفيلم يتم إيقاف المجالين, أي المجال التثميلي والواقعي, ونشاهد عرض راقص جميل في المصنع. هذا العرض ليس له أي دخل لا في الحياة الواقعية ولا في البروفات المسرحية. وزيادة في ذلك يتم إيقاف المجالين مرة أخرى لنجد أحد الممثلين المسرحيين يقوم بعرض للدمى ويقيم حوارا مع المؤلف الشهير والكاتب العظيم فيدور ميخائيلوفيتش دوستويفسكي!

في الفيلم كان هناك خط واحد يربط المسرحيين الذين أقاموا عالم غريب في المسرح بالحياة الواقعية. وهذا الخط هو أحد عمال المصنع المتواجدين ساعة أداء البروفات المسرحية. هذا العامل سقط ابنه الصغير في المصنع وأُدخل المستشفى قبل أيام من حضور المسرحيين. وتوفي في إحدى ساعات البروفات المسرحية. واقعياً, يجب أن يتوقف عن هذه المشاهدة ويذهب لطفله في المستشفى أو يذهب إلى زوجته التي فقدت طفلها. لكن العامل يستمر بالمشاهدة ويستمع إلى حوارات إيفان مع أليوشا وأبيهم العجوز, ويستمع لإيفان وهو يتحاور مع الشيطان ويرددون سوياً في صوت واحد: كل شيء سيكون مباحاً. ويستمر بالمشاهدة إلى أن يحدث حادث يقضي على المجالين بالكامل ويعيد المسرحيين إلى عالمهم الواقعي. لم يترك المسرحيين في البروفات أي جزئية في النص الأصلي من الرواية إلا وتحدثوا عنها وجسدوها بطريقة جميلة ومثيرة للإعجاب. لمن يريد أن يشاهد الفيلم يجب أن يقرأ الرواية حتى يستطيع التمييز في الحوارات ويعرف أين هو المجال التمثيلي من المجال الواقعي في الفيلم.

يوسف
28-07-2011, 01:17 AM
موبي ديك: سورة غضب وقصيدة ماء

https://lh6.googleusercontent.com/-VtVOLNf0Wt8/TjB5sUz8p_I/AAAAAAAAAiY/DcHNu6aajrc/Herman.JPG

رواية موبي ديك هي أعظم نص روائي كُتب عن الماء. وهيرمان ملفيل (1819-1891م), الروائي الأمريكي الكبير, هو أحد أكثر الروائيين الكلاسيكيين الذين استطاعوا الكتابة عن الماء بمقدرة عظيمة ما لم يستطع أي من أقرانه فعل ذلك. استغرب من الفيلسوف الفرنسي جاستون باشلار عندما كتب كتابة الماء والأحلام, لماذا لم يستعن برواية موبي ديك في بحثه عن شِعرية الماء؟ استعان في كتابه هذا بصور شعرية وأدبية من شكسبير وإدغار آلان بو وفيكتور هيجو. ولم يتجه إلى موبي ديك ولو بسطر واحد!. أزعم بأني أعرف السبب. فلو استعان باشلار في بحثه الفلسفي عن الماء بهيرمان ملفيل وروايته موبي ديك, لوجد نفسه في مساحة هائلة لا يستطيع الفكاك منها. أو بمعنى أصح: سوف يحرق أوراق بحثه ويعلن أن هذه الرواية هي أعظم قصيدة شعرية ملحمية عن الماء. الماء المحيط. والماء السرّ, والماء الأم, والماء الضياء, واللغز, والحقيقة, والوجود, والإنسان.

كل ما قرأته عن الماء شعراً ورواية وفلسفة وجدت أعظم منه في موبي ديك. ولم يكن النص يحمل هذه القوة المذهلة لولا تلك الطريقة الرهيبة في سرد الرواية. أزعم أن سرد رواية موبي ديك سرد عظيم وفني مبهر ومختلف. العظمة الفنية في هذا السرد أساسها هذا السر المحيط بسرد الرواية. فمنذ البداية يظهر لنا بطل الرواية الذي لا وجود حقيقي له في النص, إسماعيل, يسرد لنا قصة البداية من شاطئ نانتكوت حتى اللحظة الأخيرة من الكتاب, يحكي قصة موبي ديك والقبطان إيهاب وسفينة الباقوطة. ولكن وجود إسماعيل, سارد الرواية يتعرض للتحطيم في الفصل الذي كتبه المؤلف من أجل قتل بطله الحقيقي الذي تخيله في اللحظات الأولى من كتابة الرواية. في هذا الفصل حصل تدخل من المؤلف وكأننا أمام نوع من التدخل الشخصي للمؤلف في سرد الرواية. ثم نجد أننا أمام سارد عليم يبحر في شخصيات الرواية. وسارد آخر أعظم منه يفتح ملفات التاريخ والأساطير والعلوم والقانون والدساتير ليجد القارئ نفسه أمام أنواع عظيمة ومبهرة من السرد تبدأ من فصل وتنتهي في فصل آخر, ثم تتوالى تلك الطرق المختلفة من السرد حتى نجد أنفسنا أمام السارد الأعظم في الرواية, والمحيط!


https://lh3.googleusercontent.com/-p3p7WH0pgMI/Ti6LxxSJ3xI/AAAAAAAAAiE/vrorgfV452A/Moby.jpg

هيرمان ملفيل يبني في هذا المحيط المائي الهائل بنيان روايته القائمة على المعركة بين فرد من أبناء البر, وكائن بحري عتيد. القطب الأول في هذه المعركة وبطل الرواية الرئيس هو القبطان إيهاب, قبطان سفينة الباقوطة التي تم تحديد مهمتها من قبل ملّاك السفينة بإصطياد الحيتان والإنتفاع من زيت العنبر. كان لملاك السفينة ثقة مطلقة في القبطان إيهاب الذي يوصف بأنه الرعد, وسيد البحار والملك المتوج على المحيطات والحيتان. ولكن أبداً, مالكوا السفينة الأرامل والأطفال لا يستطيعون الدخول في عمق النفس البشرية ليعرفوا أهواءها والجحيم الذي تستعر بها. خرج القبطان إيهاب بصحبة بحارته وفي ذهنهم أن هذا الأمر هو الذي سيتم, أي اصطياد الحيتان. ولكن إيهاب, كان له هدف آخر من هذه الرحلة. في إحدى رحلاته الماضية وهو يصيد الحيتان, وجد أمامه كائن خالد لا يستطيع إزاحته. حوت أبيض كأنه الرخام, يحمل على جسده تاريخ التحويت: رماح وجثث وقتلى ودماء. كان لأحد قادة التحويت في تلك الأيام الرغبة الهائلة في المجد وتحقيق فرديته بتحطيم هذا الملك المتوج على البحار. انقض برمحه على الحوت وسعى في حنق عشوائي بشفرة تبلغ ست بوصات إلى أن يستل حياة الحوت الأبيض من أعماقه السحيقة, ثم حدث الشيء الذي غير كل شيء. طوّح الحوت الأبيض, – موبي ديك – فكه السفلي الذي يشبه المنجل وحصد به رجل ايهاب كما يقتص الحصّاد سنبلة من الحقل. فأضحى القبطان إيهاب برجل واحدة: يسعى بين البحار والمحيطات وهو لا يفكر إلا بشيء واحد: هو هذا الكائن الذي جعله في حالة يرثى لها من البؤس. الكائن الذي أخذ منه ماهو مهم لكل بحار, أصبح يحمل عاهته هذه أمام الناس والبحارة والموانئ, كتحذير وإشارة بأنه يستطيع صيد أي حوت, لكن لن يستطيع مجرد التفكير بأن يعيد تلك الكرة مرة أخرى مع الخالد الهائل موبي ديك, الحوت الأبيض. ولكن الحوت لا يتعامل مع كائن لا يعقل! هاهو إيهاب يشاهد عدوه وهو يسير أمامه بعدما اقتص من جسده. لم يسجد أمامه خاشعاً. ينمو حقد إيهاب ويزداد ضغينة تجاه موبي ديك الذي كان مسؤولا عن مصابه الجسماني كله وعن مرارة الحزن التي استولت على عقله وروحه. اشتعلت في نفسه الثورة الناقمة عليه وهو يتلمس مدى التشويه في جسمه وروحه. رأى هذا القبطان ذو الرجل الواحدة كل ما يثير الجنون ويستفز العذاب, وكل حقيقة يستكين فيها الحقد وكل ما يحطم القوى العقلية ويشوي الأدمغة, وكل ضروب الشيطان الماكرة التي تعيش في الحياة والفكر, رأى كل هذا, أي كل الشرّ مجتمعاً قد تمثل كائناً مرئياً يمكن له أن ينقض هاجماً عليه في صورة موبي ديك. وفوق جسد الحوت الأبيض, جمع القبطان إيهاب كل الغضب والكره اللذين جريا في نفوس بني جنسه منذ عهد آدم ثم فجر قنبلته الملتهبة على ذلك الجسد. هذا المسّ, وهذا الجنون, وهذا الغضب الهائل المرعب لم ينشأ هكذا دفعة واحد. كانت كبذرة صغيرة, ثم أصبحت بعد سنوات شجرة ضاربة في الأعماق, جذورها الألم, وأوراقها الغضب والكره والحقد والإنتقام. بعد أن فقد رجله لم يشعر إلا بالتمزق الجسدي المؤلم ولا شيء سواه. غير أن إيهاب حين أجبره الفقد المؤلم للعودة نحو الوطن, وحين استلقى هناك أشهراً طويلة ممداً هو والعذاب في أرجوحة واحدة, في ذلك الوقت, ( ويا لبراعة التحليل السيكولوجي التي يمتلكها ملفيل!) أقول: حدث نزيف في إيهاب. نزيف مختلف وفريد. تسرب النزيف الدموي في جسد إيهاب إلى روحه الجريحة, وتمازج النزيفان معاً, فجعل اختلاطهما اختلاطاً مجنوناً, وغاص في عمق إيهاب الذي أصبح صامتاً كأن لا ألم يسكنه. لكن غضب وجنون إيهاب لم يهدأ, وإنما انكمش وغار في أعماق سحيقة في روحه, واستولى عليه الجنون وأخذه أسيراً نحو هدفه المنشود, موبي ديك, وأصبح يمتلك أضعاف القوة التي كان يمتلكها إبان تعقله قبل أن يخسر جزء من جسده. ومن أجل هذا الغضب والانتقام الذي يجب أن يخرج من روح إيهاب, سوف يبحث عن الحوت الأبيض موبي ديك, وسيطارده حول رأس هورن وحول الدوامة النرويجية وحول شعلّ الهلاك والدمار, سيغزو المحيطات من جديد وسيرسم خارطة يتوقع فيها أين يتجه هذا الحوت وأين سيصادفه, وإذا واجهت الريح سفينته ومنعته من الإقدام على عمله الجنوني, سوف يقف في وجه الرياح, ويهاجمها ويطلق كل جنونه حتى يطوّح برمحه الذي بناه من الصلب والدم, رمحاً هائلاً لا هدف له إلا جسد موبي ديك الذي آن له أن يهتز ويرتعد. وتسير الرواية في هذا الشأن.

هذه القصة بطابعها الثأري الغاضب من الممكن طرحها في مائة صفحة أو مائتين بالكثير. ولكن هيرمان ملفيل يعطي هذه القصة التي تدور في المحيط أبعاداً أخرى, فنرى هناك أبطال آخرين هي النصوص العلمية والفلسفية والدينية وشتى العلوم الإنسانية التي زج بها ملفيل في روايته هذه إلى درجة من الممكن وصف هذا الكتاب بموسوعة الحيتان, وهي إلى ذلك قصيدة جميلة ومرعبة للماء الذي يتشكل طبقاً لما يجده المرء فيه. إن إيهاب الذي كان يحمل فكرة الإنتقام تلك في روحه وعقله كان يجد المحيط محارباً ومبارزاً له. إلى أن حدث التحول الرهيب غير المؤثر في نفس القبطان إيهاب في فصل السيمفونية, وقبل المعركة الفاصلة بين إيهاب والحوت. هذا الفصل ضربة معلم من هيرمان ملفيل. طوال صفحات الرواية لا يجد القارئ أمامه إلا كائن إنساني غاضب بلغ منه الحقد والكره والثأر درجة لا يمكن من خلالها طرح شبيه له للتدليل عليه. فكل هذه العواطف البشرية المدمرة امتزجت فيما بينها مع تصميم نهائي على الحرب والإنتقام. أليس إيهاب إنسان في الأخير؟ ألا يحق له أن يصل إلى هذه الدرجة من الحقد والكره! ولكن أين إيهاب الآخر؟ إيهاب الإنسان العادي الذي يحب, ولديه طفل ومتزوج, إيهاب ابن البر لا ابن البحر. هذا ما كشفه هيرمان ملفيل ببراعة أدبية تشبه ما يتميز به أدب تلك الفترة الرائعة من كشف لأغوار الإنسان السحيقة. ولن تظهر حقيقة ما يكنه إيهاب من مشاعر طيبة وجميلة إلا أمام الماء, الماء نفسه الذي كان غاضباً ومبارزاً له طيلة السنين الماضية, تحول في طرفة عين إلى الكاشف الأكبر للروح العذبة في نفس إيهاب. كان المحيط مسايراً لروح إيهاب. فأضحى غاضباً وقاتلاً, ينتظر الساعة التي يغرق فيها من هم أمثال إيهاب ورفاقه الثلاثة: ستاربك وستاب وفلاسك. إلى أن حدث التمرد! تمرد المحيط في يوم صافي لازوردي, فسكنت الأنفس الغاضبة وأشرقت الشمس بضياء يزف الهواء العذب كما تزف العروس إلى زوجها. وقف إيهاب الصامد في وضح الصباح على ظهر السفينة ورفع حاجباً يشبه الخوذة المكسورة نحو جبهة السماء التي تشبه جبهة فتاة شقراء. التجاعيد تحيط بوجه القبطان الشيخ وعيناه تتوهجان كأنهما جمرتان. يصرخ لاوعيه في الفضاء: آه أيتها الطفولة الخالدة, يا براءة الكون اللازوردي, أيتها المخلوقات الخفية التي تمرح من حولنا! أيتها الطفولة العذبة التي يمثلها الفضاء والسماء! .. يعبر ظهر السفينة بهدوء ويستند على حافتها. خان نفسه هنا! تطلع إلى الماء ورأى كيف يغرق خياله في الماء, ويظل يغرق ويغرق حتى تبدى له في لحظة مفاجئة الشيء السرطاني في روحه. استطاع الهواء المرح السعيد وتلك السماء الطروب أن يربتا على كتفه ويلاطفاه. قسوة الدنيا التي هزت أركانه وحطمت ذلك الجزء, أخفت قسوتها وأصبحت امرأة جميلة, وهنا فقط ولا شيء آخر, كما يقول هيرمان ملفيل: انحدرت من تحت قبعة إيهاب المنكفئة دمعة نزلت في البحر, ولم يكن المحيط الهادئ كلّه يحتوي ثراء كتلك الدمعة الصغيرة!

يتبع ...

يوسف
28-07-2011, 01:18 AM
إنها صورة شعرية خالصة بلا شك. دمعة نادرة تحمل ثراء أكثر من كل ماء المحيط. يختصر ملفيل هذا المحيط بأمواجه وصخبه وعنفه وجماله في دمعة إنسان واحدة, عندما توحد القبطان إيهاب مع الكون بأكمله: بأرضه وماءه. هذه الدمعة أعادته أربعين سنة إلى الوراء, عندما كان شاباً حواتا في الثامنة عشر من العمر, طعن أول حوت خلاله, فزادته تلك الطعنة محبة في التحويت, وسلخ من خلال ذلك أربعين عاماً مفارقاً لليابسة: يبارز الأمواج ويطاد الحيتان. أربعون سنة من الحرمان والأخطار والعواصف, يشن الحرب على الماء, أصبح عبداً لهذا المحيط الذي تُوج من خلاله ملكاً على الحيتان. في الوقت الذي يركب قاربه لمطاردة الحيتان, كان إنسان البر يهنئ بفاكهة طازجة, بينما هو لا يقدر إلا على الأكل المالح الجاف. وماذا كانت نتيجة كل هذه المغامرات؟ لا شيء. بل ترك خلف ظهره زوجة لا هي بالأرملة أو المطلقة. وطفل لم يتنعم يوماً بالحديث معه ومداعبته.

هذه الشعرية الحالمة ليست أدبية فقط. حالة التوحد مع الكون لم تحدث مع القبطان إيهاب. في قديم الزمان كان هناك رجل لم يتوحد مع الكون, بل هز أركان السماء وهو في ظلمات المحيط السفلى. هذا الرجل مثال حي ونادر استخدمه هيرمان ملفيل ببراعة في فصل الموعظة, حين صعد الأب مابيل في مقدمة الكنيسة. كانت مقدمة الكنيسة التي يخطب من خلالها تشبه مقدمة السفينة, فيوجه المؤمنين الذين هم على اليمين بالزحف نحو اليسار, والمؤمنين الذين هم على اليسار بالزحف على اليمين حتى يصبح الجميع في المنتصف, ثم يخطب خطبته العصماء مبتدأً بترتيلة دينية شيقة يتبعها صوته الغاضب وهو يصرخ: وأما الرب فأعد حوتاً عظيماً ليبتلع يونان ( النبي يونس ). موبي ديك رواية عن الإنسان والحوت. ولا يوجد مثال تاريخي يصلح كموعظة دينية عن المحيط والحوت والأخطار والواجبات تجاه الله مثل قصة يونس التي رسم خطوطها ملفيل في نصه هذا. الأب مابيل خطيب مفوه إلى درجة تبرز فيها تجعيدات وجه وهو يقص حكاية النبي يونس. قصة النبي يونس معروفة كما هي موجودة في النص القرآني. هيرمان ملفيل يطرح قضية يونس كحالة رعب سكنت في روح يونس وهو مغادر إلى الشاطئ ليركب في ظهر السفينة. فتميل السفينة ويثور البحر وهو نائم في إحدى غرف السفينة, فيشاهد القنديل المعلق وقد مال إلى زاوية مرعبة ويجد روحه معها معلقة مائلة, لا تحمل أي قيمة ثابتة. وحين ظهر إلى السطح كانت الأمواج تصعد إلى أعالي السفينة تريد اختطافه. ثم السقوط اللانهائي في المحيط ليتلقفه الحوت, فيسجن في الظلمات: ظلمة المحيط وظلمة الحوت. ويسكن البحر ويكف عن الهياج ويحمل يونس العاصفة معه مخلفاً ماءً هادئاً وراءه. لا أستطيع أن أمنع خلفيتي الدينية من أن يكون لها مكان هنا. يقول الأب مابيل : وصلى يونان إلى الرب من جوف الحوت. تأملوا صلاته وخذوا منها العبرة. ذلك أنه وهو الآثم لم يبكي ولم يعول طالباً الخلاص الفوري. بل كان يحس أن العقوبة التي نزلت به عادلة, فهو يسلم أمره لله. حين كان الحوت قد أرسى على أقصى عظام المحيط, سمع الله من الظلمات نداء النبي التائب السجين. وأمر الرب الحوت, فجاء من العالم الزمهريري وظلمة البحر صاعداً نحو الدفء والشمس المنعشة ومتع الهواء والأرض, فقذف يونان إلى البر. وحين صدرت كلمة الله إلى يونان مرة أخرى, وكان يونان منهوك القوى, امتثل لأمر ربه. أي أمر؟ أن يصدع بالحق في وجه الباطل – ذلك هو الأمر. خطبة الأب جميلة للغاية, والنص بأكمله نص ذهبي ممتلئ بالإيمان. ولكن حين أعود إلى القرآن وأجد دعاء النبي يونس وهو في جوف الحوت, أجد النص الإلهي اختصر عذابات يونس وتوبته بهذه الدعوة التي انطلقت من أعماق الظلمات صاعدة نحو الله في علياء السماء. كانت الدعوة كما جاء في القرآن: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. هذا الدعاء جميل وأحب ترديده بيني وبين نفسي. ولكن في حالة يونس يظهر لنا النبي السجين وهو موافق موافقة تامة على ما جرى له. فلم نجد الله يذكر أن يونس قد ألح عليه بالخلاص وتخليصه من سجنه في أعماق المحيط والحوت. عبر دعوته وحد الإله وسبح له واعترف بأنه ظالم لنفسه. لم يوحد الله ويسبحه ويعترف بأنه ظالم كما جاء في القرآن وحسب, بل سلم أمره بالكامل لله, ليفعل به ما يشاء, فهو قد قبل هذا الأمر بالسجن في أعماق الظلمات. أظن أن هيرمان ملفيل وجد في يونس قصة مناسبة بما أن موضوع الرواية الإنسان والحوت, لكنه تناسى شيئاً كان سيعظم من شأن هذا النص بدرجة عالية, ألا وهو الحوت!. كتب ملفيل عن الحيتان بصور جميلة إلى درجة وصف فيها أحد الحيتان بقابيل, وأحد الحيتان الأخرى بأنه يمثل الفلسفة اليونانية, وفتح الباب واسعاً لعالم الصداقة والزواج في عالم الحيتان, ولكن لم يفكر لوهلة بتسبيح الحيتان وهي تمجد الله في أعماق المحيطات. وأظن أن ملفيل لو كان بيننا هنا, لاقتبس حكاية حوت يونس في قصة اختفاء الحاكم بأمر الله للكاتب عدي الحربش.

في الزمن الحالي أضحت مهنة صيد الحيتان مقننة. وهناك قوانين تمنع صيد الحيتان وتدعو إلى المحافظة عليها, بعكس القرن التاسع عشر وما قبله حين كان التحويت مهنة رائجة وعظيمة. هل مهنة صيد الحيتان جريمة أو لها فوائد ومميزات عظيمة؟ يكتب المؤلف في فصل دفاع عن التحويت موجها حديثه لقارئ الرواية بأن من هو مقتنع بأن مهنة صيد الحيتان لا تشتمل على ماهو شريف رفيع من الناحية الجمالية: فإنه – أي المؤلف – على استعداد ليحطم في مبارزة, القارئ خمسين رمحاً حول هذه النقطة, وينزل القارئ عن جواده كل مرة وخوذته قد شقّت لنصفين. يبدو المؤلف متطرفاً هنا, فهو يعلنها بكل صراحة بأن مهنة التحويت هي جامعة تنافس الجامعات الشهيرة ك هارفارد وبيل. وإن كان من أسباب لهذا الرأي فهي كالتالي كما يقول. أي فيلسوف من الفلاسفة الكبار لن يستطيع تقديم أي حدث أثر في القرن التاسع عشر وما قبله أكثر من مهنة التحويت التي ولدت على نحو أو آخر أحداثاً هامة في ذاتها. مثل اكتشاف الأراضي المجهولة كاستراليا التي اقتحمها صائد للحيتان, واكتشاف بحار وأرخبيلات لا خرائط لها. وإذا كان المحاربون الأمريكيين والأوروبيون يسيرون بأماكن فيما كان يُعرف بأنها مؤاني للمتوحشين, فعليهم أن يطلقوا نيران مدافعهم تحية شرف لسفينة التحويت, فهي مهدت الطريق من البداية, وهي التي مهدت لحروب التحرير في بيرو وتشيلي وبوليفيا من نير إسباينا : “ولكن آه من العالم”!

قراءة الرواية كانت صعبة نظراً لبعض الكلمات والأوصاف من مهنة التحويت. ورغم ذلك, لو قدر لي أن أضع هيرمان ملفيل في مكانه يستحقها, لن يكون إلا مع الأدباء الكلاسيكيين العظام الذين استطاعوا بمقدرة فذة الغوص في أعماق النفس البشرية أمثال تولستوي وفيكتور هيجو وتولستوي وإدغار آلان بو. هو لا يقترب منهم. بل يقف معهم: الند للند.

الرواية يجب أن تترجم مرة ثانية إلى العربية, بخلاف الترجمة المتوفرة حالياً والتي قام بها الدكتور إحسان عباس عام 1956م. لا أريد أن أبخس المترجم حقه هنا, لقد اجتهد ليطوع هذا النص الصعب إلى اللغة العربية. ولكن ظهر لي في النص صعوبة في بعض الجمل وترابطها وطريقة تركيبها. في الفصول التي يكون فيها حوار بين أبطال الرواية كانت الترجمة واضحة والجمل مترابطة. ولكن في الفصول التي يبحر فيها المؤلف في القوانين والدساتير والديانات والفلسفة والعلوم الطبيعية,- وهي أهم الفصول- هناك بعض السلبيات التي يجب أن يتم تداركها. ورغم هذه المصاعب إلا النص بشكل عام جميل ومميز.

محـروت
29-07-2011, 08:53 AM
والله حرام موهبة مثلك ما تستغل .. والله حرام اقسم بالله حرام ما يصلح ياخي, يجب ان تنشر جميع قراءاتك ليس في الانترنت فقط .. بل في الصحف اليومية وتكون مادة للثقافة والأدب والعلم هذا الفن يجب أن يُنشر دائماً ..

لله درك يا يوسف كم استمتع بما تكتب. مع أنه ماني اصدقاء واجد من تالي مع الروايات بس طريقة عرضك واسلوبك تجعل الواحد يقرأ يقرأ الرواية موب بالكيّف.

عزيـزة 89
29-07-2011, 02:28 PM
والله حرام موهبة مثلك ما تستغل .. والله حرام اقسم بالله حرام ما يصلح ياخي, يجب ان تنشر جميع قراءاتك ليس في الانترنت فقط .. بل في الصحف اليومية وتكون مادة للثقافة والأدب والعلم هذا الفن يجب أن يُنشر دائماً ..

لله درك يا يوسف كم استمتع بما تكتب. مع أنه ماني اصدقاء واجد من تالي مع الروايات بس طريقة عرضك واسلوبك تجعل الواحد يقرأ يقرأ الرواية موب بالكيّف.

+ 1

يوسف
01-09-2011, 04:01 PM
جيتسبيرج

https://lh6.googleusercontent.com/-CkN7_d7BM5E/ThdqIqwkaJI/AAAAAAAAAhI/ht1Ifx_6Mf0/Gettysburg.jpg

لو لم يكن العقيد جوشوا تشامبرلين فوق سفح ذلك المرتفع Little Round Top, لكان التاريخ مختلفاً. ربما سيتم إعدام أبراهام لنكولن, ويلقي القائد الجنوبي روبرت لي كلمة الإنتصار في ساحة المعركة بدلا منه. أو ربما ينشأ نظام جديد على أنقاض الإتحاد الذي أسسه وبناه المعارضين للدستور, والآباء المؤسسين. تلك الأشجار العالية والغابات الرائعة, والهواء الذي يسكن الروح ويناجي الفرد فيها إلهه: هناك كان تشامبرلين يقود ما لايقل عن مائة وخمسين من المتطوعين. في أسفل التل, على مسافة بعيدة كان هناك القائد الملهم الجنرال الفرجيني روبرت لي. يوجه أحد قادته العسكريين بصعود تلك التلة واحتلالها. بسقوط هذا المرتفع الصغير تتغير رحى المعركة بشكل كامل, وسيكون بإمكان الرمز الفرجيني أن يذهب مباشرة إلى واشنطن, غازياً لها, أو فاتحاً ربما. هكذا سيكون التاريخ حين يكتبه المنتصرون.

في الجولة الأولى يصعد المتطوعون الجنوبيون من جيش الجنوب الكونفدرالي إلى قمة الهضبة لقتل قوات الشمال الإتحادية والسيطرة على القمة. يتلقفون الرصاص بكثرة, فيسقط الكثير من الضحايا. ثم جولة ثانية, وثالثة, ورابعة. لا زال هناك الكثير. من يصعد ليسوا جنود نظاميين. غالبيتهم متطوعون, مؤمنون بأنهم يدافعون عن حق تقرير المصير, ولحرية أرضهم المقدسة التي بشر بها من قبل كاتب الدستور توماس جيفرسون, وحارب من أجلها الفرجيني الأشهر جورج واشنطن. غاية حياتهم أصبحت معلقة بتلك القمة. إما أن يصعدوا لتلك القمة أو يُقتلوا ويبادوا جميعاً, وبأكملهم, ودفعة واحدة.

في الأعلى: هناك تشمبرلين وجنوده المتطوعيين. وجود هذا العقيد فيه شيء من الحلم الذي يبشر به ابراهام لنكولن ويريده أن يسود. يعمل أستاذ جامعي في إحدى الكليات العسكرية. يدرس العلوم العسكرية لجميع طلابه دون تفرقة. ولكن حين يسمع نداء الحرب, يترك كل ما بيده, يترك القلم الذي يكتب به, ورداء الأستاذ الجامعي, ويرتدي زي الحرب. وفي المعركة المصيرية جتسبيرج, يتم وضعه في أحرج نقطة وأسوأ منطقة. منطقة تمثل خاصرة جيش الإتحاد الذي سيصبح فريسة سهلة لو سقط هو وجنوده المائة والخمسين. تشمبرلين كذلك يحارب من أجل الحرية. يقول تشمبرلين بأنه يحارب ها هنا ليس من أجل حلم الإتحاد والحرية, بل من أجل تحرير إنسان آخر, إنسان ربما يعيش معززا مكرماً في ولايات الجنوب, لكنه لا يملك حريته الكافية لتقرير مصيره. هذا الإنسان يطلق عليهم العبيد. كما تصورها رواية كوخ العم توم. يقول لنكولن حين استقبل المؤلفة: أهلاً بمن فجر هذه الثورة. سواءً كان لنكولن صادقاً في رأيه هذا أم تلبس بهذه الميزة الأخلاقية, فهو أجاد إرتداءها وحارب من أجلها حتى النهاية. وتمثلت هذه الميزة في صورة العقيد تشامبرلين. يستقبل أفواج الجنوبيين الصاعدين لأعلى القمة وهو يصرخ بإطلاق النار. فقد الكثير من جنوده إلى أن وصل إلى مرحلة وجد فيها موته. نفذ سلاحه وسلاح جنوده ولم يتبقى لديهم إلا الحراب! جولة واحدة فقط وستطيح بهذه القوات وسيكتب التاريخ أن مصير المعركة قد حسم لصالح الكونفدراليين ولجيش الملهم الجنرال ليّ.

لكن تشامبرلين لن يسلمها لهم بسهولة. رغم نفاذ سلاحه إلا أنه قرر القيام بعملية إنتحارية يتقرر من خلالها إما أن يفوز في الدفاع عن تلك الهضبة, أو يموت ويتم سحقه وسحق جيشه بطرفة عين. يطلب من جنوده تثبيت الحراب في مقدمة الأسلحة: ثم يأمرهم - وهو في مقدمتهم - بالنزول إلى أسفل لإستقبال الصاعدين إلى أعلى بأقصى سرع ممكنة. هذا النزول يجب أن يكون كالموج الهادر الذي يقتلع ما أمامه. في حين أن الجنوبيين سيعانون وهم يصعدون إلى قمة المرتفع, سيكون النزول للشماليين ثابتاً وغير متعب. ولكن سيكون فيه الكثير من الضحايا. وبالإمكان التقليل من الضحايا عبر النزول بسرعة كبيرة وعدم ترك المجال لمتطوعي الجنوب بتعبئة ذخائرهم.

في الأفلام الحربية غالباً ما يكون التحيز هو المحرك الأكبر لتوليد رد فعل لدى المشاهد. فيعمل مخرج الفيلم وكاتب السيناريو لإبراز صورة أحد المعسكرين وإبراز القيم التي يؤمنون بها ويحاربون من أجلها. وإبراز القيم الرجعية التي ينادي بها الطرف الآخر. بروز هذه القيم في عالم الحرب يجبر المشاهد أن يتحرك صوب أحد المعسكرين لتوافقه مع بعض القيم المشتركة. ولكن البراعة في جيتسبرغ وآلهة وجنرالات أن لا وجود لهذا التضخيم في القيم وإبرازها في معسكر دون آخر. معسكر الإتحاد يؤمن بالحرية ويحارب من أجلها وأجل الإتحاد. والمعسكر الكونفدرالي يؤمنون بأن أرضهم التي ولدوا فيها وتربوا في ربوعها لا حق لا أحد بأن يحكمها من ولاية أخرى ويفرض عليهم الضرائب دون موافقتهم والتحكم بأمورهم الإقتصادية والإجتماعية. حتى مجرد تجسيد هذه المعركة فنيا تستحق الانتباه. سجلت صفحات التاريخ بأن المنتصر هو جيش الإتحاد. ولكن لم نرى أي إبراز للقوة التي من خلالها تم الإنتصار في المعركة, بمعنى - لا توجد كائنات خارقة وخطط خارقة وتخطيط يتم وضعه في طرف - بينما يتم التقليل من قيمة الطرف الآخر وإظهار بأن لا شيء لديهم يستطيعون من خلاله الفوز. وأمر آخر كذلك هو وجود الرئيس الأمريكي الأشهر أبراهام لنكولن. لم يظهر في أي من الفيلمين رغم أنه الطرف الأساس في المعركة. هذا الإلغاء لهذه الشخصية كان موفقاً, لأن بحضور هذه الشخصية, بالإمكان أن يرتكز كل التحيز على معسكر الشمال. وبإخفاءه من الخارطة العسكرية في ميدان جيتسبرغ, أصبح بالإمكان التعامل مع الطرفين بإنصادف واستقلالية مميزة.

لفهم معركة جتسبيرج يجب مشاهد الفيلم الثاني أولاً Gods And Generals لأن يمهد للمعركة ويحكي اللحظات الاخيرة قبل بداية المعركة. لأكثر من أربع ساعات متواصلة هي عدد ساعات هذا الفيلم تم التركيز على شخصية عسكرية شعبية في التاريخ الأمريكي من جيش الجنوب, وهي شخصية الجنرال توماس جاكسون. أو ما يعرف حالياً بجاكسون الحائط الصخري. تم تجسيد هذه الشخصية كما تظهر في بعض اللوحات الفنية أو كما تروي بعض كتب التاريخ: رجل عسكري متطرف, لا يهتز له جفن والقذائف تتساقط من حوله. إلا أن نهايته كانت مفارقة في حد ذاتها وغريبة من الغرائب. فهاهو القائد العسكري الذي كان وجوده يرفع من معنويات ولايات بأكملها, يموت على سريره, هاذياً, ومصوباً يده إلى أعلى وكأنه في ساحة معركة: يطلب من أبناءه كما يسميهم الصعود لتلك التلة, واحتلالها, والدعاء في غسق الليل بأن يهبهم الإيمان والقوة للنصر على الإعداء. وفي الطرف الآخر من آلهة وجنرالات كان تشامبرلين نائماً في البرية بعد فشله مع جنوده في اختراق حصون جاكسون, فيبقى لمدة أربعة وعشرين ساعة نائماً مع جثث رفاقه, متطلعاً إلى السماء التي يدعو من خلالها هو - وعلى الطرف الآخر كذلك - بأن يكلل جنوده كل النصر وأن يعم السلام في هذه الأرض التي دامت حربها الأهلية حينها ثلاث سنوات, وما علم أنها ستستمر لسنتين آخريين.

يوسف
01-09-2011, 04:03 PM
أن تقتل طائراً بريئاً


https://lh4.googleusercontent.com/-4Z-9ixZ0Auw/Tl5QOv6bemI/AAAAAAAAAig/ACOSdLCR-CE/s512/To1.JPG

قبل أن يتجه مارتن لوثر إلى نصب لنكولن التذكاري ليلقي أحد أروع الخطب في القرن العشرين أمام أكثر من ربع مليون من مناصري حركة الحقوق المدنية, كان هناك محامي صنعته الروائية الأمريكية هاربر لي يدعى أتيكوس فينش. ألقى خطابا أمام المكان الوحيد الذي من الممكن أن تتوفر فيه الحقوق وتصون فيه كرامة الإنسان أياً كان جنس وعرق هذا الإنسان. ظهر أتيكوس إلى العالم عام 1960, أي قبل خطبة I Have A Dream بثلاث سنوات على الأقل. وأنا أقرأ رواية تتناول قضايا السود في الولايات المتحدة في فترة الستينات, كان من المهم عليّ أن أعرف متى نشرت هذه الرواية. هل كانت قبل خطاب مارتن لوثر أم بعده. وحين ظهر لي الأمر على حقيقته لا يسعني إلا التأكيد بأن أتيكوس فينش و رواية هاربر لي هذه كانت ذا تأثير مدوي في المشهد السياسي الأمريكي وأضفت زخماً استفادت منه حركة الحقوق المدنية أيما استفادة. فهذه مؤلفة أمريكية من البيض, تكتبت عن العدالة وحق الإنسان في الحياة بكرامة دون أن يكون عملها هذا رومانسياً ومشحوناً بالعواطف. بل واقعياً ومستمد من الواقع المعاصر بكل إيجابياته وسلبياته. حين أقول لم يكن هناك جانب رومانسي في العمل لا أقصد علاقة حب أو شيء من هذا القبيل. وإنما أشير إلى سيرة العمل ككل حيث يضفي المؤلف تأثيره المشحون بالعاطفة والنهاية التي تسحر العقول وتجعل من العمل لا يختلف عن بعض أعمال القرن التاسع عشر في انجلترا. فالمؤلفة كتبت روايتها من واقع الحياة, واستمدت تفاصيلها من البيئة المحيطة. وكل ما كان يدور في هذه البيئة في ذلك الزمن لا يمكن أن ينتهي نهاية رومانسية, بل يكون مؤلما وصادماً لأنها هذه هي الحياة التي ننكر بعض تفاصيلها, ولا نستطيع أن نكتشف بعض الحماقات إلا إذا ظهرت لنا بصورتها البشعة أمامنا دون حذر.

في بداية قراءتي للرواية وبعد أن تجاوزت المائة وخمسين صفحة, كنت عازماً على قذف الرواية في أبعد مكان من الممكن أصل إليه. بسبب هذه التفاصيل المحكية من واقع الحياة الإجتماعية وعن الأطفال تحديداً. فالسرد يبدأ وينتهي على لسان بطلة الرواية سكاوت ( جين فينش ) وهي كبيرة في العمر, لكنها تسرد التفاصيل كما لو كانت في السادسة من العمر, فيقتحم القارئ معها سيرة حياتها وأخيها جيم ومحاولتهم المستميتة لإخراج أحد أبناء الجيران الذي ظل لسنوات طويلة لا يغادر منزله بأمر من والده. نقرأ مع سكاوت الشغب الطفولي بأصفى تجلياته وكيف كانوا يفكرون ونظرة الأطفال للعالم وللناس. التخلص من الرواية سيكون خطأ جسيماً لأني لم أهيئ نفسي لهذا النوع من السرد, بمعنى, سيرة حياة صادرة من عقل طفل. فحين تكتب المؤلفة على لسان طفلة صغيرة, يتم تحييد معظم القوانين السارية في الحياة الإجتماعية, لأن الطفل لا يستطيع أن يميز بين قانون عام يثير الجدل بين مجموعة من المحامين, أو مجموعة من كبار السن. ولا يستطيع أن يتقبل فكرة أن هناك كان بشري يحصل على ميزات أفضل من آخر بناءً على العرق أو اللون. والأمر الآخر هو البراءة. حين تطفو قضية ما على السطح من المهم أن يكون هناك رد فعل. رد الفعل هذا حين يصدر من محامي من المتوقع أن نقرأ خطاب منه أو تصريح أو رفع دعوى, أو حين يصدر من سياسي سيكون له تصريح أو موقف, ولكن حين يصدر من طفل: تتم إزاحة الإختلافات السياسية والمذهبية بين مجموعة إجتماعية محددة مثلاً وتظهر القيم الأخلاقية التي بشر بها الأنبياء والمصلحين في التاريخ بأروع تجلياته. لأنهم أطفال. لا يفكرون إلا بالألعاب والسعادة وقضاء أوقات سعيدة. هناك نوع واحد من الناس كما يقول جيم الطفل: إنهم الناس أنفسهم. ولكن إذا كان هناك نوع واحد لما لا يتفاهمون مع بعضهم البعض؟ لما ينحرفون عن المسار ليحتقر الواحد منهم الآخر؟ .. وهكذا تنطلق الرواية.

هناك مسار واحد للرواية كما قلت, ترويه سكاوت للقراء. هذا المسار الغارق في خضم الحياة الإجتماعية في ولاية ألاباما تتفرع منه القضية التي تغطي الرواية وتسكن روحها: العدالة وحق الإنسان الأسود. إن كان هناك مكان كما يقول المحامي أتيكوس تتحقق فيه العدالة للجميع ويصبح الأفراد فيه متساويين وخاضعين لسلطلة عادلة وعاقلة, لن يكون هذا المكان إلا في قاعة المحكمة العليا, أو في محكمة الإستئناف, أو في المحكمة المحلية. وبفقدان هذا المكان لسلطته الحقيقية في مساواة جميع أفراد المجتمع, يصبح كل شيء مباحاً كما يقول دوستويفسكي - ربما تكون وجهة النظر هذه متطرفة لكنها واقعية وحقيقية-. حين يفقد المرء المكان الوحيد الذي يستطيع فيه الدفاع عن نفسه, لن يكون بيده سوى أن يقتل. لا من أجل القتل بحد ذاته. بل من أجل أن يعيش بكرامة دون أن يتسلط عليه أحد. هذه الرمزية في المحاكمة كونية وعالمية وتتفق مع مختلف الشرائع الإنسانية. ليست المشكلة في القانون, وإنما في المنفذين لهذا القانون. هل نظرة المنفذين للقانون لجميع البشر سواسية أم أن هناك فرد يحظى بإمتيازات تختلف عن الآخر لأسباب شتى : اللون أو المنصب أو النفوذ. إذا اختل الميزان لصالح أصحاب الجاه والنفوذ سيكون هناك عنصرية حتى لو كانت تختبئ تحت شعارات إنسانية عالمية. وهذا ما حدث في رواية أن تقتل طائراً محكياً للروائية الأمريكية هاربر لي.

المحكمة المحلية تكلف المحامي أتيكوس فينش مهمة تمثيل المتهم الزنجي الأسود توم روبنسون في قضية رفعها مجموعة من البيض بتهمة اغتصاب امرأة بيضاء. أتيكوس الذي وجد نفسه بعد وفاة زوجته يرعى طفلين لم يتجاوزا العاشرة, كان يهدف في عمله هذا الذي كلف به أن يعطي مثالاً لأبناءه. مثال للإلتزام والشجاعة. فهو بالتزامه في الدفاع عن هذا الأسود يستطيع أن يرفع رأسه أمام أبناءه دون أي شعور بالذنب. رغم أن أهالي البلدة كان يعيرونه بأنه محب الزنوج - مهاجمين له - كان لا يسير على نهج هذه الغالبية لسبب جد ذكي. فهو ليس بمثالي أو وجه مشرق, وإنما انحاز لما هو أكبر من رأي الأغلبية, وهو الضمير. حين يتصالح مع ضميره سيكون بإمكانه أن يذهب إلى مكان العبادة ويصلي لله. وإن لم يفعل ذلك سيصبح كائناً ممسوخاً من الداخل, لا يسيره الضمير بقدر ما يسيره رأي الأغلبية. وأما التزامه بالشجاعة فهو سيقف أمام مجموعة هائلة من البيض العنصريين أمام المحكمة. هل هذه الشجاعة التي يبحث عنها ويريد أن يقدمها لأبناءه؟ بالتأكيد لا. ليست هذه هي الشجاعة ولا حمله للبندقية. ولكن الشجاعة الحقيقية هي التي يرسمها ضميره, هي معرفة أنك خاسر حتى قبل أن تبدأ, ولكنك تبدأ على أية حال, وتحاول أن تصل بقضيتك الخاسرة إلى آخرها مهما كلف الأمر. قد لا تكسب إلا نادراً, ولكنك ستكب على أية حال.

https://lh5.googleusercontent.com/-1GzCRtgfQJ8/Tl5QTHbOKsI/AAAAAAAAAik/t914_ADdZPE/To2.jpg

أصل الآن إلى الجزء الثاني الذي يدور في المحكمة, وأستطيع من خلاله الربط بين أتيكوس فينش ومارتن لوثر. وتحديداً في مرافعة المحامي أتيكوس الأخيرة أمام القضاء. هذه المرافعة من أروع الخطب البلاغية في الأدب. في النص الأخير من المحاكمة كان يهدف أتيكوس إلى أن ينقل مجمل الصفات السيئة إلى المجتمع البشري بأكمله, وغير محددة بجنس محدد. ففي حين أن هناك كذابون ومجرمون من السود, ينطبق ذات الشيء على البيض والبشرية بأكملها. كان صوت المحامي في المرافعة مفعماً بالحماسة وشديد التأثر, وهاهو يستغل فقرة من إعلان الإستقلال هي الغاية من كتابة الرواية: كل الناس ولدوا متساويين. وهاهو مارتن لوثر كن الإبن في مسيرة الحقوق المدنية يستغل هذه الفقرة بالتحديد, وبأسلوب لا يقل براعة عن أتيكوس فينش حين يقول: لديّ حلم أنه في يوم من الأيام ستنهض هذه الأمّة لتعيش معنًى عقيدتها الحقيقيّ : نؤمن بهذه الحقيقة: أنّ كلّ الرّجال خُلِقُوا متساوين.. لديّ حلم أنه في يوم من الأيام وعلى تلال جورجيا الحمراء سيكون أبناء العبيد و أبناء ملاك العبيد السابقين قادرين على الجلوس معا على مائدة إخاء.. لدي حلم أنه في يوم من الأيام أنه حتّى ميسيسبي التي تتصبّب عرقًا من حرارة الظلم والاضطهاد ستتُحَوَّل إلى واحة حرّيّة وعدالة.. لديّ حلم أنّ أطفالي الأربعة سوف يعيشون في يوم من الأيام في دولة لن تعاملهم بلون جلدهم لكنّ بمحتويات شخصيّتهم.. لديّ اليوم حلم.

مارتن لوثر ليس نسخة ثانية من المحامي أتيكوس فينش. بل هو أتيكوس نفسه! بعقلانيته وطموحه وأخلاقه والقيم النبيلة التي يحارب من أجلها. ولكن هذه المرة ليس في قاعة المحكمة التي لم يجد فيها أتيكوس العدالة, بل أمام مركز التغيير الحقيقي, أمام نصب أبراهام لينكولن التذكاري.

عند مشاهدتي للفيلم المقتبس من الرواية To Kill a Mockingbird 1962 كنت متهيئاً لخطبة أتيكوس, وظهر لي في نهاية الفيلم أن الفيلم بحد ذاته تحفية فنية. فهو أحد الأفلام التي تم تجسيدها في السينما بمهارة ودقة, حتى أن المؤلفة نفسها أُعجبت بالفيلم واعتبرته أيقونة فنية مساوية للرواية. ولا أظن أن هذه البراعة الفنية ما كانت لها أن تظهر لولا مقدرة بطل الفيلم جريجوري بيك الذي جسد دور أتيكوس بعبقرية فذة. فهو جسد حركاته في النص, وطريقة نظراته وكيف يتعامل مع أبناءه, والأهم: الصوت. صوت جريجوري بيك مميز في الحقيقة ويستطيع أن ينقل إلى المشاهد مجمل الإنفعالات البشرية كما في في فيلم موبي ديك حين جسد دور القبطان الغاضب إيهاب, وهنا في هذا الفيلم بدور المحامي أتيكوس.

وما هي النهاية إذا؟ لا أقصد نهاية القصة / الرواية. ما أتحدث عنه هنا هو العدالة والحقوق؟ لا أظن أني سأفصل ذلك, فبعد أربعين سنة من محاكمة الطائر المحاكي البريء توماس روبنسون, يظهر سياسي يحمل الصفات الجسدية والخلقية لروبنسون ليصبح رئيساً للولايات المتحدة. لا أرى غاية عظمى للأدب أكبر من هذه. أن تستمد الفصول من الحياة, وأن تسرد من الواقع المعاش, وتنتهي كما تدور في واقع الحياة المعاصرة بكل بشاعتها. وأن تساهم في رفع حركة الوعي. وأن تكون من أجل الإنسان لأجل الإنسان ذاته, لا لشيء آخر.

يوسف
01-09-2011, 04:04 PM
هناك خلط في ترجمة عنوان الرواية بالعربية. هناك من ترجمها بـ أن تقتل طائراً بريئاً - وهي الصحيحة, وهناك من ترجمها بـ أن تقتل طائراً ساخر, وهذه الترجمة خاطئة. ومكمن الخطأ هنا هو فصل الاسم المركب إلى كلمتين, أولاهما طائر ويليها ساخر, لتكون صفة للطائر, بينما تشير الكلمة الإنجليزية المركبة إلى نوع من الطيور المعروفة بالطيور المحاكية. والطائر المحكي هنا هو طائر مطلق البراءة غاية حياته التنقل بين الأغصان والغناء قرب المنازل وفي البرية. يظهر هذا الطائر في حوارات أتيكوس مع أطفاله قبل حدوث أي جريمة إذ يشير إلى أن قتل الطائر المحكي خطيئة لا تغتفر, لأن قتل هذا الطائر هو قتل للطفولة والبراءة والعدالة الإنسانية. والمترجمة داليا الشيال التي ترجمة الرواية - إصدار دار الشروق - ذهبت إلى المعنى الذي يكمن وراء الرمز - الطائر البريء. وهي ترجمة مميزة وتستحق التقدير.

الكتاب: أن تقتل طائراً بريئاً
المؤلف : هاربر لي
ترجمة : داليا الشيال
إصدار : دار الشروق

يوسف
22-09-2011, 01:06 AM
عناقيد الغضب

https://lh4.googleusercontent.com/-Ycqt2FON1yM/TnpHIaSMWXI/AAAAAAAAAis/LV4Zh_TOw_8/The%252520Grapes%252520of%252520Wrath1.jpg

إذا كان الأدب مرآة للواقع الإجتماعي بكل مافيه من علاقات إجتماعية ونظم إقتصادية وسياسية فإن الأدب الأمريكي المعاصر من فترة العشرينيات إلى الستينيات من القرن المنصرم يشكل عصب هذا الأدب الواقعي الإجتماعي, والذي يستمد قوته وبنيته من أفراد هذا المجتمع الذين يعيشون في واقع مرير يجب إظهاره أمام الرأي العام كما هو .. وبكل قوة وشفافية.

نسمع كثيراً الآن ما يسمى بالأزمات المالية التي تعصف بدول منطقة اليورو, وقبلها الأزمة التي عصفت بدول أمريكا اللاتينية. الأزمة تؤثر في النتاج القومي لدولة ما ويقل صافي الدخل السنوي للفرد, ويزداد الفقر, وينتج عن ذلك سوء للتغذية ونسبة وفيات مرتفعة لعدم توفر الطعام وانهيار العملة, إلى ما هناك من هذا الكلام. ما بعد الإنهيار, أي في حالة تعافي الإقتصاد تصبح الأزمة مجرد ذكرى لا يتم تناولها في قادم الأيام إلا بالأرقام. فيتم طرح الأسباب وطرق العلاج وكيفية تعافي الإقتصاد. ولكن الأدب لا يهتم بالأرقام أو سبل معالجة الأزمة وكيفية تخطيها. بل يصوب سلاحه تجاه الفرد الذي عاش هذه الأزمة وكيف مر من خلالها, أو بمعنى أصح: كيف استطاع أن يحفظ الجزء القليل من إنسانيته دون انتهاك. تتردد كلمة الكساد الكبير Great Depression عند أي حديث عن انهيار سوق أو إصابة الإقتصاد بحالة كساد أدخلته في نفق مظلم. يشير هذا المصطلح في الماضي القريب إلى الأزمة التي عصفت في الإقتصاد الأمريكي والعالمي في ثلاثينيات القرن المنصرم عندما انهار سوق الأسهم بما يعرف بالخميس الأسود وانخفضت التجارة العالمية بين الدول إلى النصف. يتم تناول هذه الحالة الآن كجزء من تاريخ مضى, ولم يتم تناول حالة الفرد رغم بشاعتها لعدة أسباب. هناك أزمة, وما يوحد هذه الأزمة هو الرقم الذي يجب أن يعود كما كان. ينشغل رجال المال والإقتصاد بحالة الرقم والنسب والإنخفاض والإرتفاع وصافي الدخل ومستويات الدين. هذه الأرقام هي ما توحد بين الفقير والغني, هي عند الغني الغاية, لكنها عند أفراد الطبقة المتوسطة وسيلة وليست غاية. وسيلة للعيش دون أن يحدث اختلال في العائلة, أو السقوط في براثين الفقر والخوف .. والغضب!

الروائي الأمريكي جون شتاينبك الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1960 تناول في رواية عناقيد الغضب حالة هذا الفرد الإنسان بعد أن تدخل الدوامة الإقتصادية في حالة كساد معتم لا يرى الإنسان البسيط نفق ضوء لكي يخرج من هذه الحالة الموجعة ويعود إنساناً حراً وكريماً كما كان.

لم يتناول شتاينبك حالة الكساد على المستوى القطري في الولايات أو على المستوى القومي في الإتحاد. في الرواية تبدو أن الأزمة أسبابها طبيعية مناخية أفرزت هجرات بين الولايات. في ولاية أوكلاهوما التي أصابها الجفاف, كان المزارعون وملاك الأراضي ينتظرون بفارغ الصبر موسم حصاد القطن. موسم الحصاد يعني مشاركة جميع أفراد العائلة في الحصاد, والحصول على دخل ثابت يساعدهم على تنظيم أمورهم الإجتماعية والإقتصادية. ولكن ها هو الجفاف قد حل على الأرض, وتحول الهواء النقي إلى عواصف رملية ترسم مستقبلاً قاتماً في المستقبل المنظور. المزارع الذي فقد حصاد هذه السنة يملك منزلاً مجاوراً للمزرعة, يحوي أفراد عائلته. جياع. يريدون الأكل والشعور بالأمن. أن يتسلل الجوع إليهم, معنى ذلك أن الخوف قادم, وحين يحل الخوف في النفوس تلوح في الأفق رايات الغضب فيحدث الإنتهاك الذي يدمر الفرد ويشتت تماسك الأسرة المتماسكة. صاحب المزرعة لا يستطيع التخلي عن أرضه, فيجبر على الإستدانة من البنوك على أمل إعادة القرض والفوائد بعد سنة. ولكن هاهي سنة أخرى تمر دون حصاد, فيستولي البنك على الأرض, ويتم تهجير العائلة. وبدل أن تكون هناك عائلات تحصد القطن, يتجه البنك إلى سياسة التوفير والتقشف لتحقيق أكبر قدر من الربح, فيجلب الآلة التي تسطيع القيام بعملها بما يوازي عمل عائلات بأكملها.

البنك, المؤسسة المالية, لا وجود لها على أرض الواقع. إنها وحش كاسر, لا أحد يوجهها, لكن القانون يحميها ويدافع عنها. البنك والمؤسسات المالية كائنات غير بشرية, لا ترى على أرض الواقع, لكنها تحكم دول وترسم سياسة وتبني خارطة. صاحب الأرض الذي فقد أعز ما يملك يمسك سلاحه ليقتل الرجل الذي يحرك الآلة, ولكن ما الفائدة؟ سيأتي رجل آخر يحرك هذه الآلة. باتجاه من يستطيع هذا الرجل الغاضب أن يصوب سلاحه؟ تجاه المؤسسة. ولكن أين المؤسسة؟ هناك في الشرق. ولكن أين في الشرق. سلسلة لا متناهية آن لها أن تحكم البشر, فتقرر تهجيرهم إلى اللامكان. ستفقد الأرض دفء الأيادي التي تحفر بكل محبة وحنان. هاقد وصلت الآلة التي تحفر دون رحمة ودون رقة. أرض المزرعة تحتضن المزارع حين يفقد وعيه بعد ساعات من العمل, فيتطلع إلى السماء ويجد ذلك المزيج الغريب من اللقاء السرمدي بين السماء والأرض. والآلة ما أن تتوقف حتى تشحن من جديد, فيصبح كل شيء محكومة بأرقام وآلات و تمزيق عائلات قررت الهجرة إلى أراض بحثاً عن عمل من أجل الطعام, لا لشيء آخر.

عناقيد الغضب هي أكثر الأعمال الأدبية غضباً وهجوماً ضد حالة الفقر والعوز التي أصابت الفرد في حالة كساد الإقتصاد القومي. وهي إلى ذلك أكثر الأعمال مهاجمة لطبقة الرأسمالية التي وجدت أفواه جائعة بالإمكان تشغيلها بأرخص الأثمان للحصول على أرباح هائلة بأرخص الأثمان. عائلة توم جود, المكونة من ما يقارب العشرة أفراد يقررون النزوح إلى كاليفورنيا للحصول على عمل كما تقول ذلك المنشورات الدعائية. فتبدأ المسيرة, سيرة الهجرة من أرض إلى أرض أخرى بحثاً عن العمل والطعام. من خلال هذه الرحلة المجهولة يضع جون شتاينبك في ذهن قارئه كيف سيكون مصير العمال حين لا يكون هناك نقابة عمالية تدافع عنهم. وكيف يستغل رجال الأعمال هذه الوفرة من العمال الباحثين عن عمل, فيوظفون بعضهم براتب قليل, وما إن يرفض العامل هذا الراتب حتى يأتي بعامل آخر وبسعر أقل من السعر الذي كان. هذا التحكم في الأجور حول عائلات ومجتمعات بأكملها قسم الأفراد إلى طبقتين, أسياد وعبيد, ولكن هذه المرة تحت سمع ونظر ومباركة القانون. وكذلك تظهر تلك الصورة الجهنمية حول أسعار السلع, وكيف أصبح دخل عائلة كاملة في يوم واحد لا يساوي أكثر من وجبة عشاء متواضعة لليلة واحدة.

هذا الإنهيار والتحطيم في النفس البشرية مستمر حتى الآن وفي أغلب الدول. في بعض هذه الدول بالإمكان تحطيم هذا الرعب عبر القانون, ولكن في دول أخرى لن يكون التغيير إلا بالدم. المؤسسات الغير واضحة المعالم والمتحكمة بمصير أمة من البشر, وملاّك الأراضي يعرفون التاريخ, لكن قليل منهم استوعب تلك الدروس. الحقيقية التاريخية الكبرى - عنما تتركز الملكية في أيد قليلة جداً, يصبح ضياعها أمراً حتمياً. والحقيقة الأخرى: عندما تكون أغلبية الناس جوعى ومقهورين فسيأخذون بالقوة ما يحتاجون إليه, والحقيقة الصغرى التي تصرخ عبر التاريخ كله: القهر لا يؤدي إلا إلى تقوية المقهورين وتوحيدهم, ولكن هؤلاء يصمون آذانهم عن صيحات التاريخ الثلاث. تجاهلوا حال الاقتصاد المتغير, وخطط التغيير, ولم يتدبروا إلا في وسائل تحطيم التمرد بينما أسبابه ما تزال تستشري : " كيف يمكن أن تخيف رجلاً لا يسكن الجوع في أحشائه فقط, ولكن في بطون أطفاله الخاوية؟ لا يمكنك أن تخيفه - لقد عرف خوفاً لا يفوقه خوف!"

https://lh5.googleusercontent.com/-KoQsQGNcmpo/TnpHMoMo01I/AAAAAAAAAiw/Ax2-gV_Tde4/john.JPG

سلك جون شتاينبك في عمله هذا طريقة سرد فني مختلف بحيث استطاع أن يجمع ما بين السرد الروائي المباشر, وسرد غير مباشر ومتحرر من كل الضغوط المحكوم بها الروائي. هذه الطريقة في السرد قد تسبب ضياع القارئ, فيبحث في النص عن طريقة لإخضاع النص لسلطة القارئ من جديد, فما بين السرد المباشر والغير مباشر فرق شاسع. ولذلك, جمع المؤلف ما بين هذه الطريقتين في فصول منفصلة عن بعضها البعض, بحيث يبدأ الفصل الأول وكأننا أم نص صغير للغاية يصلح بأن يكون قصة قصيرة, ثم الفصل الثاني يصبح المؤلف مباشرا ويدخل في عمق الأزمة التي حلت بسكان أوكلاهوما.

ثم يتوالى النص الأدبي هكذا إلى نهاية الرواية. السرد المباشر محكوم بأبطال النص والمكان. أما الغير مباشر فيتنوع بطريق مختلفة. في أحد الفصول الغير مباشرة نقرأ حواراً يدور بين شخصيات مختلفة ويصف الحالة النفسية التي غرق فيها هؤلاء الأبطال. ولكم من هم الأبطال؟ لا اسم لهم ولا يوجد تفريق بين بطل وآخر. فيتداخل الحوار مع بعضه البعض ولا يمكن التفريق فيما بينهما إلا في حالة ردة الفعل. وفي فصول أخرى يخرج المؤلف عن نطاق أبطاله ولكن يحكم نفسه بالمكان, فيهاجم بلا هوادة المؤسسات المالية والآلة الميكانيكية. هذا الهجوم قد يقرأه القارئ نثراً غنائياً بديعاً رغم ضراوة الأمر وتحطيمه للفرد, مثل الفصل الخامس الذي أصفه بأحد أفضل فصول الرواية على الإطلاق. هذا الفصل يصف دخول الآلة في المزرعة, فنرى الأرض من خلال لا وعي أحد الأبطال المجهولين وهو يصف التربة التي استوطن فيها الوحش فأصبح يزرع دون أن يقيم علاقة مودة وعطف بين الإنسان والنبات, وبين الإنسان والتربة. وعندما ينمو المحصول ويتم الحصاد فلن يمسك إنسان بقطعة دافئة من طين الأرض, ويترك ترابها ينساب بين أصابعه, البذرة التي لم يمسها إنسان ولم يتلهف على نموها أحد, الناس تأكل ما لم تزرع وليس ثمة ما يربطها بخبزها, والأرض تئن تحت وطأة الحديد, وتحت الحديد تموت ببطء, لأن أحد لم يحبها أو يكرهها, ولا صلى من أجلها أو لعنها.

إيّنانا
22-09-2011, 10:26 PM
يوسف / :

عرض اكثر من رائع للكتب ، بعضها بقائمتي سمعت عنها الكثير ولكن عرضك لها جعلني أطمئن لحسن اختياري . . قراءاتُك مثريه جداً

لكَ من التحايّا أجلها bp039

يوسف
23-09-2011, 09:45 PM
يوسف / :

عرض اكثر من رائع للكتب ، بعضها بقائمتي سمعت عنها الكثير ولكن عرضك لها جعلني أطمئن لحسن اختياري . . قراءاتُك مثريه جداً

لكَ من التحايّا أجلها bp039

حياك الله إيّنانا .. وشكراً لقراءتك هنا
جزيل التقدير.

يوسف
04-11-2011, 01:27 AM
https://lh4.googleusercontent.com/-Pt5uYG7tNxc/TrMGAGPAUhI/AAAAAAAAAi4/_oj1vBopuxQ/s500/good%252520will.jpg



Sean: Thought about what you said to me the other day, about my painting. Stayed up half the night thinking about it. Something occurred to me... fell into a deep peaceful sleep, and haven't thought about you since. Do you know what occurred to me?
Will: No.
Sean: You're just a kid, you don't have the faintest idea what you're talkin' about.
Will: Why thank you.
Sean: It's all right. You've never been out of Boston.
Will: Nope.
Sean: So if I asked you about art, you'd probably give me the skinny on every art book ever written. Michelangelo, you know a lot about him. Life's work, political aspirations, him and the pope, sexual orientations, the whole works, right? But I'll bet you can't tell me what it smells like in the Sistine Chapel. You've never actually stood there and looked up at that beautiful ceiling; seen that. If I ask you about women, you'd probably give me a syllabus about your personal favorites. You may have even been laid a few times. But you can't tell me what it feels like to wake up next to a woman and feel truly happy. You're a tough kid. And I'd ask you about war, you'd probably throw Shakespeare at me, right, "once more unto the breach dear friends." But you've never been near one. You've never held your best friend's head in your lap, watch him gasp his last breath looking to you for help. I'd ask you about love, you'd probably quote me a sonnet. But you've never looked at a woman and been totally vulnerable. Known someone that could level you with her eyes, feeling like God put an angel on earth just for you. Who could rescue you from the depths of hell. And you wouldn't know what it's like to be her angel, to have that love for her, be there forever, through anything, through cancer. And you wouldn't know about sleeping sitting up in the hospital room for two months, holding her hand, because the doctors could see in your eyes, that the terms "visiting hours" don't apply to you. You don't know about real loss, 'cause it only occurs when you've loved something more than you love yourself. And I doubt you've ever dared to love anybody that much. And look at you... I don't see an intelligent, confident man... I see a cocky, scared shitless kid. But you're a genius Will. No one denies that. No one could possibly understand the depths of you. But you presume to know everything about me because you saw a painting of mine, and you ripped my fucking life apart. You're an orphan right?

يوسف
06-11-2011, 03:12 PM
أعرف بأن هناك من يرفض أن يتحدث الإنسان عن نفسه. هذه مثالية غير محببة كما يقال. يجب أن يتحدث الإنسان عن نفسه, يهاجمها, ويعنفها, وينتقدها, ويحبها, ويشيد بها. يجب أن ينتقدها أكثر من أي أحد آخر, ويجب أن يحبها ويقدسها أكثر من أي شيء آخر. الحب الذي يخرج منك لن يتوقف في مرحلة معينة عند حدود العقل, بل يمتدد ويتشعب إلى مناطق أخرى من هذا العالم. ترتبط مع الآخرين رغم المسافات والأزمان. الماضي لا يعود أبداً. عبارة لا أعرف من قائلها وماذا كان يقصد حين قالها. يفضل الإنسان دوماً أن ينظر للماضي إما لإستلهام ذكريات أو التعلق بالأطلال. مجرد تعلق ليس إلا. طوال السنوات الست الماضية التي كنت أكتب فيها في مكتبة الإقلاع: أنا مدين لكل من كان سبباً في قيام يوسف من جديد. ومدين ليوسف. هذا الإنسان الجميل الذي غيّر حياتي بشكل كليّ, حين اكتشفت المجال الذي استطيع أن أبدع فيه. أنا مدين ليوسف الذي لم يكن يستطيع أن يكتب سطرين متوازنين. مدين ليوسف بالكثير. أقول يوسف لأن يوسف هو ذرة مني. وليس هو الأساس. كنت على اعتقاد بأن يوسف هو الأكبر, وكاتب هذه السطور تحت سطوة يوسف وتحكمه. شكراً لك يا يوسف. أحبك وأقدرك وأحترمك, لكن يجب أن تعرف بأنك ذرة مني, ذرة صغيرة, لم تكن تعرف شيئاً, وأنا من خلقتك وصنعتك وكونتك بالصورة التي كنت أحلم بها. هل نجحت أم أخفقت؟ لست أنا من يحكم على ذلك, لكن يكفيني أني ممتلئ بالرضا والسعادة. بأني كنت عامل مؤثر في مجالي ولو لفترة قصيرة.

أن تكون مؤثراً ولك رأي, هذا يعني بأنك موجود في هذا العالم ولست شيئاً على الهامش. حين تقرأ, لا يجب أن تتوقف عند حدود الكتاب, يجب أن تهاجم وتنتقد وترحب وتشيد, بل حتى وتسخر منه, يجب أن يكون لك رأي, حتى لو رأيك مختلفاً عن البقية, لا يعني هذا بأنك استثنائي أو كائن مختلف عن الآخرين. ليست الأكثرية على حق دائماً, وليست الأقلية بضعف. وحين تكون قارئاً لا يجب أن تغتر بنفسك. هذا الغرور الذي يأتي ويحدثك بأنك تعرف والآخرين لا يعرفون شيئاً. فرب شخص لا يقرأ يستطيع أن يفرض احترامه و رأيه دون أن يقرأ كتاباً واحداً في حياته. القراءة ليست هي الأساس. لكنها عامل مؤثر وكبير جداً يستطيع أن ينقل الفرد من حال إلى آخر.

إلى كل الذي تصادفت معهم هنا تحديداً مذ بداية تأسيس المكتبة حتى الآن. وإلى كل الذين كنت ألتقيت بهم والسبب هذه المكتبة, وإلى كل الأصدقاء الذين تشاركنا وإياهم حب الكتب والقراءة: لا أعرف ماذا أقول, إذ صداقتنا لم تنتهي, لكني مدين لكم بالكثير. تعرفت على أصدقاء هنا أتمنى لو يعودوا ولو دقيقة. وتعرفت على أصدقاء لي الشرف أن أتقابل معهم كل أسبوع. شكراً جزيلاً لكم.

أما الأرصفة ..المكان الذي احتضن قراءاتي وكتاباتي ويومياتي: لقد كنتِ لفترة طويلة الملاذ الآمن لي. عندما تجتاحني حمى كتابة, وهوس قراءة, لا أجد إلا هذا المكان الذي يستطيع أن يتقبلني. شكراً للأرصفة ولمن قرأ في الأرصفة وشارك صاحبها حب هذا المكان.

آن لهذه الرحلة أن تتوقف هنا. يجب أن انهض من جديد. يجب أن اواجه الإستحقاقات التي عليّ وتأخرت في مواجهتها. هذه ليست النهاية, لكنها ربما تكون البداية.

سبحانك اللهم وبحمدك
أشهد ألا إله إلا أنت
أستغفرك وأتوب إليك.

A.M.S.B
06-11-2011, 06:06 PM
: )

بالتأكيد هذه ليست النهاية، أنا فقط هنا لأقول أني مدين لهذ اليوسف بالكثير، بأكثر مما أتاح لي الوقت إفصاحه والتعبير عنه، كنت أتمنى لو كانت تقاطعاتنا أكثر وأطول ، لكن تكفي معرفتك كصديق قريب دائماً مهما بعدت
لك الود والتقدير الذي تعرفه

بَـهـيّ
06-11-2011, 06:14 PM
< صاحب الأحمر

لليل أحبك
07-11-2011, 02:26 AM
.


والمكتبة تدين لك بالكثير, الكثير يايوسف ياكريم
وأنا أدين لك, لليل تدين لك كما نهى شخصيا تدين لك bp039

يغلق بناء على طلب صاحبه _ عفا الله عنه :( _

.